انقضت 4 أيام على الحادث ولارا لازالت في المستشفى، تعاني من غيبوبة. وقف يوسف أمام باب غرفتها يشاهدها من خلف الزجاج، عيناه ضعيفين. شعره أشعث، لحيته غير مرتبة، وكذلك ملابسه. وقف زياد يرقبه بضعف وبجواره نور. نظر زياد إلى سارة الجالسة على أحد المقاعد القريبة تمسك مصحفًا صغيرًا تقرأ منه القرآن. جلس زياد إلى جوارها وقال بصوت حاول أن يبدو هادئًا:
"أعتقد يا سارة، جه الوقت اللي نخلي خلافات الماضي على جنب. أنتي شايفة الأولاد متعلقين ببعض إزاي. إن شاء الله لارا تقوم بالسلامة ومفيش حاجة تفرقهم. مش هنخلي غلطة عملناها زمان تضيع حبهم." صمتت سارة بألم ولم تستطع أن تمنع دموعها المنهمرة وقالت بصوت مبحوح: "بنتي بتروح مني يا زياد."
اقتربت منهما نور، ورغم الخلافات والماضي الأليم إلا أن بداخلها قلب أم لم تستطع أن تقسو وهي ترى أمًا أخرى قلبها ينفطر على ابنتها. اقتربت من سارة ووضعت كفها على كتفها تضغط عليه لتطمئنها وهي تهمس: "إن شاء الله يا سارة هتقوم بالسلامة وهنفرح بالأولاد." مالت سارة برأسها على كتف نور وهي تبكي بإنكسار: "أنتي فاهمة يا نور معنى أني أشوف بنتي قدامي في الحالة دي. حاسة أن قلبي هيقف من خوفي عليها. مش هستحمل يجرالها حاجة."
كانت عينا يوسف معلقتين على لارا من خلف الزجاج حين هتف: "لارا بتتحرك... حركت إيديها." دخل الطبيب غرفة لارا، ومن ثم تبعه يوسف والجميع. جلس يوسف إلى جوار لارا وأمسك بيديها. فتحت عيناها ببطء ونظرت إلى وجهه نظرة لم يفهمها. نقلت عيناها بين الواقفين جميعًا، كانت تنظر بشرود حين قطع يوسف الصمت وهو يضغط على يديها: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي." سحبت يدها من يديه بذعر وصاحت: "أنت مين؟ نظرت إلى والدتها الواقفة خلف يوسف وصاحت:
"مين ده يا ماما؟ مين الناس دي؟ أنا فين؟ بابا فين؟ اتسعت حدقتا يوسف ونظر إليها بألم. شعر بأن قلبه قد توقف للحظة، لا يصدق ما سمعه للتو، لارا لا تتذكره! كيف؟ همس لها يوسف بضعف: "أنا يوسف يا لارا... يوسف حبيبك." اعتلى الذعر ملامح لارا وصرخت مبتعدة عنه: "أنا معرفكش... الحقيني يا ماما." ابتعد يوسف في ألم، تراجع إلى الخلف خطوات حتى اصطدم بوالده الذي كان يقف على مقربة منه. ضمه زياد إلى صدره وهمس:
"كل حاجة هتبقى كويسة إن شاء الله يا ابني. خليها على الله." خرج يوسف من الغرفة وتبعه والده ووالدته. صاح يوسف في ألم: "مش فاكراني أنا بس يا بابا... افتكرت مامتها عادي. معقول بالسهولة دي نسيتني؟ بكت نور رثاءً لحال ابنها، بينما حاول زياد أن يحافظ على هدوئه وهو يربت على كتف يوسف: "استنى بس يا يوسف نشوف الدكتور هيقول إيه." خرج الطبيب بعد دقائق من غرفة لارا وتبعته سارة، والتف حوله الجميع. فقال الطبيب
بصوت ثابت وكأنه إنسان آلي: "الحالة اللي هي فيها فقدان جزئي للذاكرة. مش حالة تقلق، بتحصل أحيانًا مع الحوادث اللي زي دي، خصوصًا أنها كانت في غيبوبة لفترة. هتسترجع ذاكرتها مع الوقت. المهم أنها ترجع لروتين حياتها الطبيعي. تقابل الناس اللي في حياتها زي ما كانت حتى لو مش فاكراهم، ده هيساعدها أنها تسترجع الذاكرة أسرع. بكرة إن شاء الله هكتبلها على خروج."
قال الطبيب كلماته وانصرف. لم يستطع يوسف أن يكبح دمعة فرت هاربة من عينيه. كيف في ثانية أصبح غريبًا بالنسبة لحبيبته؟ حب عمره، فقدها بهذه البساطة، لا تعرف من هو، لا تعرف بوجوده في حياتها، لا تشعر بما يعانيه من أجلها. كانت وحدها من تستطيع أن تلمس قلبه، تشعر بهمومه دون أن يتحدث، والآن عليه أن يواجه فقدانها وحيدًا، كيف يشكو إليها منها؟ كيف يسترجعها؟
كيف استطاعت أن تنسى حبهما، ذكرياتهما معها، كيف محته من ذاكرتها، وهل محته من قلبها أيضًا؟ *** جلست حياة في غرفتها، تنظر من النافذة بشرود وهي تمسك كوبًا من الشاي في يدها تستمد منه الدفء حين رن جرس هاتفها. نظرت إلى الشاشة المضيئة باسم فارس. أمسكت الهاتف وحاولت أن تسيطر على تلك الرجفة التي أحاطت بقلبها، وبنبرة هادئة أجابت: "ألو." أتاها صوته القوي واثق من الطرف الآخر: "إزيك يا حياة."
ابتسمت حياة لا إراديًا حين سمعت صوته. حاولت أن تسيطر على نبرة صوتها وتخفي حماستها: "الحمد لله بخير. أنت عامل إيه يا فارس؟ أجاب بنبرة حاول فيها إخفاء توتره: "أنا بخير. حبيت بس أطمن عليكي. رجلك بقت أحسن دلوقتي." لم تستطع حياة أن تمنع ضحكة فلتت منها وقالت بمرح: "فارس دي رابع مرة تتصل تطمن على رجلي في الأسبوع ده بس." توتر فارس لكنه همس بثقة: "أعمل إيه؟ بدور على حجة عشان أتكلم معاكي بيها." ابتسمت حياة بمرح:
"هو أنت شايف إنك محتاج تلاقي حجة عشان تكلمني؟ كنت فاكرة إننا أصحاب وممكن نتكلم عادي." ساد الصمت بينهما لحظات، وبعدها جاءها صوته الدافئ: "عارف. بس حسيت إني محتاج مبرر أكلمك بيه عشان متبقاش مكالمتي غريبة." همست حياة: "وليه تبقي مكالمتك غريبة؟ أردف بصوت حنون دافئ: "عشان ببقى عاوز أكلمك طول الوقت، ولما بنتكلم مش ببقى عاوز أقفل." شعرت حياة بقشعريرة سرت في جسدها من كلماته، لكنها قالت بنبرة هادئة:
"طيب أنا سامعاك، قول اللي عاوز تقوله." صمت لبرهة، ثم همس: "طيب قوليلي يومك كان عامل إزاي؟ ضحكت حياة: "يعني متأكد إنك عاوز تعرف يومي كان عامل إزاي." قال بنبرة واثقة: "عايز أطمن عليكي. ويمكن عايز بس أسمع صوتك." ازدادت دقات قلب حياة. صمتت وهي تحاول أن تسيطر على صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط رقصًا على دقات قلبها. لكنه همس مرة أخرى: "حياة." بعد محاولاتها للسيطرة، خرج صوتها هادئ وهي تهمس: "نعم." قال بنبرة متوترة:
"ممكن متقفليش." قالت بصوت مرح: "أنا مكنتش هاقفل أصلًا." ضحك بخفة: "خلاص خلينا نتكلم سوا." ابتسمت وهي تقول بنبرة مرحة: "عايز تتكلم في إيه يا فارس؟ ضحك: "أي حاجة وكل حاجة." ظلا يتحدثا على الهاتف حتى منتصف الليل. وتكررت أحاديثهما بشكل شبه يومي. يتحدثان سويًا عن كل شيء وأي شيء. ***
مضى أكثر من أسبوع على خروج لارا من المستشفى. مكالماتها معه جافة، قلبه يعتصر كلما سمع صوتها الهادئ وهي لا تتذكره. أخبرها بما كان بينهما، علمت بالمشكلة التي كانت بين أهلها وأهله. وافقت والدتها على الخطبة أخيرًا. لكن لم يكن يوسف سعيدًا بهذا الخبر. كان يتمنى أن تتذكره لارا أولًا قبل أن يقدم على هذه الخطوة.
جلست لارا في الكافيه المجاور لمنزلها. كانت قد اعتادت على مقابلة يوسف فيه منذ أن عرفته، والآن يوسف يجبرها على أن تلقاه فيه. تشعر لارا بالألفة للمكان ولا تعرف السبب. تشعر بالأنس لوجود يوسف معها. تشعر بسكينة قلبها بجواره رغم أنها لا تتذكره. اقترب يوسف منها وهي تجلس بشرود تام. سحب مقعدًا وجلس إلى جوارها. انتبهت أخيرًا لوجوده. قال بصوت يمتزج فيه الحب بالألم: "وحشتيني."
لم تجبه كما اعتادت. تغيرت كثيرًا منذ الحادثة، لم تعد معه تلك الطفلة التي تتعلق به كوالدها. اكتفت بابتسامة هادئة ردًا عليه. نظر إليها مطولًا قبل أن يمد يده في جيب سترته ويخرج منها شيئًا. مد يده إليها ففتحت يدها فوضع فيها سلسالًا من الفضة ينتهي بقلب صغير. همس لها بألم: "فاكرة دي؟ قلبتها في يدها مطولًا ولم تعقب، فأردف يوسف:
"أول هدية جبتهالك. كان أول عيد ميلاد ليكي وإحنا مع بعض. كنتي فرحانة بيها أوي، وقولتي مش هتقلعيها من رقبتك أبدًا. تنهد يوسف تنهيدة حارة ثم أردف: ادوهالي في المستشفى يوم الحادثة ومن ساعتها وهي في جيبي. فاكراها؟ قلبت لارا السلسال في يدها قبل أن تلفه حول عنقها وهمست: "أنا حاسة السلسلة شكلها مش غريب عليا. حاسة إن اللي أنت بتقوله أنا مريت بيه بس مشوش في تفكيري." ابتسم يوسف رغم المرارة التي تحيط بقلبه:
"كان بينا حاجات كتير أوي. أنا مستعد أحكيهالك كلها بس تفتكريني." أبعدت لارا عينيها عن عينيه وهمست بحزن: "أنا حاسة إني مقصرة في حقك ومش عارفة ليه، حاسة إني جارحاك إني مش فاكرة، بس غصب عني فعلًا مش فاكرة. حاسة بحاجة ناحيتك بس مش عارفة أفسرها. بحس بألفة وأنت جنبي. بس مش فاكراك." أمسك يوسف بيدها بين كفيه وهمس بحنان: "مش مهم يا حبيبتي. متضغطييش على نفسك هتفتكري مع الوقت." ابتسمت لارا. أغمضت عينيها كمن تحاول
أن تتذكر وهمست بصوت خافت: "يوسف." ابتسم يوسف واقترب منها وهمس بأمل: "افتكرتي حاجة؟ هزت رأسها: "مش عارفة بس... يوسف لما بتمسك إيدي مبحسش إنك ماسك إيدي. بحس إنك ماسك قلبي. فاهم حاجة." اتسعت ابتسامة يوسف: "بدأتي تفتكري أهو. أنتي عارفة إنك كنتي دايما بتقوليلي كده. وقولتيها دلوقتي بعفوية لإنك افتكرتيها." ابتسمت لارا بارتباك. هتف يوسف: "يلا عشان أوصلك."
قامت لارا معه، جلست بجواره في السيارة ولا إراديًا مدت يدها تدير مشغل الأغاني. ابتسم يوسف لفعلتها العفوية ولم يعقب. دقائق مرت عليهم في صمت، لكن حين اشتغلت أغنيتهم المفضلة في الراديو، نظرت لارا إلى يوسف بعينين لامعتين: "أنا حاسة إني عارفة الأغنية دي." ابتسم يوسف بألم: "أنتي بتحبي الأغنية دي." حركت لارا رأسها: "مش بس بحبها. أنا حاسة إني سمعتها كتير. الأغنية دي ليها علاقة بيك؟ بينا؟ أردف يوسف بنفس الابتسامة:
"الأغنية دي أغنيتنا المفضلة، دايما كنا بنسمعها سوا. كل مرة كنت باشوفك فيها كان لازم تشغليها، كنا بنغني معاها في العربية زي المجانين." هزت لارا رأسها وهمست: "حسيت إن الأغنية دي ليها ذكري عندي أنا مش فاكراها، بس حساها في قلبي." لم يستطع يوسف أن يمنع نفسه أكثر من ذلك، هتف بضيق: "لارا. إحنا حاربنا كتير عشان حبنا، وأنا مستعد أحارب عشانك لآخر عمري. أهلنا أخيرًا وافقوا على الخطوبة. أنتي رأيك إيه؟ اهتز صوته بتوتر وهتف:
"أنا عارف إنك مش بتحبيني دلوقتي. بس أنا متأكد إني أقدر أخليكي تحبيني تاني وتالت زي ما أنا بحبك. اللي بينا أكبر من إنك تنسيه بالسهولة دي." ترقرق دمعة بين مقلتي لارا: "يوسف. أنا حاسة ناحيتك بمشاعر أنا مش فكراها. أنا متلخبطة. إزاي أكون بحب شخص وأنا مش فاكرة أي حاجة بينا. بس أنا موافقة إننا نحاول. موافقة إننا نتخطب." أمسك يوسف يديها وطبع قبلة حانية على باطن كفها وهمس:
"وأنا أوعدك يا حبيبتي هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تفتكري." *** التقى يوسف ومالك على إحدى المقاهي كما اعتادوا دائمًا. من بعد الحادث وعلاقتهم متوترة، موت شادي نزل كالصاعقة عليهما، وكذلك مرض لارا شغل يوسف كثيرًا عن مالك. أخذ يوسف رشفة من كوب الشاي وصاح في مالك بفتور: "مش عايز تقولي فيك إيه؟ هز مالك رأسه بالنفي وهو يعبث بهاتفه المحمول: "مفيش." نفذ صبر يوسف وصاح: "أنت مخبي إيه؟
قولي. طيب بلاش أنا. البنت الغلبانة اللي بتحبك وأنا متأكد إنك بتحبها بتخبي ليه يا مالك؟ قام مالك من مكانه بهدوء. صاح به يوسف مجددًا: "أنت رايح فين؟ مش قاعدين بنتكلم." همس له مالك بصوت ضعيف: "هاروح الحمام و أرجعلك." أمسك يوسف بمعصم مالك: "لأ هتقعد لحد أما نخلص كلامنا. مش هاسيبك تهرب يا مالك. أنا ضاع مني صاحب ومعنديش استعداد يضيع مني واحد تاني." حاول مالك أن يفك قيد يد يوسف لكنه فشل. تكلم بهدوء:
"سيبني يا يوسف أرجوك. 5 دقايق و هارجعلك." أحكم يوسف قبضته على يد مالك: "مش هاسيبك غير أما أفهم. جميلة وبتنكر حبها، ورفضت تتبرع بالدم لـ لارا. فهمني في إيه. أنا خايف عليك يا مالك." لم يستطع مالك أن يصمد أكثر من ذلك ولفظ ما في جوفه على الأرض. ذهل يوسف حين رأى مالك يتقيأ دمًا. اتسعت حدقتا يوسف وهتف بذعر وقلق حقيقي: "مالك. أنت كويس؟ قال مالك بضعف وخذي وهو يحاول أن ينظف نفسه: "أنا آسف. قولتلك سيبني 5 دقايق." ناوله
يوسف محرمة وهو يقول بقلق: "فيك إيه يا صاحبي؟ جلس مالك بوهن: "أعتقد عرفت دلوقتي مقولتلهاش إني بحبها ليه. عشان مش عايز أشوف في عينيها النظرة اللي في عينيك دلوقتي. أقولها بحبك وبعدين؟ بدل ما أفرحها أحزن عليا! بدل ما أمسك إيديها وأقولها بحبك، تمسك إيدي وأنا باخد الكيماوي. بدل ما أكون سندها وضهرها تسندني هي وأنا خارج بعد الجلسة عشان مش قادر أقف على رجلي!
هو ده يبقى حب يا يوسف. أنا بعيد عنها لمصلحتها. بعيد لأني فعلًا بحبها من كل قلبي. وأعتقد أنت فهمت دلوقتي أنا مكنش ينفع أتبرع بالدم ليه، والكدمة اللي على إيدي كانت من إيه." صمت يوسف لحظات من الذهول يحاول أن يستوعب ما سمعه للتو من مالك صديق عمره. حاول أن يتمالك نفسه وهمس بضعف: "طيب مقولتش ليه يا مالك. أنا كنت فاكر إننا إخوات وأصحاب." ابتسم مالك بمرارة: "مكنتش هتفرق." صاح يوسف: "لأ هتفرق. تفرق إنك متشيلش ده كله لوحدك."
تنهد مالك بألم: "أنا لما عرفت كنت خايف. مكنتش فاهم أوي. أنت عارف بابا وماما اتوفوا بنفس المرض في سنة ورا بعض. حتى أنس أنا مقولتلوش غير من قريب، لما عرفت واتطمنت إن نوع الكانسر اللي عندي ممكن يتعالج، هحتاج عملية لاستئصال الورم كمان شهر وإن شاء الله بعدها الدكتور هيحدد." قام يوسف من مكانه وربت على ظهر مالك: "إن شاء الله تقوم بالسلامة يا صاحبي. بس برضه أنت غلطان إنك تخبي عليا حاجة زي دي." ابتسم مالك بمرارة:
"اديك عرفت أهو. بس من فضلك يا يوسف أنا مش عايز حد يعرف." ابتسم يوسف وقال مازحًا محاولًا تخفيف وطأة الحوار: "وخصوصًا حبيبة القلب. شوف كنت عارف والله إنك بتحبها يا واطي." ابتسم مالك: "أهو أنت فضلت تضغط عليا لحد أما اعترفتلك إني بحبها." ضحك يوسف: "المهم تعترفالها هي." خفتت ابتسامة مالك: "لو قمت من العملية إن شاء الله." يوسف: "متقولش كده يا مالك. إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتقولها وتتجوزوا."
حاول مالك تغيير دفة الحوار ليخفي الألم والقلق الذي بداخله: "ولارا عاملة إيه دلوقتي؟ تجهم وجه يوسف وتنهد بحرقة: "لسة مش فاكراني يا مالك. بتفتكر حاجات بسيطة لما بفكرها بيها. قلبي واجعني أوي. بس الحمد لله وافقة إننا نعمل خطوبة." مالك رأسه وقال بصوت هادئ: "خطوة كويسة إنها وافقة على الخطوبة. واحدة واحدة وإن شاء الله تفتكر كل حاجة." ضحك يوسف بمرارة:
"مش عارف ليه أنا لازم أحفر في الصخر عشان أكون معاها. أهلي شوية وأهلها شوية ودلوقتي هي." ابتسم مالك: "الحب مش سهل يا روميو." ابتسم يوسف بدوره: "عندك حق." *** جلست لارا بجوار يوسف في السيارة، متحمسة لاختيارها فستان لحفل الخطوبة. لا تعرف لماذا تشعر بسعادة حقيقية بداخل قلبها رغم أنها لا تتذكر الكثير عن يوسف. توقف يوسف بجوار إحدى الكافيهات، نظرت له لارا بتعجب فهمس: "هننزل نشرب حاجة قبل ما نكمل طريقنا."
توجه يوسف نحو طاولة بعينيها، وجلس في مكان محدد وكذلك أجلس لارا في مكان بعينيه. ابتسم وهو يغمز للنادل فوضع أمام لارا طبقًا به قطعة من الحلوى ومكتوب بجوارها بالشوكولاتة "بحبك".
شعرت لارا بوخزة في قلبها، رفرفة عجيبة انتابت قلبها الصغير. أغمضت عينيها تحاول ترتيب أنفاسها التي بدأت تتزايد وبدأت ترى صورًا من الماضي. ذكريات مع يوسف. يوم اختبار في الجامعة. يوم وفاة والدها. وذلك اليوم الذي أتى بها إلى نفس المكان التي تجلس به الآن ليعترف لها بحبه. فتحت لارا عينيها ونظرت إلى يوسف وهمست بارتباك: "أول مرة قولتلي بحبك كان هنا صح؟ لمعت عينا يوسف: "افتكرتي؟ أومأت رأسها بالإيجاب:
"صور مشوشة. بس ده اللي حصل. صح؟ أمسك يوسف يدها وهمس: "بحبك يا لارا." ابتسمت لارا بارتباك وخجل وكأنها تسمعها من يوسف لأول مرة. اتسعت ابتسامة يوسف واقترب منها أكثر بسعادة واضحة على صوته: "زي أول مرة قولتلك بحبك، نفس رد الفعل." بابتسامة لطيفة همست لارا: "مش يلا عشان نلحق نشتري الفستان. كده هنتأخر." دخلت لارا إلى إحدى المحال التجارية. توجه يوسف إلى أقرب مقعد وجلس وهو يهتف:
"اشمعنى منسيتيش ترددك ده مع الحاجات اللي نسيتيها." ضحكت لارا وهي تعقد يديها: "أنت كمان مش عاجبك." هتف بمزاح: "تعبت يا حبيبتي. ده عاشر محل ندخله ومفيش حاجة تعجبك." أشارت له بيدها: "خلاص خلاص. المحل هنا شكله فيه حاجات حلوة." غابت لارا لدقائق تتنقل بين الفستانين المرصوصين بعناية، جاءت تحمل اثنين في كلتا يديها إلى يوسف. "حلو؟ " قالتها لارا وهي تشير بالفستان إلى يوسف. نظر لها يوسف بابتسامة: "قيسيه يا حبيبتي ونشوف."
جلست إلى جواره وتنهدت: "ما هي دي المشكلة. أنا طول عمري بحب البينك ونفسي ألبس فستان بينك منفوش. بس مش عارفة ليه حاسة من جوايا إن مفروض أختار الموف. حاسة كأني اتفقت مع نفسي ألبس موف في اليوم ده. فاهم حاجة." ضحك يوسف ومال على أذنها: "متفقة معايا يا حبيبتي تلبسي اللون ده." نظرت له لارا بعدم فهم، فأردف:
"أنتي عارفة إن بحب اللون الموف، وأنتي بتحبي البينك. كنا نتخانق، فـ اتفقنا هتلبسي موف في الخطوبة وهاسيبك تدهني الحيطة في أوضة النوم بتاعتنا بينك." نظرت له لارا وعقدت حاجبيها: "وأنت كنت عاوز أوضة النوم ندهنها إيه؟ أبيض؟ ضحك يوسف وهو يميل برأسه عليها: "بيئة أوي الأبيض فعلاً." ضحكت لارا حتى دمعت عيناها. بينما يوسف ظل شارداً يشاهد ضحكتها التي اشتاق لها طوال الأيام الطويلة الماضية.
سكتت ضحكتها عندما لاحظت نظرة يوسف لها. حاول أن يتدارك ارتباكها فقال: "ها هتختاري أنهي واحد فيهم، لسة هنشتري البدلة." رفعت كتفيها في حركة طفولية: "إحنا متفقين على الموف، عشان أنا مش هاتنازل عن أوضة نوم بينك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!