الفصل 19 | من 39 فصل

رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اميرة احمد

المشاهدات
20
كلمة
2,636
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

في الصباح، فتحت جميلة عينيها ببطء تغالب النعاس، وجدت أمامها وجه مالك، ملامحه ساكنة، يداه تلتفان حول خصرها بقوة وكأنه يخشى أن يفقدها. ابتسمت وهي تمرر أناملها على عظام فكه وتتأمل ملامحه، تراقب صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام. شعر بها مالك، دون أن يفتح عينيه قال بصوت ناعس مبحوح: صباح الخير يا حبيبتي. همست له: صباح الخير. صحيتك؟ فتح عينيه ببطء، نظر لها بابتسامة وهمس: هو في أحلى من أني أصحى ألاقيكي جنبي.

ابتسمت بسعادة وقالت: أنا بجد مش مصدقة أني هنا. جنبك. تأمل ملامحها بصمت والابتسامة تعلو وجهه دون أن يعقب. همت أن تقوم من السرير وهي تهتف: عارف. دايماً كنت بحلم أني أعملك كل حاجة بنفسي. هقوم أحضرلك الفطار. همس لها وهو يجذبها لحضنه مرة أخرى: هششششششش. ضحكت وهي تدفن رأسها بين صدره: خلاص يا مالك صحينا. وضع قبلة مليئة بالمشاعر بين شفتيها وقال: مش مستعد أصحى دلوقتي.

دفنت رأسها أكثر في صدره، تستشعر بدفء أنفاسه ودقات قلبه، وكأنه عالمها الذي تحلم به من سنوات. دقائق مرت وهي بين أحضانه، يعبث بخصلات شعرها بين أصابعه، تحسس وجهها وقال: أنتي أخيراً هنا. ابتسمت له: ومش ناوية أروح مكان تاني. أبعد رأسه عنها قليلاً وقال: تحبي تفطري إيه؟ نظرت له جميلة بعينين لامعتين وقالت بمرح: أنا مراتك، وماما قالتلي الزوجة الصالحة تعمل لجوزها الفطار كل يوم. ضحك مالك: بس النهاردة أنا اللي هعملك الفطار.

رفعت حاجبها بمشاكسة: لأ. ضمها إلى صدره مرة أخرى وقال: خلاص نعمل الفطار سوا. بس خليكي في حضني شوية. أومأت رأسها دون أن تتكلم. همس وهو يضع قبلة على رأسها: مبسوطة؟ أغمضت عينيها، أخذت نفس عميق وامتلأ صدرها برائحة عطره وقالت: أوي.

بعد دقائق، قام مالك ببطء وتوجه إلى المطبخ. يرتدي قميص قطني أبيض اللون وبنطال بيتي مريح، بينما قامت جميلة بنشاط ترتدي منامة قصيرة من الستان الأبيض وشعرها مرفوع للأعلى بإهمال، وقفت عند مدخل المطبخ المفتوح على غرفة الاستقبال تشاهد مالك بابتسامة وهو يخرج الأطباق بعناية، ويبدأ بتجهيز الفطور. انتبه لها أخيراً فهتفت بمرح: اتفقنا هنحضر الفطار سوا، يلا قولي أساعدك إزاي؟

اقترب منها، أمسك بخصرها، وبخفة أجلسها فوق إحدى وحدات المطبخ وهمس وهو يضع قبلة على وجنتها: خليكي بس جنبي.

وضع مالك البيض في وعاء على النار ليسلقه، بينما في نفس الوقت يضع بعض أنواع الجبن في الأطباق، يجهز الخبز، يقطع بعض الخضروات والفاكهة، ويضع الماء في الغلاية لعمل الشاي، وجميلة جالسة فوق المطبخ تشاهده باستمتاع وتحرك قدميها في الهواء بمرح، وبين الحركة والأخرى عندما يمر مالك بجوارها يضع قبلة سريعة على شفتيها، كان يتحرك بخفة ونشاط والابتسامة تملأ وجهه.

أخيراً انتهى من تجهيز الفطور، وضعه على طاولة الطعام وأشار لجميلة بمرح وهو يحملها لينزلها على الأرض مرة أخرى: على فكرة ده هيبقى أحلى فطار هتاكليه في حياتك. احفظي اللحظة التاريخية دي. ضحكت جميلة: علشان دي أول وآخر مرة هتعمل فيها فطار؟ اقترب منها مالك، ضمها من ظهرها. وضع وجنته على وجنته وهمس: لأ، علشان ده فطار معمول بحب، فلازم طعمه يبقى مختلف. ابتسمت جميلة وهمست: ده حرفياً معمول بحب.

جلست جميلة مع مالك على طاولة الطعام يتناولان الفطور، كانت عينا جميلة تراقبه بصمت وهو بين الحين والآخر يضع لقمة في فمها بحب، كانت لا تصدق السعادة المحيطة بها من كل جانب وكأن الكون قد تقلص فلم يعد هناك سوى مالك وجميلة ويحاوطهما الحب.

جلس فارس في غرفته في المساء يفكر، مستلقي على سريره عيناه شاردتان والأفكار تدور في ذهنه، دخلت عليه والدته تحمل صينية فوقها كوب من الشاي وبعض من الكيك، وضعتها على الطاولة بجواره وربتت فوق كفه بحنان فأخرجته من شروده وقالت بنبرة دافئة تماماً كنبرة فارس: بتفكر في إيه يا حبيبي. انتبه فارس لها، وقال والابتسامة ترتسم على وجهه: مفيش يا ماما. بالي بس مشغول علشان السفر. ابتسمت سما وقالت: بتخبي عليا من إمتى يا فارس؟

طول عمرنا أصحاب وبتحكيلي على كل حاجة. تنهد فارس وقال: بس مش كل حاجة ينفع تتحكي يا ماما. اقتربت منه سما وقالت: انت فاكرني مش عارفة ولا مش هفهم. حاول فارس أن يتصنع الغباء على والدته فقال: مش عارفة إيه يا ماما، هو في حاجة أصلاً؟ صمتت سما قليلاً وهي تنظر إلى عيني فارس وقالت: بتحبها يا فارس؟ ابتسم فارس وهتف بمرح: دايماً فكساني كده.

بجدية هتفت سما: فارس انت ابني، أنا قضيت عمري كله باربي فيك أنت وأخواتك، عارفة عنكوا كل حاجة حتى اللي متعرفهاش عن نفسك. بس انت مجاوبتنيش بتحبها. تنهد فارس بهدوء وهمس بنبرة ضعيفة: بحبها. ضحكت سما وهي تضربه بخفة على ذراعه: والله كنت عارفة. طيب فين المشكلة. بعينين حزينتين نظر إليها فارس وهو يرى انعكاس صورته في عينيها التي تلونت بلون اسمها وقال: طريقنا مش واحد يا ماما. هي مش عايزة تسافر.

سما: وأنت قولتلها وهي قالتلك مش عايزة تسافر معايا، وحتى لو هي مش عايزة تسافر أخطبها دلوقتي، واتجوزها بعد ما تخلص دراستك وترجع. توتر فارس وظهر هذا على ملامحه وقال: ماما انتي عارفة أني ممكن مرجعش بعد ما أخلص دراسة. ظهر الحزن على عيني سما وهمست: وأهون عليك؟ ده ربنا يعلم الكام سنة اللي جايين هيعدوا عليا إزاي من غيرك، عايز تسافر ومترجعش تاني. أمسك

فارس بكفها بين يديه بحنان: مين قال يا ماما أن السفر حاجة سهلة عليا. أنا برضه مش سهل أبعد عنكوا. بس أوعدك هاكلمك في التليفون كل يوم. وهانزل إجازات كل ما تسمح الفرصة. حاولت أن تمنع سما دمعة ترقرق في مقلتيها، وأدارت كفة الحوار وقالت: طيب خلينا نرجع لحياة. أنت قولتلها أنك بتحبها وهي قالتلك لأ مش هسافر؟ فارس: لأ مقولتلهاش. بس أنا عارف أنها مش عايزة تسافر.

نظرت له سما وقالت: حبيبي. متاخدش قرارات على لسانها. خليك واضح واسألها، وهي من حقها توافق أو ترفض، يمكن هي رافضة فكرة السفر عمتا. بس موافقة تسافر معاك. بعينين مترددتين قال فارس: يعني انتي رأيك كده يا ماما. سما: أيوه طبعاً. خلاص يا حبيبي مفاضلش وقت كتير على سفرك، يبقى يادوب تقولها. ضحك فارس ونظر إلى والدته وقال بنبرة جادة: ماما أنا معرفش رأيك. هو أنتي موافقة؟ عقدت سما حاجبيها وهتفت باستنكار: على إيه؟

بنبرة مرتبكة أجاب فارس: أني أتجوز حياة. أجابت سما: طبعاً يا حبيبي. انت عارف زياد صديق أبوك من الطفولة، ونور صاحبتي، وحياة تقريباً أنا اللي مربياها. اقترب منها فارس وقبل رأسها وهتف: ربنا يخليكي لينا يا ماما. وقفت سما لتخرج من الغرفة، لكن قبل أن تخرج استدارت وهتفت: قولها يا فارس مش هتخسر حاجة، ولو هي رفضت تبقى هي الخسرانة. خرجت سما من الغرفة، لكن صدى كلماتها ظل يتردد في أذن فارس حتى الصباح.

وفي الصباح عزم فارس أمره، وتوجه إلى بيت زياد، قلبه يخفق بشدة حين دق جرس الباب، فتحت له نور بابتسامة بشوشة وأدخلته إلى غرفة الاستقبال. استقبله زياد بحفاوته المعتادة. بعد أن اطمأن فارس على صحته، وراجع مع زياد أدويته، استأذن فارس بأدب أن يجلس مع حياة على انفراد متحججاً أنه يريد أن يراجع معها بعض المعلومات عن دواء يعمل على بحث طبي عنه.

وافق زياد على مضض، دخلت حياة مع فارس غرفة المكتب بارتباك، كانت لا تزال غير معتادة على لقاء فارس وجهاً لوجه، كذلك كانت تشعر بالغرابة لأنه لم يخبرها بقدومه بالرغم من أنه هاتفها في المساء. جلست حياة أمامه تتفادى النظر في عينيه، لكن فارس كسر الصمت بينهما وقال: حياة. أنا بخلص ورقي ومسافر بعد 6 أسابيع. لم ترفع حياة عينيها إليه، بل قالت وهي تنظر في الأرض: ربنا يوفقك.

نظر إليها فارس مطولاً وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، وبعد صمت طويل أخذ نفس عميق وقال: تعالي نتجوز يا حياة ونسافر مع بعض. أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك. ابتسمت حياة بخجل واحمرت وجنتاها، أخيراً رفعت عينيها لتواجهه وقالت بمرح: نتجوز على طول كده. مش في حاجات بتتقال قبل نتجوز دي يا دكتور. عقد فارس حاجبيه يحاول أن يستوعب معنى كلماتها، صمت قليلاً

ثم قال: كنت فاهم أنك عارفة. ولو مش عارفة أني بحبك ومستنية إني أقولها. فأنا بحبك يا حياة. احمرت وجنتا حياة أكثر حتى صارت بلون الدم، حاولت أن تسيطر على نفسها بصعوبة ولا تزال تتفادى النظر بين عيني فارس، اقترب منها فارس أكثر وهمس: لو موافقة أنا مستعد أخرج دلوقتي أطلب إيدك من أونكل زياد. وأجهز لك ورقك ونسافر سوا نبتدي حياتنا هناك. أخيراً رفعت حياة عينيها لتواجه فارس، نظرت إلى عينيه وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت

بنبرة حاولت أن تبدو واثقة: أنا مش موافقة يا فارس. مش عايزة أسافر وأسيب أهلي. تجهمت ملامح فارس، صمت قليلاً يستوعب صدها وحدتها. ثم هتف متسائلاً: مش موافقة على الجواز ولا مش موافقة على السفر؟ همست بنبرة ضعيفة: مش موافقة على السفر. مش سهل يا فارس أسيب كل حاجة ورايا وأسافر. أنت شفت بنفسك حالة بابا الصحية عاملة إزاي. كان كويس وفجأة تعب. أنا مش هاستحمل أن ده يحصل وأنا بعيد عنهم.

زفر فارس بحدة: أنا مش فاهم يعني إيه موافقة على الجواز ومش موافقة على السفر؟ عايزاني أتجوزك وأنتي تعيشي في بلد وأنا في بلد تانية؟ فركت حياة أصابعها بتوتر: لأ يا فارس. بس أنا مش مستعدة أسيب كل حاجة ورايا وأروح بلد جديدة معرفش فيها حد، فكر أنت في السفر تاني. فارس: قولولي يا حياة انتي عايزاني بجد؟ يعني اللي أنا حسيته من ناحيتك ده صح ولا أنا كنت موهوم؟ همست حياة

بعينين متلألئتين بالدموع: أنا كنت فاكرة أنك عارف اللي أنا حاسة بيه كويس يا فارس. بس الموضوع ملوش علاقة بيك. أنا مش عايزة أهاجر. أنت بنفسك بتقول مش سنة ولا سنتين وراجع. أنت مسافر ومش راجع تاني. قام فارس من مكانه بغضب وقال: بس أنا والسفر حاجة واحدة، مفيش حاجة اسمها عايزاك ومش عايزة أسافر معاك. انطلق فارس خارجاً من الغرفة بغضب بينما دفنت حياة وجهها بين كفيها وبدأت تبكي.

أمسكت حنين هاتفها بتردد، عبثت بين الأرقام المسجلة في هاتفها واتصلت بجميلة، مع أول جرس أتاها صوت جميلة مليء بالسعادة وصاحت: أخس عليكي يا حنين. كل ده متتصليش بيا؟ ضحكت حنين: قولت أسيبك شوية يا عروسة. على صوت ضحكة جميلة: خلاص بقى مبقتش عروسة. بقالنا أسبوعين. حنين: وحشتيني يا صاحبتي. جميلة: طمنيني عليكي؟ عاملة إيه؟ همست حنين: الحمدلله. أنتي عاملة إيه؟ ومالك عامل إيه؟ قالت جميلة بامتنان وسعادة

حقيقية ظهرت في نبرتها: مبسوطين قوي الحمدلله. قالت حنين بنبرة مرتبكة: الجواز حلو يا جميلة؟ جميلة: غريبة أن انتي تسألي السؤال ده. يعني أقصد أنتي متجوزة من فترة. ارتبكت حنين: أ.. أقصد يعني أنك تتجوزي الراجل اللي بتحبيه. ابتسمت جميلة: أحلى حاجة في الدنيا. صمتت حنين ولم تعقب، فأردفت جميلة: حنين. ممكن أسألك على حاجة؟ حنين: أكيد. جميلة بنبرة مرتبكة: أنتي لسه بتحبي شادي؟ صاحت حنين بحدة وكأنها تنفي عن نفسها تهمة: لأ.

جميلة: أنا مقصدش والله أفكرك باللي حصل. بس أقصد نسيتي شادي؟ همست حنين بضعف: لأ منسيتش. ربنا يسامحه. جميلة: طيب وعمر؟ طبعاً معيشك في سعادة ومخليكي حتى مش بتتصلي بينا. حنين: عمر. مفيش إنسان زيه بجد. كفاية إنه مستحمل. صمتت حنين، فقالت جميلة بخفة: انتي منكودة عليه ولا إيه؟ لو بتنكدي أديني دروس علشان أعرف أنكد على مالك كويس. ضحكت حنين: حرام عليكي. مالك ميستاهلش منك نكد. قالت جميلة بنبرة جادة: وعمر اللي يستاهل؟

صمتت حنين قليلاً ثم قالت: عمر يستاهل واحدة أحسن مني. واحدة تقدر تسعده. تكون له زوجة وأم لأولاده. تعجبت جميلة من كلمات حنين فقالت: ليه يا حنين؟ أنتي مش ناوية تجيبي أولاد ولا إيه؟ بدأت دموع حنين تنهمر على وجنتيها وقالت بصوت مختنق بالدموع: مش قادرة. مش قادرة أكون له زوجة. صاحت جميلة: حنين!! انتي... مسحت حنين دموعها سريعاً وكأنها أدركت للتو ما قالتها: جميلة معلش أنا لازم أقفل دلوقتي علشان أشوف عمر. هارجع أكلمك تاني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...