رن هاتف حنين للمرة الثالثة على التوالي، رقم غير مسجل في سجل هاتفها. ترددت كثيرا قبل أن تضغط على زر الهاتف وتجيب. قالت بتردد: ألو. جاءها صوته عبر الهاتف يهمس في حنان: وحشتيني يا حنين. شهقت في تعجب: شادي!!! همس بتردد: ممكن متقفلش الخط. خرجت منها تنهيدة حارة: أنت عارف مينفعش نتكلم. قال بإغواء: يعني أنا موحشتكيش؟ تنهدت حنين وقالت بحدة: لأ موحشتنيش. ومن فضلك متكلمنيش تاني. أنت عارف خطيبي لو عرف هيعمل إيه؟
ضحك بسخرية: هيعملي إيه؟ هينزل من السعودية مخصوص عشان يضربني؟ ازداد توتر حنين وهتفت بعصبية: ابعد عني يا شادي. قال بضعف: مش قادر. حنين أنتِ مش عارفة أنتِ عندي إيه. أنا لما شوفتك النهاردة كنت هاتجنن. صمت وهو يستمع لصوت أنفاسها يتصاعد على الجانب الآخر، ثم همس بضعف: أنا لسه بحبك يا حنين. مسحت دمعة فرت من عينيها سريعا وقالت بحدة تتنافى مع ما تشعر به
من مشاعر حب وحنين تجاهه: أنا مش لعبة في إيدك. أنت اللي اخترت إننا نبعد. متلومنيش أنا دلوقتي. همس بألم وهو يجاهد كلماته لتخرج من حلقه: مبسوطة معاه؟ تنهدت وقالت محاولة إثارة حنقه واستفزازه: جداً. صاح بحدة وصوت عالٍ: أنت مش هتتجوزيه. أنتِ سامعة. مش هتتجوزي حد غيري يا حنين. جاهدت وهي تتصنع البرود في صوتها: أنا كنت قدامك. متجوزتنيش ليه؟ ترقرق دمعة
في عينيه وهمس بصوت ضعيف: أنتِ عارفة ظروفي. أنا مقدرش أتجوزك دلوقتي. أنتِ مش قادرة تفهمي يعني إيه يبقى عندي 24 سنة وأنا اللي باصرف على البيت. أمي وإخواتي مسؤولين مني أنا. أجي أقول لباباكي إيه؟ بحب بنتك بس مش هاقدر أصرف عليها؟ على نحيبها على الجانب الآخر من الهاتف: أنت حتى محاولتش. لو كنت جيت بابا كان هيقف جنبك ويساعدك. عاد إلى الحدة مرة أخرى وصاح: أنتِ مستنتيش. محستيش بيا. سبتيني مع أول عريس. تكلمت
بنبرة توحي بالقوة وصاحت: أنت المفروض تقبل الوضع الحالي وتبعد عني يا شادي. احتراماً للصداقة اللي كانت بينا 4 سنين. أنا بقولك اهو ابعد عني. ضحك بسخرية: صداقة! حب 4 سنين يا حنين. ومش هاسيبك تروحي مني. ثم همس بصوت كالفحيح: أنتِ بتاعتي.
سار الرعب في أوصالها وتذكرت كابوس الليلة الماضية. سارعت وأغلقت الهاتف في وجهه. دفنت وجهها في وسادتها وبكت. تذكرت الماضي. أهلها يضغطون عليها لتتزوج بابن عمها. وشادي يقف مكتوف اليدين. تركها مع أول عقبة واجهتهم. لو كان بقي. لو كان بذل مجهود للحفاظ عليها. لما كانت الآن مربوط اسمها باسم رجل آخر. عمر. ذلك الشهم الرقيق الذي لا يحمل لها سوى كل حب واحترام. تشمئز من نفسها كلما سمعت صوته الحاني. تشعر بأنها تخونه وقلبها لا يزال
متعلقاً بشادي. يفعل عمر كل شيء لإرضائها. لكن لا سلطان على القلب. قلبها أسير شادي. تذكرت حين وقعت عيناها على شادي لأول مرة في مدرجات الكلية. نظرت إليه بتعجب. كيف لشخص واحد أن يجمع كل هذا الكم من الوسامة. نظرت إليه بطوله الفارع وصدره العريض وعضلاته البارزة. محال أن يكون هذا الشاب في التاسعة عشرة من عمره. اقترب منها وتعرف عليها. لم تصدق نفسها أنها هي من لفتت نظره بينما تتهافت الفتيات عليه، وجاء هو ليتعرف عليها.
أغمضت عينيها في ألم. كم تمنت لو أمكنها أن تخرجه من ذاكرتها. لو تمنح عمر بعضاً من الحب الذي يغدق عليها به. لو تمسح من ذاكرتها تلك الأربع سنوات المنقضية. تزاحمت الأفكار داخل عقلها فراحت في سبات عميق.
-وقف يوسف بارتباك أمام الباب. لا يدري هل يدق الجرس أم عليه أن ينصرف. وبخ نفسه بأنه من باب الأدب كان لابد أن يتصل قبل أن يأتي. لكنه خشي لو اتصل لعلم والده بالأمر وامتنع طارق صديق والده المقرب عن الكلام. حاول أن يأخذ نفساً عميقاً قبل أن يدق جرس الباب. لحظات وفتح الباب طفل صغير عمره لا يتعدى الأربعة أعوام وانطلق يجري مرة أخرى. ظل يوسف واقفاً على الباب في توتر لا يدري ما عليه فعله. حتى وجد صياحاً
من الداخل: فريدة. ابنك فتح الباب و سابه مرة تانية. هم فارس أن يغلق الباب لكنه وجد يوسف يقف أمامه. تعجب فارس منه وهتف: إيه ده. واقف على الباب كده ليه يا يوسف؟ تنحنح يوسف بإحراج: خبطت وفي طفل فتح الباب وطلع يجري. ضحك فارس: ده العفريت ابن اختي. تعالي تعالي. جذبه فارس إلى الداخل وهو يسلم عليه ويتلو كل عبارات الترحاب بوجهه البشوش وطبعه المرح: أخبارك إيه يا يوسف وعامل إيه في الشغل؟
ضحك يوسف: والله يا دكتور أنا شغلي بالنسبة لك حاجة رتيبة. بس اهو الحمد لله بشتغل دلوقتي في مركز صيانة لتوكيل عربيات. وكزه فارس في كتفه ممازحاً وهو يجلس على مقعد الصالون: هو أنت كمان هتعاملني كدكتور؟ أنا هنا في البيت ده فارس وبس. انسوا يا جماعة إني دكتور. قهقه يوسف: طبعاً أكيد مطلعين عينك.
فارس: مجنني. تيجي اختي تقولي بص كده ابني طالعله حباية لونها أحمر في إيده الشمال. وأبويا يقولي تعالي بس شوف ضهري ماله مبقيتش قادر أقف. مش معترفين بالتخصص بأي شكل من الأشكال. ضحك يوسف حتى دمعت عيناه: ربنا يعينك. وأخبار الماجستير بتاعك إيه؟ أردف فارس بجدية لكن لازالت على وجهه نفس الابتسامة: والله الحمد لله قربت أخلص. المهم طمني عليك بقالي كتير مشوفتكش وأونكل زياد أخباره إيه وطنط وأختك الضغنونة حياة.
ضحك يوسف: كلهم بخير الحمد لله. بس حياة مبقتش صغيرة خالص. بقت دكتورة حياة. أنت عارف اتخرجت من كلية صيدلة السنة دي واشتغلت في صيدلية جنبنا. تعجب فارس من كلماته: مش معقول. أنا بقالي كتير كده مشوفتهاش. أنت عارف أنا دايماً باشوفك أنت وعمو بس. تنحنح يوسف في حرج: فارس. هو عمي طارق موجود؟ هتف فارس: آه يا حبيبي جوه كان بيصلي. هادخل أبلغه إنك هنا.
هم أن يقف فارس ليخرج من الباب. لكن دخلت أخته فريدة مسرعة تجر في يديها ابنها. ترتدي أسدال صلاة مليء بنقشة الورود الصغيرة وتحمل في يدها معلقة غرف من المطبخ وفوطة وممسكة باليد الأخرى بيد ابنها كمن قبض تواً على حرامي غسيل. وقفت على الباب وصاحت: تعالي يا حبيبي خالو هيشوفك. ثم وجهت كلامها لفارس: الحق يا فارس الولد زوره واجعه أوي مش عارف يبلع حاجة. رمقت يوسف بطرف عينها وهتفت: ازيك يا يوسف. ثم أكملت كلامها
قبل أن يرد عليها يوسف: شوفه يا فارس ليكون كورونا ولا حاجة من الأدوار اللي منتشرة دي. نظر لها فارس في ضيق بينما كتم يوسف ضحكته. صاح فارس: أنا آسف يا ابني على العبث اللي بتشوفوه ده. يا جماعة أنتوا المفروض ناس متعلمة ومثقفة. ودي لدكتور يا حبيبتي. صاحت فيه بحدة: أمّال أنت إيه؟ قال فارس بوجه يحمل الجدية: معلش يا حبيبتي. أصل أنا محضرتش المحاضرة بتاعت وجع الزور دي. فا عشان كده متلقينيش عارف أوي فيها.
لم يستطع يوسف أن يكتم ضحكة عالية خرجت منه رغماً عنه، فنظرته له فريدة بازدراء وصاحت في فارس: أنت بتتريق عليا. فارس: أعمل إيه يعني. غلبت أقولكوا أنا التخصصات دي مش بتاعتي. مش طبيب العيلة أنا. جاء والدهما على الصوت وقف بجوار فريدة: فيه إيه يا ولاد؟ قالت فريدة بضيق: ابنك مش راضي يشوف الولد زوره واجعه ليه؟ ربت على كتفها: معلش يا حبيبتي. روحي أنتِ شوفي اللي على النار وأنا هاخليه يكشف عليه حاضر ويكتبله دوا كمان.
دخل طارق إلى الغرفة. سلم على يوسف بحرارة ونظر إلى فارس: يا ابني قولتلك قبل كده خليك زي أبوك وامشي أمورك في البيت ده. عادي بص في بق الواد واديله أي مسكن. قولها شربيه سوايل دافية. أي حاجة مش لازم تتفحص وتعملنا فيها مجدي يعقوب يعني. ضحك فارس: أوعدك يا بابا المرة الجاية. عشان لازم أروح العيادة. صاح طارق: لأ دلوقتي. أنت هتنزل وهي هتاكل دماغي. أنت عارفها طالعة لأمها. ادخلها المطبخ وقولها شربيه ينسون 3 مرات في اليوم.
خرج فارس حانقاً، بينما توجه طارق بكلامه ليوسف: ازيك يا يوسف عامل إيه. وزياد مجاش معاك ليه؟ ولا كبر ومبقاش قادر ينزل من البيت. توتر صوت يوسف لكنه حاول أن يتمالك نفسه سريعاً: الحقيقة أنا جايلك لوحدي ومش عاوز بابا يعرف إني جيت. أنا عارف يا عمو إنك أقرب صاحب لبابا وزي الأخوات ومتربيين مع بعض من زمان وتعرفوا كل حاجة عن بعض. أنا جيت عشان أسألك سؤال واحد بس هعرف إجابته وأمشي على طول. تغيرت ملامح طارق
لجدية غير معهودة عليه: خير يا يوسف في إيه؟ حاول يوسف أن يستجمع كل شجاعته وهتف: هو كان فيه إيه بين بابا وطنط سارة بنت خالته؟ رد طارق بنفس الجدية: ليه عايز تعرف حاجة زي دي؟ جاءت نبرة يوسف مليئة بالحدة: عشان أنا عاوز أتجوز لارا بنتها وبابا مش موافق. ومش راضي يقولي ليه. تنهد طارق: بص يا يوسف. أنا ضد إنهم يخبوا عليكوا. بس للأسف مش من حقي إني أقولك. ثار يوسف: أعتقد على الأقل من حقي أفهم ليه بابا رافض إني أتجوز اللي بحبها.
نظر له طارق قليلاً في صمت. ثم كسر الصمت متسائلاً: أنت عرفتها إزاي؟ ابتسم يوسف: كانت معايا في الجامعة. أصغر مني بسنة. أخرج يوسف هاتفه وناوله لطارق بابتسامة: دي صورتنا مع بعض. نظر طارق إلى الصورة وهمس: دي شبه سارة جداً. ثم نظر ليوسف وغمز بعينيه: حلوة يا ولد. ذوقك حلو. ضحك يوسف: ما أنا مش عارف أتوزاها أهو. نظر له طارق بتأمل وللحظة شعر كأنه يرى زياد أمامه في صغره. كان يوسف يشبه زياد كثيراً في الملامح.
ابتسم له طارق: بتحبها؟ ابتسم يوسف وكأنه يرى لارا أمامه: بموت فيها. ضحك طارق: أنت مش بس طالع شبه زياد. أنت زيه في كل حاجة. لم يفهم يوسف معنى كلام طارق. لكن طارق أردف: أنت ملكش ذنب أنت وحبيبتك في الماضي يا يوسف. أنا هاتكلم مع زياد وهاقنعه يوافق. بس أنت عارف أبوك دماغه ناشفة زي الحجر. اتسعت ابتسامة يوسف: بس عارف برضه غلاوتك عنده وإنه مش بيرفضلك طلب. ابتسم له طارق بدوره: ربنا يقدم اللي فيه الخير.
انصرف يوسف وقلبه يخفق بشدة. يتمنى أن يستطيع طارق حل اللغز وإقناع والده بالموافقة على الزواج. بينما طارق بمجرد أن خرج يوسف من المنزل. أمسك هاتفه واتصل بزياد. ومجرد أن اتاه صوت زياد قال: زي ما اتوقعت. يوسف لسه ماشي من عندي دلوقتي. تنهد زياد: كنت عارف إنه هيلجألك. بس أوعى تكون قولتله حاجة يا طارق.
طارق: مقولتش حاجة. بس أنت لازم تقوله هو مش صغير. أنا من الأول ضد إنكم تخبوا على الأولاد حاجة زي دي. مش حاجة عيب ولا حرام عشان تخبوها. زياد: أنت عارف دي كانت رغبة عصام الله يرحمه وأنا احترمتها. وهو برضه عنده حق إن الأولاد ميعرفوش. يعني هيقول لبنته إيه؟ قال طارق: أنت مش من حقك ترفض سعادة ابنك. متبقاش أناني يا زياد. قوله الحقيقة. مش يمكن سارة نفسها اللي ترفض. اخفض زياد
صوته وهو يقول بصوت هامس: أنت عارف نور حساسة للموضوع ده إزاي. مبتطقش تسمع اسمها. أقوم أخليها تشوفها وتقعد معاها. لأ ونبقى عيلة واحدة نتجمع في المناسبات والأعياد! دي يجرالها حاجة فيها. ضحك طارق: والله يا روميو محتاج تسيطر على جوليت أكتر من كده. الكلام ده لما كنت صغير. الموضوع عدى عليه عمر. زفر زياد: أنا عارف. بس هي مش قادرة تتقبل الموضوع حتى بعد العمر ده كله. هي مش غيرة بس هو وجع جواها عمرها ما اتخطته.
قال طارق بضيق: أنت مدلعها أوي يا زياد. طيب على الأقل قول ليوسف الحقيقة واديله سبب مقنع للرفض. تنهد زياد: حاضر. أنهى زياد مكالمته مع طارق. ووجد يوسف يفتح باب المنزل ويدلف إلى الداخل في صمت. وعلامات الحزن وخيبة الأمل بادية على وجهه. نادى عليه زياد. توجه إليه يوسف بوجه وجل: نعم يا بابا. اقترب منه زياد وربت على كتفه: استنى متغيرش هدومك. هالبس وانزل أنا وأنت نقعد نتكلم في أي مكان شوية.
دقائق وكان يقف زياد بسيارته أمام إحدى المقاهي. دخل زياد وتبعه يوسف. جلسا كلاهما على طاولة منعزلة. ساد الصمت بينهم لحظات حتى تكلم زياد: عايز تعرف كان فيه إيه بيني وبين سارة يا يوسف؟
نظر يوسف إلى وجه أبيه. أول مرة يرى هذا الانكسار في عينيه. كان دائماً والده مصدر القوة له وللبيت بأكمله. كيف أصبح بهذا الضعف فجأة. كان يتعجب من شموخ والده والآن يجلس أمامه كطفل صغير يشعر بالخزي من أفعاله. تغلب يوسف على أفكاره وأومأ رأسه بالإيجاب. تنهد زياد وقال بضعف بصوت كله خزي: أنا كنت متجوز سارة. صعق يوسف مما سمعه للتو. قال وهو يكذب أذنيه: كنت خاطبها يعني قبل ما تتجوز ماما؟ نظر
زياد إليه بعينين كلها ألم: لأ. كنت متجوزها لمدة سنتين. كانت مراتي وكنت عايش معاها في بيت واحد. الشقة اللي أنا اديتهالك. وضع يوسف يده على فمه من الصدمة ونظر لوالده بعينين كلها غضب: كنت متجوز على ماما؟ ثم صاح يوسف فجأة: بابا أوعى تكون لارا أختي! ضحك زياد رغماً عنه: لا اطمن مش أختك. أطرق زياد برأسه بعيداً كمن يحاول أن ينسى الماضي الأليم
وقال وهو يسترجع الماضي: نور كانت جارتي. بحبها من يوم ما عرفت الحب. بحبها قبل حتى ما أعرف يعني إيه حب. وهي كمان كانت بتحبني زي ما بحبها ويمكن أكتر. مكنتش أتخيل أبداً أي حاجة غير إني أما أكبر أتجوزها. كنت باعمل كل حاجة عشان أكون معاها وجدير بيها. لحد ما جه اليوم اللي كلمت جدك الله يرحمه عشان أتجوزها. رد عليا وقالي إنها مش موافقة. مكنتش فاهم. دي بتحبني. إزاي مش موافقة؟
حاولت أكلمها كتير مكنتش بترد عليا. كان جوايا غضب كبير من ناحيتها. كنت شايف وقتها إنها كانت بتخدعني بحبها. حسيت بالغدر. عماني الغضب. وفي لحظة متهورة قررت أتزوج. دورت في اللي أعرفهم. كنت عارف إن سارة معجبة بيا. طلبت أيدها ووافقت. وفي ظرف كام شهر كنت متجوزها. عشت معاها بس قلبي كان مع نور. ظلمت سارة كتير لأني مقدرتش أحبها. مكنتش بعاملها كويس وكنت مهملها. وهي من كرم أخلاقها كانت مستحملااني. عمرها ما اشتكت مني ولا من جفاي
معاها. لحد ما جه يوم وحسيت إني مش هاقدر أفضل شايل ذنبها أكتر من كده وأنا عايش معاها وقلبي مع واحدة تانية. اقترحت عليها الطلاق ووافقت بسهولة. لأن اللي بينا مكنش جواز وحياة طبيعية. بعدين سافرت كام سنة ولما رجعت اتجوزت أمك. غفرتلي كل حاجة. غفرت إني بعدت عنها. إني كنت متسرع. وإني اتجوزت من سارة. بس عمرها ما قدرت تنسى. حجم الوجع اللي كان في قلبها لما أنا اتجوزت سارة. كان أكبر من إنها تنساه حتى بعد مرور حوالي 30 سنة على
جوازي من سارة.
ذهل يوسف مما سمعه للتو، لكنه جاهد أفكاره ونطق أخيراً: وماما ليه موافقتش تتجوزك؟ وبعدين رجعت وافقت. تنهد زياد وهو يعتدل في جلسته: عشان أمك مكنتش رافضة في الأول أصلاً. جدك ربنا يرحمه ويسامحه هو اللي رفض عشان. صمت زياد وابتلع ريقه ثم أردف: مش مهم تعرف الباقي. المهم أنت عرفت أنا رافض ليه. احتد يوسف وهتف: بابا من فضلك بلاش ألغاز وقولي الحكاية كاملة.
زفر زياد وقال بألم: عشان ابن عمي واللي كان صاحبي وقتها راح طلب من جدك إنه يتجوز نور. قبل ما أنا أكلمه ومن غير ما أنا أعرف. دلوقتي أنت عرفت كل حاجة. صمت يوسف قليلاً: دي حاجة متتصدقش. قصة ولا حكايات ألف ليلة وليلة. وضع زياد كوب القهوة من يديه ونظر إلى يوسف: أعتقد دلوقتي عرفت أنا ليه مش موافق. أمك عمرها ما سامحتني إني اتجوزت سارة وسبتها. هي عدت الموضوع. بس أنا عارف حجم الوجع في قلبها قد إيه.
تنهد يوسف: طيب وخبيتوا علينا ليه؟ نظر له
زياد بحزن دفين في عينيه: بعد ما اتجوزت نور. سارة اتجوزت عصام. كنت باتعامل معاها عادي. حتى عزمتني على فرحهم. لكن في يوم بعد ما اتجوزوا اتفاجأت بعصام بيكلمني. كان إنسان خلوق جداً ومحترم. قالي إنه بيعشق سارة. وإنه مش حابب إنه يكون موجود في مكان أنا وهي نبقى موجودين فيه مع بعض. لأن ده بيخليه مش مرتاح وهو شايفني وعارف إني. إني كنت متجوز مراته. قالي إنه طلب من سارة متجيبش سيرتي تاني. وطلب مني إن محدش تاني يعرف إننا كنا متجوزين لأن ده بيشعره بالحرج. قالي يومها إن سارة حامل. ومش معقول ابنه أو بنته يبقوا عارفين أمهم كانت متجوزة واحد تاني. وأنا اديته كلمتي يومها واحترمت رغبته.
رفع يوسف عينيه في عين والده وقال بحدة: وأنا ولارا إيه ذنبنا في حدوتة حبك الفاشلة دي؟ أحنى زياد رأسه في خزي: أنا عارف يا حبيبي إن مالكوش ذنب. الغلط غلطي من الأول. أنا اللي غلطت لما اتجوزت سارة زمان. وبادفع تمن غلطتي لحد دلوقتي. سكت يوسف قليلاً، ثم انفجر ضاحكاً: أنا مش مصدقك يا بابا. أنت كنت متجوز طنط سارة القمر دي وسيبتها عشان ماما. بابا أنا شفت صورة ليها مع لارا، هي لسة موزة لحد دلوقتي.
رفع زياد حاجبه باعتراض: يا ابني أمك في عيني أحلى ست في الدنيا. سارة جميلة ومهتمة بنفسها. بس أنا معرفتش أحبها لأن قلبي متعلق بنور من يوم ما شفتها. بعدين أنا لازم أخليك تبطل تقعد مع طارق لأنك أخدت الوقاحة منه. ضحك يوسف: بابا بجد. أنت عارف إن كل اللي شاف لارا بيقول إنها شبه مامتها. اتسعت ابتسامة زياد حين رأى الحب داخل عيني يوسف وهتف: طيب ما توريني صورة لارا.
اتسعت حدقتا يوسف من السعادة وأخرج هاتفه سريعاً وناوله لوالده. كانت صورة الخلفية للهاتف صورة تجمع بين يوسف ولارا. جالسان جنباً إلى جنب. ينظر يوسف لها بكل حب. بينما ضحكتها الواضحة من الصورة أنها ضحكة من القلب تملأ وجهها بسعادة. نظر زياد إلى الصورة طويلاً وابتسم وهو يعطي الهاتف ليوسف مرة أخرى وهمس: بتحبها؟ نظر يوسف إلى والده بعينين مليئة بالحب وأومأ رأسه بالإيجاب.
تنهد زياد: أنت عارف إني مش معارض جوازكم لشخصها. بالعكس. أنا عارف سارة ومتاكد من تربيتها. أقدر أتخيل تربيتها لبنتها عاملة إزاي. بس مامتك يا يوسف. قاطعه يوسف مترجياً إياه: بس أنت تقدر تقنعها يا بابا. طول عمرك كلمتك بتمشي علينا كلنا من غير أي اعتراض من أي حد فينا. ليه المرة دي يا بابا واقف ضد سعادتي. زفر زياد زفرة حارة
كادت أن تحرق ما أمامه: عشان المرة دي موقفي حرج. هاجرح قلب حد فيكوا. قلب ابني ولا قلب حبيبتي. بس أنت صغير يا يوسف. راجل تقدر تفهم وتتحمل. إنما نور ضعيفة. قلبها ميستحملش كسر. بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هاتكلم معاها وأحاول أقنعها. ابتسم يوسف: بابا أنا عارف إنك هتقدر تقنعها. أنت تأثيرك زي السحر عليها.
ضحك زياد: أنا ببقى كتكوت قدام نور. مبقدرش على زعلها أبداً. أول ما أحس إن في حاجة في الدنيا ممكن تزعلها بحس بوجع في قلبي. بس اديني فرصة ووقت وأنا هحاول. قام يوسف من مكانه واحتضن والده وهو يهمس: ربنا يخليك لينا يا بابا. والله أنتوا لو عرفتوا لارا هتحبوها أوي. ضحك زياد: كفاية أنت بتحبها.
-عادا كلاهما إلى المنزل وهما يشعران بارتياح شديد. يستشعر يوسف الأمل لحصوله على موافقة والده أنه سيستطيع أن يجعل قلب أمه يلين وتوافق على زواجه من لارا. بينما زياد يشعر بالارتياح لأنه أخرج شبح الماضي ويتعامل معه الآن. يعلم أنه إذا ضغط على نور ستوافق على زواج ابنهما من ابنة سارة. لكنه لا يريد أن يحصل على موافقتها بالضغط. يريد رضاها.
دخل يوسف إلى غرفته. أمسك هاتفه. أخذ يبحث في جهات الاتصال المسجلة عنده. لحظات وأتاه صوت مالك على الطرف الآخر. ما إن سمع مالك صوته حتى هتف في حماس: عملت إيه؟ رد يوسف بصوت مجهد من كثرة التفكير: عرفت الحقيقة. اللي بجد أغرب من الأفلام والروايات. ضحك مالك: أموت في الدراما. احكيلي. قص عليه يوسف ما عرفه للتو من والده. كان مالك يستمع إليه بإنصات ويؤازره في بعض الأحيان ويتعاطف معه في أخرى. حتى انتهى يوسف من قص ما حدث معه.
فهتف مالك: بس هو السؤال. باباك بيحب مامتها؟ ضحك يوسف: بقولك سابها عشان يتجوز ماما. مكنش بيحبها أصلاً. مالك: طيب يبقى كده خلاص سهلة. طالما مفيش مشاعر بينهم يبقى الموضوع سهل. صمت يوسف قليلاً ثم قال كمن تذكر شيئاً: بس عارف المشكلة فين؟ الشقة اللي المفروض بابا وافق إني أتجوز فيها. دي اللي كان متجوز فيها قبل كده. ضحك مالك: بلاش الشقة دي لتكون شؤم. واضح إن الحاج مكنش ليه أمجاد فيها.
قهقه يوسف: يا عم اتجوزها أنا بس حتى لو في خيمة وهاكتب أنا التاريخ متقلقش. ضحك مالك حتى دمعت عيناه ثم هتف: بقولك إيه. أنس أخويا بيزن عليا أروح أقعد عنده في الغردقة أسبوع. فا كنت بفكر نطلع رحلة كلنا. نقول للجروب كله ونسافر سوا نفصل كام يوم. وتبقى حجة ظريفة أقعد بيها في فندق بدل ما أقعد مع أنس في البيت وأتقل عليه. لمعت عينا يوسف: تبقى فكرة حلوة أوي. وطبعاً جميلة أول واحدة هتقولها.
ضحك مالك: قولتلها أصلاً قبل ما أقولك. وهي زمانها بتكلم البنات تظبط معاهم دلوقتي. قال يوسف بغيظ: وتقولي مش بتحبها. اعترف يا مالك بتكلمها كام مرة في اليوم؟ ابتسم مالك: مش عارف. بس يعني كل كام ساعة. ضحك يوسف بسخرية: كل كام ساعة!! أنت عارف أنا بكلم لارا مرتين في اليوم، وتقولي مبتحبهاش. ده أنت بتموت فيها كمان. تنهد مالك بضيق، فهو يعلم في قرارة نفسه أن يوسف على صواب، لكنه يرفض أن يعترف حتى أمام نفسه بذلك. لكنه أجاب منافياً
لإحساسه: مبحبهاش يا يوسف. إحنا أصحاب وبس. يوسف: خلاص يا عم متضايقش. المهم شوف حجز الأوتيل وأنا معاك. وبقولك إيه نقول لشادي؟ زفر مالك: جميلة أكيد هتقول لحنين. بس خلينا نقوله. هما لازم يكسروا الحاجز اللي ما بينهم ده. يوسف: عندك حق. لازم يتعلموا يتعاملوا عادي. خلاص يلا اقفل أنت دلوقتي عشان أكلم لارا أقولها على السفر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!