دخلت حنين مع عمر إلى شقته. وضع عمر حقائب السفر جانباً. وقفت حنين تنظر حولها، كان البيت بسيطاً، صغيراً، لكنه على الرغم من بساطته كان يحمل الكثير من الدفء. وقف عمر خلف حنين وهي تتأمل كل ركن في المنزل، وهمس: "عاجبك البيت؟ ابتسمت: "حلو أوي يا عمر." قال عمر وهو يحمل الحقائب ويتجه نحو غرفة النوم: "معلش هو صغير شوية، مفيش غير أوضة نوم واحدة... فا معلش بقي هتستحمليني أنام جنبك... بس أنا مش باشخر ومش هازعجك خالص."
ارتبكت حنين: "عمر أنت عارف... أنا... يعني... أكيد مش هقولك متنامش في أوضتك." ابتسم وهو يربت على رأسها كالأطفال: "أنا عارف يا حبيبتي... يلا غيري هدومك عشان أنا تعبان ومحتاج أنام... هادخل آخد دوش على ما تغيري هدومك." في المساء، كان البرد قارصاً، وأصوات المطر في الخارج مرعبة. نامت حنين على طرف السرير وأعطت ظهرها لعمر. ضرب صوت الرعد القوي المكان، وأنار البرق الغرفة.
انتفضت حنين في نومها من الرعب، إنها المرة الأولى التي تسمع بها صوت الرعد بهذه القوة. شعر عمر بانتفاضتها. دون أن يفتح عينيه، مد يده من تحت خصرها بحنان، وجذبها إلى صدره. التفتت إليه حنين بسرعة وجهها يقابل وجهه، لا يزال جسدها ينتفض من الرعب، لكنه ضمها إلى صدره بحنان. همس لها بصوت ناعس دون أن يفتح عينيه، وهو يربت على ظهرها ويمرر يده على رأسها: "متخافيش يا حبيبي... أنا هنا... نامي ومتخافيش."
دفنت حنين رأسها في صدره من الرعب. أحكم عمر قبضته عليها وظل يطمئنها حتى غفت بين ذراعيه. في الصباح، فتحت حنين عيناها، وجدت نفسها بين ذراعي عمر الذي نظر إليها نظرة عميقة وبصوت هادئ ردد: "صباح الخير." ابتعدت حنين عنه فجأة، شعرت بالحرج من فعلتها فتمتمت بارتباك: "أنا آسفة على اللي حصل امبارح... أنا بس خفت أوي من الرعد... أول مرة أسمعه يكون قوي أوي كده." نظر لها عمر نظرات كلها ثقة وقال:
"في واحدة تتأسف أنها نامت في حضن جوزها؟ قام من السرير وقال وهو يتجه للحمام: "أنا هاروح السوبرماركت أشتري حاجات للبيت... تحبي تيجي معايا؟ كانت لا تزال يتملكها الحرج والكسوف، أومأت رأسها بالنفي. استعد عمر للخروج، بينما حنين كانت تتفادى أن تتلاقى أعينهما. وقف عمر عند الباب قبل الخروج، التفت إليها وهتف: "عاوزة حاجة معينة أجيبها معايا؟ حركت حنين رأسها بالنفي دون أن تتكلم.
بعد ما يقرب من الساعتين عاد عمر، كانت حنين تقف في المطبخ تعد الطعام. دخل عليها عمر وضع الأكياس أرضاً، واقترب منها. كانت حنين تقطع الخضروات باضطراب حين اقترب منها. اقترب أكثر، حتى وضع ذقنه فوق كتفها. توترت من قربه وأنفاسه الدافئة التي تشعر بها على عنقها. ارتجفت يداها أكثر، لكن عمر مد يديه وأمسك كفيها بكلتا يديه وهو يحركها بالسكين فوق الخضار وقال بنبرة هادئة: "بالراحة.... كده هتعوري نفسك.....
مفيش حاجة تستاهل التوتر ده..... وضع عمر قبلة رقيقة سريعة فوق وجنتها، وابتعد عنها وأخذ يضع المشتريات في أماكنها. بينما ترك حنين خلفه قلبها يدق بعنف، وكأنه يكاد يخرج من صدرها. وبينما هو منشغل في وضع أطباق اللحوم والخضروات في الثلاجة. فتح إحدى الأكياس، وأخرج منها قطعة كبيرة من الشوكولاتة، وتوجه بها ناحية حنين، وضعها أمامها مباشرة وهمس: "لسة بتحبي النوع ده من الشوكولاتة؟ ابتسمت حنين وهي تمد يدها لتأخذها
منه وقالت بصوت متوتر: "عمر.... أنت لسة فاكر؟ اتسعت ابتسامته وهو يناولها الشوكولاتة ويبتعد عنها: "كنت باجيبهالك واحنا صغيرين ولا نسيتي." حركت رأسها وهي تهمس كما لو كانت تحدث نفسها: "هو أنت منسيتش حاجة أبداً؟ ابتسم وهو يربت على كتفها: "مبنساش أي حاجة ليها علاقة بيكي يا حبيبتي." فتحت جميلة باب الغرفة بهدوء، دخلت على مالك المستلقي في سرير المستشفى.
وجهه شاحب بعض الشيء، لازالت الضمادة تحيط بعنقه، مستلقي بملل في السرير وعيناه معلقتان على سقف الغرفة. شعر بها بمجرد أن فتحت الباب، دون أن ينظر لها همس: "اتأخرتي النهاردة." دخلت بتوتر. جلست على المقعد القريب من سريره: "أنا آسفة." نظر إليها مالك نظرة عميقة وهتف: "إيه يا جميلة؟ متغيرة من يوم العملية." ابتسمت بارتباك. منذ أن سمعت اعترافه وهي تشعر بالارتباك بوجوده: "مفيش حاجة." تنهد وقال: "مش عارف...
بس عمرك ما كنتي بتبقي متوترة كده واحنا مع بعض." حاولت أن تداري ارتباكها، ابتسمت وهي تهتف: "انت شكلك القاعدة هنا خليتك زهقان وبتتخيل حاجات كمان... هو أنس راح فين؟ أشاح بنظره عنها وعاد النظر للسقف مرة أخرى وقال بصوت متعب لكنه يحمل بعض المزاح: "أنس راح البيت يجيبلي حاجات... ويوسف لسة في شغله.. وحضرتك اتأخرتي عليا.. طبيعي أزهق." ابتسمت وقامت من مكانها واشارت إليه: "طيب يلا قوم...
مش الدكتور قال إنك لازم تتمشي شوية عشان النوم الكتير كده غلط عليك.... يلا قوم هنقف أنا وانت في البلكونة شوية." قام من سريره بتعب وإرهاق، توجه إلى شرفة غرفته، وقف فيها يتابع السيارات والمارة. بينما أعدت جميلة مشروباً ساخناً لكليهما، ناولته كوبه وهي تهمس: "نتيجة التحاليل هتطلع امتى؟ أخذ رشفة من مشروبه: "الأسبوع الجاي إن شاء الله." امسكت بالكوب بين كفيها، تدوره وكأنها تتأمل قطعة فنية بين يديها، وقالت وعيناها معلقتان
على الكوب بين يديها: "مالك.... أنت مش عايز تقولي حاجة؟ نظر إليها طويلاً قبل أن يقترب منها ويهمس: "شكراً إنك معايا." أشاحت بوجهها عنه وقالت بضيق: "حاجة غير شكراً... نظر لها بعدم فهم: "مش عارف... بس مثلاً إني هاخرج من المستشفى بعد كام يوم! زفرت جميلة بضيق: "ماشي يا مالك." تأملها مالك قبل أن يقول: "جميلة أنا مش فاهم إيه؟ قالت بضيق: "انت لسة بتهرب من إيه يا مالك؟ نظر إلى السماء الصافية وهو يأخذ رشفة من مشروبه:
"أنا بطلت أهرب خلاص." أخذت الكوب من يده وهي تدخل الغرفة مرة أخرى: "ياريت فعلاً تكون بطلت تهرب عشان الموضوع بقى سخيف أوي." وقف في الشرفة يشاهدها وهي تتحرك بتوتر داخل الغرفة، مشى ببطء حتى اقترب منها وأمسك بيدها: "جميلة أنا مش فاهم حاجة... قوليلي انتي إيه اللي محتاج أقوله." أبعدت يده عنها وهي تحمل حقيبتها: "دي الحاجة الوحيدة اللي مينفعش أنا اللي أقولك تقولها يا مالك.... متقولهاش غير لو أنت فعلاً حاسسها...
وأنا متأكدة إنك حاسس بيها، بس مش عارفة ليه مصمم تصعب الأمور بينا." أوشكت على الرحيل، ناداها بصوت ضعيف: "جميلة أنا فعلاً مش فاهم حاجة." خرجت من باب الغرفة وهي تهتف: "لما تبقى مستعد تتكلم ابقى عرفني." جلس مالك على حافة السرير لا يصدق كلمات جميلة، جلس يفكر في معنى كلماتها حتى دخل عليه يوسف بوجهه البشوش وهو يصيح بمرح: "انت شكلك أخدت على القاعدة في المستشفى ومش عاوز تروح البيت صح." نظر له مالك بحيرة: "يوسف...
هو انت قولت لجميلة حاجة؟ انعقدت ملامح يوسف وقال بعدم فهم: "حاجة زي إيه؟ نظر له مالك نظرة حادة: "متستعبطش... انت فاهم كويس أنا أقصد إيه؟ ضحك يوسف: "آه... لأ مقولتلهاش حاجة." ضغط مالك على قبضته بتوتر: "بس من يوم العملية وهي متغيرة معايا... بتتعامل معايا كأنها عارفة إني بحبها." ضحك يوسف بخفة وهو يضع قطعة من الشوكولاتة الموضوعة على الطاولة بجوار مالك بفمه: "طيب ما هي عارفة." تغيرت ملامح مالك:
"هو أنا مش لسة سألك قولت لها قولت لأ." ضحك يوسف: "ما هو مش أنا اللي قولتلها.... أنت اللي قولتلها." نظر له مالك بعينين مرتبكتين: "بس أنا مقولتلهاش." اقترب يوسف وضع يده على كتف مالك وقال بمرح: "انت قولت كل حاجة يا صاحبي وانت في البنج." زاغت نظرة مالك، أبعد يد يوسف الموضوعة على كتفه بحدة: "وانت ازاي يا يوسف تسيبها تدخل عليا وانا في البنج كده.... مفروض كنت خليتها تطلع بره." قال يوسف بمرح:
"انت متعرفش جميلة عملت فينا إيه لما عرفت إنك في العمليات... أغمي عليها يا مالك أول ما عرفت إنك تعبان بس قبل ما تعرف حاجة، وأول ما شفتك خارج من العمليات جريت دخلت معاك الأوضة ومحدش فينا قدر عليها." تنهد مالك وهو يمسح بكفيه على وجهه: "أنا دلوقتي فهمت كل حاجة.... بس انت برضه غلطان يا يوسف." رفع يوسف حاجبه: "غلطان ليه يعني... كنت عايزني أعمل إيه." ضحك مالك: "يعني كنت غلوشت على الموضوع...
خلاص مش عارف تخرجها بره غلوش بقى على الكلام، قولها ميقصدكيش انتي.... أي حاجة." وضع يوسف سبابته على خده باستنكار وقال بمرح: "أغلوش على الكلام إزاي وانت بتقولها بحبك يا جميلة... مفيش مجال إنك متقصدهاش حتى." خفتت ابتسامة مالك وشعر بالحرج الشديد: "يا نهار أبيض... طيب قولت حاجة تاني؟ ضحك يوسف: "معرفش أنا خدت أنس وخرجنا.... البنت وشها أحمر واتوترت أوي." قال مالك بتوتر: "ربنا يستر من اللي ممكن أكون قولته...
بس برضه انت غلطان." ضحك يوسف: "أحسن، عشان قوللتك قولها من بدري... كنت وفرت على نفسك الحرج ده كله." صاح مالك بيوسف: "قوم روح يا يوسف وسيبني أشوف هاتصرف إزاي في الموقف ده." بعد يومين. دخلت جميلة على مالك الغرفة وهي تحمل في يدها علبة طعام، وضعتها على الطاولة بجواره وقالت: "أنا قولت أكيد انت زهقت من الأكل بتاع المستشفى... جبتلك أكل بتحبه." نظر إليها مطولاً قبل أن يقول: "مجيتيش امبارح ليه؟ رفعت كتفيها: "يمكن عشان أوحشك؟
ابتسم مالك بهدوء: "لو كان ده الهدف من إنك متجيش فا متعمليش كده تاني... ممكن؟ تنهدت جميلة، جلست على المقعد المقابل لسريره دون أن تنطق بكلمة. ابتسم لها وهو يقول: "ها جايبة إيه أكل بقى؟ تخلت جميلة عن عبوسها وابتسمت: "عملتلك الباستا اللي انت بتحبها." ضحك وهو يأخذ العلبة من الطاولة ويفتحها: "عملتيها ولا اشتريتيها؟ ضحكت بدورها: "والله أنا اللي عاملاها." صاح بمزاح: "يلا كويس إني كده كده في المستشفى." رفعت حاجبها
وجذبت العلبة من يديه: "مش هتاكل منها حاجة طالما بتتريق على أكلي." ضحك وهو يجذب العلبة منها مرة أخرى: "خلاص أنا آسف.... يلا خلينا نلحق ناكل قبل ما حد من التمريض يشوفنا." تناول مالك الطعام بهدوء، بينما جلست جميلة تتأمله بصمت. حتى انتبه لها فقال بنبرة مازحة: "انتي بتبصيلي في الأكل ولا إيه؟ نظرت إليه بنفس الابتسامة الحالمة وهمست: "لو أقدر... أعملك أكل كل يوم." ضحك وهو يمسح يديه وفمه في المحرمة: "لأ....
أرجوكي أنا عايز أخرج من المستشفى ومارجعش تاني." رفعت حاجبها: "لو كان أكلي مش عاجبك مكنتش خلصته كله.... حتى معزمتش عليا أكل معاك." ضحك وهو يقوم من السرير: "بصراحة الأكل حلو أوي.... بعدين انتي مش جايبالي أنا الأكل ده لوحدي؟ افتعال جميلة الزعل بأسلوب درامي وهي تعقد ذراعيها: "حتى لو لوحدك متقوليش أكل معاك." ابتسم بهدوء: "خلاص متزعليش، أول ما أخرج من هنا هاعزمك على العشاء في المكان اللي تختاريه." ابتسمت جميلة: "موافقة."
انقضى الموعد المسموح للزيارة، لكن جميلة كانت لا تزال تجلس مع مالك في غرفته. اضطجع مالك على السرير وهو ينظر في هاتفه بإهمال، بينما جميلة ارتخت على المقعد المجاور له، تقرأ في كتاب، وتعبث بخصلة من خصلات شعرها فرت هاربة على وجهها. رفع مالك عينيه عن الهاتف، أخذ يتأملها بصمت لدقائق وتركيزها منصب على الكتاب الذي في يدها، حتى تكلم أخيراً جاذباً انتباهها: "مش هتمشي بقى؟ رفعت جميلة عينيها وابتسمت له قبل أن تقول بكل ثقة: "لأ."
بنبرة هادئة، لكنها تحمل الكثير من الحزم أردف: "الوقت اتأخر... أمشي." لا تزال جميلة منشغلة بالكتاب في يدها، رفعت عينيها وقالت بمشاكسة: "انت بتطردني؟ ...... أنا مش هامشي وأسيبك لوحدك." عقد حاجبيه وقال بإصرار: "أمشي يا جميلة... مش هبقى مطمن وانتِ ماشية بالليل لوحدك." تركت الكتاب من يدها، ونظرت إليه مطولاً قبل أن تهتف: "لما أنس ييجي هبقى أمشي." أشاح بوجهه عنها، ثم قال: "أنس في الغردقة.... هيرجع الصبح إن شاء الله."
سحبت وسادة من على السرير وأسندت رأسها إليها على المقعد وهي تهتف: "خلاص يبقى أنا هامشي الصبح لما أنس ييجي... مش هاسيبك لوحدك." عقد حاجبيه وقال بصرامة: "جميلة انتِ اتجننتي؟ مش هتباتي هنا طبعاً.... أنا بقيت أحسن الحمد لله وكلها يومين وهاخرج أصلاً." قامت جميلة من مكانها، وضعت الماء في الغلاية وهي تنظر إليه بزاوية عينها: "تشرب شاي؟ أمسك يدها بصرامة: "جميلة... من فضلك أمشي." نظرت له بمرح:
"انت كل شوية تطردني وأنا ساكتة، بس عمتا هاسهر معاك شوية وبعدين أمشي." ابتسم مالك وهو يصب الماء في الكوب: "خلاص يبقى نشرب اتنين شاي.... بس بشرط تمشي بعد الشاي." ابتسمت جميلة وهي تومئ رأسها بالموافقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!