تحميل رواية «نبضات لا تعرف المستحيل» PDF
بقلم اميرة احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها. دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف: بجد؟ وافقتي؟ هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة. ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها: وأنا؟..... نسيتي أنك بتحبيني؟ رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصو...
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اميرة احمد
داخل غرفة الانتظار أمام غرفة العمليات، جلس يوسف بجوار مالك يحاول بث الطمأنينة فيه، بينما كان أنس واقفًا بالقرب منهما، عاقدًا ذراعيه بصمت، لكن القلق كان واضحًا في عينيه.
نظر مالك إلى يوسف وكأنه يحاول حفظ ملامحه قبل أن يدخل إلى المجهول. كان مستلقيًا على السرير، يرتدي ثوب المستشفى الأزرق، وجهه شاحب لكن عيناه كانتا تحملان هدوء غريب.
ابتسم يوسف بخفة وقال بصوت حاول أن يجعله مرحًا:
بصراحة أول مرة أشوفك لابس أزرق فاتح... مش لايق عليك.
ضحك مالك بهدوء، لكنه شعر بثقل في صدره، ليس بسبب المرض فقط، بل لأنه يدرك أن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة التي يرى فيها يوسف قبل أن يغيب عن الوعي.
اقترب يوسف منه أكثر، وانحنى حتى يكون اقرب له و قال بنبرة حاول ان تبدو واثقة:
مالك... انت هتقوم من العملية دي وهتوجع دماغي تاني ببرودك.
ابتسم مالك، رفع يده بصعوبة وربت على ذراع يوسف، ثم قال بهمس خافت لكنه مليء بالثقة:
لو جرالي حاجة... خلي بالك من جميلة.
تجمدت ابتسامة يوسف، انعقد حاجباه وقال بحدة وهو يمسك بيد مالك:
بطل تتكلم كأنك مش راجع، أنت هتقوم بالسلامة و هتقولها انت بنفسك، و هارقص في فرحكوا و فرح ولادكوا كمان.... صحيح انت قولتلها انت فين الأيام دي؟
قال مالك بصوت ضعيف مليء بالحزن:
انا وجميلة مش بنتكلم من يوم خطوبتك... زعلانة مني.
عقد يوسف حاجبيه:
زعلانه منك.... ده عمره ما حصل... عملت ايه يزعلها يا مالك؟
بنبرة مهزوزة وصوت متحشرج أجاب:
قولتلها تتجوز.
حاول يوسف ان يضفي المرح على الجو المشحون و ضحك:
انت مجنون... بس ملحوقة... اول ما تخرج بالسلامة قولها الحقيقة.
ابتسم مالك نصف ابتسامة حزينة.
أنس، الذي كان صامتًا طوال الوقت، تحرك أخيرًا ليقترب منهما، وصوته كان هادئًا لكنه مشحون بالعاطفة:
أنت هتدخل وهتخرج سليم، مفهوم؟ محدش هنا مستعد يخسرك، وأنا مش مستعد أخسر أخويا، انت فاهم؟
نظر مالك إليه طويلًا قبل أن يبتسم ابتسامة دافئة:
كل شيء وارد يا أنس... بس لو حصلي حاجة.....
قاطعه أنس فورًا، صوته حازم لكنه ارتعش في آخره:
مفيش لو حصل حاجة! هتخرج وهتعيش حياتك مع جميلة وهتقرفنا زي ما بتعمل دايمًا.
ضحك مالك بخفوت، ثم نظر إليهما واحدًا تلو الآخر، ممتنًا لوجودهما وهمس بصوت ضعيف:
هتوحشوني لحد اما أخرج.
قبل أن يستطيع أي منهما الرد، جاءت الممرضة تشير إلى أن وقت الدخول قد حان.
تبادل يوسف وأنس نظرات سريعة قبل أن يربت يوسف على كتف مالك، بينما أمسك أنس بيده للحظة، ضاغطًا عليها كأنه يريد نقل قوته اليه.
أخذ مالك نفسًا عميقًا، ثم تحرك نحو باب غرفة العمليات، لكن قبل أن يعبره، استدار لينظر إليهما للمرة الأخيرة، وعيناه كانتا تحملان كل الكلمات التي لم يستطع قولها. ثم دخل، تاركًا يوسف وأنس في انتظاره.
أمسك يوسف بهاتفه. اتصل بجميلة.
التي كانت تشعر بضيق غريب في صدرها منذ الصباح، إحساس بالخوف يسيطر عليها دون سبب واضح. حاولت أن تتجاهله، لكنها فشلت. منذ أن ابتعدت عن مالك، وهي تشعر أن جزءًا منها مفقود.
لحظات واتاه صوتها التي حاولت ان يبدو مرحا:
ازيك يا يوسف.
لم يستطع يوسف ان يخفي قلقه، لكنه أيضا لم يستطع ان يقول لها الحقيقية، اكتفي بان هتف:
انتي فين دلوقتي يا جميلة؟
- انا مع ليلي بنشتري حاجات.
- طيب هابعتلك لوكيشن ممكن تيجي عليه بسرعة.
بدأ يتسرب القلق إلي نفسها أكثر:
في ايه يا يوسف؟ لارا كويسة؟
ثم توتر صوتها أكتر وهي تهمس:
مالك كويس؟
حاول ان يخفي مشاعره وهمس:
مستنيكي يا جميلة متتأخريش.
دقائق قليلة، وكانت جميلة مع ليلي في المستشفى. خرجت من المصعد امام الممر الطويل، وجدت يوسف و بجواره أنس يقفان في نهايته. توجهت إليهما مسرعة و صاحت بتوتر:
مالك فين؟
تردد يوسف قليلًا، ثم زفر بضيق، نظر إلى عينيها مباشرة وهمس:
مالك جوه في العمليات دلوقتي.
شعرت جميلة بأن العالم يدور من حولها. نظرت له بصدمة وهي تهمس:
عمليات؟! مالك؟!
شعرت بدوار مفاجئ، لم تكن قد استوعبت معنى كلمات يوسف، لكن وقعها علي أذنيها كان اثقل من ان تتحمله. أسودّت الدنيا أمامها وسقطت مغشيًا عليها.
عندما فتحت عينيها، وجدت نفسها على مقعد في المستشفى، ليلي تمسك بيدها وعيناها مليئتان بالقلق.
نظرت جميلة ليوسف بسرعة وقالت بصوت متحشرج:
قولي إن اللي سمعته كان كذب... مالك فيه إيه؟
تنهد يوسف بحزن ثم قال:
مالك عنده سرطان الغدة الدرقية... عارف إنه صعب، بس الحمد لله اكتشفوه بدري، وعمل العملية النهاردة عشان يشيل الورم.
وضعت جميلة يدها على فمها، دموعها بدأت تتجمع في عينيها، قلبها ينبض بعنف و كأنه سيخرج من صدرها و يذهب إلي مالك. لم تسمع شيئًا في حياتها مؤلمًا بهذا الشكل. لماذا لم يخبرها؟ لماذا تحمّل كل هذا وحده؟ كيف استطاع أن يدفعها بعيدًا وهو يمر بكل هذا الألم؟
صاحت بألم من بين دموعها:
ازاي ميقوليش... وانت يا يوسف تعرف ومتقوليش.... هو فين دلوقتيه
همت أن تقف لكن خانتها قواها، شعرت بدوار عنيف مرة أخري. أجلستها ليلي وهمست:
امسكي نفسك شوية يا جميلة... حاولي تهدي.. وانا هاروح اشوفلك عصير او حاجة تشربيها.
في ممر المستشفى الطويل، كانت خطوات ليلى سريعة، كانت تحمل كوب العصير لجميلة، تحاول أن تتمالك نفسها بعد ما حدث لصديقتها. لكنها توقفت فجأة عندما رأت أنس يقف خارج غرفة العمليات، ملامحه جامدة، لكن يديه المرتجفتين وهو يمررهما بين خصلات شعره كانت كافية لتكشف عن توتره.
اقتربت منه ببطء، قبل أن تلاحظ أن أنفاسه تتسارع بشكل غير طبيعي، وعيناه معلقتان بالأرض دون تركيز.
وضعت كوب العصير على الطاولة القريبة، ونادته بحذر:
أنس؟
لم يرد، كانت أنفاسه تتلاحق وكأن الهواء يضيق من حوله، كأنه يحاول أن يستعيد السيطرة على نفسه لكنه يفشل.
وضعت ليلى يدها على ذراعه وهمست له بصوت قوي:
أنس، بصلي.
رفع عينيه أخيرًا إليها، لكنها كانت نظرة زائغة، وكأن الخوف قد سيطر عليه بالكامل. قالت بنبرة حادة:
مالك هيبقي كويس... هيقوم بالسلامة.
لم يرد. فقط أخذ خطوة للخلف مستندا إلى الجدار خلفه، واضعًا يده على صدره كأنه يحاول كتم ارتجافه قلبه. فهمت ليلى في لحظة أنه لم يكن مجرد قلق طبيعي، بل نوبة هلع.
أغمض عينيه، محاولًا استعادة تحكمه، لكن صدره ظل يعلو ويهبط بسرعة، مما دفع ليلى للإمساك بيده بقوة، و قالت:
أنس.... خد نفس عميق... نظم نفسك... انت كويس.. ومالك هيبقي كويس.... اتنفس معايا يا أنس... يلا مع بعض..... شهيق..... زفير.
كانت ليلي تقوم بتمرينات التنفس امامه، وتجبره علي أن يستعيد السيطرة علي أنفاسه الهاربة. ظل صامتًا لثواني، ثم أخيرًا بدأ تنفسه يهدأ تدريجيًا. أبعد يديها عنه بهدوء، لكنه لم يبتعد تمامًا، لا يزال مستندا إلى الجدار وأغلق عينيه.
ثم همس بضعف:
مالك كل حاجة ليا في الدينا... مالك مش بس أخويا الصغير... انا اللي ربيته بعد ما ماما و بابا اتوفوا... مش هاقدر اشوف بيحصله حاجه.... مش هاعرف أعيش من غيره.
اقتربت منه ليلي مجددا وهمست:
ان شاء الله مالك هيقوم بالسلامة و هيبقي كويس.... حاول بس انت تهدي علشان أكيد مالك محتاجك تكون قوي في موقف زي ده.
لحظات من الصمت مرت وأنس مغمض العينين مستند برأسه إلى الجدار خلفه، ثم فتح عينيه و نظر إلي ليلي و هتف بحدة:
انتي مشفتيش حاجة... مفهوم.... و اللي حصل ده مش هنتكلم فيه تاني.
ابتسمت ليلي:
هو انا مشوفتش حاجة، بس عادي لو تبين انك انسان طبيعي يا أنس باشا.. بتهتم باللي بتحبهم.
لم تنتظر منه ردا. قالتها ومضت تحمل كوب العصير وتتجه ناحية جميلة.
مرت ساعات وهم في انتظار خروج مالك من العملية، حتى وجدوه محمولا علي السرير النقال و اتجه به الأطباء و الممرضين إلي غرفته.
لم تفكر، لم تنتظر، فقط نهضت جميلة وركضت إلى غرفته. كان لا يزال تحت تأثير التخدير، ملامحه شاحبة لكنها هادئة. اقتربت منه ببطء، عيناها تمتلئان بالدموع، أمسكت بيده برفق وهمست بصوت مرتعش:
أنا هنا يا مالك... أنا مش هسيبك، حتى لو كنت إنت اللي حاولت تسيبني... بحبك يا مالك، كنت غبية لما صدقت إنك مش بتحبني.
لكن قبل أن تستطيع استيعاب ما يحدث، سمعت صوته المبحوح، ضعيف وكأنه يهمس كأنه في حلم:
مالك: بحبك يا جميلة... بحبك من أول يوم شفتك فيه... بس كنت خايف عليكي مني.
تسمرت جميلة مكانها، نظرت إليه بصدمة، ثم سمعت صوت الممرضة تهمس بابتسامة:
لسه تحت تأثير البنج... بيقول اللي في قلبه من غير ما يحس.
نظرت جميلة إليه، وهي تشعر أن قلبها يكاد ينفجر داخل صدرها، لم تكن بحاجة إلى أي شيء آخر. فقط سماعه يعترف بحبها دون أن يقصد، كان ذلك كافيًا ليجعلها تدرك أن كل شيء سيتغير.
توتر يوسف وأنس بعد سماع اعترف مالك بحبه لجميلة وهو تحت تأثير المخدر. نظر يوسف إلي أنس وقال بارتباك:
تعالي نروح نشوف الدكتور يا أنس.
خرجا معا ليوفرا الحرج علي جميلة التي ظلت عيناها ينهمر منها الدمع دون توقف.
بعد ساعات، فتح عينيه ببطء، كانت الغرفة هادئة، والضوء خافت، لا يقطع الصمت سوى صوت جهاز نبضات القلب يعلن عن استمرار الحياة في جسده المُرهق. حرك عينيه ببطء يحاول ان يتدارك ما حوله. ضوء خافت يتسلل من النافذة، وبجواره. كانت جميلة، تجلس على مقعد صغير بجوار سريره، رأسها مسندة إلى ذراعها، عيناها متورمتان من أثر البكاء.
حاول تحريك يده، فشعر بوخز الإبرة في معصمه، تأوه بصوت خافت، ففتحت جميلة عيناها علي الفور ما ان سمعت صوته. نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع، ثم أمسكت يده بحنان وكأنها تخشى أن تخسره.
همست بأسمه، نظر إليها مطولا وكأنه لا يصدق انها هنا، ثم همس لها بصوت متعب وابتسامه جاهد ليرسمها علي وجهه و ضغط علي يديها الممسكة ليده بوهن:
وحشتيني.
لم تستطع جميلة السيطرة على دموعها، نظرت إلي الممرضة التي تضع المحلول في يد مالك و همست:
بيخرف برضه.
لكن الممرضة فاجأتها حين همست:
لأ.. فاق دلوقتي.
ضغطت جميلة علي يد مالك وهمست:
كنت فاكرة اننا قريبين... كده متقوليش... ليه يا مالك تشيل كل ده لوحدك... انا هنا وجنبك ومش هاسيبك ابدا.
ابتسم مالك بضعف وهمس وهو يحاول ان يمد يده ليمسح دموعها:
مكنتش عاوز تشوفيني وانا كده يا جميلة.
مرر أصابعه على وجنتيها بحنان وهمس:
لسة زعلانه مني؟
ابتسمت جميلة رغم دموعها:
زعلانة!! .... هو انت كنت فاكر إنك هتخلص مني بالسهولة دي.
حاول ان يتكلم، ان يشرح لها مكنون صدره، لكن خانته كلماته، فاكتفي بابتسامة.
دخل عليهما يوسف وأنس. حاول أنس أن يرسم ابتسامة على وجهه القلق وهو يقترب من مالك و يربت علي كتفه:
حاسس بايه؟ في حاجة بتوجعك؟
بينما ضحك يوسف وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره وينظر إلي أعلي:
حاسس انه عايزنا نخرج بره طبعا.
ضحك أنس رغما عنه، بينما نظرت إليهما جميلة بارتباك وعدم فهم.
مال يوسف علي أذن مالك وهمس:
اعمل زي ما اتفقنا بقي.... اديك قومت بالسلامة.
همس مالك بصوت ضعيف:
انت حسابك معايا بعدين يا يوسف علشان كلمتها و قولتلها.
نظر مالك إلي عيني أنس بتوتر ملحوظ، فهمه أنس علي الفور وأقترب من مالك، امسك يديه و قال بنبرة هادئة:
الدكتور طمنا يا مالك... قدروا يشيلوا الورم كله... العملية نجحت الحمد لله.
انفرجت اسارير مالك وهمس بضعف:
الحمد لله.
خرج أنس وقف في الممر، الأنوار ساطعة وبرودة الجو سرت قشعريرة في جسده، حرر دخان سيجارته في الهواء بتوتر. وقفت ليلي ترقبه من بعيد، اقتربت منه وضعت يدها على معصمه، التفت إليها، تلاقت أعينها، لأول مرة تشعر ليلي بذلك القرب من شخص، خاصة أنس. همست له بصوت بالكاد مسموع:
حمدالله علي سلامة مالك.
ابتسم لها أنس بامتنان:
الله يسلمك.
ابتعد أنس عنها، لكنها استوقفته:
رايح فين؟
دون ان ينظر لها، ودون ان يلتفت هتف:
محتاج قهوة.
اسرعت بخطواتها خلفه وهي تهتف:
طيب مش تسألني .... أنا كمان محتاجة قهوة.
وقف أنس، ونظر إليها مطولا قبل ان يبتسم:
ولو جبتلك قهوة ايه يضمنلي إنك مش هتوقعيها عليا تاني؟
ضحكت وهي تسير إلي جواره:
لأ دي مفيهاش ضمانات.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اميرة احمد
دخلت حنين مع عمر إلى شقته.
وضع عمر حقائب السفر جانباً.
وقفت حنين تنظر حولها، كان البيت بسيطاً، صغيراً، لكنه على الرغم من بساطته كان يحمل الكثير من الدفء.
وقف عمر خلف حنين وهي تتأمل كل ركن في المنزل، وهمس:
"عاجبك البيت؟"
ابتسمت:
"حلو أوي يا عمر."
قال عمر وهو يحمل الحقائب ويتجه نحو غرفة النوم:
"معلش هو صغير شوية، مفيش غير أوضة نوم واحدة... فا معلش بقي هتستحمليني أنام جنبك... بس أنا مش باشخر ومش هازعجك خالص."
ارتبكت حنين:
"عمر أنت عارف... أنا... يعني... أكيد مش هقولك متنامش في أوضتك."
ابتسم وهو يربت على رأسها كالأطفال:
"أنا عارف يا حبيبتي... يلا غيري هدومك عشان أنا تعبان ومحتاج أنام... هادخل آخد دوش على ما تغيري هدومك."
في المساء، كان البرد قارصاً، وأصوات المطر في الخارج مرعبة.
نامت حنين على طرف السرير وأعطت ظهرها لعمر.
ضرب صوت الرعد القوي المكان، وأنار البرق الغرفة.
انتفضت حنين في نومها من الرعب، إنها المرة الأولى التي تسمع بها صوت الرعد بهذه القوة.
شعر عمر بانتفاضتها.
دون أن يفتح عينيه، مد يده من تحت خصرها بحنان، وجذبها إلى صدره.
التفتت إليه حنين بسرعة وجهها يقابل وجهه، لا يزال جسدها ينتفض من الرعب، لكنه ضمها إلى صدره بحنان.
همس لها بصوت ناعس دون أن يفتح عينيه، وهو يربت على ظهرها ويمرر يده على رأسها:
"متخافيش يا حبيبي... أنا هنا... نامي ومتخافيش."
دفنت حنين رأسها في صدره من الرعب.
أحكم عمر قبضته عليها وظل يطمئنها حتى غفت بين ذراعيه.
في الصباح، فتحت حنين عيناها، وجدت نفسها بين ذراعي عمر الذي نظر إليها نظرة عميقة وبصوت هادئ ردد:
"صباح الخير."
ابتعدت حنين عنه فجأة، شعرت بالحرج من فعلتها فتمتمت بارتباك:
"أنا آسفة على اللي حصل امبارح... أنا بس خفت أوي من الرعد... أول مرة أسمعه يكون قوي أوي كده."
نظر لها عمر نظرات كلها ثقة وقال:
"في واحدة تتأسف أنها نامت في حضن جوزها؟"
قام من السرير وقال وهو يتجه للحمام:
"أنا هاروح السوبرماركت أشتري حاجات للبيت... تحبي تيجي معايا؟"
كانت لا تزال يتملكها الحرج والكسوف، أومأت رأسها بالنفي.
استعد عمر للخروج، بينما حنين كانت تتفادى أن تتلاقى أعينهما.
وقف عمر عند الباب قبل الخروج، التفت إليها وهتف:
"عاوزة حاجة معينة أجيبها معايا؟"
حركت حنين رأسها بالنفي دون أن تتكلم.
بعد ما يقرب من الساعتين عاد عمر، كانت حنين تقف في المطبخ تعد الطعام.
دخل عليها عمر وضع الأكياس أرضاً، واقترب منها.
كانت حنين تقطع الخضروات باضطراب حين اقترب منها.
اقترب أكثر، حتى وضع ذقنه فوق كتفها.
توترت من قربه وأنفاسه الدافئة التي تشعر بها على عنقها.
ارتجفت يداها أكثر، لكن عمر مد يديه وأمسك كفيها بكلتا يديه وهو يحركها بالسكين فوق الخضار وقال بنبرة هادئة:
"بالراحة.... كده هتعوري نفسك..... مفيش حاجة تستاهل التوتر ده....."
وضع عمر قبلة رقيقة سريعة فوق وجنتها، وابتعد عنها وأخذ يضع المشتريات في أماكنها.
بينما ترك حنين خلفه قلبها يدق بعنف، وكأنه يكاد يخرج من صدرها.
وبينما هو منشغل في وضع أطباق اللحوم والخضروات في الثلاجة.
فتح إحدى الأكياس، وأخرج منها قطعة كبيرة من الشوكولاتة، وتوجه بها ناحية حنين، وضعها أمامها مباشرة وهمس:
"لسة بتحبي النوع ده من الشوكولاتة؟"
ابتسمت حنين وهي تمد يدها لتأخذها منه وقالت بصوت متوتر:
"عمر.... أنت لسة فاكر؟"
اتسعت ابتسامته وهو يناولها الشوكولاتة ويبتعد عنها:
"كنت باجيبهالك واحنا صغيرين ولا نسيتي."
حركت رأسها وهي تهمس كما لو كانت تحدث نفسها:
"هو أنت منسيتش حاجة أبداً؟"
ابتسم وهو يربت على كتفها:
"مبنساش أي حاجة ليها علاقة بيكي يا حبيبتي."
فتحت جميلة باب الغرفة بهدوء، دخلت على مالك المستلقي في سرير المستشفى.
وجهه شاحب بعض الشيء، لازالت الضمادة تحيط بعنقه، مستلقي بملل في السرير وعيناه معلقتان على سقف الغرفة.
شعر بها بمجرد أن فتحت الباب، دون أن ينظر لها همس:
"اتأخرتي النهاردة."
دخلت بتوتر.
جلست على المقعد القريب من سريره:
"أنا آسفة."
نظر إليها مالك نظرة عميقة وهتف:
"إيه يا جميلة؟ متغيرة من يوم العملية."
ابتسمت بارتباك.
منذ أن سمعت اعترافه وهي تشعر بالارتباك بوجوده:
"مفيش حاجة."
تنهد وقال:
"مش عارف... بس عمرك ما كنتي بتبقي متوترة كده واحنا مع بعض."
حاولت أن تداري ارتباكها، ابتسمت وهي تهتف:
"انت شكلك القاعدة هنا خليتك زهقان وبتتخيل حاجات كمان... هو أنس راح فين؟"
أشاح بنظره عنها وعاد النظر للسقف مرة أخرى وقال بصوت متعب لكنه يحمل بعض المزاح:
"أنس راح البيت يجيبلي حاجات... ويوسف لسة في شغله.. وحضرتك اتأخرتي عليا.. طبيعي أزهق."
ابتسمت وقامت من مكانها واشارت إليه:
"طيب يلا قوم... مش الدكتور قال إنك لازم تتمشي شوية عشان النوم الكتير كده غلط عليك.... يلا قوم هنقف أنا وانت في البلكونة شوية."
قام من سريره بتعب وإرهاق، توجه إلى شرفة غرفته، وقف فيها يتابع السيارات والمارة.
بينما أعدت جميلة مشروباً ساخناً لكليهما، ناولته كوبه وهي تهمس:
"نتيجة التحاليل هتطلع امتى؟"
أخذ رشفة من مشروبه:
"الأسبوع الجاي إن شاء الله."
امسكت بالكوب بين كفيها، تدوره وكأنها تتأمل قطعة فنية بين يديها، وقالت وعيناها معلقتان على الكوب بين يديها:
"مالك.... أنت مش عايز تقولي حاجة؟"
نظر إليها طويلاً قبل أن يقترب منها ويهمس:
"شكراً إنك معايا."
أشاحت بوجهها عنه وقالت بضيق:
"حاجة غير شكراً..."
نظر لها بعدم فهم:
"مش عارف... بس مثلاً إني هاخرج من المستشفى بعد كام يوم!"
زفرت جميلة بضيق:
"ماشي يا مالك."
تأملها مالك قبل أن يقول:
"جميلة أنا مش فاهم إيه؟"
قالت بضيق:
"انت لسة بتهرب من إيه يا مالك؟"
نظر إلى السماء الصافية وهو يأخذ رشفة من مشروبه:
"أنا بطلت أهرب خلاص."
أخذت الكوب من يده وهي تدخل الغرفة مرة أخرى:
"ياريت فعلاً تكون بطلت تهرب عشان الموضوع بقى سخيف أوي."
وقف في الشرفة يشاهدها وهي تتحرك بتوتر داخل الغرفة، مشى ببطء حتى اقترب منها وأمسك بيدها:
"جميلة أنا مش فاهم حاجة... قوليلي انتي إيه اللي محتاج أقوله."
أبعدت يده عنها وهي تحمل حقيبتها:
"دي الحاجة الوحيدة اللي مينفعش أنا اللي أقولك تقولها يا مالك.... متقولهاش غير لو أنت فعلاً حاسسها... وأنا متأكدة إنك حاسس بيها، بس مش عارفة ليه مصمم تصعب الأمور بينا."
أوشكت على الرحيل، ناداها بصوت ضعيف:
"جميلة أنا فعلاً مش فاهم حاجة."
خرجت من باب الغرفة وهي تهتف:
"لما تبقى مستعد تتكلم ابقى عرفني."
جلس مالك على حافة السرير لا يصدق كلمات جميلة، جلس يفكر في معنى كلماتها حتى دخل عليه يوسف بوجهه البشوش وهو يصيح بمرح:
"انت شكلك أخدت على القاعدة في المستشفى ومش عاوز تروح البيت صح."
نظر له مالك بحيرة:
"يوسف... هو انت قولت لجميلة حاجة؟"
انعقدت ملامح يوسف وقال بعدم فهم:
"حاجة زي إيه؟"
نظر له مالك نظرة حادة:
"متستعبطش... انت فاهم كويس أنا أقصد إيه؟"
ضحك يوسف:
"آه... لأ مقولتلهاش حاجة."
ضغط مالك على قبضته بتوتر:
"بس من يوم العملية وهي متغيرة معايا... بتتعامل معايا كأنها عارفة إني بحبها."
ضحك يوسف بخفة وهو يضع قطعة من الشوكولاتة الموضوعة على الطاولة بجوار مالك بفمه:
"طيب ما هي عارفة."
تغيرت ملامح مالك:
"هو أنا مش لسة سألك قولت لها قولت لأ."
ضحك يوسف:
"ما هو مش أنا اللي قولتلها.... أنت اللي قولتلها."
نظر له مالك بعينين مرتبكتين:
"بس أنا مقولتلهاش."
اقترب يوسف وضع يده على كتف مالك وقال بمرح:
"انت قولت كل حاجة يا صاحبي وانت في البنج."
زاغت نظرة مالك، أبعد يد يوسف الموضوعة على كتفه بحدة:
"وانت ازاي يا يوسف تسيبها تدخل عليا وانا في البنج كده.... مفروض كنت خليتها تطلع بره."
قال يوسف بمرح:
"انت متعرفش جميلة عملت فينا إيه لما عرفت إنك في العمليات... أغمي عليها يا مالك أول ما عرفت إنك تعبان بس قبل ما تعرف حاجة، وأول ما شفتك خارج من العمليات جريت دخلت معاك الأوضة ومحدش فينا قدر عليها."
تنهد مالك وهو يمسح بكفيه على وجهه:
"أنا دلوقتي فهمت كل حاجة.... بس انت برضه غلطان يا يوسف."
رفع يوسف حاجبه:
"غلطان ليه يعني... كنت عايزني أعمل إيه."
ضحك مالك:
"يعني كنت غلوشت على الموضوع... خلاص مش عارف تخرجها بره غلوش بقى على الكلام، قولها ميقصدكيش انتي.... أي حاجة."
وضع يوسف سبابته على خده باستنكار وقال بمرح:
"أغلوش على الكلام إزاي وانت بتقولها بحبك يا جميلة... مفيش مجال إنك متقصدهاش حتى."
خفتت ابتسامة مالك وشعر بالحرج الشديد:
"يا نهار أبيض... طيب قولت حاجة تاني؟"
ضحك يوسف:
"معرفش أنا خدت أنس وخرجنا.... البنت وشها أحمر واتوترت أوي."
قال مالك بتوتر:
"ربنا يستر من اللي ممكن أكون قولته... بس برضه انت غلطان."
ضحك يوسف:
"أحسن، عشان قوللتك قولها من بدري... كنت وفرت على نفسك الحرج ده كله."
صاح مالك بيوسف:
"قوم روح يا يوسف وسيبني أشوف هاتصرف إزاي في الموقف ده."
بعد يومين.
دخلت جميلة على مالك الغرفة وهي تحمل في يدها علبة طعام، وضعتها على الطاولة بجواره وقالت:
"أنا قولت أكيد انت زهقت من الأكل بتاع المستشفى... جبتلك أكل بتحبه."
نظر إليها مطولاً قبل أن يقول:
"مجيتيش امبارح ليه؟"
رفعت كتفيها:
"يمكن عشان أوحشك؟"
ابتسم مالك بهدوء:
"لو كان ده الهدف من إنك متجيش فا متعمليش كده تاني... ممكن؟"
تنهدت جميلة، جلست على المقعد المقابل لسريره دون أن تنطق بكلمة.
ابتسم لها وهو يقول:
"ها جايبة إيه أكل بقى؟"
تخلت جميلة عن عبوسها وابتسمت:
"عملتلك الباستا اللي انت بتحبها."
ضحك وهو يأخذ العلبة من الطاولة ويفتحها:
"عملتيها ولا اشتريتيها؟"
ضحكت بدورها:
"والله أنا اللي عاملاها."
صاح بمزاح:
"يلا كويس إني كده كده في المستشفى."
رفعت حاجبها وجذبت العلبة من يديه:
"مش هتاكل منها حاجة طالما بتتريق على أكلي."
ضحك وهو يجذب العلبة منها مرة أخرى:
"خلاص أنا آسف.... يلا خلينا نلحق ناكل قبل ما حد من التمريض يشوفنا."
تناول مالك الطعام بهدوء، بينما جلست جميلة تتأمله بصمت.
حتى انتبه لها فقال بنبرة مازحة:
"انتي بتبصيلي في الأكل ولا إيه؟"
نظرت إليه بنفس الابتسامة الحالمة وهمست:
"لو أقدر... أعملك أكل كل يوم."
ضحك وهو يمسح يديه وفمه في المحرمة:
"لأ.... أرجوكي أنا عايز أخرج من المستشفى ومارجعش تاني."
رفعت حاجبها:
"لو كان أكلي مش عاجبك مكنتش خلصته كله.... حتى معزمتش عليا أكل معاك."
ضحك وهو يقوم من السرير:
"بصراحة الأكل حلو أوي.... بعدين انتي مش جايبالي أنا الأكل ده لوحدي؟"
افتعال جميلة الزعل بأسلوب درامي وهي تعقد ذراعيها:
"حتى لو لوحدك متقوليش أكل معاك."
ابتسم بهدوء:
"خلاص متزعليش، أول ما أخرج من هنا هاعزمك على العشاء في المكان اللي تختاريه."
ابتسمت جميلة:
"موافقة."
انقضى الموعد المسموح للزيارة، لكن جميلة كانت لا تزال تجلس مع مالك في غرفته.
اضطجع مالك على السرير وهو ينظر في هاتفه بإهمال، بينما جميلة ارتخت على المقعد المجاور له، تقرأ في كتاب، وتعبث بخصلة من خصلات شعرها فرت هاربة على وجهها.
رفع مالك عينيه عن الهاتف، أخذ يتأملها بصمت لدقائق وتركيزها منصب على الكتاب الذي في يدها، حتى تكلم أخيراً جاذباً انتباهها:
"مش هتمشي بقى؟"
رفعت جميلة عينيها وابتسمت له قبل أن تقول بكل ثقة:
"لأ."
بنبرة هادئة، لكنها تحمل الكثير من الحزم أردف:
"الوقت اتأخر... أمشي."
لا تزال جميلة منشغلة بالكتاب في يدها، رفعت عينيها وقالت بمشاكسة:
"انت بتطردني؟ ...... أنا مش هامشي وأسيبك لوحدك."
عقد حاجبيه وقال بإصرار:
"أمشي يا جميلة... مش هبقى مطمن وانتِ ماشية بالليل لوحدك."
تركت الكتاب من يدها، ونظرت إليه مطولاً قبل أن تهتف:
"لما أنس ييجي هبقى أمشي."
أشاح بوجهه عنها، ثم قال:
"أنس في الغردقة.... هيرجع الصبح إن شاء الله."
سحبت وسادة من على السرير وأسندت رأسها إليها على المقعد وهي تهتف:
"خلاص يبقى أنا هامشي الصبح لما أنس ييجي... مش هاسيبك لوحدك."
عقد حاجبيه وقال بصرامة:
"جميلة انتِ اتجننتي؟ مش هتباتي هنا طبعاً.... أنا بقيت أحسن الحمد لله وكلها يومين وهاخرج أصلاً."
قامت جميلة من مكانها، وضعت الماء في الغلاية وهي تنظر إليه بزاوية عينها:
"تشرب شاي؟"
أمسك يدها بصرامة:
"جميلة... من فضلك أمشي."
نظرت له بمرح:
"انت كل شوية تطردني وأنا ساكتة، بس عمتا هاسهر معاك شوية وبعدين أمشي."
ابتسم مالك وهو يصب الماء في الكوب:
"خلاص يبقى نشرب اتنين شاي.... بس بشرط تمشي بعد الشاي."
ابتسمت جميلة وهي تومئ رأسها بالموافقة.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اميرة احمد
جلست لارا في إحدى الكافيهات التي كانت اعتادت أن تلتقي بيوسف فيها. تنظر إلى خاتم الخطبة في يديها، تلفه حول إصبعها وهي شاردة تمامًا.
حتى جاء يوسف وجلس إلى جوارها.
شعرت بوجوده، ابتسمت دون أن تلتفت له. لكنه اقترب منها أكثر وهمس:
سرحانة في إيه؟
ابتسمت وهي تنظر إليه ثم قالت:
هتصدقني لو قولتلك سرحانة فيك... مش قادرة أتخيل إزاي نسيت كل حاجة ليها علاقة بيك فجأة كده.
أمسك يوسف بيدها وأشار بيده إلى صدره:
بس هنا فاكرني... صح؟ قلبك فاكرني يا لارا؟
أومأت رأسها بإيجاب وهمست:
بس أنا حاسة إن في تفاصيل بينا حلوة كتير أنا مش فكراها.
ازداد ضغطه على يديها:
طول ما إحنا مع بعض هيفضل في بينا ذكريات حلوة وتفاصيل كتير نعملها سوا.
أضاء هاتفه، وضعه أمامه على الطاولة تنبيهًا لوجود رسالة. بتلقائية توجهت لارا بنظرها نحو الهاتف، لمعت عيناها وقالت بتردد:
دي صورتنا؟
ناولها يوسف الهاتف بابتسامة:
كنا هنا في نفس المكان من حوالي سنة.
نظرت لارا إلى الصورة طويلًا، وترقّرت دمعة في عينيها:
أنا شكلي مبسوطة أوي في الصورة... ضحكتي واضح إنها من القلب.
ظهرت لمحة حزن في عيني يوسف:
دايمًا كنتي سعيدة وإحنا مع بعض يا لارا.
حاول يوسف أن يخفف وطأة المشاعر المشحونة التي ظهرت على وجه لارا، فأردف بمرح:
طيب قوليلي إنتي فاكرة أصحابنا، ولا نسيتيني أنا بس؟
ابتسمت لارا:
مين أصحابنا؟
يوسف:
جميلة وحنين وليلي ومالك... و... وشادي.
نظرت لارا إلى عيني يوسف:
لو ده هيطمنك فإنا مش فكراهم كلهم... أنا فاكرة جميلة كويس... ومالك فكراه بس أعتقد إن جميلة كانت معجبة بيه وهي اللي عرفتنا عليه... حنين أنا فاكرة إني كنت أعرفها بس مش صحاب، هو إحنا وحنين كنا أصحاب؟
تجهم وجه يوسف:
فعلاً إنتي كنتي صاحبة جميلة طول عمرك، بعدين جميلة اتعرفت على مالك وأنا، وعرفتنا على بعض، وبعد شوية اتعرفنا على حنين وشادي الله يرحمه.
همست لارا كما لو كانت تحدث نفسها:
شادي ده اللي اتوفى في نفس الحادثة؟
يوسف:
الله يرحمه.
رفعت لارا كتفيها باستنكار:
بس أنا مش فاكرة عنه حاجة خالص... إنت عارف يا يوسف... أنا حتى نسيت إن بابا اتوفى... متخيل صدمتي لما عرفت إنه اتوفى من فترة..... عارف إني حزنت عليه مرتين.
دمعت عينا لارا رغما عنها. مرر يوسف يده على يديها بحنان:
بكرة كل حاجة هتبقى كويسة يا حبيبتي.
صاح يوسف بمرحه المعتاد:
طيب قوليلي أكتر حاجة نفسك تعمليها ونعملها دلوقتي.
ابتسمت لارا بحماس، أخذت تفكر قليلاً ثم صاحت:
نفسي أزور برج القاهرة أوي.... عمري ما روحتُه قبل كده، وبخاف من أي حاجة عالية بس نفسي أروحُه جدا.
لمعت عينا يوسف:
خلاص يلا قومي هنروح البرج دلوقتي.
ضحكت لارا بمرح:
دلوقتي!!
لم يعط يوسف لها فرصة للتفكير، جذبها من يدها واتجه بها نحو السيارة.
حين صف يوسف سيارته أمام البرج وترجل منها. وقف يوسف أمام السيارة، ينظر إلى لارا التي كانت تتأمل البرج بانبهار طفولي. التفتت إليه بعيون متحمسة وقالت:
متحمسة جدًا... عمري ما جيت هنا قبل كده.
ابتسم يوسف بخفة، يخفي وراء ابتسامته مشاعر متضاربة، فهي بالفعل وقفت في هذا المكان من قبل معه. لكنه لم يعلّق، فقط فتح لها باب السيارة قائلاً:
جاهزة؟
دخلت المصعد بجواره، تنظر إلى الأرقام التي ترتفع بسرعة. لكن فجأة، حين اقتربوا من الطابق الأخير، شعرت بغصة خفيفة في حلقها، وظهرت علامات التوتر عليها واضحة.
نظر إليها بحنان، ومد يده دون تردد ليحيط أصابعها بكفه الدافئ، همس لها بثقة:
متخافيش... إحنا مع بعض.
مع وصولهما إلى القمة، ترددت في الخروج من المصعد، لكنها شعرت بلمسته المطمئنة، فأخذت نفسًا عميقًا وخرجت.
وقفت أمام السور الزجاجي، شهقت بانبهار، لكن فور أن نظرت للأسفل، عادت تتراجع خطوة إلى الخلف بخوف، وأحكمت قبضتها على يد يوسف وهي تقول بقلق:
ده عالي أوي.
ضحك يوسف وهو يشدد على يديها أكثر:
كنتي متوقعة إيه يعني... طبعًا لازم يبقى عالي كده.
نظر يوسف إلى عينيها المرتبكتين... والطريقة التي تشبثت بها بكفه، وكأن قلبها يعلم جيدًا أنه الحماية الوحيدة لها، تمنى لو بإمكانه أن يضمها إلى صدره، أن يخبرها أنها لم تكن خائفة حين أتت لأول مرة معه، بل كانت تهتف بحماس وتنظر للمدينة من أعلى بحب.
نظرت إلى المدينة من أعلى باستغراب، ونظرت إلى يوسف، شعرت بالألفة للمكان وكأنها كانت في نفس البقعة من قبل، أمسكت برأسها محاولة أن تتذكر لكن خانتها الذاكرة مرة أخرى. نظرت إلى يوسف بحيرة وقالت:
يوسف.... أنا جيت هنا قبل كده؟
لمعت عينا يوسف وهو يجيبها بابتسامة:
إحنا جينا هنا قبل كده... من سنتين.
تأملت المكان حولها لفترة ثم همست بشرود:
أيوه.. بس أنا مش فاكرة.
أخرج يوسف هاتفه، أشار لها بصورة لهما في نفس المكان، كانت لارا تبتسم فيها بحماس. تسارعت أنفاسها، وشعرت بشيء يتحرك داخلها... شيء مألوف وكأن قلبها يتذكر كل تلك الأحداث لكن عقلها يأبى أن يوضح لها.
لم تعرف ماذا عليها أن تقول، فتحت فمها وهمست:
يوسف... أنا....
رفع يوسف كفها إلى شفتيه وطبع قبلة رقيقة وقال بصوت حنون:
مش مهم تفتكري دلوقتي... كله هييجي مع الوقت.
ابتسمت له وهي تعلم من داخلها أن الشعور بالأمان مع يوسف هو بالتأكيد نابع من سنين من المشاعر بينهما.
***
دخلت حنين غرفة النوم تبحث عن هاتفها دون أن تنتبه. رفعت رأسها نظرت إليه وتجمدت مكانها قبل أن تطلق صرخة مدوية.
أمامها كان يقف عمر بجوار خزانة الملابس منشغلًا بتنشيف شعره بمنشفة صغيرة عاري الصدر لا يرتدي سوى منشفة طويلة ملتفة حول خصره.
سريعًا وضعت كفيها على وجهها تغطي عينيها، بينما انتفض عمر لصراخها، اقترب عليها بلهفة وصاح:
حنين أنتي كويسة؟ حصلك حاجة.
هزت حنين رأسها بتوتر وقالت:
أنا... أنا آسفة مكنتش أعرف إنك في الحمام.
نظر إليها عمر باستغراب قبل أن يضحك:
هو إنتي بتصرخي عشان كده.
أقترب منها وأزاح كفيها عن وجهها وقال بصوت دافئ:
فتحي عينك يا حنين... أنا جوزك على فكرة.
ابتعدت عنه خطوة وهي لا تزال مغمضة العينين حتى اصطدمت بالجدار خلفها وقالت بنبرة متوترة:
البس هدومك يا عمر من فضلك.
أقترب منها أكثر، ألقى المنشفة الصغيرة على كتفها بإهمال قبل أن يقول:
مش لازم تخافي مني... لازم تتعودي على وجودي معاكي.
لم تنطق حنين، فقط أصبحت أنفاسها أسرع وصدرها يعلو ويهبط بتوتر. أخيرًا ابتعد عنها عمر، سمعت صوت خبط خفيف في أدراج الخزانة، وأخيرًا هتف عمر:
هتفضلي واقفة كده، فتحي عينك أنا لبست خلاص.
ببطء فتحت جزء من عينيها، وجدت عمر يرتدي بنطال رياضي وعاري الصدر، يقف أمام المرآة يرش عطره. أغلقت عينيها مجددًا وصاحت:
بجد يا عمر البس هدومك كلها.
اقترب منها عمر أكثر حتى شعرت بحرارة جسده، وملأ صدرها عطره. لم يلمسها فقط حاصرها بذراعيه وهو يسندهما على الحائط خلفها وهمس:
فتحي عينك يا حنين... أنا مش هلبس أكتر من كده.
بتوتر أومأت رأسها بالنفي، اقترب أكثر وهمس عند أذنها:
لو مفتحتيش عينك هقلع اللي أنا لبسته وهاخليكي تفتحي عينك.
أخيرًا فتحت عينها ببطء، نظرت إلى عينيه بتوتر بدا واضحًا على ملامحها، لكنه نظر داخل عينيها بعمق وهمس بصوت دافئ:
حنين.... أنا جوزك... عادي لو صدفة شوفتيني وأنا في الحمام، ده بيتنا لازم نعيش فيه براحتنا، ولو فضلتِ تتعاملي معايا كده عمرنا ما هنقرب من بعض.
أنزل عمر يديه وأمسك بكفها وهو يهمس:
تعالي.
جلس على طرف السرير وأشار لها أن تجلس إلى جواره. ترددت في بادئ الأمر قبل أن تستسلم وتجلس إلى جواره.
نظر لها عمر وقال بصوت هادئ:
فاكرة زمان يا حنين.... لما كنا صغيرين وعمي كان يزعقلك، كنتي بتيجي تستخبي منه في أوضتي.
ابتسمت بخفوت وهمست:
إيه فكرك بالحاجات دي دلوقتي.
ابتسم عمر:
أنا عمري ما نسيت... كنتي دايما بتتحامي فيا... بتلجأيلي في كل حاجة... إيه اتغير دلوقتي، إمتى بقيتي تخافي مني كده وتحطي حواجز بينا.
أطرقت برأسها وقالت بحزن:
عمر... أنا أحيانًا بشعر إني بظلمك معايا... بظلمك إني مش عارفة أكون لك زوجة.
وضع يده على كتفها وهمس:
حبيبتي... اللي عديتي بيه مش سهل...
ثم نظر إلى عينيها بعمق وابتسم:
وأنا مستعد أستناكي العمر كله، بس إنتي برضه لازم تكسري الحاجز اللي بتبنيه بينا.
أومأت رأسها بتفهم، اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه وقال:
خلاص طالما متفقين يبقى من النهاردة في قوانين جديدة في البيت ده.
نظرت إليه بعدم فهم فأردف:
مش هتخافي مني تاني.... اتفقنا؟
ابتسمت باطمئنان:
اتفقنا.
اتسعت ابتسامته وقال بنفس النبرة الهادئة:
مش هتنامي على طرف السرير بعيد عني تاني.
حركت عيناها بتوتر، لكنها أومأت بإيجاب بعد أن احمرت وجنتيها.
بنفس الابتسامة أردف:
إحنا بناكل مع بعض ونخرج مع بعض ونتفرج على التليفزيون مع بعض، عادي يعني نبقى قريبين... عادي يعني لما تقعدي جنبي أحط إيدي عليكي، لما أدخل البيت بعد يوم طويل في الشغل عادي لو استقبلتني بحضن.
نظر إلى التوتر الذي بدا واضحًا على ملامحها وهمس برقة:
أنا مش عايز أكتر من كده... على الأقل دلوقتي.... وإحنا على اتفاقنا.
تنهدت حنين وقالت بصوت ضعيف:
حاضر يا عمر هحاول.
ابتسم وهو يستلقي على السرير:
أنا كده هنام النهاردة وأنا مرتاااح.
لم تستطع أن تمنع ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيها، وهي تجذب الغطاء وتضعه فوق عمر بهدوء. لم يعقب فقط نظر إليها بامتنان وهو سعيد أنها بعفوية بدأت تكسر الحواجز التي وضعتها هي بينهما.
استلقت إلى جواره وهي تنظر إلى سقف الغرفة، قبل أن تتنهد وتغمض عينيها باطمئنان.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اميرة احمد
جلس مالك مع جميلة في إحدى الكافيهات بالمول، كان التوتر والتردد يظهر بوضوح علي مالك، لكنه حاول أن يخفيه.
نظرت إليه جميلة وهي تضع السكر في كوب القهوة وقالت:
في إيه يا مالك؟
لم ينظر إليها، ارتشف رشفة من قهوته وقال:
نتيجة التحاليل طلعت النهاردة.
ظهر القلق والتوتر على جميلة، اتسعت حدقة عينيها، حدقت بمالك كثيرا قبل أن تهمس بصوت مكتوم:
وايه؟
ابتسم مالك ابتسامة واسعة:
الحمد لله... خفيت يا جميلة.
ابتسمت جميلة بسعادة بدت واضحة على كل ملامحها، نظرت لعيني مالك بكل حب:
الحمد لله.
لم يختف التوتر من عيني مالك، ابتلع ريقه عدة مرات قبل أن يهمس بتوتر أصبح واضحا على نبرة صوته:
جميلة أنا عاوز أقولك حاجة.
نظرت إليه باستغراب وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها:
إيه؟
تنفس مالك بعمق وهمس بنبرة واثقة مشحونة بالمشاعر:
كل مرة كنتي هتقوليها، كنت بقراها في عينيك... كنت بفهم وبحس بيكي قبل ما تتكلمي لأني دايما فاهمك يا جميلة، فاهمك أكتر من نفسك، وكل مرة كنت بصدك فيها، كان على أمل أني أقولها أنا الأول..... لأنك تستاهلي يا جميلة إني أنا اللي أقولها الأول...
صمت قليلا، أخذ نفس عميق ثم همس:
جميلة... أنا بحبك.
احمرت وجنتاها وتلألأت دمعة داخل مقلتيها، نظر لها بعيني تشعان بالحب فأردف مالك:
بحبك من زمان... بس أنا كنت خايف... كنت باهرب منك، كنت خايف أعلقك بيا وأسيبك وأمشي.... مكنتش عاوز أوجعك.... بس من النهاردة مفيش خوف ولا هروب تاني.
ابتسمت بهدوء وهمست:
بحبك يا مالك.
تنهد كما لو كانت ردت إليه روحه مرة أخرى:
بحس دلوقتي قد إيه أنا كنت غلطان إني مقولتهاش من بدري.
ضحكت جميلة بخفة وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها:
بس أنا كنت عارفة يا مالك... طول عمري بحس بيك من غير ما تقول.....
ثم ضحكت بخبث:
بس أنت المفروض تعوضني عن كل الوقت اللي فات ده.
ابتسم مالك وهتف بمرح:
استعدي.
ابتسمت جميلة بعينين لامعتين:
مستعدة لكل حاجة جاية طالما هنبقي مع بعض.
دفع مالك حساب القهوة، ونظر إلى جميلة:
تتمشي شوية؟
أومأت رأسها بالإيجاب. سارا جنبا إلى جنب في المول، فرد مالك كف يديه بجوار كف جميلة، ارتعدت أنامله للحظة، لم يتحدث، لم ينظر لها، فقط أنامله قريبة جدا من يدها لكنه لا يلمسها، لكن فجأة دفعت جميلة كفها بحضن كفه، ضغط على كفها بقوة وكأنها كل ما يملك في هذا العالم.
وقفت جميلة فجأة، وأخرجت هاتفها ونظرت لمالك:
أقف يا مالك خلينا ناخد صورة سوا، علشان نفتكر اللحظة دي دايما.
رفعت جميلة الهاتف، وقفت لتلتقط الصورة بينما مالك وقف خلفها وابتسم ابتسامة مليئة بمشاعر لم تراها جميلة من قبل... كانت لحظة تستحق أن يحتفظ كلاهما بها للأبد.
***
في المقهي الذي اعتاد الأصدقاء اللقاء فيه، جلست لارا ويوسف وليلي في انتظار مالك وجميلة... الذي تأخرا على غير العادة.
أخيرا دخل مالك يدا بيد مع جميلة، كفه يحتضن كفها بحنان... جلسا متجاورين لكن أقرب من المعتاد، لاحظ الأصدقاء ما يدور حولهما، نظرا إلى بعضهما البعض.. حتى قطعت الصمت ليلي وضيقت عينيها وصاحت وهي تشير لجميلة ومالك:
وده من امتي؟
ابتسمت جميلة بحياء ولم تعقب، فصاحت لارا بحماس:
مش معقول أخيرا قالها؟
أومأت جميلة رأسها بالإيجاب مع ابتسامة ووجنتين حمر، صاحت ليلي مجددا:
قوليلي علشان أنا عارفاكي هو اللي قال الأول ولا انتي اللي قولتي؟
ابتسم مالك وهو ينظر لجميلة:
أنا اللي قولت الأول طبعا.
تنهد يوسف بدراما مفتعلة:
ااااه يا قلبي... أخيرا قولتها.
صاحت لارا بحماس:
أنا فرحانة جداا.
ضحكت ليلي:
قولولي التفاصيل بالظبط.... قالها إزاي وأمتي، قالها عادي كده ولا بطريقة رومانسية.
رفعت جميلة كتفيها بابتسامة:
قالها وخلاص.
ضحك يوسف:
عندك حق المهم إنه قالها.
أمسكت ليلي بهاتفها ورفعته وهي تهتف:
لازم أتصل بحنين... مش هينفع الخبر ده يفوتها.
لحظات وأتاها صوت حنين وصورتها عبر الهاتف، ما إن رأتهم مجتمعين حتى صاحت:
كلكوا متجمعين كده يبقي أستر يا رب.
ضحكت ليلي:
استني بس أمال لو عرفتي اللي حصل.
ضحكت حنين:
عملتوا مصيبة ولا إيه؟
غيرت ليلي اتجاه الكاميرا فجعلتها على مالك وجميلة وصاحت:
شايفة فيه إيه متغير هنا؟
نظرت حنين قليلا بصمت ثم صاحت بحماس:
مش معقووووول..... أخيرااا.
ضحك مالك بخفة:
واضح يا جماعة إن كلكوا كنتوا مستنين الحدث ده من زمان..... خلاص يا جماعة قدامكوا كلكوا ... أنا بحبها..... خلاص..... ممكن نتكلم في حاجة تانية.
صاح الجميع بسعادة، بينما ابتسمت جميلة بخجل وهي تداري وجهها في كتف مالك من الحياء.
ضحك يوسف:
ده إحنا مش هنتكلم غير على الموضوع ده النهاردة.
قالت جميلة بحزم:
خلاص بقي يا جماعة.
بينما صاحت ليلي بمرح:
لأ يا مالك... مش هنسيبك غير لما تقولها كلام رومانسي قدامنا.
نظر لها مالك بحزم:
ولو قولت خلاص هنقفل الموضوع و تسكتوا؟
ضحك يوسف بمرح:
أوعدك لو قولت مفيش حد هيفتح بقه تاني.
بهدوء قال مالك:
علشان انتوا تافهين، مفكرين إن الحب كلام وبس، مع إن الحب إحساس...
ثم نظر إلى جميلة وهمس بصوت واضح مسموع للجميع:
أنتي أحلي حاجة حصلتلي في حياتي، ومش محتاج أقولها كل يوم علشان تبقي عارفة.
احمرت وجنتا جميلة من الخجل، بينما تنحنح يوسف وهو يكتم ضحكته وقال:
خلاص يا جماعة مالك عمل اللي طلبناه كفاية غلاسة عليهم لحد كده، ها هتشرب إيه يا مالك؟
صاحت ليلي بسخرية:
ليمون.
نظر لها مالك بحدة مفتعلة، بينما ألقت عليها جميلة ورقة كانت موضوعة على الطاولة، وضحك الجميع.
***
اعتادت سارة أن تجلس كل يوم بعد الغداء في غرفتها مع عصام، وبعد رحيله حافظت على تلك العادة، تجلس وحيدة تتناول الشاي في صمت وهي تتذكره.
سمعت طرقات خفيفة على الباب، فتحت لارا الباب وجلست إلى المقعد الفارغ بجوار والدتها، ابتسمت سارة وربتت على رأس لارا بحنان وهمست:
في إيه يا لارا... حساكي محتارة.
نظرت لارا إليها كثيرا ثم همست بصوت ضعيف:
ماما... هو أنا كنت فعلا بحب يوسف قبل الحادثة؟
نظرت لها سارة مطولا قبل أن تقول:
الإجابة دي مش عندي، بس انتي ليه بتسألي؟ هو انتي مش بتحبيه دلوقتي؟
خرج صوت لارا ضعيف مرتبك:
أنا مستغربة ليه نسيته هو، لو كنت بحبه بالطريقة اللي بيقولها مكنتش هنساه، صح؟
نظرت سارة داخل عينيها وقالت بنبرة حنونة:
اللي أعرفه قد إيه كنتي بتتحايل عليّ علشان أوافق إنكم تتجوزوا، لحد قبل ما تسافري الغردقة كنتي بتطلبي مني أوافق، كان باين في عينيكي وقتها الحب..... يوسف إنسان محترم وبيحبك بجد، فيه شبه كبير من زياد.
وعلى فكرة أنا وافقت تتجوزوا لما شوفت بعيني لهفته عليكي في المستشفى، كان مستعد يعمل أي حاجة بس تفوقي.
تنهدت لارا:
وأنا يا ماما؟ كنت بحبه زي ما هو بيحبني؟ أنا معنديش شك إن يوسف بيحبني، بس....
قاطعتها سارة:
أنا مش هادخل جوه مشاعرك يا لارا علشان أعرفها، بس إحساسي كأم كان بيقولي إنك بتحبيه زي ما بيحبك، لما كنتي بتخرجي مع أصحابك وترجعي كنت بعرف الخروجة اللي كان فيها يوسف من عينيكي لما بترجعي، وشك كان بيبقى منور وعنيكي فيها لمعة.
بدى التردد أكثر على لارا، لكنها قامت من مكانها ووضعت قبلة حنونة على جبين سارة واتجهت إلى باب الغرفة وقالت:
ماما أنا هاقابل أصحابي و أرجع كمان ساعة مش هتأخر.
***
جلست لارا أمامه في إحدى المقاهي، تتطلع إليه بشرود، شعره الأسود المرتب بعناية، جبهته العريضة، حاجبيه الداكنان وعينيه السوداء التي تحمل غموض لم تراه من قبل، صدره المنتفخ بالعضلات، نظراته لها لم تكن مريحة، شعرت بقبضة في قلبها حين فتح فمه وقال بصوت عميق كالفحيح:
برضه عملتي اللي في دماغك يا لارا واتخطبتي ليوسف؟ هو ده اللي أنتي عايزاه؟
ارتبكت لارا، لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها عنه، لكنه كان جليا في نبرة صوتها حين قالت:
سامر... أنا بحب يوسف، وعلشان كده اتخطبتله.
بعينين جامدتين صاح:
وأنا يا لارا؟ نسيتي إننا كنا بنحب بعض.
ازداد ارتباكها:
أنا مش فاكراك أصلا و.....
قاطعها بحدة:
وفاكرة يوسف؟
شعرت بضربات قلبها أقوى، طرقت بأناملها على الطاولة:
أنا سألت كل أصحابي عنك، محدش فيهم يعرفك، محدش يعرف إن كان في بينا حاجة.
ضحك سامر بسخرية وهو يضع مرفقيه على الطاولة ويميل نحوها، نظر إلى عينيها بخبث:
إحنا كنا بنتكلم في السر يا لارا، من ورا الناس كلها، من ورا يوسف، كنتي عاوزة تقولي لصحباتك إيه؟ إنك تعرفي راجلين في نفس الوقت؟
اتسعت عين لارا في ذهول:
أنا استحالة أعمل كده.... أكيد ده محصلش.
ابتسم سامر:
الحب يا حبيبتي يخليكي تعملي أكتر من كده.... انتي مش وحشة، بس أنتي كنتي هتسيبي يوسف فعلا، كنتي بس مستنية الوقت المناسب.
هزت لارا رأسها بنفي، قلبها ينبض بقوة، تجاهد ليخرج الصوت من حلقها:
مستحيل.
أخرج سامر هاتفه ووضعه أمام لارا:
عاوزة إثبات؟ قدامك أهو... صور ورسايل ومكالمات بينا بالساعات، بس أنتي نسيتيها يا لارا، الحادثة غيرتك أوي.
شردت لارا للحظات، تحدثها نفسها بأنها لا يجب أن تصدقه، عقلها مشوش تماما، بينما قلبها يخفق بتوتر، استجمعت كل قوتها وصاحت:
و ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟ كنت فين وأنا في المستشفى؟ لو بنحب بعض زي ما بتقول مكنتش جنبي ليه وقتها؟
ابتسم سامر بعيني حادة كالصقر:
ومين قالك إني مكنتش جنبك، كنت باجي أطمن عليكي كل يوم، بس كنت باحترم اللي كان بينا ومكنتش باقرب منك قدامهم.
صاحت لارا:
أنت كذاب.
ابتسم سامر بخبث:
ماشي أنا كذاب.... خلينا نشوف يوسف لما يعرف اللي بينا هيبقي إيه رد فعله، تفتكري لو عرف إنك كنتي بتخدعيه هيعمل إيه؟ لو عرف إن حبيبة القلب كانت بتيجي تترمي في حضني وتحلم باليوم اللي أسيبه فيه؟
شعرت لارا بقشعريرة تسري في جسدها، انقباضة قوية في قلبها جعلتها تدرك أن سامر يحاول التشويش على عقلها، بل و يهددها...
صاحت بنبرة حاولت أن تبدو قوية:
يوسف بيحبني وبيثق فيا... واستحالة يصدقك.
بهدوء ونفس النبرة الساخرة قال سامر:
ماشي مش هيصدقني، بس رسايل الحب اللي كنتي بتبعتيهالي والصور ومكالمتنا كل يوم، تفتكري والدته اللي مكنتش موافقة عليكي من الأول لما تشوفهم هيبقي رأيها إيه؟
شعرت لارا ببرودة تجري في أوصالها، عقلها مشوش، سامر يبدو واثقا في تصرفاته، لكنها متأكدة أن من يحكي عنها سامر من المستحيل أن تكون هي، شعرت بخوف حقيقي يتملكها قالت بصوت منكسر:
وعايز إيه دلوقتي؟
ابتسم وقال بصوت منخفض كالفحيح:
عاوز تقابليني وقت ما أنا عايز، واللي أقوله يتنفذ لحد أما تسيبي يوسف خالص وتبعدي عنه.
لم ينتظر منها رد، قام من مكانه تاركا بعض النقود على الطاولة حسابا لقهوته، بينما دفنت لارا رأسها بين راحتيها وانغمست في البكاء، عقلها لا يستوعب ما يحدث حولها.
حتى أضاء الهاتف باسم يوسف.
نظرت إليه بتردد قبل أن تجيب، وضعت الهاتف على أذنها لكن لم تقل شيئا، أتاها صوت يوسف بمرح:
انتي نايمة؟ حتى لو نايمة تصحي عشان وحشني صوتك.
بنبرة هادئة أجابت:
أنا صاحية يا يوسف.
انساب القلق إلى نفس يوسف فقال:
انتي كويسة؟ صوتك فيه حاجة.
لارا:
أنا بخير يا يوسف.
يوسف:
طيب إيه رأيك أعدي عليكي ونتغدى سوا النهاردة؟
لارا:
معلش يا يوسف ممكن نخليها يوم تاني؟
يوسف:
ماشي بس ليه يوم تاني؟
لارا:
حاسة إني تعبانة النهاردة شوية... محتاجة أرتاح.
يوسف:
طيب خلاص، هاخلص شغل وأعدي عليكي في البيت أطمن عليكي.
لارا:
لأ... بلاش النهاردة عشان أنا هنام.
يوسف:
طيب خلاص نامي وارتاحي يا حبيبتي ولما تصحي كلميني.
أنهى يوسف المكالمة مع لارا وتسرب القلق إلى نفسه، صوتها مرتبك ورفضها لملاقاته جعل قلبه يخفق بقوة، لكنه حاول أن يطرد الأفكار السلبية من عقله.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اميرة احمد
في المساء، جلست نور بجوار زياد يشاهدون التلفزيون، حين بدأ زياد يشعر بوخزة قوية بقلبه. بوجه شاحب وصوت ضعيف أشار لنور أن تعطيه كوبًا من الماء. بوجه قلق ناولته نور الكوب، لكنه قبل أن يصل إلى فمه، سقط الكوب أرضًا وتناثرت قطع الزجاج في كل مكان.
كان زياد يجاهد من أجل أن يلتقط أنفاسه، ممسكًا صدره بألم ويتصبب العرق من جبينه. صرخت نور بذعر: "مالك يا زياد؟ في إيه؟"
لم يستطع أن يجيبها، فقط أشار لها بأنه لا يستطيع أن يلتقط أنفاسه.
صرخت نور: "يوسف.. ألحق بابا."
خرج يوسف من غرفته مسرعًا. وقعت عيناه على والده وهو يجاهد من أجل الحصول على أنفاسه ويمسك بصدره. تجمدت الدماء في عروقه، لكنه ركض إلى والده وبنبرة هادئة قال: "بابا قوم، هنروح المستشفى دلوقتي."
خرجت حياة من غرفتها مذعورة. بدأت الدموع تتساقط من عينيها قبل أن تدرك ما يحدث حولها. وفعلاً، في لحظات كان الجميع في السيارة متجهين نحو المستشفى.
أخرج يوسف هاتفه واتصل بفارس. وما أن أجاب صاح يوسف بقلق: "فارس ألحق بابا تعبان أوي."
فارس: "أهدي طيب يا يوسف، هو إيه الأعراض اللي عنده؟"
يوسف وهو ينظر إلى والده في مرآة السيارة ووجهه شاحب ولا يزال يمسك بصدره: "مش قادر ياخد نفسه كويس وماسك صدره."
فارس: "طيب أنا في المستشفى مستنيك."
حياة الجالسة بجوار يوسف كانت تنظر إلى والدها والدموع تتساقط من عينيها ولا تستطيع أن تقول شيئًا. كل ما تتمناه أن تكون في حلم وتستيقظ منه.
زاد يوسف الضغط على دواسة البنزين وأسرع حتى وصل إلى المستشفى. على الباب كان فارس وطاقمه الطبي في انتظارهما.
ساعد فارس زياد أن يجلس على الكرسي الطبي، وبسرعة انطلق به داخل غرفة الطوارئ.
وقف الجميع على الباب بقلق، بينما نور خانتها قواها. لم تستطع قدماها أن تحملاها أكثر من ذلك. جلست إلى إحدى المقاعد القريبة وهي تتلو آيات القرآن وتدعو الله أن ينجي زياد.
دقائق وخرج فارس بوجه هادئ. وبنبرة صوت حاول أن يخفي بها قلقه قال: "متقلقوش يا جماعة... الحمد لله جبتوه المستشفى في الوقت المناسب."
قالت نور بخوف: "زياد عنده إيه يا فارس؟"
ربت فارس على كتفها: "متقلقيش، هو عنده ضيق في شرايين القلب، هيحتاج قسطرة وهيبقي كويس إن شاء الله..."
نظرت حياة إلى فارس ومن بين دموعها همست برجاء: "بابا يا فارس..."
نظر فارس إلى عيني حياة التي كانت تبكي بلا توقف: "هيبقي كويس إن شاء الله، ده إجراء طبي بسيط... متخافيش أنا معاه."
لم تجبه حياة، بل حركت رأسها والدموع تتساقط من عينيها.
يوسف: "طيب هتعمله القسطرة أمتى يا فارس؟"
فارس: "أنا منتظر يجهزوا غرفة العمليات وهعملهاله بنفسي."
بينما يتحدث فارس مع يوسف، جاءت إحدى أفراد التمريض وأخبرته أنهم بانتظاره في غرفة العمليات.
ذهب فارس. وبينما يوسف ضم حياة إلى صدره وحاول أن يبث الطمأنينة في قلبها، بالرغم من القلق الذي يعتصر قلبه. أما نور، فأخرجت من حقيبتها مصحفًا صغيرًا وأخذت تقرأ فيه. جلس يوسف إلى جوارها ووضع قبلة فوق رأسها.
في غرفة العمليات، وقبل أن يتم تخدير زياد، وقف فارس بالقرب منه يحاول طمأنته بروح مرحة فقال: "شكلك عاوز تعرف غلاوتك عندنا يا أونكل... بس متخافش قلبك في إيد أمينة."
لم يضحك زياد، بل نظر إلى عمق عيني فارس وهمس: "خلي بالك منها يا فارس."
اقترب فارس وربت على كتفه. بدأ الطبيب المختص في ضخ المخدر في ذراع زياد، فغاب عن الوعي، وبدأ فارس بإجراء العملية.
بعد مضي حوالي ساعة، خرج فارس من غرفة العمليات. التف حوله الجميع، فقال بنبرة هادئة: "الحمد لله العملية تمام وأونكل بخير."
تنفس يوسف الصعداء وهمس: "الحمد لله."
بينما صاحت نور: "أنا عايزة أشوفه."
ابتسم فارس بوقار: "هو دلوقتي في الإفاقة، نص ساعة بالظبط ويكون في أوضته وتقدروا تشوفوه."
اقترب فارس من حياة بحنان وهمس لها: "ممكن كفاية عياط، والله باباكي بقي كويس وبخير."
رفعت حياة عينيها وتلاقت مع عيني فارس الذي شعر بوخزة في قلبه حين رأى الدموع والألم بعينيها، لكنها تمتمت بصوت بالكاد مسموع: "بابا كل حاجة في حياتي يا فارس... مقدرش أشوفه تعبان كده."
بعد ما يقرب من ساعة، سمح لهم بالدخول لغرفة زياد. وقفت نور على باب الغرفة تنظر لزياد المستلقي على السرير بوجه شاحب، وصدر عارٍ متصل بالأجهزة. اقتربت منه ببطء ولهفة امتزجت بالدموع ملأت صوتها وهي تمسك يديه وتهمس: "خضتني عليك يا زياد."
بصعوبة رفع يده وربت على رأسها: "متخافيش يا حبيبتي أنا كويس الحمد لله."
وقف يوسف وحياة بجانب سرير زياد. أمسك يوسف بيديه: "حمد الله على سلامتك يا بابا."
ابتسم زياد بوجه شاحب: "الله يسلمك يا حبيبي."
بينما حياة وقفت تنظر إليه بعينين دامعتين. لكن زياد أراد أن يخرجهم من الأجواء المشحونة بالتوتر المحيطة بهما فقال بمرح: "إيه يا جماعة... أنا بدلعكم كلكم في البيت، حبيت إنكم تدلعوني شوية، مش تقلبوها دراما."
ابتسمت حياة وهي تميل تقبل يديه: "أنا أكتر واحدة بدلعك يا بابا... مش محتاج تقلقنا عليك عشان ندلعك."
بينما وقف طارق على باب الغرفة يشاهدهم بابتسامة ومن خلفه فارس. لم يلحظ أحد وجوده في البداية إلا حين صاح وهو يضحك: "لولا ابني حبيبي اللي أنقذك مكنتش عارف كان زمانك فين دلوقتي يا زياد."
ابتسم زياد: "فعلاً.. لولا دكتور فارس كان زماني في خبر كان."
ضحك طارق: "إيه خبر كان والكلام القديم ده، قول الحقيقة كان زمانك موت."
انتفضت نور لوقع الكلمة على أذنها: "اخس عليك يا طارق، بعد الشر عنه متقولش كده."
خفتت ابتسامة طارق وقال معتذرًا: "أنا مقصدش والله، أنا بهزر معاه."
ابتسم زياد: "سيبيه يا نور... انتي عارفة طارق طول عمره مش بيقول كلمتين جد. أنا كنت خايف فارس يكون طالع زيه، بس الحمد لله طلع بيبقى جد وقت الجد."
اقترب منه فارس بوجهه البشوش وابتسامته التي تملأ وجهه: "حمد الله على السلامة، أهم حاجة بس إنك تخلي بالك من أكلك الفترة الجاية، وتبعد عن أي حاجة تزعلك."
قالت حياة وهي تربت على كتف والدها: "أنا هاخد إجازة من الشغل وأخلي بالي منك يا بابا."
ضربتها نور على كفها لتبعد يدها عن زياد وقالت: "بس يا بت مش هتاخدي إجازة ولا حاجة، أنا قاعدة مع زيزو حبيبي في البيت وهاخلي بالي منه."
ضحك طارق: "أنت كده يا زياد تخرج من المستشفى وانت مطمن، تعبك جاب نتيجة أهو وما شاء الله مراتك وبنتك بيتخانقوا مين فيهم يدلعك أكتر."
تأوه زياد وهو يضحك، بينما قال فارس بمرح: "واضح فعلاً يا بابا إنه كان عايز يعرف غلاوته عندهم."
نظر طارق إلى فارس بتعمق وقال وهو مفتعل الجدية: "تفتكر يا واد يا دكتور انت لو عملت كده ممكن يجيب مع أمك وأشوف منها حبة دلع من اللي مانعاه عني بقالها 30 سنة؟"
كتم فارس ضحكته: "بعد الشر عليك يا بابا، بس لأ مش هيجيب نتيجة معاها فا متحاولش."
ضحك الجميع، بينما نظرت حياة بامتنان لفارس وحركت شفاها دون صوت: "شكرا."
ابتسم لها بحنان، بينما كانت عيني زياد تتابعهما في صمت.
***
في المساء، جلست حياة في غرفتها تكاد لا تصدق ما مر بها في الليلة الماضية. واحدة من أقسى الليالي التي مرت عليها، أكبر مخاوفها تتجسد أمامها، والدها مريض... دائمًا كانت تخشى عليه، تهتم بصحته، لا تريد أن ترى فيه مكروهًا.
سقطت دمعة من عينيها. أخرجها من شرودها رنين الهاتف بجوارها. نظرت إلى الشاشة المضيئة باسم فارس وانقبض قلبها. أجابت بلهفة: "فارس.... بابا بخير؟"
أتاها صوته الدافئ حنونًا: "متخافيش يا حياة... أونكل زياد بخير أنا كنت عنده من شوية وهو بقي أحسن كتير... هيخرج بكرة إن شاء الله."
تنهدت حياة بارتياح: "الحمد لله."
أردف فارس بنفس النبرة الدافئة: "حياة.... طمنيني عليكي... انتي كويسة؟"
همست بصوت ضعيف: "لأ.... انت مش عارف بابا عندي إيه يا فارس."
بدأت تبكي. سمع فارس صوت شهقاتها الضعيفة عبر الهاتف فهمس: "ممكن متعيطيش.... لما شوفتك بتعيطي النهاردة كان نفسي آخدك في حضني وأقولك متعيطيش بس مقدرتش."
لم تجب حياة، فقط ابتسمت من خلف دموعها... ابتسامة استطاع أن يشعر بها فارس عبر الهاتف.. فهتف بمرح: "يا بخت أونكل زياد عشان بتخافي عليه كده."
هتفت حياة: "طبعًا بخاف على بابا جدا... أهم إنسان عندي في الدنيا... انت متتصورش أنا بحب بابا قد إيه."
بنبرة هادئة قال فارس: "ربنا يخليهولك."
همست: "يارب."
ضحك فارس وهتف بمرح: "انتي مش بتثقي فيا ولا إيه؟ مش واثقة إني عالجت باباكي كويس؟"
أخيرًا ابتسمت حياة: "لأ واثقة طبعًا، بس أنا لما بابا بيبقى تعبان أنا بحس إن روحي بتوجعني."
تنهد فارس وقال بصوت هادئ: "متقلقيش يا حياة... أنا جنبك... وبابا بكرة إن شاء الله هيبقى في البيت."
همست بضعف: "حاضر يا فارس."
لم تستطع أن تكبح ضيقتها أكثر من ذلك فهمست: "فارس أنا زعلانة منك؟"
جاءها صوته الهادئ بنفس الدفء: "ليه؟"
ارتبكت نبرتها وقالت: "عشان... عاملتني كأني حد غريب في المستشفى... مش زي ما بنتكلم."
تنهد فارس وقال بصوت واثق: "حياة... المستشفى مكان شغلي، مينفعش إني أظهر أي مشاعر فيه.... غصب عني يا حياة متزعليش."
همست بصوت ضعيف: "بس أنا كنت محتاجاك وقتها... كنت محتاجاك تطمني كصديق وكطبيب."
أتاها صوته الهادئ بعد لحظات مطمئنًا: "أنا معاكي يا حياة... مستعد أفضل معاكي على التليفون للصبح عشان أطمنك."
فلتت منها ضحكة صغيرة: "شكرا يا فارس."
همس بحنان: "مش زعلانة؟"
حركت رأسها بصمت وكأنها يراها، لكنه كان يشعر بصوت أنفاسها التي بدأت تهدأ وتنتظم على الطرف الآخر فقال: "حياة... نامي دلوقتي عشان انتي محتاجة ترتاحي، وأشوفك بكرة الصبح إن شاء الله."
همست: "تصبح على خير."
ابتسم صوته وقال: "تصبح على خير يا حياة."
***
في المساء كانت جميلة تجلس وحيدة في غرفتها، تتصفح هاتفها بملل واضح حين أضاء هاتفها بمكالمة فيديو من مالك. أجابت على الفور وظهرت على الشاشة صورة مالك بابتسامته التي تسحر قلبها. مجرد أن وقعت عيناها عليه همست: "وحشتني أوي يا مالك."
اتسعت ابتسامته وقال: "وأنتي أكتر."
بنبرة هادئة دافئة أردف: "انتي لسة صاحية؟"
هتفت ممازحة: "انت منمتش ليه لحد دلوقتي، عندك شغل الصبح."
أراح رأسه على قائم السرير وهمس بنبرة ممازحة: "حسيت إنك عاوزة تسمعي صوتي قبل ما تنامي فمرضيتش أنام."
ضحكت جميلة: "انت بتخمني، انت اللي اتصلت، اعترف إنك اتصلت عشان انت اللي مكنتش عارف تنام من غير ما تسمع صوتي."
ضحك مالك: "مش فارقة كتير، المهم إني أشوفك قبل ما أنام."
نظرت جميلة إلى الغرفة من حول مالك: "انت خلاص في السرير هتنام؟"
همس بصوت ناعس: "آه خلاص..."
لاحظت جميلة وجود شيء خلف مالك وهو يتحرك براحة على السرير فصاحت: "مالك... رجع الكاميرا تاني كده، إيه اللي جنب السرير ده؟"
بدا التوتر واضحًا على صوته: "مفيش حاجة."
صاحت جميلة بسعادة: "مالك، أنا شفتها مش هتخبي عليا."
ابتسم وهو يوجه كاميرا الموبايل ناحية الطاولة المجاورة لسريره ليظهر إطار ذهبي يحمل صورتهما معًا يوم تبادلا الاعتراف بالحب. ابتسمت جميلة بحنان وهمست: "انت حاطط صورتنا جنب سريرك؟"
نظر مالك إلى عمق عينيها وقال بحنان: "عشان تبقي أول حاجة أفتح عيني عليها."
مالت جميلة على الوسادة أكثر وهي تضع كفها على عينيها وتبتسم بخجل. شاهدها مالك بصمت وبنفس الابتسامة. لحظات ثم همس: "جميلة.. مش المفروض تنامي بقي عشان عندك شغل الصبح؟"
بصوت ناعس همست: "أنا مش عايزة أقفل وأسيبك.... خلينا نتكلم شوية."
أومأ رأسه: "ماشي خلينا نتكلم شوية، ما تيجي نتقابل بكرة، بقالي كتير مشفتكيش."
قالت جميلة وهي تتململ في السرير: "بكرة بعد الشغل هاروح مع ماما عند خالتو مامت ليلي."
تغيرت ملامح مالك وأصبح الضيق واضحًا عليه: "هو لازم يعني تروحي عند خالتك؟"
أجابت جميلة ببراءة: "ماما عاوزاني معاها."
بنبرة حادة هتف مالك: "وابن خالتك هيكون موجود؟"
رفعت كتفيها باستنكار: "معرفش..... ولو موجود انت متضايق ليه؟"
صاح مالك بحدة: "هو إيه اللي متضايق ليه؟ مش انتي قولتيلي ابن خالتك ده كان عايز يتجوزك وباباكي كان موافق، عايزاني أكون مبسوط وانتِ رايحة عندهم البيت بنفسك."
ضحكت جميلة وهمست بدلال وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها: "انت بتغير يا حبيبي؟"
بملامح عابسة ونبرة هادئة لكنها حادة: "جميلة انت مش هتروحي."
اقتربت جميلة للهاتف وهمست: "مالك... ابن خالتي عنده 15 سنة."
عقد مالك حاجبيه: "واللي عنده 15 سنة ده كان عايز يتجوزك؟ ولا انتي بتضحكي عليا؟"
أخفضت جميلة رأسها، فسقطت خصلات شعرها تغطي وجهها وهمست كما لو كانت تحدث مالك بسر: "محدش كان عايز يتجوزني، أنا قلت كده بس عشان أضايقك لما عرفت إنك كنت عايز تتجوز حنين."
صمت مالك قليلًا ثم همس: "ارفعي شعرك من على وشك وبصيلي."
ببطء رفعت عينيها لتتلاقى مع عينيه العميقين التي تحملان كمًا من المشاعر لم ترها جميلة من قبل. نظر لها مالك طويلًا قبل أن يقول: "انتي عارفة أنا كان هيجرالي إيه لما انتي قولتيلي كده؟"
ارتبكت جميلة وخفضت عينيها وهمست: "أنا آسفة يا حبيبي."
ابتسم مالك: "أعتقد محتاجة تصالحيني بأكتر من أنا آسفة."
رفعت جميلة عينيها، والتقت بعيني مالك وهمست: "بحبك."
ابتسم مالك: "وأنا كمان."
رفعت جميلة حاجبيها: "انت عارف إن أنا دايما اللي بقولك كلام حلو وانت بتقولي وأنا كمان،" ثم قالت بدلال: "قول كلام حلو يا مالك."
ضحك وقال: "كلام حلو يا مالك."
عقدت جميلة حاجبيها: "بجد يا مالك، مش بتقعد تقولي كلام حب والحاجات دي."
خفتت ابتسامته ونظر إلى عمق عينيها وقال بهدوء ودفء: "عشان الكلام ملوش معنى، كل كلام الدنيا مش هيوصل اللي أنا حاسس بيه."
أراحت جميلة رأسها على الوسادة وأسبلت جفونها وقالت بنبرة ناعسة: "بس ده ميمنعش إني أحب أسمع الكلام ده منك."
همس مالك بصوت دافئ كما لو كان يتلو تهويدة: "بحبك يا جميلة، حياتي كلها اتغيرت من يوم ما شفتك، أنا من غيرك معرفش أعيش... ولو في سبب واحد مخليني عايش لحد دلوقتي فهو حبك."
بجفون مسبلة وصوت ناعس همست: "أنا كمان بحبك."
ابتسم مالك وهو ينظر لوجهها الملائكي البريء وملامحها المستكينة وهمس: "تصبح على خير يا جميلة."
راحت جميلة في ثبات عميق بينما مالك ظل يشاهد صورتها في صمت ويستمع لصوت أنفاسها الهادئة حتى غلبه النعاس هو الآخر.
في الصباح، استيقظت جميلة على صوت دافئ يهمس باسمها: "كل ده نوم، هتتأخري على الشغل."
فتحت جميلة جفونها بكسل. وجدت أنها لا تزال تمسك بالهاتف بين يديها، أدركت أن غلبها النوم ولم تغلق المكالمة. وجدت مالك يبتسم لها بنشاط وهو يحمل بين يديه كوب القهوة وينظر إلى الهاتف باستمتاع: "هتفضلي تبصيلي كده مش هتقوليلي صباح الخير؟"
ابتسمت جميلة وهي تتمدد بكسل: "صباح الخير يا حبيبي." ثم اعتدلت وهي تنظر للهاتف وصاحت: "انت عارف إنك مجنون صح؟ مقفلتش من امبارح؟"
نظر مالك لعينيها لحظات ثم قال: "مقدرتش أقوم أن وشك يبقى آخر حاجة أشوفها قبل ما أنام وأول حاجة أصحى عليها.... حاجة مؤقتة لحد أما نبقى جنبي بجد."
سرت قشعريرة بجسد جميلة واحمرت وجنتاها وصاحت بخجل: "مالك."
ابتسم مالك: "بس انتي عارفة إن شكلك حلو أوي وانتي لسة صاحية من النوم."
فلتت ضحكة صغيرة من جميلة: "انت واضح إنك بتبقى رومانسي الصبح أكتر."
ارتشف من كوب القهوة في يديه وقال: "لما تبقي انتي آخر حاجة أشوفها قبل ما أنام وأول حاجة أشوفها لما أصحى يبقى لازم أصحى مزاجي رايق."
ابتسمت بخجل وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها: "أنا مش هقدر على الدلع والحب ده كله."
ضحك وهو يضع كوب القهوة من يديه: "كفاية عليكي دلع كده عشان أنا لازم أنزل الشغل، وانتِ كمان عندك شغل."
همست بدلال: "مالك، أنا بفكر أسيب الشغل."
لمعت عينا مالك وهتف: "يبقى أحسن برضه..... أنا مش عايز حد يشوفك غيري."
بتوتر وهي تعقد أصابعها قالت: "طيب وممكن أروح النهاردة مع ماما عند خالتو؟"
ابتسم بهدوء: "ماشي يا جميلة..."
صاحت جميلة بسعادة: "بحبك يا مالك قلبي."
ابتسم وصمت قليلًا قبل أن يتمتم: "وأنا كمان."
***
بعد يوم طويل في العمل، كانت جميلة تشعر بالإرهاق وهي في طريقها للخروج من باب الشركة. وجدت هاتفها يضيء باسم مالك. أمسكت الهاتف وفتحت الخط، لكنها قبل أن تتفوه بكلمة واحدة أتاها صوت مالك يهمس بدفء: "بصي قدامك كده."
تلفتت جميلة حولها قبل أن تصيح: "مش معقول يا مالك انت هنا... أنا مش شايفاك."
أطلق مالك بوق السيارة، فانتبهت جميلة له وأسرعت إليه بسعادة كطفلة صغيرة أتاها والدها يقبلها من المدرسة. فتحت باب السيارة ووجدت على المقعد المجاور لمالك باقة من الورود البيضاء. نظرت إليه جميلة بعينين لامعتين وبهدوء أمسكته وضمته إلى صدرها وجلست على المقعد بجوار مالك الذي كان يراقبها بعينين مبتسمتين. لكن جميلة نظرت إلى باقة الورود وإلى مالك بعدم فهم وهمست: "ليا أنا؟"
ابتسم مالك وهو يومئ برأسه بالإيجاب. بنفس النظرة الحائرة همست: "بمناسبة إيه؟"
رفع مالك حاجبيه وقال بنبرة دافئة: "هو أنا محتاج مناسبة عشان أجيب لحبيبتي ورد؟ بعدين مش انتي بتحبي الورد الأبيض؟"
ضمت جميلة باقة الورد إلى صدرها، استنشقت عبيرها ورفعت رأسها ونظرت إلى مالك: "بحب الورد الأبيض، بس بحبك انت أكتر."
ابتسم وهو يعبث بخصلة من شعرها المنسدل على كتفيها وهمس: "جميلة.... ممكن تبقي تربطي شعرك وانتي في الشغل؟"
بخضوع أومأت رأسها. أدار مالك محرك السيارة وانطلق وهو يقول: "معلش يا جميلة أنا هاوصلك البيت لأني لازم أروح ليوسف، باباه تعبان وعمل قسطرة في القلب امبارح... بس أوعدك نخرج بكرة بعد الشغل لوحدنا."
بهدوء ردت جميلة: "ألف سلامة عليه، أنا كمان رايحة مع ماما النهارده، ولا أنت نسيت؟"
افتعلا مالك الانشغال بالطريق وقال بسخرية: "لأ أنا فاكر... بس ابقي سلميلي على ابن خالتك."
مالت عليه جميلة وهمست بدلال: "انت لسة زعلان."
نظر إليها بنظرة ثاقبة سريعة وقال: "متضايق... بس مش زعلان."
أخرجت جميلة وردة من الباقة، وداعبت بها وجه مالك بمرح طفولي: "خلاص متزعلش."
صمتت جميلة لحظات ثم أردفت بجدية: "وقتها أنا كنت خايفة يا مالك، فعلشان كده كذبت عليك."
قال وعيناه على الطريق: "أنا مبحبش الكذب. لما حسيت إنك ممكن تروحي لراجل تاني يا جميلة أنا يومها بس حسيت بالعجز، حسيت قد إيه أنا ضعيف... الوجع كان كأن قلبي بيخرج من ضلوعي."
همست جميلة بحنان: "بعد الشر على قلبك."
ابتسم مالك وهو يقف بالسيارة أمام منزل جميلة. فتحت جميلة باب السيارة ونظرت إليه بحب وهمست: "شكرا على الورد... وعلى التوصيلة."
نظر إليها بابتسامة وقال بصوت رخيم: "خلي بالك على نفسك يا جميلة."
ابتسمت وهي تتجه نحو المنزل لكنه أردف بصوت بالكاد مسموع: "وعلى قلبي."
انطلق مالك بسيارته متجهًا نحو منزل يوسف. وقف في الإشارة وأخرج هاتفه وبعث رسالة إلى جميلة: "طمنيني عليكي، نزلتي؟"
لحظات وأضاء هاتفه برسالة من جميلة: "قربت أوصل عند ليلي."
ابتسم مالك وهو يدرك في قرارة نفسه أن جميلة سيطرت على قلبه ومشاعره. للمرة الأولى التي يواجه فيها مالك نفسه بمشاعره، بضعفه أمام عيني جميلة، وحبها الذي يملأ كل كيانه.
دخلت جميلة غرفة ليلي التي كانت مستلقية على السرير تعبث بهاتفها. رفعت ليلي عينيها عن الهاتف حين دخلت جميلة. نظرت لها وصاحت: "وشك منور يا جميلة."
اتسعت ابتسامة جميلة وهي تغلق الباب خلفها وصاحت بعيني لامعتين بالحب: "مالك جالي عند الشغل النهارده، وجابلي بوكيه ورد."
رفعت ليلي حاجبها وهتفت: "ورد؟! مش لسة بدري على الفلانتين."
ضحكت جميلة بدلال وقالت: "من غير مناسبة."
اعتدلت ليلي في جلستها وصاحت: "مالك اللي مش بيقول كلمتين على بعض جابلك ورد؟! ده لما كان بيجيبلك شوكولاتة كان بيحطها قدامك ويقولك اهو جبتلك شوكولاتة، بيجيب ورد.... انتي عملتي فيه إيه؟"
ضحكت جميلة: "هو تقريبًا عمل كده في الورد برضه، سابهولي على كرسي العربية.... بجد يا ليلي أنا مبسوطة أوي... أحلى إحساس في الدنيا إن الإنسان اللي بحبه بيستقبلني نفس الشعور."
ابتسمت ليلي: "واضح إن مالك رومانسي بس مخبي.... كان خايف.... عليكي وعلى نفسه، بس دلوقتي اتجرأ شوية."
همست جميلة: "بس أنا اللي بقيت أخاف عليه دلوقتي أكتر من أي حاجة في الدنيا... خايفة أي حاجة تبعدنا عن بعض."
رفعت ليلي حاجبها: "يا بنتي الواد وقع خلاص مفيش حاجة هتبعدكوا عن بعض إن شاء الله، بس قوليلي أخوه فين من حياتنا؟ مش بيخرج معانا ولا أي حاجة."
ضحكت جميلة: "أنس باشا في الغردقة، وبعدين اتلمي بقى، هو لو شافك بالأسلوب ده ممكن يحبسك."
غمزت ليلي: "لو هيحبسني في بيته أنا موافقة."
ضحكت جميلة: "وبعدين معاكي بقى، بس أوعدك أول ما ينزل القاهرة هقول لمالك يخليه يخرج معانا."
أضاء هاتف جميلة بمكالمة من مالك. رأت ليلي اسم مالك على الهاتف فصاحت: "أوووه واضح إن الحب مولع.. ورد وتليفونات."
ابتسمت جميلة بخجل وهي تبتعد عن ليلي لترد على مالك، همست بصوت حاني: "ألو."
جاءها صوت مالك من الطرف الآخر هادئ ورخيم: "وصلتي؟"
جميلة: "آه وصلت... قاعدة مع ليلي."
مالك: "طيب كويس... أنا كنت بطمن عليكي... أنا تحت البيت عند يوسف، ابقي طمنيني عليكي لما تروحي."
همست جميلة: "مالك... أنت أكيد مش زعلان مني؟"
بنبرة واثقة أجاب: "مبزعلش منك."
همست بصوت منخفض: "أنا آسفة... بحبك."
مالك: "وأنا كمان آسف لو زعلتك."
جميلة: "كلمني لما تنزل من عند يوسف."
أغلق مالك الخط وعلى وجهه ابتسامة يعرف مصدرها جيدًا، وصعد إلى منزل يوسف.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم اميرة احمد
جلس زياد في غرفة المعيشة، يرتدي قميص قطني باللون الأبيض وبنطال رياضي باللون الأزرق الداكن. بجواره جلست نور تقطع له التفاح وتضعه في فمه بحنان. ومن الحين للآخر تضغط على يده وتطمئن عليه.
همست بصوت ملئ بالقلق:
في حاجة تعباك يا زياد؟ عاوز تدخل ترتاح جوه؟
ابتسم لها زياد في هدوء وقال بصوت ضعيف:
أنا كويس يا نور.
وضعت نور يدها على صدره ونظرت إلى عينيه وقالت:
أنا اللي مش كويسة يا زياد.... من وقت ما شوفتك تعبان وحاسة إن قلبي أنا اللي واجعني.
اقترب منها ببطء ووضع قبلة حانية على جبينها وهمس:
بعد الشر عن قلبك يا حبيبتي... أنا لسة معاكي وجنبك اهو، مش هاسيبك دلوقتي متقلقيش.
ربتت نور على ساقه:
ربنا يخليك ليا.
دخل يوسف إلى الغرفة. نظر إليهم بابتسامة وهتف بمرح:
هو أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟
هتفت نور بحدة:
احترم نفسك يا ولد.
جلس يوسف بجوار والده وأمسك يديه ومال على أذنه وهمس:
طيب ما انت كويس اهو يا حج بتقلقنا عليك ليه.
ضحك زياد بضعف وهو يتألم وقال:
بحب ألعب معاكوا شوية.
دق الباب. فصاح يوسف:
ده مالك يا بابا، جاي علشان يطمن على صحتك.
قالها يوسف واتجه خارج الغرفة. بينما نور اعتدلت في جلستها ووضعت غطاء رأسها. لحظات وعاد يوسف ومن خلفه مالك، الذي وقف عند مدخل الغرفة بوجه مبتسم، يحمل في يده علبة شوكولاتة وقال:
ألف سلامة على حضرتك يا عمو.
ربت يوسف على ظهر مالك وهو يقول بمرح:
ادخل يا مالك، بابا بس بيحب يلعب معانا شوية... بس الحمد لله بقى كويس.
جلس مالك على المقعد المجاور للأريكة التي يجلس عليها زياد. فقال زياد:
كتر خيرك يا ابني... تعبت نفسك والله.
اكتفى مالك أن يرد بابتسامة. فأردف زياد:
صحتك عاملة إيه دلوقتي يا مالك.
أومأ مالك بهدوء:
الحمد لله.
بينما صاحت نور:
هو كان تعبان ولا إيه؟ ما شاء الله وشه منور وزي الفل أهو.
ضحك يوسف وهو يمرر أصابعه في خصلات شعره وقال:
وشه منور من حاجة تانية يا ماما.
توتر مالك، وبدا الخجل واضحًا على ملامحه. بينما قال زياد:
الله... هو انت كمان وقعت... أنا قلت برضه.
هتف يوسف بمرح:
ادعيله بقى يا بابا يتهور ويعملها قريب.
نظر له زياد بابتسامة وقال:
لو بتحبها بجد متستناش حاجة، قولي وأنا أروح أخطبهالك.
ابتسم مالك ابتسامة خجولة وقال:
إن شاء الله قريب.
بينما صاح يوسف:
أوووه ده اعتراف أنا معرفوش... واضح إن ليك غلاوة عنده يا بابا علشان يقولك.
قاطعهم صوت جرس الباب. فقال زياد بصوت ضعيف:
ده أكيد فارس، قالي هيعدي عليا علشان يجيب نتيجة التحاليل.
خرج يوسف. لحظات وعاد ومعه فارس. وقف فارس عند مدخل الغرفة يرتدي بنطال من الجينز الأزرق وقميص كحلي منمق مفتوح ومن تحته تي شيرت قطني أبيض. ملامحه هادئة، وابتسامته تبعث على الطمأنينة حين قال:
صحتك عاملة إيه دلوقتي يا أونكل؟
ابتسم زياد وقال بمرح:
أنا متدلع أوي، الدكتور بنفسه جاي يطمن عليا في البيت.
ضحكت نور وهي تضع قطعة من التفاح في فم زياد وقالت:
هو عندنا أغلى منك يا حبيبي.
دخل فارس سلم على مالك وجلس بجوار زياد. فتح حقيبته الصغيرة وأخرج بعض الأوراق وقال:
التحاليل طلعت وكلها الحمد لله كويسة.... مش محتاج بس غير إنك ترتاح شوية وتبعد عن أي توتر وقلق... وياريت لو تبعد عن الشغل اليومين دول.
قال مالك بنبرة مازحة:
لو هتبعد عن التوتر والقلق يا عمو يبقى محتاج تبعد عن يوسف.
ضحك الجميع بينما وكزه يوسف في كتفه.
دخلت حياة وهي تحمل صينية عليها بعض أكواب الشاي والعصير. سلمت على مالك وفارس. ناولَت زياد كوبًا من الينسون وقالت:
أنا عملتلك حاجة سخنة تشربها يا بابا، مش هينفع قهوة زي ما دكتور فارس قال.
ابتسم فارس. بينما قالت نور بعفوية:
هي حياة كده، مركزة مع كل كلمة انت بتقولها يا فارس وبتنفذها بالحرف.
احمرت وجنتا حياة، بينما تعلق فارس بعينيه بها وظهرت ابتسامة صغيرة على جانب شفتيه.
وقف مالك على الفور وقال:
أنا اطمنت عليك يا عمو فا أستأذنكم أنا.
وقف يوسف بدوره وقال:
ما تخليك قاعد معايا شوية.
مال مالك على أذن يوسف وقال وهو يسلم عليه:
الجو هنا بقى عائلي أوي ومشحون بالمشاعر.
ضحك يوسف وهمس:
هو أنت أخدت بالك؟
رفع مالك حاجبه باستنكار:
هو في حد مش واخد باله.
ربت يوسف على كتفه وهو يتبعه إلى الخارج وهمس في أذنه:
هما نفسهم مش واخدين بالهم.
***
جلس عمر خلف مكتبه في البنك يراجع بعض الأوراق بتركيز وهو يحتسي قهوته، حين رن هاتفه بمكالمة واردة من والدته. لم يكن من المعتاد أن تتصل به في أوقات عمله فهي تعلم بحبه واهتمامه بعمله. أجاب بصوت قلق:
الو يا ماما..... انتي كويسة يا حبيبتي.
لكن آتاه من الجانب الآخر صوت زغاريد لم يفسرها في بادئ الأمر، لكنه تفهم حين صاحت والدته في سعادة:
مبروك يا حبيبي... ألف مبروك.
ضحك عمر بعدم فهم وقال:
مبروك على إيه يا ماما؟
ردت والدته وهي لازالت تطلق الزغاريد:
اخص عليك يا عمر بتخبي عليا أنا، كده متقوليش إن حنين حامل... أعرف من حماتك.
بصق عمر القهوة من فمه من الصدمة وهو يصيح:
حامل؟!
التفت إليه زملاءه في البنك بابتسامة وانهالت عليه التهاني. بينما همس عمر لوالدته بحرج:
إزاي يا ماما... استحالة.
والدته:
استحالة إزاي يعني... بقولك حنين اللي قالت لمامتها إنها تعبانة... قالتلها كل أعراض الحمل، هو يعني انت هتفهم أكتر مني.
تغيرت ملامح عمر وهتف بقلق:
ماما يعني حنين تعبانة في البيت دلوقتي؟
والدته عبر الهاتف:
يا حبيبي متقلقش عليها كده، كل الستات بتتعب كده في أول الحمل.
صاح عمر بقلق:
طيب اقفلي دلوقتي يا ماما.... لازم أروح أطمن على حنين وهابقى أكلمك.
أغلق عمر الهاتف ووجد زملاءه يلتفون حوله يطلقون عبارات التهاني ويباركون المولد القادم.
أخذ عمر مفاتيح سيارته وانطلق مسرعًا إلى المنزل.
دخل عمر إلى شقته بسرعة وهو يشعر بالقلق على حنين. صاح باسمها عندما فتح الباب، لكنه وجدها تجلس أمامه على الأريكة، قدماها مرفوعتان إلى جوارها وتشاهد فيلما في التليفزيون وتضحك. وقف أمامها عمر لحظات قبل أن يطلق ضحكة وهو يقترب منها ويتساءل:
هو إحنا مستنين حدث سعيد قريب؟
نظرت إليه حنين بعدم فهم. اعتدلت في جلستها، بينما هو أردف بابتسامة:
يعني مش المفروض خبر زي ده أبقى عارفه قبل مامتك؟
اتسعت عينا حنين باستغراب وقالت:
هو في إيه يا عمر؟ حدث سعيد إيه؟
جلس عمر إلى جوارها وقال من بين ضحكاته:
ماما يا ستي كلمتني وأنا في الشغل وبتزغرط وتقولي مبروك حنين حامل.
اتسعت حدقتا حنين وفرغت فاها قبل أن تضع يدها عليه. أطلقت شهقة وقالت:
طنط جابت للكلام ده منين... يعني.. أقصد... إحنا... استحالة يا عمر...
ضحك عمر، لكنه أمسك يدها بحنان وهمس:
هو انتي تعبانة يا حنين؟
حركت رأسها بالنفي وقالت:
أنا كويسة الحمد لله اهو.
همس عمر بصوت دافئ:
ماما قالتلي إنك قولتي لمامتك إنك تعبانة.. لو تعبانة قوليلي ونروح لدكتور.
نظرت له حنين مطولاً قبل أن تضع يدها على فمها مرة أخرى وصاحت:
عمر أنا لما كلمت ماما النهارده قولتلها فعلاً إن بطني بتوجعني ودايخة شوية... بس أنا أبعد ما يكون عن إني حامل... أنا.. أنا عندي..
عضت حنين على شفتها من الخجل وصمتت. أطلق عمر ضحكة وهو يضع يده على قلبه بحركة درامية مضحكة وقال:
أنا اللي عندي ورطة كبيرة دلوقتي.
اقتربت منه حنين وهمست بقلق:
ورطة إيه؟ في مشكلة في شغلك؟
ضحك عمر بمرح وهو يخلع ساعته:
دلوقتي أقول لماما إيه اللي مستنيه أول حفيد... مش بعيد تكون نزلت تشتري هدوم البيبي وبتجهز للسبوع.
ضحكت حنين بمرح:
والله يا عمر ما قولت لماما حاجة... هي فهمت غلط أكيد.
عمر:
لا والمشكلة الأكبر في البنك..... أول ما ماما كلمتني صرخت وقولت حامل... البنك كله سمعني، ونزلت التهاني والمباركات ويتربي في عزك، وهتسميه إيه.... وأنا أحاول أفهمهم إن يا جماعة أكيد مراتي مش حامل، محدش هيفهم طبعًا..... خصوصًا إني سبت الشغل وجريت.
ضحكت حنين حتى دمعت عيناها:
دي ورطة فعلاً يا عمر.. غير هدومك وتعالى نتغدى وأنا هاكلم طنط أفهمها على سوء التفاهم.
نظر إليها عمر بمرح وقال بمكر:
ويهون عليكي تكسري قلبها، ما تيجي نفرحها بجد.
وكزته حنين في صدره وهي تتجه إلى المطبخ:
بس يا عمر كفاية هزار... أنا هاكلمها بعد الغدا.
***
دخلت لارا إلى غرفتها في المساء. جلست على الأرض أمام خزانة الملابس. لم تكن تدري عما تبحث بالتحديد، لكن قادها الفضول للبحث بحقيبة سفر صغيرة موضوعة داخل الخزانة. أخرجتها بعناية، فتحتها بعقل مشوش.
تنقلت بين محتوياتها... وردة مجففة بعناية... خاتم مصنوع من الورق المقوى مرسوم عليه قلب باللون الأحمر، صورة تجمعها بيوسف وتضحك فيها بسعادة... تذاكر قديمة للسينما، تذكرتين لدخول البرج بنفس تاريخ الصورة التي أشار إليها يوسف، زجاجة عطر شبه فارغة من العطر الذي يضعه يوسف، وأخيرًا وجدت دفتر صغير من الجلد البني محفوظ بعناية.
فتحته بابتسامة حزينة. شعرت بالألفة تجاه كل الأشياء في الحقيبة، بينما ذلك الدفتر بالذات شعرت وكأنه جزء من روحها.
أول صفحة فيه مكتوب في المنتصف كلمة "حياتي" وبجانبها رسمة لقلب صغير.
قلبت الصفحة، وجدت كتابة بخط يديها:
" شفت يوسف النهاردة تاني... حاسة إني بدأت أحبه.."
تنهدت لارا وقلبت الصفحة.
" يوسف جابلي القهوة النهاردة زي ما بحبها من غير ما أطلب.... هو دايما بيلاحظ وياخد باله من حاجات صغيرة محدش غيره بيشوفها."
بدأت دموعها تتجمع في عينيها وهي تقلب الصفحة.
" مش عارفة هو بيعمل كده إزاي؟ بس أول ما بيكلمني بحس إن ضربات قلبي بقت أهدى... يمكن هو مش عارف هو بيأثر عليا إزاي..... أنا نفسي مش فاهمة تأثيره عليا."
بدأت دموعها تسيل على خديها وهي تقرأ:
" كنت ماشية جنبه النهاردة وحاسة بالأمان.... إحساس غريب... بس لما بيبصلي بحس إني موجودة فعلاً."
فرت في الصفحات وعيناها تفيض بالدموع والمشاعر تتأرجح بداخلها.
" النهاردة يوسف زعقلي... علشان خرجت من غير ما أقوله... أنا عارفة إنه خايف عليا... بس أنا زعلت ... علشان هو أكتر واحد بيفهمني من غير ما أتكلم كان المفروض يفهمني.. بس لما سيبته ومشيت سمعت صوته بينادي عليا وبيقولي" استني... متروحيش وإنتي زعلانة" ساعتها حسيت إن قلبي خرج مني وجري راحله، حسيت إني عاوزة ارجعله وأترمي في حضنه"
" أنا بحبه.. أنا فعلاً بحبه.... إحساس غريب بس مش عايزة أكون مع أي حد في الدنيا غيره... حتى أهلي.... بحس إني قوية وضعيفة في نفس اللحظة وأنا جنبه."
فرت في مذكراتها حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
" يوسف وعدني إننا هنكون مع بعض... أنا متأكدة إنه هيقدر.. بس خايفة... خايفة بكرة ييجي ومكنش معاه"
جلست لارا طوال الليل تقرأ في مذكراتها، وفي الصباح عزمت أن تواجه مشاعرها.
في الثامنة صباحًا، كانت تقف لارا أمام منزل يوسف، وقفت أمام سيارته تنتظره وهو في طريقه إلى العمل.
خرج يوسف من البناية، يعدل من ساعته، بينما هو يرتدي نظارته الشمسية. لمحها تقف بجوار سيارته، توجه إليها بسرعة وصاح بقلق واضح على نبرته:
لارا؟ إنتي واقفة هنا من إمتى؟
التفتت إليه، وجهها مرهق من السهر، لكن عينيها تشع بمشاعر متضاربة. قالت بصوت مرتبك:
معرفش... بس حبيت أجيلك الصبح... قبل ما تروح الشغل، مكنتش هقدر أستنى.
ارتفع حاجباه في صمت، ينتظر منها أن تكمل.
همست والدموع تتجمع في مقلتيها:
كنت كاتبة كل حاجة... عنك....عننا.... عن اللحظة اللي بدأت أحبك فيها من غير ما أحس.... عن خوفك عليا، وعن كل مرة كنت بتحارب فيها علشاني، كل حاجة كنت فاكرة إني نسيتها وضاعت ... لقيتها.... عرفت إن اللي كنت حاسة بيه الأيام اللي فاتت هو إني بحبك يا يوسف... ولما قريت اللي كتبته عنك، عرفت إني كنت بحبك و لسة بحبك.... واعتقد هفضل أحبك.
نظر لها مطولاً بعينين لامعتين ثم قال بنبرة حانية:
امشي يا لارا.
رفعت حاجبها باستنكار، فهتف:
علشان نفسي أحضنك دلوقتي ومش هينفع.
ضحكت بطفولة، همت أن تنصرف لكنه أمسك يديها بقوة وقال:
استني......
عارفة؟ كنت ناوي أروح الشغل، عندي ميعاد مهم الساعة تسعة... بس بعد اللي سمعته، مفيش حاجة أهم منك.
ابتسمت بخجل وقالت:
يعني هتهرب من شغلك عشاني؟
ضحك وقال:
ماهو أنا بقالي شهور بحارب عشانك، مش كتير عليا يوم نحتفل إنك رجعتيلي.... تعالي نتمشى على النيل، نجيب فطار ونقعد نحكي... عايز أعرف كل اللي افتكرتيه، وكل اللي كنتي كتباه وأنا مش عارف.
ضحكت وقالت:
هحكيلك... بس بشرط.
رفع حاجباه:
شرط؟
وضعت كفها على عينها وقالت:
ما تضحكش عليا.
هز رأسه وقال بجدية وهو يفتح لها باب السيارة:
أنا عمري ما ضحكت على حبك، ولا هضحك عليك.
صمتت لحظة وقالت:
كنت كاتبة إنك شبه الأبطال اللي في الأفلام والروايات.
ابتسم يوسف ابتسامة كلها دفء وقال:
وإنتي أحلى من أي بطلة.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم اميرة احمد
بينما كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية على النيل الذي يجري بهدوء، جلس يوسف ولارا في إحدى الأركان الهادئة في المطعم. أمامهما فطور خفيف لم يلمسه أحد منهما. لارا تسند رأسها على كتفه بهدوء، ترفع عينيها وتراقبه بصمت، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه من جديد. بينما يوسف يضع كفه فوق كتفها، صامت يستأنس بدفء قربها.
همست بهدوء: يوسف.
يوسف: امممم.
لمعت الدموع في عينيها وقالت: عارف... أنا اكتشفت إني كنت بحبك قوي... أكتر ما كنت فاكرة. كاتبة حاجات كتير عنك... عن حاجات بسيطة، زي إنك بتحب القهوة من غير سكر، أو إنك دايمًا بتهتم بتفاصيل صغيرة أوي محدش غيرك بيلاحظها.
صمت يوسف ولم يعقب. فأردفت: أقولك على سر؟ من أول لحظة شفتك فيها بعد الحادث، كنت بحس بالأمان. كنت بستغرب ليه، بس دلوقتي... فهمت.
رفعت رأسها تواجهه، نظرت داخل عمق عينيه وهمست: أنا بحبك يا يوسف... وبختارك تاني دلوقتي بإرادتي.
ابتسم يوسف وهو يمرر أنامله على وجنتها بحنان وهمس: أنا كنت مستني كل الوقت ده علشان اللحظة دي... اللحظة اللي تحبيني فيها تاني، وتختاريني تاني. أنا بحبك بكل نسخة منك، قبل الحادثة وبعد الحادثة بحبك.
***
جلس مالك مع جميلة في إحدى المطاعم. نظر لها مالك بابتسامة كالعادة وهمس وهو يعبث بخصلة من شعرها: تعرفي أنا بغير أوي إن حد غيري يشوف شعرك، مش ناوية تغطي شعرك بقي.... و.... وخليني أنا بس اللي أشوفه.
ضحكت جميلة وهي تضع خصلة شعرها خلف أذنها: مالك أنا إن شاء الله لما أتحجب أنت كمان يا حبيبي مش هتشوف شعري.
همس مالك محدثًا نفسه بصوت لم تسمعه جميلة وهو يضغط على أسنانه: غبية.
لاحظت جميلة التوتر البادي على وجه مالك فهمست: طيب شجعني وتعالى ننزل دلوقتي نشتري حجاب سوا.
ابتسم لها مالك وهمس بحنان: ماشي يلا.
سارت جميلة إلى جوار مالك بهدوء، بينما كان التوتر ملحوظًا على مالك. لكنه وقف فجأة ونظر إلى جميلة وقال بنبرة متوترة: جميلة.... تتجوزيني؟
وقفت جميلة لحظات تنظر له، تحاول أن تستوعب الكلمات التي خرجت من فمه للتو. ارتسمت على وجهها ابتسامة وترقرقت في عينيها دمعة فرح وهمست: أنت عارف يا مالك أنا رسمت في دماغي سيناريوهات كتير عن الطريقة اللي نفسي تطلب ايدي بيها، بس اللي انت قلته دلوقتي أحلى من أي حاجة كنت نفسي فيها.
اتسعت ابتسامة مالك، ورفع كتفيه في استنكار وهتف: يعني موافقة ولا إيه؟
ضحكت وهي توكزه في كتفه: طبعًا موافقة.
تنفس مالك الصعداء: ما تقولي كده من بدري.
ضحكت بدلال: هو أنت كنت شاكك يا مالك بعد كل ده؟
نظر لها بعينين ممتلئتين بالحب، وقال بنبرة جادة: مش شاكك في حبك، بس الجواز مسؤولية كبيرة، وتحديات. بس لو وافقتي هنبقى في كل ده مع بعض.
أمسكت جميلة كفه برفق وقالت: أنا مستعدة أواجه الدنيا كلها لو هنبقى مع بعض. أنا بقيت أحس إن روحي معاك يا مالك... وعايزة أقضي عمري وأنا جنبك.
ابتسم مالك وأخذ نفسًا عميقًا وكأن حملًا ثقيلًا قد رُفِع من على صدره للتو وقال: وأنا أوعدك من اللحظة دي مش هتواجهي أي حاجة في الدنيا لوحدك. بس لازم تعرفي إن الحياة مش دايما هتكون في صفنا، ومش دايما هتكون وردي.
زاد ضغطها على كفه وهمست: وأنا مستعدة أكون جنبك في الوحش قبل الحلو. هفضل أحبك حتى في الوقت اللي متبقاش قادر فيه تحب نفسك. وطول ما إحنا مع بعض هنقدر على أي حاجة.
اتسعت ابتسامة مالك وقال بمرح: طيب أكلم باباكي دلوقتي ولا هتقوليله إنتي ولا إيه؟
ضحكت جميلة واحمرت وجنتاها بخجل: هاتكلم معاه أنا.
ضحك مالك: هتقوليله عني إيه؟
جميلة: هاقوله قد إيه إنت بتحبني علشان يوافق. أنت مش عارف بابا بيخاف عليا ومتمسك بيا معاه في البيت قد إيه.
مالك: يبقى أخطفك تيجي تعيشي معايا.
ضحكت جميلة وهي تنظر في الأفق بنظرة حالمة: تخطفني على حصان أبيض ونسافر بعيد أنا وأنت نتجوز ونعيش في جزيرة لوحدنا.
فرقع مالك أصابعه بجوار أذنها وقال: ممكن ترجعي معانا أرض الواقع، وتتصلي بوالدك تقوليله.
ضحكت جميلة: دلوقتي؟
رفع مالك حاجبه وهتف بحدة: أمال السنة الجاية.
ضحكت وهي تمسك بكفه وتسير بجواره: الموضوع مش سهل كده يا حبيبي، ده لازم اجتماع لمجلس الإدارة وأعرض عليهم السيرة الذاتية بتاعتك، وطبعًا لازم الرئيس التنفيذي يوافق الأول.
نظر لها مالك بنظرة جادة وهمس: ضيعنا وقت كفاية يا جميلة، أنا شايف نكتب الكتاب ونبقى مع بعض على طول. رأيك إيه؟
ابتسمت بخجل: موافقة على أي حاجة تقول عليها.
ابتسم مالك بسعادة وهو يرى الخجل في عينيها. اقترب منها أكثر وهمس بنبرة هادئة: يعني خلاص؟ مش هتخليني ألف وراكي تاني؟
ضحكت جميلة وهي تحاول تخبي توترها: هو أنا كنت بخليك تلف ورايا؟ أنت اللي بتحب الدراما.
رفع حاجبه بمزاح وهو يحاوط كفها بكفه: حبك كان دراما كفاية في حياتي.
ضحكت جميلة: طيب جهز نفسك علشان أنا هاقول لبابا النهاردة. بس لو قال لأ أعمل حسابك إنك هتخطفني.
مالك ممازحًا: أنا أصلاً حرامي.
جميلة: أيوه. سرقت قلبي.
ضحك كلاهما سويًا. بعدها ساد بينهما لحظة صمت نظر فيها مالك لجميلة نظرة عاشق ثم همس: أنا مش عايز يوم يعدي من غير ما تبقي جنبي فيه.
ارتجف صوتها وهمست: وأنا عايزة أقضي عمري معاك من غير وجع أو بعد.
مد يده ولمس وجنتها بحنان وهمس: إحنا لسه في بداية الحكاية، وأوعدك على قد ما أقدر اللي جاي كله مش هيكون فيه وجع. ولو غصب عننا الدنيا حطتنا في موقف صعب. اللي أوعدك بيه إنك مش هتكوني لوحدك تاني أبدًا.
سارا جنبًا إلى جنب بعينين ممتلئتين بالأحلام والوعود التي لا نهاية لها.
***
أضاء هاتف جميلة باسم مالك. أمسكت الهاتف وأجابت بتوتر. آتاها صوته بكل ثقة يهمس: عروستي.
احمرت وجنتاها وظهر التوتر على صوتها وقالت: أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك كنت في بيتنا. احكيلي المقابلة مع بابا كانت عاملة إزاي.
ضحك مالك وقال بمرح: أنا حسيت إني في لجنة تقييم، والدك صعب أوي.
قالت جميلة بمرح: اتكلم معاك في إيه؟
ضحك مالك مجددًا: قولي متكلمش معايا في إيه. سألني عن دراستي، شغلي، عيلتي، مرتبتي، مستقبلي، أفكاري، طموحاتي. صمت لثانية ثم أردف: جميلة والدك سألني أنا بنام الساعة كام. متخيلة.
قهقهت جميلة: وانت قلتله إيه؟
قال مالك بنبرة جادة دافئة: قلت إنك نعمة وأنا هاعيش عمري كله أحافظ عليها.
همست بخجل: يا مالك.
هتف بمرح: تخيلي قولتله كده ومبتسمتش حتى.
همست جميلة بثقة: بس بابا أعجب بيك.
صاح مالك بحماس: بجد؟ عرفتي منين؟
جميلة: دخل عليا بعد ما مشيت وقالي الولد ده شكله بيحبك أوي.
تنهد مالك: طيب إيه؟
ضحكت جميلة بدلال: بابا موافق يا حبيبي.
مالك: وأنا حبيت والدك جدًا. بس مش زي ما بحبك طبعًا. أنا هأعد الأيام لحد أما تبقي هنا معايا.
ظهرت الابتسامة على صوت جميلة وهمست: ده حلم هيتحقق لي.
همس بنبرة دافئة: استعدي لأحلام كتير تتحقق طول ما إحنا مع بعض.
***
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً حين نظرت حنين إلى الهاتف مجددًا، قلبها يخفق بشدة وشيء بداخلها يخبرها أن هناك خطب ما. عمر لا يتأخر هكذا، وغير معتاد أن يترك مكالمتها ورسائلها دون رد. نهضت من مكانها تدور في أنحاء المنزل على غير هدى، تنظر من خلف النافذة الكبيرة على الطريق تتابع السيارات عسى أن تلمح سيارته في الأفق. كانت في حالة شرود تام حين رن هاتفها باسمه. أمسكت الهاتف بلهفة وأجابت: عمر. أنت فين؟
أتاها صوته متعب ضعيف: أنا طالع، ممكن بس تدخلي الأوضة وتقفلي على نفسك علشان معايا ضيوف.
حنين: ضيوف؟ دلوقتي؟
قاطعها عمر: من فضلك يا حنين أنا خلاص على الباب.
دخلت حنين إلى غرفة نومها وأغلقت الباب والقلق يعتصر قلبها. شعرت بحركة في الخارج وأصوات بعض الرجال، وبعد دقائق سمعت صوت عمر يهتف باسمها: تعالي يا حنين الضيوف مشوا.
خرجت حنين بسرعة، لكنها تسمرت مكانها حين وجدت عمر يجلس على الأريكة قدمه اليسرى في الجبيرة، وذراعه مرفوعة بحمالة ورباط أبيض سميك مربوط حول كتفه. وجهه شاحب وعلامات الإرهاق واضحة عليه.
صرخت حنين أول ما وقعت عيناها عليه، أسرعت إليه، ركعت على ركبتيها أمامه وارتمت في حضنه. بدأت الدموع تسيل من عينيها وهمست بصوت متقطع: والله كنت حاسة إن حصلك حاجة. أنت كويس يا عمر؟
ببطء لف يده السليمة حول خصرها وهمس: متخافيش أنا كويس.
حين لمس كفه ظهرها، أدركت أنها ألقت بنفسها بين ذراعيه. ابتعدت عنه سريعًا وهمست بنبرة متوترة: أ... أنا آسفة.
عمر: آسفة علشان حضنتي جوزك؟
رفعت عينيها إليه وهي لا تزال راكعة في الأرض أمامه. أدركت حنين لحظتها أن مشاعرها تجاه عمر بدأت تكبر، لكنها نحت مشاعرها جانبًا وقالت وهي تجلس على إحدى المقاعد القريبة بصوت مرتبك ملئ بالقلق: إيه اللي حصل؟
تنهد بألم: وأنا خارج من البنك عربية خبطتني. رجلي اتكسرت وكتفي اتخلع، بس الحمد لله أنا كويس متقلقيش.
نظرت إليه وعيناها ممتلئتان بالدموع. ابتسم عمر وقال بنبرة مرحة: أنا لو كنت أعرف إنك هتحضنيني كده كنت خليته يخبطني من زمان.
ابتسمت حنين رغم دموعها وهمست بصوت بالكاد مسموع: بعد الشر عنك.
نظرت حنين حولها ثم صاحت: طيب أجيب لك مسكن؟ في دوا بتاخده؟ تحب أعملك حاجة؟
أومأ عمر برأسه وقال: ممكن بس تساعديني أدخل الأوضة جوه. حاسس إني محتاج أرتاح.
نظرت حنين إليه بتوتر. اقتربت منه حاوطت ظهره بذراعها، بينما لف هو ذراعه حول كتفها. حاولت أن تمسك بخصره وتساعده على النهوض. أخيرًا وقف على قدم واحدة بمساعدتها. تقدما ببطء شديد حتى وصلا إلى غرفة النوم. رغم أن المسافة لم تكن كبيرة لكنها كانت شاقة على كليهما.
جلس عمر على زاوية السرير بمساعدة حنين. فتحت خزانة الملابس وأخرجت له منامة قطنية مريحة ووضعتها بجواره على السرير. نظر لها عمر وقال: ممكن تجيبي لي شورت وتيشيرت. مش هأقدر ألبس بنطلون.
صاحت حنين بقلق: بس الجو برد عليك.
ابتسم عمر: طيب ألبس البنطلون فوق الجبس إزاي؟
ضحكت حنين: صح عندك حق.
أخرجت له ما طلب ووضعته بجواره على السرير قبل أن تدير ظهرها استعدادًا للخروج. عادت مرة أخرى التفتت إليه وخفضت عينيها وهمست: هتقدر تغير هدومك لوحدك؟
نظر لها عمر وقال بنبرة مازحة: أنتي شايفة إيه؟ كتفي مخلوع ورجلي مكسورة.
ضحكت بخفة، واقتربت منه، مدت يديها تساعده في فك أزرار قميصه بلطف.
كان يرقبها بصمت. يتأمل ملامحها القريبة، حركتها الحذرة، وخوفها عليه الممزوج بحيائها.
حين حاولت أن تساعده في خلع قميصه برفق، تأوه عمر بألم حين لمست يداها الرباط الملفوف حول كتفه.
تأوه بألم وقال: بالراحة.
حنين: آسفة غصب عني.
ناولته السروال في يديه واستدارت وهي تخبئ عينيها بكف يديها.
ضحك عمر وهو يأخذه منها. دقائق وهمس باسمها. التفتت إليه وجدت أنه يجاهد ليجلس مرة أخرى كما كان متألماً. اقتربت منه ولفت ذراعها حول ظهره وقالت: تعالي ارتاح على السرير.
ساعدته في الوصول إلى السرير. وضعت بعض الوسائد خلف ظهره والأخرى تحت قدمه. ظلت بجواره تصلح الوسائد من حوله وتضع الغطاء فوقه وقالت: حاسس بإيه؟
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب وقال: حاسس إن ربنا عوضني بيكي، الألم مش تقيل وإنتي جنبي.
رفعت عينيها ونظرت له لأول مرة بنظرة حب لم تحاول أن تخفيها، لكنها ليست قادرة على الاعتراف بها وقالت: طيب نام دلوقتي ولو احتجت حاجة ناديني.
ابتسم لها عمر بخبث وقال: لو ناديتك هتيجي تحضنيني تاني؟
ابتسمت حنين بارتباك وقالت: بتهزر حتى وانت تعبان.
نظر لها عمر نظرة جادة وقال: أنا مبهزرش. أنا فعلاً نسيت الألم لما حضنتيني.
نظرت له بهدوء للحظات وقالت: تصبح على خير يا عمر.
أمسك عمر بكفيها قبل أن تنصرف وقال: مش هتيجي تنامي؟
حنين: طول النهار كنت قلقانة عليك ومعملتش حاجة في البيت. هاخلص شوية حاجات ورايا وأجي أنام.
نظر لها عمر برجاء: ممكن تفضلي جنبي دلوقتي، وأعملي اللي الحاجات دي الصبح.
ابتسمت حنين ولم تعقب، بل تمددت إلى جواره في صمت.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اميرة احمد
نبضات لاتعرف المستحيل
الفصل الثامن عشر:
أستيقظت حنين في الصبح علي صوت أنين عمر، كان يأن من الألم في نومه، أقتربت منه لمست ذراعه برقة و همست: عمر.
فتح عينيه ببطء، نظر لها بوجه متألم، فهمست: حاسس بألم؟
عمر بصوت بالكاد مسموع: كتفي واجعني أوي.
اقتربت منه، ساعدته أن يسند ظهره علي قائم السرير، ناولته قرص من المسكن و كوب الماء.... تناول عمر القرص منها، لكنها تركته و خرجت من الغرفة، غابت لدقائق قليلة و عادت تحمل في يديها صينيه بها أطباق الفطور وكوب لبن.
ضحك عمر حين رأها و قال بمرح: أوووه... أنا لو أعرف ان الأهتمام بيا هيبقي كده و أنا تعبان كنت تعبت من بدري.
جلست بجواره وهي تضع صينية الطعام أمامه و قالت بمرح: أنا طول عمري نفسي أعمل لحد الفطار في السرير بس مكنتش بتيجي فرصة.
ضحك عمر علي كلماتها، حاول أن يمد يده إلي الطعام لكنه تأوه من ألم كتفه، أقتربت منه حنين بلهفة وقالت: أستني أنا هأكلك.
قال عمر بدهشة ممزوجة بالمكر: بجد.... هتأكليني؟
لم تعقب، أمسكت حنين قطعة من ساندويتش الجبنه وقربتها من فمه بيد مرتبكة، أبتسم عمر وهو يفتح فمه كطفل صغير، قال و يهو يمضغ الطعام: تعرفي أن أول مرة الجبنة تبقي حلوة كده.
ابتسمت حنين بخجل و قالت: يمكن علشان كنت جعان.
نظر لها عمر بحب و قال: لأ علشان من أيدك.
صمتت وهي تضع لقمة أخري في فمه، تنظر إليه بخجل من حين إلي أخر، ثم قالت محاولة كسر الصمت بينهما: نمت كويس بالليل؟
عمر: كنت تعبان أوي، نمت من غير ما أحس.
صمتت حنين قليلا، ثم قالت وهي تضع قطعة من الخيار في فمه: أنا ما نمتش، كل شوية أصحي أطمن عليك.
نظر لها بعمق وقال: ليه يا حنين؟ ليه قلقتي عليا أوي كده؟
زاد ارتباكها، أخفضت عينيها تحاول أن تبتعد عن عينيه وقالت: يعني.... طبيعي أقلق عليك... حصلك حادثة.... وأحنا لوحدنا هنا....
قاطعها بصوت هادئ: مش بس كده... أنا شفت في عنيكي نظرة أمبارح... حسيت بحاجة مشفتهاش فيكي قبل كده.
صمتت حنين قليلا، قلبها يدق بسرعة داخل صدرها، لكنها همست بنبرة مرحة: هو مش أنت جوزي ولا أيه؟
مد عمر كفه وأمسك بكفها، نظر إلي عينيها و قال: قوليلي يا حنين... ابتديتي تحبيني؟
ابتلعت حنين ريقها بصعوبة، أغمضت عينها وقالت بصوت هامس: كل اللي عارفاه أني اتوجعت أوي لما شوفتك بالمنظر ده.
أبتسم عمر بحنان وقال: وأنا كفاية عليا اللي أنتي حساه ده.
مدت يدها بالمحرمة لتمسح شفتيه وقالت وهي تحاول ان تغير دفة الحوار: هاعملك قهوتك حالا.
ابتسم عمر وهو يشاهدها تبتعد عنه حتى خرجت من الغرفة، سمع صوت بعض النقر على الفناجين، دقائق وعادت جنين تحمل بين يديها فنجان قهوة، وضعته علي الطاولة بجوار سريره بابتسامه وقالت: قهوة مظبوط زي ما بتحبها.
ابتسم عمر: انا كده ممكن أخد على الدلع ده.
ربتت حنين علي كفه: انا مستعدة أعمل كده كل يوم بس تبقي كويس.
نظر لها عمر بابتسامة وقال: كده كتير عليا.
اخفضت حنين عينيها وهمست: محتاج حاجة تانية.
نظر لها عمر بعمق وهمس: لو قولتلك اللي انا عايزه هتعمليه؟
حركت حنين رأسها بعدم فهم، فأردف: انا لو قولتلك ان حضنك امبارح اكتر حاجة ريحتني ممكن تحضنيني تاني؟
اخفضت عينيها و احمرت وجنتيها، لاحظ عمر التوتر الذي ظهر علي ملامحها فهمس بضيق: خلاص مش مهم.
اقتربت منه ببطء، لفت يديها حول عنقه من مسافة ليست بقريبة او بعيدة، لكنها حافظت علي وجود مسافة بينهما، بينما هو لف ذراعه السليمة حول خصرها و جذبها إليه اكثر... جذبها حتي لم تكن هناك مسافة بينهما، أغمض عينيه و تنهد ببطء ثم همس في أذنها: ده مفيهوش مشاعر بس انا راضي.
أخيرا ابتعدت عنه بهدوء، تمتمت بصوت متوتر: انا هاخرج و لو احتجت حاجة ناديلي.
نظر إلي عمق عينيها و قال: ليه عاوزة تهربي مني؟
اخفضت عينيها و قالت: انا مش باهرب، هاعمل حاجات في البيت.
امسك يديها و قال: كل حاجة ممكن تتأجل، خليكي جنبي دلوقتي.
جذبها لتجلس بجواره علي السرير، ابتسم و قال: احكيلي
حركة رأسها بعدم فهم و قالت: احكيلك عن ايه؟
خفتت ابتسامته، لكنه قال بصوت دافئ: عن حياتك في الكام سنة اللي كنت مسافر فيها و بعيد عنك.
تغيرت ملامحها وقالت: مفيش حاجة يتحكي عنها.
ابتسم عمر وقال: طيب أحكيلي عن صحابك، مالك وجميلة ولارا...... احكيلي عنهم كلهم.... أكيد وحشوكي
ابتسمت حنين وقالت: جميلة أكتر واحدة وحشتني.... مش متخيلة بجد ان أخيرا هي و مالك ارتبطوا ببعض.
لمعت عيني عمر واتسعت ابتسامته و هو يشاهدها بشغف تحكي عن اصدقائها وحياتها القديمة في الفترة السابقة، علي الرغم من تلك الغيرة التي ظهرت في عينيه لأنها لم تذكر شادي عن عمد في حديثها....
-------------------------------
بعد حفل زفاف عائلي صغير في منزل والد جميلة، دخل مالك وجميلة الي شقتهما.... نظرت جميلة حولها، المنزل هادئ، كل شيء يحمل طابع مالك في كل تفصيله، ابتسمت رغما عنها... بفستانها الأبيض الرقيق، و طرحتها التل، وقفت جميلة تتأمل مالك بهدوء.
اغلق مالك الباب بينما وقفت جميلة علي مقربة منه باستحياء، عيناها علي الارض... خلع جاكيته والقاه علي اقرب مقعد وفك اول ازرار قميصه.... همس باسمها و هو يفتح ذراعيه، رفعت عيناها اليه و دون تردد القت بنفسها بين ذراعيه.
لف ذراعيه عليه بإحكام، ضمها إلي صدره و كأنها شيء ثمين يخشي ان يفقده، همس لها دون وعي: بحبك يا جميلة.
اخيرا ابتعد عنها ببطء، نظر اليها ، حاوط وجهها بكفيه و همس لها و هو يمرر ابهامه علي بشرتها بحنان
: انا عارف انك كان نفسك في فرح كبير ، بس انا عارف انتي كان نفسك في فرح ليه.... قال كلمته الاخيرة و هو يبتعد عنها ليدير مشغل الاغاني... مد اليها يده و هو يهمس: انا عارف انك كان نفسك نرقص سوا...
حاوط خصرها بذراعيه، بينما وضعت هي كفيها فوق كتفيه في رقة، راح يراقصها علي صوت انغام " sway" تمايلت بين ذراعيه في رشاقة، لفها حول نفسها عدة مرات ، مال بها الي الخلف و هو يسند ظهرها بيده، ثم طبع قبلة رقيقة علي شفتيها.... ضحكت و هي تهمس: مكنتش اعرف انك مجنون يا مالك.
ابتسم لها، ابعد يده عنها ببطء، انخفض علي ركبته و هو يخرج من جيبه علبه صغيرة، فتحها و اخرج منها خاتما و هو ينظر لها بابتسامته التي تسحر قلبها، مدت اليه كفها فوضع الخاتم في اصبعها.
صاحت بسعادة و هي تهتف باسمه و تقفز من السعادة كالأطفال
ضحك و هو يضمها الي صدره: بس بس.... أنس تحت يقول علينا ايه.
همست في اذنه بدلال: هيقول اتنين بيحبوا بعض.
نظرت الي الخاتم في اصبعها و صاحت من جديد بسعادة طفوليه: حلو اوي يا حبيبي.
وضع قبلة علي خدها وهمس: نفسي اقدر اجيبلك الدنيا كلها.
نظرت الي الخاتم في اصبعها بسعاده: أنت عندي اغلي من اي حاجة في الدنيا.
اقتربت منه و وضعت قبلة رقيقة علي خده: شكرا يا حبيبي.
لف ذراعه حول خصرها و ضمها الي صدره و هو يهمس لها: انا مش باعرف اقول كلام رومانسي... مش باعرف اعبر عن حبي بالكلام...
نظرت الي عينيه بحب و همست: بس انت عرفت كل ده ازاي؟ كل حاجة كان نفسي فيها حتي بنفس الشكل.
ابتسم مالك، نظر إلي عينيها كأنه يسترجع الماضي: كل رسالة كنتي بتبقي قاصدة تبعتها للبنات ومن حماسك كنتي بتبعتيهالي بالغلط و بعد شوية تمسحيها علي طول، كنت باشوفهم و احفظهم في قلبي..... ثم أردف كما لو كان يتلو جملا يحفظها عن ظهر قلب.
" نفسي ارقص مع مالك في فرحنا علي sway" ""
"عارفين لو نزل علي ركبته زي الأفلام، انا ممكن يجرالي حاجة"
" بصوا الخاتم ده حلو أوي"
ترقرقت دمعة في عين جميلة و همست: بحبك... انت ازاي بتعمل كل الحاجات اللي بحبها كده..... انا دلوقتي ندمانه علي كل يوم مكنتش معايا فيه.
ابتسم مالك و هو يمسك السلسال المعلق بصدرها و تحمل نبض قلب : بس انا نبض قلبي كان دايما معاكي يا جميلة.
نظرت له جميلة بعدم فهم فأردف: كنت محتار اجيبلك ايه في عيد ميلادك، بعدين افتكرت انك كان نفسك في سلسلة بالشكل ده، روحت علشان اعملها سألوني تحب تعملها بنبض قلبك انت، و فعلا عملتها بدقة قلبي.... يعني طول الوقت قلبي كان معاكي يا جميلة.
فرت دمعة من عينيها المتلألئتين بالحب و همست و هي تقترب منه: انا بحس ان الحب اللي بحبهولك قليل عليك.
ضمها إلي صدره اكثر، دفن رأسه بين خصلات شعرها و هو يملأ صدره من عبيره و همس: حب الدنيا كله مش كفاية عليكي
قرب وجهه من وجهها ليطبع قبلة على شفتيها المكتنزتين، لكن قبل ان تلمس شفتيه شفتاها رن هاتف مالك.
أخرج مالك الهاتف من جيبه، ضحك عندما رأي الشاشة تضئ باسم أنس:
أجاب بنبرة ساخرة: أيه يا باشا... كنت أطلع خبط علينا أسهل.
جاء صوت أنس من الطرف الأخر ضاحكا: أتمنى أني أكون اتصلت في وقت مناسب.... حبيت بس أطمن عليك.
ضحك مالك: أنت متصل دلوقتي علشان تطمن عليا؟ انا سايبك تحت من ربع ساعة ملحقتش تقلق عليا.
أنس: انا غلطان أني بسأل علي أخويا و مرات أخويا.
مالك بسخرية: طيب إيه رأيك تطلع تكمل السهرة معانا بدل ما أنت قاعد لوحدك.
ضحك أنس: لأ لأ... محتاج أنام.... وياريت تقللوا الدوشة شوية علشان أعرف أنام.
مالك بحزم مفتعل: أنت متصل ليه يا أنس؟
أنس: بصراحة... أنا كنت متصل علشان أعترفلك بحاجة مهمة..... ضميري واجعني أوي يا مالك مش هاعرف أنام.
مالك: وياتري ايه الاعتراف المهم اللي محتاج تعترفه دلوقتي و ميتأجلش.
أنس: انا طلعت شقتكوا الصبح من وراكوا.... أنا أسف.
ضحك مالك: أقفل يا أنس.
ضحك أنس: لأا بجد... انا كنت عاوز أقولك أني الصبح هسافر علي الغردقة ان شاء الله.
بهدوء مصطنع قال مالك: تروح وترجع بالسلامة.
أنس: بس قبل ما أسافر كنت عاوز أقولك علي حاجة، أنت محجزتش شهر عسل في أي مكان صح.... فانا فكرت يعني ......
قاطعه مالك بفزع: أوعي تقولي نروح الغردقة.
ضحك أنس: في ظرف على البوفيه، أخدت بالك منه؟
أجاب مالك وهو يبعد يديه من حول خصر جميلة التي تشاهده باستغراب واتجه نحو البوفيه و قال: أه فعلا في ظرف بس لسة واخد بالي منه.
أنس: أنا حجزتلكوا أسبوع عسل في لبنان.... هتلاقي في الظرف التذاكر وحجز الفندق وكل حاجة هتحتاجها والبرنامج بتاع الرحلة كامل.... و السفر بعد 3 أيام.
ضحك مالك وهو يفتح الظرف وقال بمرح: وده مكنش ينفع يتقال الصبح.
ضحك أنس: قول شكرا يا مهزأ.... واضح ان مكالمتي قاطعت لحظات الحب الوليدة، أنا أسف.
ضحك مالك: شكرا يا أنس... ولو علي المكالمة فهتترد ليك قريب ان شاء الله.
صاح أنس بمرح:اااه اهو ده اللي انا معملتش حسابه.... عمتا يلا بقي اقفل علشان انا لازم احضر شنطتي وأنام علشان هاتحرك بدري اوي.
قال مالك بامتنان: شكرا.
أنس: مبروك يا عريس.
أغلق مالك الهاتف، وتوجه ناحية جميلة التي كانت واقفة تشاهده باستغراب، أقترب منها و لف ذراعه حول خصرها وهمس في أذنها: كنا بنقول ايه؟
ضحكت جميلة و هي تبعد وجهها عنه قليلا: أنس كان عاوز أيه؟
رفع حاجبه: مش وقته.
اقتربت منه أكثر وهمست بدلال: علشان خاطري.
ابتسم مالك: كان عاوز يقولي أنه حجزلنا سفرية للبنان.
صاحت جميلة بحماس: بجد.
ضحك مالك وهمس: بهدووووء.... أنس باشا شكله مركز معانا أوي.
ابتسمت جميلة بخجل ..... في خفة وضع ذراع اسفل ركبتيها و حملها حتي غرفتهما....
صرخت وهي متعلقة في عنقه: نزلني يا مالك.
ضحك و هو يحكم قبضته عليها: انتي كان نفسك اشيلك لحد اوضتنا... فا متقوليش نزلتي بقي.
ضحكت بدلال: ايوه كان نفسي... بس دلوقتي خايفة توقعني.
أنزلها علي قدميها أمام السرير وهو يهمس: تخافي و انتي معايا.
نظرت له وهي تحاول أن تستوعب اللحظة... تشعر وكأنها في حلم... حلم انتظرته طويلًا، لكنه أجمل مما تخيلت.
جلست علي طرف السرير بهدوء، أقترب منها و جلس إلي جوارها مد يده يعبث بخصلة من شعرها بين أصابعه، تأمل ملامحها التي يعشقها... حرك أصابعه على وجنتها بلطف، ثم همس: جميلة.
رفعت عينيها إليه، نظرتها كانت مزيج من الحب والخجل، ولكنهما كانا يفهمان بعضهما دون حاجة للكلمات، أمسك كف يدها و طبع قبلة علي باطن يدها
ابتسمت بخجل وقالت ممازحة: على فكرة، مكنتش أعرف إنك رومانسي كده.
ضحك و هو ينظر لها بحب: علشان انا مش رومانسي.... أنا بس بحبك.
أبعدت وجهها عنه تحاول ان تداري ابتسامة خجولة ظهرت علي وجهها، لكنه أمسك بذقنها، رفع وجهها ليواجهه، أقترب أكثر وهمس لها قبل أن يضع قبلة رقيقة طويلة علي شفتيها: وهأفضل أحبك علي طول.
في تلك الليلة، لم يكن بينهما كثيرا من الكلمات، لكن كل نظرة، كل لمسة، كانت تقول ما تعجز الكلمات ان تبوح به، فتلاقا قلبيهما في صمت وكأن الكلمات لم تعد تعبر عما بخاطرهما.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اميرة احمد
في الصباح، فتحت جميلة عينيها ببطء تغالب النعاس، وجدت أمامها وجه مالك، ملامحه ساكنة، يداه تلتفان حول خصرها بقوة وكأنه يخشى أن يفقدها.
ابتسمت وهي تمرر أناملها على عظام فكه وتتأمل ملامحه، تراقب صدره الذي يعلو ويهبط بانتظام.
شعر بها مالك، دون أن يفتح عينيه قال بصوت ناعس مبحوح: صباح الخير يا حبيبتي.
همست له: صباح الخير. صحيتك؟
فتح عينيه ببطء، نظر لها بابتسامة وهمس: هو في أحلى من أني أصحى ألاقيكي جنبي.
ابتسمت بسعادة وقالت: أنا بجد مش مصدقة أني هنا. جنبك.
تأمل ملامحها بصمت والابتسامة تعلو وجهه دون أن يعقب.
همت أن تقوم من السرير وهي تهتف: عارف. دايماً كنت بحلم أني أعملك كل حاجة بنفسي. هقوم أحضرلك الفطار.
همس لها وهو يجذبها لحضنه مرة أخرى: هششششششش.
ضحكت وهي تدفن رأسها بين صدره: خلاص يا مالك صحينا.
وضع قبلة مليئة بالمشاعر بين شفتيها وقال: مش مستعد أصحى دلوقتي.
دفنت رأسها أكثر في صدره، تستشعر بدفء أنفاسه ودقات قلبه، وكأنه عالمها الذي تحلم به من سنوات.
دقائق مرت وهي بين أحضانه، يعبث بخصلات شعرها بين أصابعه، تحسس وجهها وقال: أنتي أخيراً هنا.
ابتسمت له: ومش ناوية أروح مكان تاني.
أبعد رأسه عنها قليلاً وقال: تحبي تفطري إيه؟
نظرت له جميلة بعينين لامعتين وقالت بمرح: أنا مراتك، وماما قالتلي الزوجة الصالحة تعمل لجوزها الفطار كل يوم.
ضحك مالك: بس النهاردة أنا اللي هعملك الفطار.
رفعت حاجبها بمشاكسة: لأ.
ضمها إلى صدره مرة أخرى وقال: خلاص نعمل الفطار سوا. بس خليكي في حضني شوية.
أومأت رأسها دون أن تتكلم. همس وهو يضع قبلة على رأسها: مبسوطة؟
أغمضت عينيها، أخذت نفس عميق وامتلأ صدرها برائحة عطره وقالت: أوي.
بعد دقائق، قام مالك ببطء وتوجه إلى المطبخ. يرتدي قميص قطني أبيض اللون وبنطال بيتي مريح، بينما قامت جميلة بنشاط ترتدي منامة قصيرة من الستان الأبيض وشعرها مرفوع للأعلى بإهمال، وقفت عند مدخل المطبخ المفتوح على غرفة الاستقبال تشاهد مالك بابتسامة وهو يخرج الأطباق بعناية، ويبدأ بتجهيز الفطور.
انتبه لها أخيراً فهتفت بمرح: اتفقنا هنحضر الفطار سوا، يلا قولي أساعدك إزاي؟
اقترب منها، أمسك بخصرها، وبخفة أجلسها فوق إحدى وحدات المطبخ وهمس وهو يضع قبلة على وجنتها: خليكي بس جنبي.
وضع مالك البيض في وعاء على النار ليسلقه، بينما في نفس الوقت يضع بعض أنواع الجبن في الأطباق، يجهز الخبز، يقطع بعض الخضروات والفاكهة، ويضع الماء في الغلاية لعمل الشاي، وجميلة جالسة فوق المطبخ تشاهده باستمتاع وتحرك قدميها في الهواء بمرح، وبين الحركة والأخرى عندما يمر مالك بجوارها يضع قبلة سريعة على شفتيها، كان يتحرك بخفة ونشاط والابتسامة تملأ وجهه.
أخيراً انتهى من تجهيز الفطور، وضعه على طاولة الطعام وأشار لجميلة بمرح وهو يحملها لينزلها على الأرض مرة أخرى: على فكرة ده هيبقى أحلى فطار هتاكليه في حياتك. احفظي اللحظة التاريخية دي.
ضحكت جميلة: علشان دي أول وآخر مرة هتعمل فيها فطار؟
اقترب منها مالك، ضمها من ظهرها. وضع وجنته على وجنته وهمس: لأ، علشان ده فطار معمول بحب، فلازم طعمه يبقى مختلف.
ابتسمت جميلة وهمست: ده حرفياً معمول بحب.
جلست جميلة مع مالك على طاولة الطعام يتناولان الفطور، كانت عينا جميلة تراقبه بصمت وهو بين الحين والآخر يضع لقمة في فمها بحب، كانت لا تصدق السعادة المحيطة بها من كل جانب وكأن الكون قد تقلص فلم يعد هناك سوى مالك وجميلة ويحاوطهما الحب.
جلس فارس في غرفته في المساء يفكر، مستلقي على سريره عيناه شاردتان والأفكار تدور في ذهنه، دخلت عليه والدته تحمل صينية فوقها كوب من الشاي وبعض من الكيك، وضعتها على الطاولة بجواره وربتت فوق كفه بحنان فأخرجته من شروده وقالت بنبرة دافئة تماماً كنبرة فارس: بتفكر في إيه يا حبيبي.
انتبه فارس لها، وقال والابتسامة ترتسم على وجهه: مفيش يا ماما. بالي بس مشغول علشان السفر.
ابتسمت سما وقالت: بتخبي عليا من إمتى يا فارس؟ طول عمرنا أصحاب وبتحكيلي على كل حاجة.
تنهد فارس وقال: بس مش كل حاجة ينفع تتحكي يا ماما.
اقتربت منه سما وقالت: انت فاكرني مش عارفة ولا مش هفهم.
حاول فارس أن يتصنع الغباء على والدته فقال: مش عارفة إيه يا ماما، هو في حاجة أصلاً؟
صمتت سما قليلاً وهي تنظر إلى عيني فارس وقالت: بتحبها يا فارس؟
ابتسم فارس وهتف بمرح: دايماً فكساني كده.
بجدية هتفت سما: فارس انت ابني، أنا قضيت عمري كله باربي فيك أنت وأخواتك، عارفة عنكوا كل حاجة حتى اللي متعرفهاش عن نفسك. بس انت مجاوبتنيش بتحبها.
تنهد فارس بهدوء وهمس بنبرة ضعيفة: بحبها.
ضحكت سما وهي تضربه بخفة على ذراعه: والله كنت عارفة. طيب فين المشكلة.
بعينين حزينتين نظر إليها فارس وهو يرى انعكاس صورته في عينيها التي تلونت بلون اسمها وقال: طريقنا مش واحد يا ماما. هي مش عايزة تسافر.
سما: وأنت قولتلها وهي قالتلك مش عايزة تسافر معايا، وحتى لو هي مش عايزة تسافر أخطبها دلوقتي، واتجوزها بعد ما تخلص دراستك وترجع.
توتر فارس وظهر هذا على ملامحه وقال: ماما انتي عارفة أني ممكن مرجعش بعد ما أخلص دراسة.
ظهر الحزن على عيني سما وهمست: وأهون عليك؟ ده ربنا يعلم الكام سنة اللي جايين هيعدوا عليا إزاي من غيرك، عايز تسافر ومترجعش تاني.
أمسك فارس بكفها بين يديه بحنان: مين قال يا ماما أن السفر حاجة سهلة عليا. أنا برضه مش سهل أبعد عنكوا. بس أوعدك هاكلمك في التليفون كل يوم. وهانزل إجازات كل ما تسمح الفرصة.
حاولت أن تمنع سما دمعة ترقرق في مقلتيها، وأدارت كفة الحوار وقالت: طيب خلينا نرجع لحياة. أنت قولتلها أنك بتحبها وهي قالتلك لأ مش هسافر؟
فارس: لأ مقولتلهاش. بس أنا عارف أنها مش عايزة تسافر.
نظرت له سما وقالت: حبيبي. متاخدش قرارات على لسانها. خليك واضح واسألها، وهي من حقها توافق أو ترفض، يمكن هي رافضة فكرة السفر عمتا. بس موافقة تسافر معاك.
بعينين مترددتين قال فارس: يعني انتي رأيك كده يا ماما.
سما: أيوه طبعاً. خلاص يا حبيبي مفاضلش وقت كتير على سفرك، يبقى يادوب تقولها.
ضحك فارس ونظر إلى والدته وقال بنبرة جادة: ماما أنا معرفش رأيك. هو أنتي موافقة؟
عقدت سما حاجبيها وهتفت باستنكار: على إيه؟
بنبرة مرتبكة أجاب فارس: أني أتجوز حياة.
أجابت سما: طبعاً يا حبيبي. انت عارف زياد صديق أبوك من الطفولة، ونور صاحبتي، وحياة تقريباً أنا اللي مربياها.
اقترب منها فارس وقبل رأسها وهتف: ربنا يخليكي لينا يا ماما.
وقفت سما لتخرج من الغرفة، لكن قبل أن تخرج استدارت وهتفت: قولها يا فارس مش هتخسر حاجة، ولو هي رفضت تبقى هي الخسرانة.
خرجت سما من الغرفة، لكن صدى كلماتها ظل يتردد في أذن فارس حتى الصباح.
وفي الصباح عزم فارس أمره، وتوجه إلى بيت زياد، قلبه يخفق بشدة حين دق جرس الباب، فتحت له نور بابتسامة بشوشة وأدخلته إلى غرفة الاستقبال.
استقبله زياد بحفاوته المعتادة. بعد أن اطمأن فارس على صحته، وراجع مع زياد أدويته، استأذن فارس بأدب أن يجلس مع حياة على انفراد متحججاً أنه يريد أن يراجع معها بعض المعلومات عن دواء يعمل على بحث طبي عنه.
وافق زياد على مضض، دخلت حياة مع فارس غرفة المكتب بارتباك، كانت لا تزال غير معتادة على لقاء فارس وجهاً لوجه، كذلك كانت تشعر بالغرابة لأنه لم يخبرها بقدومه بالرغم من أنه هاتفها في المساء.
جلست حياة أمامه تتفادى النظر في عينيه، لكن فارس كسر الصمت بينهما وقال: حياة. أنا بخلص ورقي ومسافر بعد 6 أسابيع.
لم ترفع حياة عينيها إليه، بل قالت وهي تنظر في الأرض: ربنا يوفقك.
نظر إليها فارس مطولاً وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، وبعد صمت طويل أخذ نفس عميق وقال: تعالي نتجوز يا حياة ونسافر مع بعض. أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك.
ابتسمت حياة بخجل واحمرت وجنتاها، أخيراً رفعت عينيها لتواجهه وقالت بمرح: نتجوز على طول كده. مش في حاجات بتتقال قبل نتجوز دي يا دكتور.
عقد فارس حاجبيه يحاول أن يستوعب معنى كلماتها، صمت قليلاً ثم قال: كنت فاهم أنك عارفة. ولو مش عارفة أني بحبك ومستنية إني أقولها. فأنا بحبك يا حياة.
احمرت وجنتا حياة أكثر حتى صارت بلون الدم، حاولت أن تسيطر على نفسها بصعوبة ولا تزال تتفادى النظر بين عيني فارس، اقترب منها فارس أكثر وهمس: لو موافقة أنا مستعد أخرج دلوقتي أطلب إيدك من أونكل زياد. وأجهز لك ورقك ونسافر سوا نبتدي حياتنا هناك.
أخيراً رفعت حياة عينيها لتواجه فارس، نظرت إلى عينيه وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة حاولت أن تبدو واثقة: أنا مش موافقة يا فارس. مش عايزة أسافر وأسيب أهلي.
تجهمت ملامح فارس، صمت قليلاً يستوعب صدها وحدتها. ثم هتف متسائلاً: مش موافقة على الجواز ولا مش موافقة على السفر؟
همست بنبرة ضعيفة: مش موافقة على السفر. مش سهل يا فارس أسيب كل حاجة ورايا وأسافر. أنت شفت بنفسك حالة بابا الصحية عاملة إزاي. كان كويس وفجأة تعب. أنا مش هاستحمل أن ده يحصل وأنا بعيد عنهم.
زفر فارس بحدة: أنا مش فاهم يعني إيه موافقة على الجواز ومش موافقة على السفر؟ عايزاني أتجوزك وأنتي تعيشي في بلد وأنا في بلد تانية؟
فركت حياة أصابعها بتوتر: لأ يا فارس. بس أنا مش مستعدة أسيب كل حاجة ورايا وأروح بلد جديدة معرفش فيها حد، فكر أنت في السفر تاني.
فارس: قولولي يا حياة انتي عايزاني بجد؟ يعني اللي أنا حسيته من ناحيتك ده صح ولا أنا كنت موهوم؟
همست حياة بعينين متلألئتين بالدموع: أنا كنت فاكرة أنك عارف اللي أنا حاسة بيه كويس يا فارس. بس الموضوع ملوش علاقة بيك. أنا مش عايزة أهاجر. أنت بنفسك بتقول مش سنة ولا سنتين وراجع. أنت مسافر ومش راجع تاني.
قام فارس من مكانه بغضب وقال: بس أنا والسفر حاجة واحدة، مفيش حاجة اسمها عايزاك ومش عايزة أسافر معاك.
انطلق فارس خارجاً من الغرفة بغضب بينما دفنت حياة وجهها بين كفيها وبدأت تبكي.
أمسكت حنين هاتفها بتردد، عبثت بين الأرقام المسجلة في هاتفها واتصلت بجميلة، مع أول جرس أتاها صوت جميلة مليء بالسعادة وصاحت: أخس عليكي يا حنين. كل ده متتصليش بيا؟
ضحكت حنين: قولت أسيبك شوية يا عروسة.
على صوت ضحكة جميلة: خلاص بقى مبقتش عروسة. بقالنا أسبوعين.
حنين: وحشتيني يا صاحبتي.
جميلة: طمنيني عليكي؟ عاملة إيه؟
همست حنين: الحمدلله. أنتي عاملة إيه؟ ومالك عامل إيه؟
قالت جميلة بامتنان وسعادة حقيقية ظهرت في نبرتها: مبسوطين قوي الحمدلله.
قالت حنين بنبرة مرتبكة: الجواز حلو يا جميلة؟
جميلة: غريبة أن انتي تسألي السؤال ده. يعني أقصد أنتي متجوزة من فترة.
ارتبكت حنين: أ.. أقصد يعني أنك تتجوزي الراجل اللي بتحبيه.
ابتسمت جميلة: أحلى حاجة في الدنيا.
صمتت حنين ولم تعقب، فأردفت جميلة: حنين. ممكن أسألك على حاجة؟
حنين: أكيد.
جميلة بنبرة مرتبكة: أنتي لسه بتحبي شادي؟
صاحت حنين بحدة وكأنها تنفي عن نفسها تهمة: لأ.
جميلة: أنا مقصدش والله أفكرك باللي حصل. بس أقصد نسيتي شادي؟
همست حنين بضعف: لأ منسيتش. ربنا يسامحه.
جميلة: طيب وعمر؟ طبعاً معيشك في سعادة ومخليكي حتى مش بتتصلي بينا.
حنين: عمر. مفيش إنسان زيه بجد. كفاية إنه مستحمل.
صمتت حنين، فقالت جميلة بخفة: انتي منكودة عليه ولا إيه؟ لو بتنكدي أديني دروس علشان أعرف أنكد على مالك كويس.
ضحكت حنين: حرام عليكي. مالك ميستاهلش منك نكد.
قالت جميلة بنبرة جادة: وعمر اللي يستاهل؟
صمتت حنين قليلاً ثم قالت: عمر يستاهل واحدة أحسن مني. واحدة تقدر تسعده. تكون له زوجة وأم لأولاده.
تعجبت جميلة من كلمات حنين فقالت: ليه يا حنين؟ أنتي مش ناوية تجيبي أولاد ولا إيه؟
بدأت دموع حنين تنهمر على وجنتيها وقالت بصوت مختنق بالدموع: مش قادرة. مش قادرة أكون له زوجة.
صاحت جميلة: حنين!! انتي...
مسحت حنين دموعها سريعاً وكأنها أدركت للتو ما قالتها: جميلة معلش أنا لازم أقفل دلوقتي علشان أشوف عمر. هارجع أكلمك تاني.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل العشرون 20 - بقلم اميرة احمد
جميلة: طيب وعمر؟ طبعًا معيشك في سعادة ومخليكي حتى مش بتتصلي بينا.
حنين: عمر... مفيش إنسان زيه بجد.. كفاية إنه مستحمل...
صمتت حنين، فقالت جميلة بخفة: أنتي منكّدة عليه ولا إيه؟ لو بتنكّدي أديني دروس علشان أعرف أنكد على مالك كويس.
ضحكت حنين: حرام عليكي... مالك ميستاهلش منك نكد.
قالت جميلة بنبرة جادة: وعمر اللي يستاهل؟
صمتت حنين قليلًا ثم قالت: عمر يستاهل واحدة أحسن مني... واحدة تقدر تسعده... تكون له زوجة وأم لأولاده.
تعجبت جميلة من كلمات حنين فقالت: ليه يا حنين؟ أنتي مش ناوية تجيبي أولاد ولا إيه؟
بدأت دموع حنين تنهمر على وجنتيها وقالت بصوت مختنق بالدموع: مش قادرة.... مش قادرة أكون له زوجة.
صاحت جميلة: حنين!! أنتي....
مسحت حنين دموعها سريعًا وكأنها أدركت للتو ما قالته: جميلة معلش أنا لازم أقفل دلوقتي علشان أشوف عمر.... هارجع أكلمك تاني.
أنهت حنين المكالمة سريعًا، وتوجهت بخطى بطيئة نحو غرفة عمر.
جلس عمر على السرير أمام المرآة، يتطلع لانعكاسه وهو يحرك يده فوق شعيرات لحيته التي بدأت في النمو مؤخرًا، لا تزال حركة ذراعه مؤلمة له، وكذلك قدمه لا تزال داخل الجبس. وقفت حنين عند باب الغرفة تتطلع إليه، تقدمت نحوه بهدوء وهي تقول: محتاجة أعملك حاجة يا عمر؟
هتف عمر بذهن شارد وهو لا يزال ينظر لانعكاسه في المرآة: حاسس شكلي غريب أوي بالذقن، شكلي وحش.
اقتربت منه حنين وجلست على طرف السرير: لأ بالعكس... أنت بس مش متعود على شكلك بالذقن علشان بتحلقها على طول.
نظر لها عمر بعينين لامعتين وكأن فكرة مجنونة طرقت على ذهنه للتو وقال: حنين أنتي ممكن تحلقي لي ذقني؟
نظرت له حنين بعينين مرتبكتين وتمتمت: أنا؟!
عمر: أيوه أنتي..... الموضوع سهل جدًا... أنا بس مش قادر أحرك دراعي كويس.
همست حنين: أنا خايفة أعورك.
ضحك عمر: حتى لو عورتيني هيبقي أحسن من اللي أنا فيه دلوقتي.
حنين بارتباك: عمر بس....
عمر بثقة وهو يشير لها ناحية الحمام: يلا ساعديني ندخل الحمام وأنا هاقولك تعملي إيه.
مدت له حنين يديها تلفها حول ظهره، ساعدته يقف على قدمه ووجهه ممتلئ بالحماسة، توجها نحو الحمام.
جلس عمر على مقعد صغير داخل الحمام، وقفت حنين أمامه تضع بعضًا من الرغوة على وجهه وتدلكه، بيد مرتعشة أمسكت شفرة الحلاقة واقتربت من وجهه، صاحت قبل أن تضع الشفرة على وجهه: أنا خايفة يا عمر.
أمسك عمر كفها بابتسامة: متخافيش.... واحدة واحدة وأنا معاكي.
قربت وجهها من وجهه وبيد مرتعشة بدأت تسير ببطء على وجهه، كان قربها مهلكًا لأعصابه، لكنه كان سعيدًا بأنها بدأت تكسر بعض الحواجز التي بينهما.
أخيرًا انتهت حنين من الحلاقة لعمر، نظر عمر لوجهه في المرآة ببعض الجروح الصغيرة في وجهه وعنقه وضحك.
بينما وقفت حنين تشعر بالخجل مما فعلت في وجهه من جروح، لكن عمر أمسك كفها وقبّله في حنان وهمس: شكرًا.
ساعدته حنين ليخرج من الحمام، أجلسته على طرف السرير، وبينما هي تضع بعض الوسائد خلف ظهره، قال عمر: لو كان سابك كنتي هتسيبيني فعلاً؟
ابتعدت حنين عنه قليلًا، نظرت في وجهه لا تفهم كلماته فأردف عمر: أنتي يا حنين قولتي له سيبني وأنا هاسيب عمر... لو كان سابك كنتي هتسيبيني؟
سقطت الوسادة من يد حنين وابتعدت عنه، اتسعت عيناها وصاحت: أنت عرفت منين أني قولت لشادي كده؟ أنا عمري ما قولتك.
نظر لها عمر بعينين مليئتين بالألم وقال: أنتي عمرك ما سألتي نفسك إزاي رجعتي من الغردقة لقيتيني في بيتكوا، وأنا كان معاد رجوعي بعدها بشهر؟
اتسعت حدقة حنين ووقفت تشاهده بذهول، فأردف عمر: أنا كنت معاكي على التليفون يا حنين، كنت بكلمك لما الباب خبط و قولتيلي أقفل أكيد جميلة رجعت.. بس أنا مقفلتش... قلبي كان مقبوض... كنت قلقان عليكي... صوتك كان فيه حاجة مقلقاني... مقفلتش التليفون، ولما سمعت صوته خفت أكتر عليكي وفضلت أسمع....
صمت عمر قليلًا وبعينين حمراوين أكمل: سمعت كل حاجة يا حنين... صوت صريخك.... دموعك... صوت نفسه.... حسيت أني متكتف... أني عاجز وأنا سامعه بيأذيكي وأنا مش قادر أحميكي.... كسرت كل حاجة حواليا، حجزت أول طيارة ونزلت علشان بس أشوفك وأطمن عليكي، ولما قولتيلي اللي حصل أنا قضيت الشهر اللي قبل فرحنا بحاول أوصل ليه ولمكانه، كان لازم أجيبلك حقك بإيديا، ويوم فرحنا لما قولتيلي إنه مات مصدقتش غير لما روحت عند بيته وسألت وعرفت بنفسي.
كانت حنين تستمع إليه ودموعها تنهمر على وجنتيها بلا توقف، شعرت وكأنها تجردت من ملابسها للتو أمامه، شعرت بالغضب منه والشفقة عليه في نفس الوقت...
اقتربت منه ببطء وهي تشهق من شدة البكاء وقالت: مكنتش هاسيبك يا عمر.... كنت بأقوله أي كلام علشان أنقذ نفسي من بين إيديه.
نظر لها عمر بحنان وقال: يعني اتجوزتيني بإرادتك يا حنين؟ ولا علشان هو مات؟
همست حنين بصوت بالكاد مسموع: اتجوزتك علشان عايزة أتجوزك أنت يا عمر مش حد تاني.
قالت حنين كلمتها الأخيرة وخرجت تركض من الغرفة، بينما عمر جلس ينظر إلى حيث اختفت بحيرة.
***
مع بداية المساء، استلقت جميلة بين ذراعي مالك على الأريكة يشاهدان فيلمًا في التليفزيون، مالك يعبث بأصابعه بخصلات شعرها.... التفتت جميلة إليه بهدوء وهمست: نفسي أفهم بتحب شعري كده ليه؟
ابتسم مالك وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها: بيعجبني... بحب ريحته... شكله، لون شعرك البني الجميل... بحبه زي ما بحبك.
ضحكت جميلة بخفة: شاعر أنت يا مالك.
دفن مالك وجهه في شعرها وهمس: عارفة... قبل ما تلبسي الحجاب كنت بغير أوي إن حد غيري يشوف شعرك....
التفتت جميلة لتواجهه وقالت: يعني أنت أكتر حاجة بتحبها فيا شعري؟
وضع مالك قبلة رقيقة على خدها وهو يقول: أكتر حاجة بحبها فيكي هو أنتي؟
رفعت جميلة حاجبها وقالت بمشاكسة: يعني أنا لو قررت أقص شعري مش هتحبني؟
همس لها: هاكون متضايق طبعًا.... بس هأفضل أحبك ده أكيد.
ابتسمت جميلة: إجابة نموذجية.
وضع قبلة على أرنبة أنفها وقال بمرح: شفتي أنا إزاي تلميذ نجيب.
ضحكا معًا، وفجأة سمعوا خبطًا على الباب بدقات مرحة، ضحك مالك وهو ينهض من مكانه: ده أكيد أنس... هو بعتلي إنه وصل من الغردقة من شوية.
جميلة: لأ دي أكيد ليلي.... بعتتلي الصبح إنها احتمال تعدي علينا تسهر معانا.
مالك: طيب خلاص ادخلي أنتي جوه علشان لو أنس وأنا هافتح الباب.
دخلت جميلة غرفتها، بينما فتح مالك الباب فوجد ليلي تقف تحمل بين يديها علبة حلويات ومن خلفها يقف أنس، رفع مالك حاجبه باستنكار حين رأى أنس وليلي معًا، صاح أنس في مالك الواقف ينظر إليهم باستغراب: هو مش كفاية عسل كده ولا إيه؟ راجعين من السفر بقالكوا أسبوعين مفتحتوش باب الشقة حتى... قولت لازم أجي أطمن عليك.
جلس أنس على الأريكة وبجواره مالك، بينما قالت ليلي: أنا هادخل الكيك دي المطبخ، هي جميلة فين؟
مالك: بتغير هدومها وجاية حالا.
خرجت جميلة، وقفت تنظر إلى أنس وليلي وقالت: إنتوا إزاي جيتوا سوا؟
صاحت ليلي وهي تخرج من المطبخ: مش عارفة بيراقبني ولا إيه، فجأة لقيته قدامي على السلم.
نظر لها أنس باستنكار: أنا بفتح باب شقتي لقيتك واقفة قدامه، يبقى مين اللي بيراقب مين؟
ليلي بحدة: أنا كنت طالعة لجميلة ومالك.
نظر لها أنس شذرًا: وأنا كمان كنت طالع لجميلة ومالك.
صاح مالك بمرح: خلاص يا جماعة... ممكن هدنة.
ضحكت جميلة: طيب تعالي يا ليلي ساعديني نقطع الكيك اللي جبتيها ونعمل حاجة نشربها.
أنس: ممكن يا جميلة تعمليلي قهوة.... علشان لسه جاي من السفر ومشربتش قهوة.
ضحك مالك بخفة: ربنا يستر عليك، أنت طلبت قهوة من جميلة... قهوة مش هتدوق زيها في حياتك.
رفعت جميلة حاجبها: رغم أن قهوتي طبعًا حلوة، بس هاحرمكوا منها، هخلي ليلي تعمل القهوة، أنا هافضي العصير.
دخلت الفتاتان إلى المطبخ، دقائق وخرجت ليلي تحمل صينية عليها أطباق الكيك، وخلفها جميلة تحمل صينيتها عليها المشروبات.
وضعت الفتاتان الصينيتين على الطاولة، أمسكت ليلي بفنجان القهوة وناولته لأنس وهي ترفع حاجبها: أنا اللي عملت القهوة... لما نشوف هتقول عليها إيه؟
أمسك أنس الفنجان من يدها، ارتشف رشفة ونظر إليها بابتسامة وقال: حلوة أوي.
ابتسمت ليلي بفخر وقالت: كنت متأكدة إنها هتعجبك ..... أنا مبعملش حاجة وحشة.
رفع أنس حاجبه وصاح: لأ هي حلوة، سكرها زيادة يعني... أنا بحبها مظبوطة.
ضحك مالك وجميلة، بينما زفرت ليلي في ضيق واضح.
جميلة: معلش يا أنس أنا اللي اتلخبطت وقولتلها تعملها زيادة.
قامت ليلي من مكانها واتجهت إلى المطبخ، دقائق وعادت تحمل في يدها فنجان قهوة آخر، وضعته أمام أنس دون أن تتفوه بكلمة.
أمسك أنس الفنجان، أرتشف منه رشفة ولم يعقب، فزفرت ليلي ضيقًا، ضحك أنس لنجاحه في استفزازها... تركها تنظر إليه بين الحين والآخر تنتظر منه رد فعل على قهوتها، لكنه لم يعقب، ومن بين أحاديث مالك وجميلة عن الفرح والسفر وأنس يستمع بهدوء، تكلم أخيرًا... وجه كلامه لمالك: على فكرة أنا عديت جبت صور كتب الكتاب بس نسيتها تحت في الشقة تحت.
تحمست جميلة وهتفت: الله... انزل هاتها يا أنس علشان خاطري.
ضحك أنس وهو يقف ويتجه ناحية الباب: حاضر يا عروسة هانزل أجيبهم.
ليلي: أنا هاتفرج على الصور وأمشي علشان لازم بكرة أصحى بدري عندي مشوار مهم للشغل.
مالك: بس بكرة الجمعة... مفيش شغل.
جميلة: خليكي اسهري معانا بكرة إجازة.
ليلي: أنا عندي عمل تطوعي بكرة مع الشركة، هاروح أسلم تبرعات من الشركة لدار أيتام.
مالك: ربنا يجازيكي خير.
جميلة: برافو عليكوا... شركة كويسة... مش الشركة اللي أنا كنت بشتغل فيها.
دخل أنس ومعه ألبومات من الصور يحملها بين ذراعيه، وضعها على الطاولة ناول ألبوم صور إلى جميلة: اتفضلي يا أستاذة جميلة، صوركوا أهي.
ثم أمسك ألبوم صور يبدو عليه أنه قديم، وجلس إلى جوار ليلي وهمس لها: هأوريكي أنا بقى حاجة أحلى.
ضحكت ليلي رغمًا عنها حين فتح الألبوم وأشار أنس لصورة قديمة يظهر فيها طفل، يرتدي ملابس فريق برشلونة وتبدو كبيرة عليه لدرجة مضحكة ويحمل في يده كرة قدم وقال بهمس: مالك لو أخد باله إن الصور دي اتسربت هيزعل أوي.
وضعت ليلي كفها على فمها تحاول أن تمنع ضحكة رنانة من أن تفلت منها، نظرت إلى أنس وخفتت ضحكتها للحظة، كانت لأول مرة تلاحظ أن أنس ينظر إليها بابتسامة بشوشة، ليست تلك النظرة التي يملؤها الكبرياء والعينين المليئتين بالتحدي.... هربت من لقاء أعينهما وهمست له كالأطفال: طيب وأنت صورك فين... أكيد مش مالك بس اللي ليه فضايح وهو صغير.
قلب أنس بين صفحات الألبوم دون أن يجيب على سؤالها، وقفت ليلي عند صورة يقف فيها أنس بجوار مالك يضع يده على كتفه، يبدو أن أنس في بداية مراحل المراهقة، بينما مالك لا يزال طفلًا... كانت نظرة مالك في الصورة مليئة بالبراءة بينما وقف أنس وعينيه كانت كالصقر الذي يحمي عشيرته.
ضحكت ليلي ونظرت إلى أنس: ده أنت كنت لاعب دور الأخ الكبير كويس أوي.
كان مالك وجميلة مشغولين مع ألبوم صور زفافهم، ويسترجعون أحداث ليلة العمر، حين رفع مالك عينيه عندها انتبه لضحكت ليلي، ومجرد ما وقعت عينه على ألبوم الصور في يد ليلي وضع كفه على عينيه وصاح: حرام عليكي يا أنس... كل لما بتلاقي فرصة بتفضحني بالألبوم ده.
قام مالك من مكانه ولف ذراعه حول عنق أنسضحك أنس وهو يحاول أن يبعد يد مالك: أنا مالي إذا كانت كل صورك فضايح كده.
قال مالك وهو يرخي ذراعه من حول عنق أنس: لما تسافري هانزل أدور على ألبوم الصور بتاعك، هحاول أفتكر ماما كانت شايلاه فين.
صاحت جميلة بسعادة ومرح: الله يا مالك دي صورك وأنت صغير....نظر مالك إلى أنس بضيق مفتعل وقال: عاجبك كده، لو شافت الصور وغيرت رأيها فيا دلوقتي.
ضحك أنس: هي لازم تعرف الحقيقة.... إن شاء الله لما تجيبوا أولاد هيطلعوا شبهك وأنت صغير.
حاول مالك أن يمسك ألبوم الصور من يد ليلي، لكنها ألقت به لجميلة حاول مالك أن يأخذه من جميلة، لكنها فتحته بسرعة ونظرت إلى صورة مالك بابتسامة كبيرة، وقالت وهي تلف ذراعها حول عنقه وتضمه إليها: شكلك حلو أوي يا حبيبي وأنت صغير.
ضحك أنس بسخرية: مراية الحب عمياء.
قامت ليلي من مكانها، حملت صينية الأطباق واتجهت بها نحو المطبخ، قام أنس وتبعها حمل فنجان القهوة في يده وهتف: أنا هادخل فنجاني المطبخ علشان متقوليش إني مبساعدش يا جميلة.
دخل أنس إلى المطبخ، وجد ليلي تحاول أن تضع كوبًا على رف المطبخ العلوي، تقف على أطراف أصابعها... لم تشعر به حين دخل إلى المطبخ لكنها شعرت به حين سحب الكوب من يدها ببساطة ووضعه على الرف.
نظرت له ليلي مطولًا قبل أن تقول: على فكرة مكنتش محتاجة مساعدة.
ضحك أنس: لأ ما هو كان واضح.
لم تعقب ليلي، نظر إليها أنس وقال: القهوة كانت حلوة زي صاحبتها.
حاولت ليلي أن تداري ارتباكها، التفتت تغسل فنجان القهوة على الحوض وقالت وهي تدير ظهرها له: علشان كده مقولتش شكراً؟
ابتسم أنس وهو يخرج من المطبخ: مش يمكن دي طريقتي إني أقول شكراً.
***
في صباح يوم الجمعة، كانت ليلي وصديقتها تقفان على باب إحدى دور رعاية الأيتام في منطقة في أطراف القاهرة، كلفتهم الشركة بإيصال بعض التبرعات إلى الإدارة...
وقفت ليلي على الباب بتردد وقلبها يخفق بشدة، قابلتهم المسؤولة عن الدار بالترحاب، وأشارت لهن أن يصعدا معها إلى مكتبها في الدور العلوي، لكن قبل أن تصعد ليلي الدرج استوقفها صوت رجولي مألوف لها، نظرت إلى حيث مصدر الصوت فتجمدت مكانها.
بصرت أنس في الحديقة الخلفية للدار يلعب مع الأطفال، يرتدي قميصًا قطنيًا مريحًا باللون الرمادي وأكمام قصيرة، وبنطلون رياضي أسود، يجلس على ركبتيه في أرض الحديقة، تجلس فوق ركبته طفلة صغيرة عمرها حوالي ثلاث سنوات، تسند رأسها باستكانة على صدره وهو بين الحين والآخر يمرر كفه على ظهرها بحنان، وطفل آخر يتسلق ظهره من الخلف ليجلس فوق كتفيه ويصيح ببراءة: أنا سوبر هيرو.
كان أنس يضحك مع الأطفال كما لم تراه ليلي من قبل، ضحكة من القلب لا يشوبها أي كبر أو استفزاز كما عهدته..... وقفت ليلي مكانها تشاهده باستمتاع حيث جاء أحد الأطفال يركض إليه ويقول: بابا أنس... بابا أنس... بص على الرسمة بتاعتي.
ابتسم أنس وهو ينظر إليها باهتمام وقال: الله... دي أحلى رسمة أنا شفتها في حياتي.
وقف على مقربة منه طفلان صغيران ينظران إليه ويتبادلان الهمس والضحكات البريئة، قام أنس من مكانه بخفة وأمسك بأحدهم وحمله بين ذراعيه وهو يدغدغه وقال: أنت اللي بتعمل فيا المقلب، فقال الطفل من بين ضحكاته العالية: والله ما أنا يا بابا.... يوسف هو اللي قال لعمار يطلع على كتفك.
وبينما هو منشغل يحمل الطفل بين ذراعيه ويدغدغه، ركضت طفلة صغيرة نحوه، وضعت كفها الصغير ببراءة في جيبه وأخرجت قطعة شوكولاتة، أمسك أنس بكفها الصغير وهو يضحك: خلي بالك أنت كده بتقلبي وكيل نيابة.
قالت الطفلة ببراءة: مش أنت بتجيبلي الشوكولاتة دي كل مرة..... يبقى دي بتاعتي.
ضحك أنس وهو يضع قبلة رقيقة على وجنتيها: كل الشوكولاتة ليكي، وأي حاجة عاوزاها اطلبيها مني.
ابتسمت ليلي وهي تشاهد أنس بتلك الهيئة التي لم تعهدها عليه من قبل، التفتت إليها مديرة الدار حين لاحظت وقوفها لتشاهد الأطفال وقالت: الأطفال مش بس بيبقوا محتاجين مساعدات مادية... بيفرق معاهم الاهتمام والحنية.... في ناس كتير زي أستاذ أنس بييجوا بانتظام وبيراعوا الأطفال... بيحسسوهم إن ليهم أهل فعلاً.
نظرت إليها ليلي بعينين تترقرق الدموع فيهما، فأردفت مديرة الدار: لو حضرتك تحبي ممكن بعد ما نخلص الإجراءات بتاعتنا تنزلي تقعدي مع الأطفال شوية.
قالت ليلي بارتباك وهي تصعد الدرج: لأ... ممكن مرة تانية.
وكزتها صديقتها في كتفها وهمست لها: ليه؟ الأطفال شكلهم حلو أوي خلينا نقعد معاهم شوية؟
همست ليلي وهي شاردة: مش النهاردة... واضح إنهم مبسوطين مع باباهم.
أنهت ليلي الإجراءات سريعًا، وتعمدت أن تخرج مسرعة قبل أن يراها أنس، أو يعلم أنها رأته.
تغيرت نظرة ليلي لأنس منذ تلك اللحظة التي وجدته فيها محاطًا بالأطفال، شاهدت جانبًا في شخصيته لم تكن تراه من قبل، وعلمت أن كل قسوته واستفزازه لم يكن سوى قناع يخبئ خلفه الحب والحنان.