الفصل 16 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل السادس عشر 16 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
16
كلمة
3,956
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

وسلام على من رمم الروح بعد انكسارها، وسلام على من تجددت الحياة بقربهم، وسلام على من وجدونا بعد سنين تيه، وسلام على من صُنِعَت المعجزات لأجلهم. وفجأة فُتِح باب القصر بهدوء. توقعت أن القادم رازي، لكن تفاجأت برجلين يتقدمان ناحيتها. صرخت برعب: "انتوا مين؟ وعايزين ايه؟ قال أحدهم بنبرة مرعبة بالنسبة لها: "تعالي معانا يا حلوة من غير شوشرة."

سقطت دموعها. ظلت تنظر لحظات إلى باب القصر، لعله يأتي ويدركها من هؤلاء. هي متيقنة أنهم رجال ممدوح. امسكها أحدهم برفق وقال: "يلا يا آنسة، احنا مش هنأذيكي، امشي معانا بهدوء، عشان مانفقدش اعصابنا عليكي." ازداد نحيبها وجسدها يرتجف كقطة سقطت في مياه باردة في ليلة شتاء قارصة البرودة. فكرت قليلا وحسمت أمرها قائلة من بين شهقاتها: "هاجي معاكم بس سيبوني هامشي لوحدي."

في نفس اللحظة التي أخرج رازي هاتفه يهاتف أحد الفلاحين ليعلم منه ما حل بأرضه الغالية على قلبه كثيراً، كان غاضباً بشدة لذا لم يستطع أن ينتظر إلى أن يصل للأرض المجاورة للساقية ليعلم ماذا حدث للأرض. أجاب الفلاح على اتصاله: "أهلاً أهلاً رازي بيه." سأل رازي بلهفة: "إيه اللي حصل لأرض الساقية يا عم علي؟ رد علي بما صعق رازي: "مالها أرض الساقية يا بيه؟ أنا قاعد قدامها اهو ومولع حطب بدفا وبشرب شاي."

اشتعلت أعين رازي وكساها السواد. هو فخ إذن. قال بغضب: "آه يا ممدوح الكلب." عاد مسرعاً إلى القصر وهو يطوي الأرض طياً. في تلك الأثناء، خرجت قدر بهدوء تام من القصر دون مقاومة. وما إن وصلت باب القصر حتى قالت لهما: "عايز الحجاب بتاعي."

شتت انتباههم. نظروا للداخل وتحرك أحدهم ليحضره. استغلت الفرصة واغلقت عليهم باب القصر حتى تكسب بعض الوقت للهرب. حتى هرولت داخل الحديقة تختبئ، فهي أصبحت تعلم كل مخارج القصر. تسللت بسرعة إلى الباب الخلفي من الحديقة وفرت مسرعة إلى الخارج.

استطاع الرجلان أن يفتحا الباب وتفرقوا يبحثون عنها هنا وهناك. وفجأة لمحها أحدهما، وكانا قد قسما نفسيهما. أحدهما يبحث أمام القصر والآخر خلفه. ظل يركض خلفها. الذي رآها وهي تركض بكل ما أوتيت من قوة، تقطعت أنياطها من الهرولة. تعثرت مرات عديدة في الظلام الحالك، كادت تسقط مرتين أو أكثر، لكنها في الآخر سقطت. لم تستطع التحمل. صرخت بكل ما أوتيت من قوة: "راااازي!

لم تستسلم. نهضت مرة أخرى وما زالت تصرخ باسمه. سرى صوتها في الأرجاء. كان رازي قريباً منها كأنه سمع شيئاً ما. ركض أكثر ناحية الصوت. كانت تركض وهي تنظر خلفها خشية من اللحاق بها. وفجأة اصطدمت بجسده العريض. نعم، هو رازي. كادت أن تفقد الوعي. قبض عليها بذراعه داخل حضنه حتى لا تسقط. اشتعلت نيران قلبه حينما رآها بهيئتها المرتعبة. شعرها المشعث، ترتدي ملابس منزلية معفرة أثر سقوطها على الأرض. وقف الرجلان أمام رازي يعلنان التحدي.

قال أحدهم بسخرية: "ابعد يا مشلول بدل ما نشل الايد التانية." تجاهل كلامه الذي أشعل النيران أكثر وأكثر. أبعد قدر عنه وتحرك ناحيتهما باندفاع. اشتبك معهما، ظل يضرب بقبضته ويركل تارة حتى كتف أحدهما. أما الآخر فاتجه ناحية قدر يسحبها عنوة. صرخت وهي تقاومه وتضرب فيه بعشوائية. استطاع أن يبتعد بها مسافة لا بأس بها. وفجأة تحول رازي لشخص آخر، شخص قد ضاع منه في السابق. حضرت شخصية المقاتل الشجاع والمحارب الباسل.

تلك اليد العاجزة تحركت، أجل تحركت لتضرب بقبضتها الحديدية وجه ذلك الحقير. أصبح الآن أكثر قوة. استطاع أن يبرح الرجل ضرباً حتى أوقعه. وركض سريعاً ليلحق بالآخر ليحرر قدر. وما إن وصل حتى امسك الآخر من سترته من الظهر. تبادلا الركلات والضربات حتى استطاع أن يفر الرجل هارباً من بطش رازي. حتى وقع هاتفه أرضاً أثر الهرولة ولم ينتبه. التقطه رازي ودسه في جيبه.

وبعد أن خبأه وفر الرجلان، نظر رازي إلى تلك التي تقف جامدة لا حول لها ولا قوة. وما إن أبصرت يده العاجزة تتحرك حتى هوت أرضاً فاقدة الوعي. ركض نحوها بقلق وصرخ: "قدر."

لقد كان الأطباء محقين حينما قالوا أن مرضه نفسياً أكثر منه جسدياً. وكأن جلده لذاته وإحساسه بالعجز وعدم قدرته على إنقاذ والدته تجسد في عجز يده. كانت ترفض الشفاء. ظل يعاقب نفسه بالعجز على ذنب لم يكن يوماً سبباً فيه. لكن حينما تعلق الأمر بموقف مشابه، تغلب على إحساسه بالذنب بإحساس أقوى وهو إحساس الواجب والمسؤولية. وقد يكون... إحساس الحب!!

عاد رازي إلى القصر حاملاً قدر بين ذراعيه. كانت يده ما زالت مخدرة، يشعر بثقل بها، لكنه ما زال لم يستوعب ما حدث. وما زالت قدر فاقدة للوعي. دخل المنزل، كان الباب موارب. اتجه رازي إلى الرواق، وضعها على الأريكة. ثم أتى ببعض الماء. أخذ يبلل يده بالماء ويلمس وجنتها برفق وهو يردد بحنو كأب قلق على ابنته المريضة: "قدر، فوقي، انتي في أمان دلوقتي، قدر سمعاني."

فتحت عينيها ببطء لتتذكر زعرها وخوفها من ألا يأتي وينقذها. بدأ جسدها يرتجف. كانت تهتز من شدة البكاء. مما دفعه دون إرادة أن يحتضنها بقوة وهو يلقي على مسامعها ما يهدئ من روعها: "قلتلك طول مانتي مرات رازي عمران الرازي، ماتقلقيش. اهدي، خلاص مافيش حاجة تخوف، أنا هنا." (أجل، أنت هنا، إذن كل شيء بخير الآن.) ترددت تلك الكلمات بداخلها.

أخذ يمسد على ظهرها إلى أن هدأت تماماً واستغرقت في النوم. حملها واتجه بها إلى غرفتها في الأعلى. وضعها على فراشها. وقبل أن يتحرك، استيقظت بفزع تشبثت بيده قبل أن يرحل وقالت برجاء: "خليك معايا، أنا خايفة يجوا ياخدوني." كانت نبرتها كافية لتقطع أنياط قلبه حزناً على حالتها تلك. إلى هذا الدرجة جعلوها أولئك عديمي الرحمة تخشى أن تعود إليهم مرة أخرى. عاد مرة أخرى وربت على يدها وقال: "لحظات وهارجعلك."

هزت رأسها بالرفض وقالت: "ارجوك، لا." تنهد وجلس جوارها على الفراش وقال ممازحاً: "طلع قلبك خفيف أوي، دانا قلت مخربشة وهتخربها لو حد اتعرض لها." ردت بحزن

دفين نابع من سنوات عذاب: "إنت ما جربتش تعيش طفولتك كلها بين رجالة غريبة كل واحد يلمسك بطريقة مش بريئة. حتى السلام بتاعهم ما كانش بريء. ما جربتش تجاهد كل يوم عشان تفضل عايش بشرفك. أنا كنت بنام نص نومة، عمري ما تعمقت في النوم. كنت أصحى على ممدوح قاعد جنبي على السرير. لحد ما حوشت فلوس واشتريت قفل ومفتاح وبقيت بقفل على نفسي من جوا."

كانت كل كلمة تخرج ومعها سيل من الدموع. حتى هو لم يستطع أن ينصت للنهاية. كل كلمة كانت بمثابة حريق يشب داخله. تمنى لو يفتك بهم جميعاً، لو يقسم ممدوح نصفين. وضع يده على فمها بإشارة منه بألا تسترسل وقال بحنو: "ننسى الماضي خلاص، مافيش فيه إلا وجع القلب. إنتي كنتي شجاعة بجد النهاردة عشان قدرتي تفلتي منهم. انتي قوية ياقدر. لو ضعيفة كنتي استسلمتي وروحتي معاهم من غير مقاومة. لكن انتي بجد قوية."

ابتسمت أثر سماعها هذا الكلام الذي حمسها وبث فيها روح الشجاعة. نظرت له وكأنها تذكرت شيئاً ما وقالت: "ايدك انت حركتها، أنا شوفتك، وريني ايدك." خرجت كلماتها مبعثرة غير مرتبة. رفع كتفيه وقال: "معجزة! رفع يده يحركها أمام عينيه يميناً ويساراً ليتأكد أنها ما زالت تتحرك. بدت السعادة على وجهها. تجرأت لتمسك يده تلك وقالت: "الحمد لله، هي بخير دلوقتي، أنا مبسوطة قوي عشانك."

حثها قائلاً: "قومي خدي دش دافي وغيري هدومك، كلها تراب وعفر." ردت بحزن: "وقعت كذا مرة وانا بجري." استقام واقفا وقال: "وقعتي بس في النهاية نجحتي وقدرتي تهربي." ردت هي بامتنان حقيقي وقالت: "إنت أنقذتني." حك خلف رأسه بحرج وقال بمشاكسة: "طب عدي الجمايل بقى." ضحكت هي ومطت شفتيها بتكشيرة مصطنعة وقالت: "مغرور." سمع همسها وقال وهو يرتب ياقة سترته: "عارف." ضحكت وهي. وتابع هو: "هانزل شوية لحد ما تخلصي الدش بتاعك."

هزت رأسها بالموافقة. هبط لأسفل. توجه إلى المطبخ أعد لها مشروب الأعشاب. أخرج هاتف الرجل الذي أوقعه أثناء الشجار من جيب جاكته، والذي ما إن أخرجه حتى وقعت بطاقة هوية قدر. التقطها من الأرض نظر إليها وقال بحزن: "عندها عشرين سنة، صغيرة اوي على اللي كان بيحصل معاها." ثم نظر إلى تاريخ ميلادها بتمعن. يا إلهي! ذكرى ميلادها بعد غد. يا له من قدر بأن تقع هويتها في يدي في ذلك الوقت. هل هذه إشارة لفعل شيء ما مميز لها؟

أخذ نفس عميق، أعاد البطاقة لجيبه وأمسك الهاتف ليتصل على رقم كان مكتوباً عليه "الباشا". رد الرجل بلهفة: "عملتوا ايه؟ جبتها معاك؟ ضحكة ساخرة صدحت في أذن ممدوح وقال رازي: "تعرف أني ممكن أوديك في ستين داهية بتهمة التعدي على بيتي ومراتي، بس أنا مؤدب مش هعمل كدا. لكن مش هاوعدك أني هابقى مؤدب، أوعدك أني قريب أوي هرد لك الزيارة. من غير سلام يا ممدوح." أقفل الهاتف. وفي نفس الوقت، ألقى ممدوح الهاتف بغضب وعيناه تشتعلان غضباً

وقال: "المشلول ده شايف نفسه على إيه؟ حمدي الذي سمع وفهم كل شيء: "غلط يا ممدوح بيه، اللي انت عملته ده أكبر غلط. ياباشا، احنا داخلين على انتخابات وكمان خطوبة الآنسة هاجر. أبوس إيدك ماتتهورش، وتضيع تعب السنين كلها عشان حتة... بتر كلماته ممدوح ككل مرة يحاول حمدي أن يخطأ بها. وقال: "حمدي، قدر لا، ما تتشتمش. مراتي المستقبلية خط أحمر يا حمدي، فاهم؟

زفر حمدي بنزق وقال: "أوعدك أن لو تحليت بالهدوء يا باشا، بمجرد ما تخلص الانتخابات أنا هجيبلك قدر لحد عندك، وإن شاء الله حتى تقتلها." رد ممدوح بوجع حقيقي: "عارف يعني إيه أول مرة تحب من قلبك يا حمدي؟

أنا عرفت ستات بعدد شعر راسي وكنت عايز أحتفظ بيهم كلهم ملكي، بس كنت بزهق بعد ماخد اللي أنا عايزه. لكن دي عمري ما فكرت أني آخد حاجة منها غصب عنها. كنت بحب أشوفها بس، أحب أكون قريب منها من غير ما أذيها. أحياناً كنت بتهور وأكون عايز أقرب، لكن كانت حاجة جوايا بتمنعني. وتقولي خليها تحبك أفضل. أنا ما فيش ست رفضتني لحد النهارده يا حمدي. ودي أنا علمت عشانها كتير، صرفت على دراستها، أمرت دلال تخليها تكمل جامعة، لكن هي قلبها حجر من ناحيتي. يمكن أكون كبير عليها وقد أبوها، لكن القلب اللي حبها ده حبها كأنه قلب طفل صغير."

صمت بعد تلك الكلمات التي جعلت عينيه تمتلئ بالدموع التي جاهد على أن يخفيها أمام حمدي حتى لا يفقد آخر ذرة كرامة لديه. *** صعد رازي حاملاً كوب الأعشاب الذي صنعه لقدر. طرق الباب ودلف للداخل. وجدها على الفراش شاردة تفكر فيما حدث لها. جلس بجوارها وقال: "اشربي دا." تنهدت وقالت: "الحاجة الوحيدة اللي فادتنا من الموقف ده هو إنك قدرت تحرك إيدك تاني. أي حاجة تانية مش مهم."

قالتها ببرأة شديدة أسرت قلبه بتلك الكلمة. فهي لم تأبه بزعرها أو خوفها، لكنها فرحة لشفائه. لم يعلق، لكنه كان مثبت ناظره عليها، وهناك ابتسامة لطيفة على ثغره. ملامحه لينة، غير مشدودة كالمعتاد. بدأت ترتشف من الكوب وقالت له بامتنان: "شكراً بجد يا سيد رازي." رفع حاجبه باستنكار وقال: "سيد رازي؟ هو أنا لو لسه سيد رازي كنت قعدت القعدة دي؟ لاحظت أنه يجلس بجوارها، كتفه ملتصق بكتفها. خجلت، تورّدت وجنتاها وهمست: "شكراً رازي."

مال برأسه لأسفل لينظر إلى وجهها عن قرب وقال: "مش قادر أستوعب إني بكلمك من غير ما تهاجميني، وكمان بتتكسفي يا صلاة النبي." ضحكت على كلامه، واستقام هو واقفا وقال: "أنا هاروح أنام، تصبحي على خير." قالت بخجل: "ممكن تفضل معايا لحد ما أنام، عارفة إني بتقل عليك بس بجد لو سبتني دلوقتي هافتكر اللي حصل وهرجع أخاف أكتر." زفر بضيق مصطنع وهو يرفع عينيه لأعلى وهو يقول بتسلية: "مش بحب الدلع." ردت بحزن: "آسفة."

جلس بجوارها وقال: "بس الدلع منك حلو برضو، حاجة جديدة." "عشان كده هافضل." ابتسمت له وقالت: "شكراً." كلمات بسيطة منه شعرت وكأنها ذات قيمة عند أحدهم. أما عنه، فقد كان حقاً يشفق عليها لذا لم يرد أن يكون غليظاً معها. حثها على النوم قائلاً: "يلا نامي، عشان شوية كمان وأنا همدد جمبك وأنام." تمددت. كانت حقاً خجلة. لأول مرة تنام أمامه. لم تشعر بالراحة في وجوده، لكنها خائفة حقاً. هكذا أفضل، وجوده يبعث الطمأنينة في روحها.

دثرها جيداً وظل يمسد على شعرها حتى غطت في نوم عميق. وكان قد نال منه التعب النصيب الأكبر، فنام وهو جالس بجوارها ويده بين خصلاتها. *** في الصباح. استيقظت قدر. فتحت عينيها وجدت رأس رازي بجوار رأسها ويحاوطها بذراعه. ظلت تنظر لملامحه وهو نائم. يا له من وسيم، هادئ في نومه. لم أعد أراه دراكولا، هو الآن بطلي المغوار الذي يأتي في أحلك الأوقات فينقذني. حثته على الاستيقاظ قائلة: "سيد رازي." تذكرت كلامه بالأمس.

ابتسمت وقالت: "رازي، اصحى، انت نايم بطريقة غلط. رازي." استيقظ وهو يشعر بألم في سائر جسده. حرك رأسه يميناً ويساراً وقال بتعب: "يارب، سمو الأميرة تكون مبسوطة دلوقتي، أنا رقبتي تلوحت من أم النومة دي." ضحكت وقالت: "مش الدلع بتاعي حلو؟ اشرب بقى." رفع رأسه بمفاجأة وهو يقول: "إيه التحول المفاجئ ده؟ امبارح كنتي زي الفار المبلول، دلوقتي خلاص رجعتي لطبيعتك قدر القطة الشرسة." ابتسمت وهزت رأسها بنعم. ***

في نفس الوقت، كان إلياس في الشركة يتجه لمكتب مهاب الذي كان منهمكاً في العمل مع فاطمة. دلف إلياس وقال: "مهاب، أنا نازل أعاين الموقع اللي تبع الحاج رضوان عشان نبدأ نشتغل فيه. وانتي يا فاطمة، جهزتي المخطط بتاعه ولا لسة؟ رفعت وجهها تطالعه وقالت برسمية: "أيوا يا فندم، كله جاهز. تحب تشوفه؟ رد هو: "لا، أفضل أشوفه بعد معاينة الموقع. يلا سلام." تحرك خطوة ثم عاد وقال: "مهاب، على فكرة معانا فرح بالليل، جهز نفسك كويس."

ردت فاطمة باندفاع: "رايحين تشقطوا بنات؟ تبادلا النظرات جاهداً في كبح ضحكاتهما. تابعت هي بدهشة: "أصل مش معقول رايحين عشان البوفيه؟ وهنا انفجر مهاب ضاحكاً وقال: "أنا عن نفسي بروح عشان البوفيه، بيعملوا أكل هناك لووز." ابتسم إلياس وقال لفاطمة: "نفسي مرة نختم كلامنا من غير ما تفاجئيني." مطت شفتيها وقالت: "اومال بتروحوا أفراح ليه ها؟ هز رأسه يميناً ويساراً فتلك هي فاطمة ولن تتغير.

وقال: "ده فرح إياد نصار يا مهاب، ابن الوزير. فاكره اللي كان زميلنا في الجامعة؟ تابع مهاب: "آه، اللي كان هيموت ويصاحبنا دا. ماشاء الله كبر وهيتجوز." لوت فاطمة فمها وقالت: "عقبالك." أكمل إلياس حديثه الموجه لمهاب وقال: "هو كان رن عليا عشان أحضر. أنا في الأول طنشت، بس فكرت إننا لازم نروح الفرح. هيكون فيه رجال أعمال كبار وناس مهمين، فرصتنا بقى ندخل في عالم رجال الأعمال ونحاول نكون زيهم."

ضيق مهاب عينيه وقال: "فعلاً، خلاص يا كبير نروح." وجه إلياس ناظره لفاطمة وقال: "أي استفسار تاني يا باشمهندسة؟ ردت هي كعادتها دون تفكير: "أوعى حد يشقطك." رد هو بصدمة: "نعم؟! أدركت ما قالت فخجلت كثيراً. وقالت: "أنا... شكلي جعانة، أصلي لما بجوع بفصل وبقول حاجات مش مفهومة. هاروح آكل حاجة وأرجع." ركضت للخارج كالطفلة. ضحك إلياس. ثم قال مهاب وهو يضيق عينيه: "البت دي بتحبك." رد إلياس بتسلية وهو يضع القلم في فمه: "عارف."

عقد مهاب حاجبيه وقال: "طب تاخد خطوة جد يا بني، دي البت مفضوحة أوي." أكمل إلياس بتسلية وهو يبتسم: "واحرم نفسي من الهبل بتاعها ده؟ خايف لو اعترفتلها إني بحبها تتغير، وأنا بصراحة عاجبني أوي اندفاعها ده." قال مهاب رافعاً حاجبيه: "بيرضى غرورك صح؟ "صح." كان هذا رده باختصار. واستقام واقفا وقال: "أنا هاروح الموقع، ما تتأخرش بالليل تمام." ***

كانت الأجواء مليئة بالبهرجة المبالغ فيها في تلك القاعة التي شهدت على انكسار قلب هاجر وخضوعها لأوامر والدها الذي لا يعرف الرحمة. فرح ملئ برجال الأعمال والضباط والوزراء. كانت تجلس بجوار العريس كاتمة حزنها بداخلها، لكن من يدقق النظر سيعرف أنها غير راضية عن تلك الخطبة. أنغام الموسيقى تصدح في كل الأرجاء. الفتيات والشباب يتراقصون على الأنغام الشبابية.

نزل إلياس ومهاب وهما في كامل أناقتهما كنجمان من هوليوود يتحركان على السجادة الحمراء في مهرجان كان. كانا يمشيان بمحاذاة بعضهما. قال إلياس: "هاجر مختفية الفترة دي، انتوا اتخانقتوا تاني؟ رد مهاب بحيرة: "مش عارف مالها. من امبارح رنيت عليها خمسين مرة ما ردتش. بعتلها مسج على الواتساب بقولها ما بترديش ليه. ردت عليا تقولي (آسفة يا مهاب، سامحني)

عقد إلياس حاجبيه وقال: "غريبة فعلاً، كابتن هاجر ده مش أسلوبها خالص. بقولك، احتمال تكون جوا في الحفلة دي." كانا قد دلفا إلى القاعة. وجه مهاب نظره ناحية العرسان وقال: "يارب أشوفها لحسن دي وحشا... بتر كلماته ما إن وقعت عيناه عليها. هل معقول؟ أنا هنا لأحضر فرحها؟ لحظات من الصمت. رمش عدة مرات في محاولة منه لاستيعاب ما يحدث. ولم يكن إلياس أقل منه صدمة. عدا قلب مهاب الذي يقطر دماً على تلك الخائنة في نظره.

لمحه ممدوح الصاوي الذي هرول إليهم يجذبه من ذراعه بعنف يحثه على المغادرة. همس لهما بغضب: "أقسم بالله لو جايين تبوظوا فرح بنتي لهنسفكم." لم يرد مهاب، فقط كان مصوب ناظره على تلك التي لم يُكِن لها إلا كل الحب. رد إلياس بغضب: "انت بتقول إيه؟ وفرح إيه اللي نبوظه؟ إحنا أصلاً ما كناش نعرف أنها خطوبة الهانم." حث مهاب على المغادرة بأن أمسك ذراعه الآخر وقال: "يلا يا مهاب، احنا جينا هنا بالغلط."

حرر مهاب كلتا ذراعيه من قبضتهما وتحرك ناحية العرسان. لحقه إلياس وهو يطالع الحضور الذين بدأوا ينتبهون. همس له: "يلا يا مهاب، مش عايزين مشاكل." رد مهاب وكأنه واحد آخر: "أنا هاعمل الواجب وأمشي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...