تظاهر رازي بالمفاجأة وقال: متهيألي أعرفك، انت ممدوح الصاوي مش كده؟ إيه موقفك مع المدام؟ انتوا تعرفوا بعض؟ همس ممدوح بصدمة: المدام؟! أما عنها، وكأنها أصبحت جمادًا من أثر المفاجأة من كلماته، لم تبدِ أي تعبير. حدجها رازي بنظرة غاضبة يحثها على مجاراته وقال: قدر، انتي تعرفيه؟ هزت رأسها بنعم وقالت: هو دا اللي هربت منه. رد ممدوح بغضب يحرق الأخضر واليابس وقال: قولي كل حاجة، قولي إني جوزك اللي هربتي منه ليلة فرحنا. صرخت هي:
كدااااب! رد رازي متصنعًا الصدمة: جوزها؟! وأومال أنا أبقى إيه؟ رد ممدوح بما أشعل الغضب في قلب رازي وقال: هنشوف مراتك فعلًا، ولا عايشة معاك بالحب. اشتعل رازي غضبًا، ركل سيارة ممدوح بقدمه، اقترب منه وقال بتهديد واضح: كلمة كمان وهانسى إنك في بيتي. اقترب من أذنه وأكمل بهمس: وهارزيك. اقترب منه ممدوح وهمس بتهديد أقوى: لو طلعت مش مراتك هاخدها لو وصلت للقتل. همس له رازي: اختفي قبل ما أخفيك من على وش الدنيا. صدح ممدوح:
طول عمرك غبية، بتفضلي المشلول دا عليا. لقد وضع الملح على جرح رازي، فعجزه هذا أكثر ما يحزنه ويزعجه، لكنه ظل محتفظًا بآخر ذرة ثبات فيه ورد ببرود أعصاب شديد أحرق ممدوح كلفافة تبغ. قال رازي: تخيل بقى كم الإهانة لما تفضَّلي واحد مشلول عليكي. يااااه، صعبة أوي، أنا محرجلك والله. ثارت ثورة ممدوح من كم البرود الذي يتحلى به هذا الشخص وقال بنزق: دانت بارد. ردت هي بما فاجأ رازي: اخرس، رازي أرجل من مية واحد زيك.
طالعها رازي بدهشة، كانت هناك بوادر ابتسامة ظهرت على ثغره دون إرادته. تابع تقمصه للدور قائلًا: يلا يا حبيبتي وبلاش تتعصبي كده، إحنا مستنيين نونو. رمقته بدهشة وجاهدت في كبح ضحكتها على هيئته، فلأول مرة تراه هكذا حنونًا، لينًا، مشاكسًا. صرخ ممدوح بجنون: انتي ملكي أنا يا قدر، وحتى لو متجوزة برضه مسيرك ليا بإرداتك أو غصب عنك. استدار رازي ومعه قدر للعودة للحفل، لوح بيده وصدح دون أن يستدير لممدوح: الله يسهلك. ضيق
ممدوح عينيه بتوعد وقال: ماشي يا قدر، اللي ما جبتلك المشلول دا جثة قدامك. عاد ممدوح للحفل، نظر صوب قدر وجدها تجلس على طاولة رازي، تجنبت النظر إليه. بحث عن ابنته واصطحبها وغادرا سريعًا. بعد أن انتهى الحفل وغادر آخر فرد فيه، هم الأن يجلسون في الرواق. رازي وبجواره إلياس، ومهاب بجوار عبد الناصر، وفاطمة محتضنة قدر، وقد قص عليهم رازي ما حدث بالتفصيل منذ رؤيته لممدوح يسحب قدر خلفه إلى أن قص عليهم حكاية قدر كلها.
وضع إلياس رأسه بين يديه، صدح مهاب بحنق: أنا لو حد تاففلي في حياتي مش هيحصل معايا كده. يعني البت إللي أحبها أبوها، وقفلنا زي الشوكة في شغلنا وقلنا ماشي، الأرزاق بيد الله. لكن كمان قدر تطلع الكراش بتاعه؟ كده بقى. كانت قدر تستمع لهم يحددون مصيرها دون أن تتفوه. كل ما يشغل تفكيرها الآن هو خوفها من أن تُحرم من تلك العائلة الرائعة. حتى قسوة رازي أصبحت محببة لها الآن، كل ما تخشاه خوفها بأن تعود لحياتها السابقة المقيتة.
وضع رازي قدمًا فوق أخرى وقال بهدوء: أنا شايف إن الحل الوحيد إني أكتب على قدر عشان نضمن إنه محدش يقدر ياخدها من هنا. ممدوح دا شكله مش سهل وممكن يعمل أي حاجة، والحالة الوحيدة اللي ماحدش يقدر يطول قدر فيها إنها تكون قاعدة مع جوزها. هوى قلبها أرضًا أثر سماعها لتلك الكلمات. تتزوج؟ ومِن مَن؟ السيد رازي المتعجرف الغامض... الوسيم؟ لا، هذا فوق استيعابها.
أيد عبد الناصر كلام رازي قائلًا بحزن أثر تذكره زوجته التي تركته وابنته وذهبت تركض خلف ذلك الوغد، قائلًا: رازي بيه عنده حق، دا الحل الوحيد. وطالما قاله إنها مراته يبقى لازم يكمل الحكاية عشان الراجل دا أنا أعرفه عز المعرفة، ولما بيصمم على حاجة بياخدها. وجه رازي كلامه لقدر قائلًا: قولتي إيه؟ في النهاية القرار قرارك. ردت وهي ما تزال في حضن فاطمة تنتحب: أنا موافقة على أي حاجة تنقذني من الراجل المريض دا. تنهد رازي وقال:
يبقى بكرة إن شاء الله الصبح استعدي، مش لازم نضيع وقت. أنا عارف هو ممكن يعمل إيه. انصرف الجميع بعد ذلك كل إلى غرفته، منهم من غط في نوم عميق، ومنهم من جفاه النوم، ومنهم من ظل يفكر طيلة الليل. في الصباح استيقظت قدر، شعرت وكأنها كانت في كابوس. هل حقًا ظهر ذلك الوغد ليؤرق عيشتي مرة أخرى؟ ذلك الحقير الذي كنت أستيقظ من نومي على وجهه المقيت بجواري. أتت فاطمة تحثها على النهوض قائلة بتذمر: إنتي فيه حد يوم كتب كتابه ينام كده؟
قومي كده عشان تلبسي وتتشيكي. ابتسمت بحسرة وقالت: دا على أساس إني بتجوز حقيقي وكده، صح؟ ردت فاطمة وهي تزاحمها في فراشها وقالت: وماله يا أختي، لو مش حقيقي إحنا نخليه حقيقي وعن حب كمان. ردت بإحباط: حب؟ مع السيد رازي ما افتكرش. دا واحد قفل قلبه للأبد، أنا لو مكانه مش هأمن لأي ست. عقدت فاطمة حاجبيها قائلة: ليه بقى؟ أدركت قدر أن فاطمة لا تعلم شيئًا عن حادثة رازي، فقررت تغيير الحوار قائلة:
المهم يلا بقى نجهز عشان رازي ما يعملش مننا كفتة. ردت فاطمة بحماس طفولي: يلا يلا، أنا مبسوطة أوي. عندنا عروسة، عندنا عروسة. ضحكت قدر على تلك المجنونة. بعد مرور الكثير من الوقت حضر الشيخ المأذون وأتم مراسم الزواج في هدوء تام، معلنًا رازي وقدر زوجًا وزوجة. احتضنت فاطمة قدر قائلة: مبارك يا قلبي. خجلت كثيرًا وهي تعلم أن هذا الزواج ما هو إلا لعبة. ربت إلياس على كف رازي قائلًا:
طول عمرك كنت السوبر هيرو بالنسبة لي، بس انهاردة اكتشفت إنك مش بس سوبر هيرو، إنت أنبل راجل يا رازي. شكرًا بجد على كل اللي عملته عشان قدر. خلف رأسه بحرج وقال بمزاح: مانا بهت عليك شوية من النبل دا، صح؟ أصل أنا كملت اللي إنت بدأته لما رفضت تسيبها في الشارع، ودي كانت حركة فعلًا ما تطلعش إلا من أخويا أنا. اقتربت أمنية احتضنت قدر وهمست لها:
مش هقولك مبارك دلوقتي، هأقولها لما بشطارتك تخلي الجواز دا حقيقي. ساعتها بس هأقدر أهنيكي. ربنا يكتب لك الخير يا بنتي. شردت تفكر. كلهم يطلبون مني المستحيل. وهل من تحطم قلبه أشلاء يستطيع أن يحب مرة أخرى؟ إذن هم يطلبون شيئًا يعرفون أن نيله من سابع المستحيلات. فلما يحملونني فوق طاقتي. استقام رازي واقفًا، سحب قدر من يدها تحت أنظار الجميع المندهشة، مشى بها تجاه الجناح الغربي. توجس إلياس: ترى ماذا سيفعل ذلك الغامض؟
هذا أخي لكني لا أفهمه أبدًا. كانت على وشك أن تفقد وعيها من الخوف. ترى ماذا سيفعل بي؟ هل ندم على الزواج مني وسينهي هذا الزواج بأن يفرغ أحد أسلحته المحببة لقلبه في قلبي أو يفتك برأسي؟ لم تكف عن التفكير حتى وصلا إلى تلك الغرفة المخيفة. ترك يدها وقال بهدوء: اقعدي. جلست على مضض وكانت ترتعد من الداخل وكأن قلبها سيقفز خارجًا يتوسل له بأن يتركها ترحل. قال رازي بنبرة هادئة:
إنتي فاهمة طبعًا إن الجواز دا على ورق، يعني الوضع هيفضل زي ما هو في البيت. هزت رأسها بنعم. تابع هو: بس لازم تفهمي إن الجاي ممكن يكون صعب. قبل ما ممدوح يعرف مكانك كنتي بأمان، لكن دلوقتي توقعي ممكن يعمل أي حاجة عشان يحصل عليكي. هوى قلبها أرضًا وقالت: عارفة. تابع هو: بس تأكدي إن رازي عمران الرازي مستعد يحمي اللي يخصه لو على رقبته. كونك إنك مرات رازي دا كفيل يحسسك بالأمان.
لم تستطع أن ترد، فقد شردت تفكر. تبا له، كم هو مغرور، واثق... وسيم حين يتحدث. ماذا أقول واللعنة؟ أشار أمام عينيها وقال: تمام، مستعدة للحرب اللي ممكن تواجهيها. هزت رأسها وقالت بحماس ممتزج بقلق: مستعدة. ابتسم هو ومد لها يده يحثها على الإمساك بها، وبالفعل استجابت له وأمسكت يده وعادا للرواق. كان الجميع يترقب، لكن ابتسامة قدر وهي ممسكة بيد رازي بعثت الطمأنينة في قلوبهم. ترك رازي يدها وجلس بجوار إلياس. همس له إلياس:
رازي، أنا بقول أفتح الأستاذ عبد الناصر في حوار خطوبتي على فاطمة. منعه رازي قائلًا: لا، مش دلوقتي. همس إلياس: ليه؟ رد رازي بنفس همسه: عيب لما تطلب إيد البنت في بيتك. أبوها هيحس إنها إهانة ليه. لازم تطلبها بطريقة تليق بيها في بيتهم. قطع كلامه دقات عالية على باب القصر. أسرعت سناء تفتح الباب، وما إن فتحت حتى صدح صوت مألوف بالنسبة لقدر.
_يا لهوي الحقونا يا حكومة، الناس دول خاطفين البت ومقعدينها معاهم بالاجبار. شرفي يا ناس، كرامتي يا عالم، شكلي قدام الخلق يا هوو. وقف الجميع واتجهوا ناحية تلك السيدة التي تولول. همست قدر بصدمة: دلال. تشبثت بثياب رازي الذي سمعها وتأكدت ظنونه، فقد كان يتوقع أن تلك السيدة ستأتي. اقترب من الضابط وقال: خير. أسرعت دلال تحتضن قدر بحركة درامية برعت في تمثيل دور الأم المتلهفة، كانت تتفحص قدر وهي تقول بلهفة مصطنعة:
عملولك إيه يا حبيبة مرات أبوكي؟ عذبوكي؟ ضربوكي؟ أذوكي؟ ردي عليا طمنيني. حاولت قدر التملص منها وهي تقول: ابعدي عني، أنا محدش أذاني غيرك. قال مهاب رافعًا حاجبه الأيسر: تمثيل بشلن، أقسم بالله. قال الضابط برسمية: فيه بلاغ مقدم من الست دلال بتتهمكم بخطف بنت زوجها وإجبارها على العيشة معاكم بالتهديد. زفر رازي بنزق وقال: مش هأرد، المخطوفة هي اللي هترد. اتجه ناحية قدر، أمسك يدها، سحبها من حضن دلال، حاوطها بذراعه وقال:
قدر مراتي. نظر إليها وبرع في تمثيل العشق وقال بحنان وبراءة: أنا بأغصبك تعيشي معايا يا قدر؟ تاهت للحظة تفكر. هل هو من يتكلم الآن؟ أمهلني برهة أستوعب ما قلت. تبدو حنونًا حد اللعنة. هزت رأسها بتوهان للحظة ثم تمالكت أعصابها وقالت: لا يا حضرة الظابط، أنا بحب جوزي واتجوزت بإرادتي. أنا هربت من مرات أبويا دلال عشان كانت عايزة تجوزني لراجل قد أبويا. وبأكرر كلامي، أنا اتجوزت رازي بكامل إرادتي وبحبه. رفع رازي حاجبه الأيسر يفكر.
(لقد استرسلت كثيرًا تلك الصغيرة وكأنها تتحدث بجدية) هبط إلياس من الدرج وقال: ودي قسيمة الجواز يا حضرة الظابط. وجه كلامه لدلال وقال: أظن كده مالكيش حجة يا ست دلال. اقترب رازي من أذن دلال وهمس: لمي الدور عشان لحظة كمان وهأقدم فيكي بلاغ بأنك بتديري شبكة، ها ولا إيه؟ تابع مهاب ما بدأه رازي قائلًا: رقاصة وفتاحة ترقص وتفتح، ولا إيه؟ تابع إلياس:
إحنا بقى مستعدين نحل مشاكلنا العائلية مع بعض، واتفضل انت يا حضرة الظابط، ست دلال بقت مننا وعلينا. نظر إلى دلال وقال: ولا إيه؟ لم تجد ما تقوله، هوى قلبها بين ضلوعها خشية من أن يفضح سرها. قالت وهي تتصنع الابتسامة: كده والف كده كمان، أنا ماليش حجة بقى، كله إلا كرامتنا يا بيه، أغلى من الشرف مافيش. قال إلياس بتهكم: لا واتكي على كلمة الشرف دي ها. تابعت وهي تتجاهل كلماته اللاذعة:
طالما متجوزين يبقى يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك. أطلقت زغرودة واحتضنت قدر وهي تهمس لها: طول عمرك بنت محظوظة يا مقصوفة الرقبة. إيه الأبهة اللي عايشة فيها دي يا بت؟ والله ونضفتي من ممدوح للواد العسل دا، بيضالك في القفص هي. قبلتها يمينًا ويسارًا وهي تقول: ربنا يهنيكي يا قلبي. انصرف الضابط، بقيت دلال في مأزق. وبعدما تأكد رازي من مغادرة الضابط ابتسم بسخرية وقال لها: روحي قولي للي بعتك، العب غيرها.
ابتلعت لعابها وهزت رأسها وانصرفت مسرعة. وما إن انصرفت حتى أنزل رازي يده التي تحاوط قدر، عاد إلى جلستهم يتناولون أطراف الحديث. قال إلياس: إحنا هنرجع النهاردة يا رازي بعد الغدا. ردت قدر برجاء: خليكم معانا شوية، أنا كنت مفتقدة الكلام بجد وبصراحة نفسي فاطمة تقعد معايا أكتر. ضيق رازي عينيه يفكر. (أيتها الماكرة وكأنني أمنعكِ من الحديث؟ من الذي يأخذك في نزهة مع الخيل كل يوم؟ حقًا أنتِ ناكرة للجميل) رد إلياس:
إحنا مشغولين أوي اليومين دول، لازم نلحق نخلص كل المشاريع الناقصة عشان نسلمها في الوقت المحدد لها. تنفس الأمل وتابع: عشان نبدأ بداية جديدة مع الشركة الإيطالية. ردت قدر بتفهم: ربنا يوفقكم ويكرمكم من أوسع أبوابه. همس مهاب ل إلياس: شفت ياض أخوك كان رومانسي إزاي وهو بيقول قدر مراتي. ابتسم إلياس بحزن وقال: للحظة حسيت إن رازي بتاع زمان رجع، بس افتكرت إنه تمثيل. ابتسامة خبيثة ظهرت على فاه مهاب وقال:
أخوك دا هيفضل كده قفل، مش عايز يتقدم. إيه رأيك لو نديله فرصة يكونوا لوحدهم؟ أنا حاسس إن البت قدر دي هتقدر ترجع رازي القديم. لمعت عينا إلياس بالأمل وقال: تفتكر يا مهاب؟ قاطع حديثهم فاطمة التي قالت: بتنموا على مين يا مديرني الأعزاء؟ استقام مهاب واقفًا وقال: حشرية هانم في أبهى صورها، إنتي يا فاطمة. غمز ل إلياس الذي لم يفهم وقال له: أنا هاتصرف. اتجه إلى غرفة السيدة أمينة، دلف وأغلق الباب خلفه.
في غرفة خاصة به وحده، كان ممدوح يحتضن تمثالًا يشبه قدر جدًا، وكأنه ينقصه أن يتحدث ليصبح قدر، بعدما تلقى اتصالًا هاتفيًا من دلال التي أكدت له بأن قدر متزوجة بالفعل وأنها من الواضح أنها تحب رازي كثيرًا. كان يبدو ثملًا وهو يصرخ: ليه مش عايزة تديني فرصة؟ رحتي اتجوزتي؟ بس معلش، إنتي ليا مهما عملتي. هاجيبك غصب عنك هنا وهتكوني ملكي. إنتي من اليوم اللي اتولدتي فيه وانتي خلاص بقيتي ملك ممدوح الصاوي بإرادتك أو غصب عنك.
اتسعت عينيه بشر وهو يقول: الليلة هتكوني في حضني يا قدر بحق وحقيقي، مش تمثال. أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بأحد ما. بعدما غادر إلياس ومهاب وفاطمة ووالدها القصر، جاءت السيدة أمينة إلى رازي الذي كان يقرأ كتابًا وقالت: ابني رازي. رفع وجهه وقال: اتفضلي يا ست أمينة، خير. قالت وهي مرتبكة نوعًا ما:
كل خير يا ابني، أنا بس كلموني من البلد أنا والبت سناء بت أختي عشان نحضر فرح واحدة قريبتي، هي مالهاش حد ويتيمة يا عيني، إحنا كل أهلها. رد رازي بلطف: إنتي عارفة إني ما أقدرش أستغنى عنك، أو عن سناء، بس مافيش مشكلة، روحي وارجعي صد رد، يعني يومين كفاية أوي. ردت بتلعثم وقالت: لا يومين إيه يا حبيبي، دي الأفراح عندنا في الأرياف بتبقى من أسبوع وطالع. عقد حاجبيه بتعجب وقال: أسبوع؟!
زفر الهواء بقلة حيلة، فهي حقًا لا تأخذ إجازات إلا للضرورة القصوى. قال: تمام، بس أكتر من أسبوع لا. قالت: ربنا يبارك في عمرك يا حبيبي. أسرعت تخبر سناء، وبعد مرور وقت ليس بقليل خرجتا تحملان حقائبهما، وقالت السيدة أمينة: إحنا هنمشي دلوقتي بقى عشان نلحق نركب القطر قبل ما الدنيا تضلم. رد هو: لا، أنا كلمت السواق يجي يوصلكم. قالت بامتنان حقيقي: ربنا يبارك فيك ويحفظك وينصرك على من يعاديك يا رازي يا ابن زهرة.
استيقظت ندبة بين ضلوعه، شعر بوخزها له أثر ذكر والدته. همس: ربنا يرحمها. ودعت السيدة أمينة وسناء رازي وقدر داعين لهم بالسعادة والحياة العامرة، وما إن انصرفا حتى صعدت قدر إلى غرفتها متحاشية النظر لرازي. ظل رازي بالأسفل يطالع كتبًا جديدة ابتاعها عبر الإنترنت، شعر بالجوع، ولكن أين هي تلك المتمردة الصغيرة؟ لما لم تظهر منذ أن غادرت سناء وأمينة؟
صعد الدرج بحثًا عنها، طرق باب غرفتها ثلاث مرات، وبعدها فتح الباب. كانت نائمة. تردد قليلًا قبل أن يوقظها. قال بنبرة هادئة: قدر. وكزها بخفة في كتفها، استيقظت صارخة من نومها تقول: ابعد عني، ما تلمسنيش. كان جسدها ينتفض. اندهش من حالتها تلك، لكنه تذكر ما كانت تمر به في منزل دلال. قال بهدوء: اهدي، مافيش حاجة. أنا قلت أصحيكي نجهز حاجة نأكلها.
فركت آثار النوم من عينيها، تذكرت أنها لم تعد في ذلك المنزل المقيت. عدلت من وضع جسدها فجلست على الفراش، وضعت يدها على رأسها بخجل. لاحظ أنها تتحس خصلاتها التي يراها لأول مرة. رفع حاجبه باستنكار وقال: على فكرة أنا جوزك، فاكرة ولا نسيتي؟ ردت بخجل: ها. ابتسم وقال: يعني مافيش داعي لجلد ذاتك لمجرد إني شفت شعرك، مش هتاخدي ذنب على فكرة. مطت شفتيها وقالت: يعني مصحيني من النوم عشان تقولي ماتنسيش أنا جوزك؟ نظر من شرفتها وقال:
لا، أنا جعان. قومي ناكل. نهضت من الفراش وهي تقول: قصدك قومي عشان تجهزيلي الأكل. ابتسامة جانبية ظهرت على محياه وقال: شاطرة، خلصي وحصليني. هبطا لأسفل، اتجهت هي للمطبخ. قال رازي من الخارج: هتعرفي تعملي أكل ولا أتصرف وأطلب دليفري؟ ردت من الداخل: هأبهرك. أعدت طعامًا خفيفًا للعشاء وبدأوا في تناوله. قال بإعجاب: لا حلو، تاخدي ٩ وربع من عشرة. ردت بتزمر: لازم تنقص يعني؟ ماينفعش تقول ١٠ على ١٠؟ ابتسم وقال لها: طماعة.
صدح هاتفه يعلن عن اتصال أحد ما. عقد رازي حاجبيه لأنه لا يعلم هوية المتصل، كان رقمًا غير مسجل. رد رازي: مين؟ _الحق يا رازي بيه، الأرض اللي جمب الساقية القديمة النار ولعت فيها، تعالى اتصرف. أقفل هاتفه وهب واقفًا. تلك الأرض الغالية على قلبه كثيرًا، هي ملك لوالدته في الأساس، ميراثها من والدها. فقد صوابه من الغضب. قال لقدر: هأخرج شوية ومش هتأخر، ما تخافيش. قالت بقلق: في إيه طيب؟
خرج مسرعًا ولم يجيب. قلقت كثيرًا لما خرج مسرعًا هكذا. لمت الأواني من الطاولة. لفت نظرها بخوف إلى هذا القصر الكبير الفارغ، لا يوجد به سواها. هوى قلبها بأن يقطع التيار الكهربائي الآن. وضعت يدها على قلبها في محاولة لتهدئة نفسها. وفجأة فتح باب القصر بهدوء. توقعت أن القادم رازي، لكن تفاجأت برجلين يتقدمان ناحيتها. صرخت برعب: انتوا مين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!