خرج رازي من المرحاض وجدها تجلس مع شخص غريب لأول مرة يراه. عقد حاجبيه وقال: مين دا؟ قالت بفرحة حقيقية وعيناها تلمع: دا عصفور صاحبي وزي أخويا، هو اللي ساعدني أهرب. أنا بجد مبسوطة إني شوفته يوم عيد ميلادي. شملهم رازي بنظرة حادة، لم يعجبه أبداً ذلك الوضع وماذا قالت للتو (صاحبي) ، يالها من جريئة، إنها زوجة رازي كيف لها أن تتخذ خليل، تلك المعتوهة أوقعت نفسها في بؤرة لا مخرج منها. تذكر رازي أن يعاقبها ما إن يرحل ذلك الثقيل.
فاق من شروده على عصفور يقف أمامه يمد يده لمصافحته بابتسامة قائلاً: أنا عصفور وقدر دي أختي الصغيرة، ألف مبروك على الجواز، مش هاوصيك عليها. رد بجمود جاهد على أن يبدو لطيفاً نوعاً ما: الله يبارك فيك. ترك يده وتوجه يجلس بجوار قدر وهو يحاوطها بذراعه، ضمها إليه بقوة حتى اصطدمت رأسها بصدره، أصبحت تسمع صوت دقات قلبه التي تعلن عن حريق بداخله ولا تعلم سببه. قال رازي وهو مازال قابض على قدر في حضنه: مش هتوصيني على حبيبة قلبي.
تهللت أسارير عصفور الذي لا يتمنى لقدر إلا كل خير: أنا فرحان بجد عشانها، ربنا يسعدكم، أنا والله حاسس إني جيت في وقت مش مناسب بس كان قلبي واكلني عليها أوي. رمقه رازي بغيظ بدا جلياً في نبرته: واكلك؟! لا اطمن قدر مع جوزها حبيبها. ابتسمت هي عند سماعها لتلك الكلمات، حتى لو كان تمثيل، حتى لو لم تكن الحقيقة، لكنها سعيدة حقاً لسماعها تلك الكلمات التي أسرت قلبها. لماذا يعجبها ذلك الوضع وأنه يغار عليها؟
لا تدري، لكن كل ما تعلمه جيداً هي أنها تريد لتلك اللحظة أن تستمر قدر الإمكان. قررت التلاعب أكثر بمشاعره. قالت بحماس: إنت لازم تحكيلي كل حاجة حصلت معاك يا عصفور من لحظة ما سبتك لحد دلوقتي. استشاط غضباً الذي جالس بجوارها، فكر قليلاً، هل اعتصرها الآن بقبضتي تلك؟ يالها من جريئة حقاً، إنها تتمادى، تباً لها تلك الصغيرة الحمقاء.
بدأ عصفور يقص عليها ما تعرض له من ضغط من قبل ممدوح وكيف كان لا يكف عن مراقبته له، وأنه لم يبعد نظرات الشك عنه لحظة، كيف توعده وهدده بأنه سيؤذي أخته الوحيدة عزة إذا علم أن له يد في هروب قدر. اغرورقت عيناها بالدموع وهي تعتذر عن كونها السبب في كل تلك المشكلات التي وقع فيها بسببها. قالت: أنا آسفة يا عصفور، أنا السبب في كل اللي حصل لك. أما عن رازي، فقد كان يزداد مقته لذلك الرجل الذي يعتقد أن العالم كله يدور حوله. رد عصفور
بسرعة ينفي صحة كلامها: انتي مالكيش ذنب، هو اللي حيوان يا قدر. أنا مرة روحت له في بيت واحدة من اللي عايش معاهم في الحرام، استغفر الله العظيم، لقيته عامل تمثال شبهك بالظبط ومحتفظ بيه، دا واحد مريض. كور رازي يده أثر سماعه لذلك. لم تعلق على كلامه، لكن تبدلت ملامحها للخوف والقلق، لا تريد أن يظهر في حياتها ذلك الوغد مرة أخرى. شعر رازي بخوفها فقرر تغيير مسار الحوار. قال: قدر مش هتقدمي حاجة لضيفك ولا إيه؟
ولا أقولك في دليفري هيوصل بعد شوية، قومي جهزي السفرة هنتعشى كلنا. استقام عصفور واقفاً وقال: لا اعفيني أنا من العشا دا، أنا لازم أمشي عشان الحق أرجع القاهرة قبل نص الليل. هتفت هي باندفاع: لا مش هسمحلك تروح بالليل كده، لازم تنام انهاردة هنا وبكرة تمشي الصبح. رفع رازي حاجبه الأيسر باستنكار وقال: ينام؟! تمتم بما لم تسمعه: دانتي وقعتك سودة. نظرت له برجاء وقالت: ممكن يا رازي ينام هنا للصبح؟
رد بابتسامة صفراء: يا نهار أبيض، وأنا أقدر أرفضلك طلب يا قدري. ضغط على أسنانه وهو ينطق اسمها بتلك الطريقة. قال عصفور وقد لاحظ غضب رازي: لا أنا حاسس إني عزول والله. تمتم رازي بما لم يصل إليهم: حاسس بس مش متأكد يعني. وقال بصوت جوهري: لا إزاي دانت أخو الغالية وصاحبها، وجودك مرحب بيه أكيد. ابتسم عصفور وهز رأسه بالموافقة. أما هي فقد اتسعت ابتسامتها لرازي الذي لم يخذلها. ***
كان مهاب مستلقياً أمام البحر ليلاً على الرمال الباردة ينظر إلى السماء وهو يردد كلمات لقصيدة الشاعر فاروق جويدة: (لو أننا لم نفترق، لبقيت نجماً في سماءك سارياً، وتركت عمري في لهيبك يحترق) كان إلياس يجلس بجواره في صمت، الهواء البارد يباغت وجوههم، وموجات البحر تضرب الشاطئ بقوة عاتية، صوت سكون الليل لا يشوبه سوى تلك الأمواج المضطربة كتلك التي تثور بداخل مهاب. الأبخرة تتصاعد من البحر صانعة شبورة تشوش الرؤية.
بدأ إلياس يرتجف من البرد القارص وهو يضم يديه إلى فمه ينفخ فيها زفيراً حتى يحظى ببعض الدفء. قال: مش كفاية كده، إحنا شوية كمان وهنتجمد يا عم روميو. لم يعلق مهاب، لقد كانت حرارة قلبه طاغية على إحساسه ببرودة الجو تلك. وكزه إلياس قائلاً: القعدة دي هتمرضك أكتر، قوم ندخل الشاليه. أشار له مهاب بالموافقة عندما رأى حالته هكذا وهو يرتجف وقال: يلا نرجع القاهرة، أنا زهقت من هنا. وافقه إلياس الرأي وقال: دا عين العقل. ***
بعد أن انتهوا من تناول الطعام وقطعت قدر كعكة عيد ميلادها مع رازي وعصفور، بعدها احتسوا القهوة وكان رازي يسأل عصفور كثيراً يريد أن يتوغل أكثر في معرفة تفاصيل عن حياة قدر السابقة، حتى أن عصفور حكى له عن تلك الكتب والملخصات التي كان يسرقها من المكتبة التي يعمل بها من أجل قدر حتى تذاكر بها ويعيدها مرة أخرى.
كان رازي كلما استمع أكثر عن علاقة عصفور بقدر شعر بوخز في صدره ولا يعلم سببه، لكنه حقاً ممتن له ولما فعله من أجل تلك الصغيرة البريئة. بعد مرور وقت ليس بقليل استقام رازي واقفاً وقد قرر معاقبة قدر على سعادتها تلك من أجل قدوم عصفور، فأمسك يدها وقال: يلا يا حبيبتي هنطلع ننام، وانت يا عصفور، الأوضة دي خاصة بالضيوف تقدر تنام فيها واعتبر البيت بيتك، يلا تصبح على خير.
قال عصفور ممتناً: وانت من أهله يا رازي بيه، وشكراً على الضيافة. هز رازي رأسه وسحب قدر من يدها يجرها خلفه وصعدا إلى أن وصلا غرفة رازي. حاولت قدر سحب يدها وهي تقول: يلا بقى تصبح على خير يا رازي. لم يترك يدها ورد عليها قائلاً: رايحة فين انتي هتنامي في أوضتي، فيه راجل غريب تحت. قالت ببرأة: عصفور مش غريب. قال هو بنفس نبرتها مقلداً إياها: إيه راضعين على بعض. شعرت في نبرته بتهكم، مطت شفتيها وقالت: انت بتتريق صح.
شعر بأنه أهانها بكلامه ونبرته المتهكمة فقال: لا مش صح، أنا عايز مراتي تبقى معايا الليلة دي، ياترى مش من حقي. نجح في أسر قلبها بكلامته الرقيقة وحرصه الدائم على ألا يزعجها، تمنت لو أن هذا حقاً ما يريده.
أما هو، على الرغم من شعوره بالغيرة من اهتمامها الزائد بذلك الثقيل عصفور من وجهة نظره، وعلى الرغم من أنه أراد أن يعاقبها بإجبارها على النوم في غرفته، إلا أنه بنظرة واحدة من عينيها البريئة وجد نفسه يتفوه بالطف العبارات حتى لا يضايقها. حسمت أمرها بأنها لا تريد أن تختم ذلك اليوم الرائع بما يزعجها أو يزعجه، لذا قالت بهدوء: طب هاروح أجيب هدوم. هز رأسه وقال: ابقى حصليني.
بدلت ثيابها وعادت بسرعة له، وعندما نظرت إليه وجدته قد غط في النوم، لكن الحقيقة أنه مثل أنه نائم حتى لا تشعر بالحرج منه. لكنه تفاجأ بأنها جلست بجواره بهدوء. حركت يدها أمام عينيه حتى تتأكد أنه نائم فعلاً، وحينما لم تجد استجابة منه، مسحت على وجنته بلطف وهي تهمس: شكراً بجد لأني أول مرة حد يعمل حاجة مميزة عشاني ويفتكر عيد ميلادي. فتح عينيه على حين غرة وقال: طب عدي الجمايل بقى.
اتسعت عيناها من الصدمة والخجل، سحبت يدها بسرعة. وقالت: أنا بس... كنت جاية أقولك تصبح على خير و... ضحك على هيئتها الخجلة وقال من بين ضحكاته: طب آسف والله هرجع أنام وكملي اللي كنتي بتقوليه. اعتدل من نومته وقال بنبرة جادة: انتي تستاهلي كل حاجة حلوة يا قدر. تورّدت وجنتيها من الخجل وقالت: شكراً. صمتت قليلاً ثم قالت بصدق نابع من قلبها: على فكرة ضحكت حضرتك حلوة أوي. رفع حاجبه وقال بصدمة: حضرتك؟!
نظرت لأسفل وقالت: قصدي يعني ضحكتك حلوة بجد، ياريت تضحك كتير. قال بصدق نابع من قلبه قبل لسانه: بتطلع بس مع الناس اللي برتاح معاهم. شعرت بسعادة تغمر قلبها لأنها من أولئك القلائل الذين يشعر براحة معهم، تذكرت حينما كانت تراه يضحك مع إلياس ومهاب، كم تمنت أن يضحك لها مرة واحدة، والآن تحققت أمنيتها وهو يضحك معها من قلبه. هذا إنجاز يحسب لها بأن تجعل السيد رازي المتعجرف الجامد يضحك. استقامت واقفة متجهة ناحية الأريكة،
لكن أوقفها قوله: لا استني خليكي انتي نامي هنا، أنا هنام على الكنبة. هزت رأسها بالموافقة. على مضض تمدد هو على الأريكة، كان أطول منها بكثير لذا لم يكن مرتاحاً أبداً، أما عنها فقد دثرت نفسها جيداً وحاولت النوم مراراً، لكن تفكيرها لا يكف عن التساؤلات، أنا معه الآن في غرفته، هل سيعتاد على هذا؟ هل يستغل المواقف؟ لكن لما يريدني أن أكون بالقرب منه؟ علاقتنا ليست حقيقية، هي فقط حبر على ورق.
وضعت الوسادة على رأسها حتى تكف عن التفكير وبعد وقت ذهبت في سبات عميق. أما هو فلم يذق طعم النوم، لم يعتد على النوم على الأرائك، وأيضاً لم يكف عن التفكير في سعادة قدر حينما رأت عصفور، كان يشعر ببعض الغيرة، لا بل الكثير من الغيرة، واللعنة، تلك الغيرة أمر أحمق حقاً. *** بينما صباح جديد في القاهرة، لم تكن الأمور تسير بتلك السلاسة، فقد كانت هاجر تجلس في النادي في ثاني يوم لها بعد الخطبة.
جاء إياد رغماً عنه بأمر من والده ليجلس معها حفاظاً على صورتهما أمام المجتمع الراقي. تأففت حينما لمحته قادماً. قال هو ببرود: صباح الاكتئاب. رفعت حاجبها وقالت: صباح الرخامة. سحب مقعداً وجلس عليه وقال: احكيلي بقى قصتك الحزينة مع مهاب. اتسعت عيناها من الصدمة، كيف يعرف بهذا ويبدو بارداً لهذه الدرجة. ردت بتلعثم: حكاية إيه، مافيش حكاية، انت اللي خيالك مريض أصلاً. قال وهو
يحرك أصابعه أعلى وأسفل: بلا بلا بلا بلا، اسمعي يا بنت الصاوي، إذا انتي مغصوبة، أنا أكتر منك، وإذا انتي عندك حياتك الخاصة، أنا كمان عندي وبحب زيك، عندي ليكي ديل هيعجبك، تعالي نمشي أمورنا مع أهلنا ونمثل قدامهم إننا دايبين في بعض لحد ما يوصلوا للي هما عايزينه، وقتها بقى يبقى سلام يا صاحبي وكل واحد يكمل حياته عادي. ردت بحماس: تصدق بالله، أنا لما شوفتك ما كنتش طايقة شكلك، بس انت طلعت كينج، موافقة. ثم لمع
الحزن في عينيها وتابعت: بس تفتكر مهاب هيسامحني؟ أنا صدمته وجرحته، بس كان لازم أعمل كده عشان خايفة عليه وعلى مستقبله. سيبي حوار مهاب عليا، المهم إننا اتفقنا، ديل يا زميل. هكذا كانت كلماته التي أحيت الأمل داخلها. ردت بحماس: ديل يا زميل. *** استيقظ رازي متأخراً من نومه، لم يجد قدر، هب واقفاً يفكر، هل هي معه الآن؟
سأفرغ سلاحي في أم رأسها إذا كانت تتسامر معه، لكنه سمع صوت مياه قادمة من المرحاض، تنفس الصعداء وخرج من الغرفة. هبط لأسفل، كان عصفور جالساً في الحديقة يلاعب بلاك، وقد أحبه كثيراً. جلس رازي بجواره وقال بامتنان حقيقي: شكراً لكل اللي قدمته لقدر زمان، لأنك كنت راجل. طالع عصفور بغير تصديق وهو يقول: بتشكرني على إيه؟
قدر دي أختي، أنا اللي المفروض أقولك شكراً، لأنك حافظت عليها، قدر دي أصلها مرت بتحديات في حياتها ربنا وحده أعلم بيها، لما كان ممدوح يضغط على دلال عشان ياخد قدر معاه وقدر ترفض، كانت دلال بتعاقبها بأنها تعمل شغل البيت كله لوحدها، وتحرمها من الأكل يوم كامل، كنت أنا بطلع لها الأكل من الشباك، تنزلي حبل أربط لها كيس السندوتشات. كور رازي يده بغضب حتى برزت عروقه، شرد قليلاً ثم قال لعصفور: اسمع عايز منك خدمة.
قال عصفور مرحباً: اعتبرها اتنفذت. قال رازي: حيث كده يبقى تسمع اللي هاقوله كويس أوي. *** في مركز للدروس الخصوصية كانت تجلس نورين، ابنة السيدة مريم جارة إلياس ومهاب في الشقة. كانت شاردة، حزينة، منكسرة، تسقط دموعها في صمت، كانت تعبث بهاتفها الخلوي تتفحص إحدى مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)
، تنظر إلى صورته، أنه ذلك الشخص الذي جعلها تحلق في سماء الحب وفجأة هوى بها إلى الأرض السابعة، أنه إياد أمجد نصار وبجواره هاجر الصاوي. انهارت نورين وهي تتذكر إياد الذي عوضها غياب والدها، تذكرت كلماته، انتظاره لها حتى تنهي دروسها. شردت قليلاً فتذكرت. كانت تخرج من مركز الدروس بعدما أنهت دروسها، وجدته يتكئ على سيارته ينتظرها منذ قرابة الثلاث ساعات. بدت معالم الصدمة على ملامحها الطفولية الهادئة.
اقتربت منه وقالت: دا بجد، أنت واقف هنا من تلات ساعات؟ رد وهو يزيل نظارته السوداء ماركة ريبان وقال بحنان: واستنى تلات سنين عشان أشوف العيون البريئة دي. لوت فمها وقالت: إحنا اتفقنا على إيه؟ نحترم نفسنا ولا أمشي؟ أسرع يقف أمامها قائلاً: لا يا بابا تمشي إيه، دا بابا مستنيكي تلات ساعات، يهون عليكي تمشي كده وتسبيه؟ ابتسمت وقالت: لا ما يرضينيش. فتح باب سيارته وقال: طب ادخلي بقى هديكي حاجة.
دلفت إلى السيارة وهو أيضاً دلّف وأغلق الباب. أعطاها كيساً به طعام. فتحت الكيس وجدت طعامها المفضل الشاورما، وأيضاً مثلجات بطعم المانجو المفضلة لديها. نظرت إلى الطعام بسعادة طفولية مما جعل قلبه يقرع كالطبول من ابتسامتها التي تغمره هو أولاً. هتفت: أجمد إياد في الكون كله. رد هو بسعادة أكبر من تلك التي تغمرها: حبيبة قلب بابا، مبسوطة دلوقتي. هزت رأسها بنعم. تنهد بارتياح ونظر في عينيها
يحتضنهما بعينيه وقال: نفسي أخليكي مبسوطة كل ثانية كل دقيقة، نفسي ما أشوفش ولا دمعة في عينيك يا نورين. شعرت بالخجل وقد ذابت من إحساسه الصادق وكلامه الذي ينجح في أسر قلبها. قالت: الحاجة الوحيدة اللي هتخليني مبسوطة هي إني أكمل حياتي معاك يا إياد. رد بمشاكسة: إياد على سنين إياد اللي طالعة زي القمر يا حبيب بابي، طب بالله واحدة إياد تاني كده عشان أقدر أروح. ضحكت وقالت: مجنون.
عادت من شرودها لواقعها المؤلم وقد ازداد نحيبها مما جعل معلم مادة الفيزياء الأستاذ عبد الناصر ينتبه لها. وما أن أنهى الدرس وانصرف الطلاب حتى اقترب منها وقال بهدوء: مالك يا بنتي؟ حصل معاكي حاجة لا سمح الله. ردت وهي تزيح دموعها بتوتر وقالت: لا يا مستر مافيش، أنا هقوم أمشي. وما أن وقفت لتمشي حتى كادت تسقط لأنها لم تأكل منذ عرفت بخبر خطبة إياد وهاجر، كادت تسقط مما دفع الأستاذ عبد الناصر
بمساندتها وعرض عليها: أنا هوصلك بيتكم. قالت ومازال صوتها يرتجف من أثر البكاء: لا مش عايزة أتعب حضرتك، هاخد أوبر. قال بحزم: يا بنتي مافيش تعب ولا حاجة، انتي زي بنتي. مسك يدها وتحركا ناحية سيارته. *** بعد قضاء يومين في الساحل عاد إلياس ومهاب إلى القاهرة. ظل مهاب في الشقة نائماً، لكن إلياس ذهب إلى الشركة ليباشر عمله. جلس هو وفاطمة لإنهاء بعض الأعمال، كانت هي تشرح وتتحدث وهو شارد تماماً، عقله لا يتوقف عن التفكير.
إلى متى ستظل تخبئ مشاعرك إلى أن يأتي شخص آخر ويأخذها منك مثلما حدث مع مهاب الذي لم يصارح هاجر بحبه حتى وجدها تضيع منه في لمح البصر. كانت فاطمة تقول بعملية: إحنا شغلنا عشرين عامل كمان عشان نقدر نسلم الشغل في معاده المحدد و... قطع كلماتها قوله المباغت: فاطمة أنا بحب. صمتت برهة تستوعب وتفكر، يا للكارثة، هل يحب غيري؟ لا مستحيل. وبعدها ردت بهجوم: حب...
حب إيه وكلام فارغ إيه.. الحب دا يا باشمهندس خرافة مالهاش أي أساس من الصحة، حاجة بتضيع الوقت والجهد والفلوس، وأهم حاجة الفلوس. بتر كلماتها قوله بصدق: فاطمة أنا بحبك انتي. طالعته بصدمة وقد احتلت المفاجأة معالم وجهها، رمشت عدة مرات متتالية ثم ابتلعت لعابها وجاهدت لتخرج أول كلمة بعدما هربت الكلمات من فمها. قالت: أنا؟! هز رأسه بابتسامة جذابة.
ثم ردت ببرائتها المعهودة: طب ممكن تنسى كل الكلام اللي قولته من شوية، أنا انسحب، الحب يا باشمهندس هو أسمى شيء في الوجود، ويجب أن تغسل أسنانك قبل الأكل وبعده. ضحك على غبائها، فنهرت نفسها وقالت: لا الحكمة دي مش وقتها دلوقتي. هبّت واقفة وقالت: أنا لازم أمشي، افتكرت حاجة. خرجت مهرولة إلى الخارج، وقبل أن تخرج استدارت له وقالت: يا باشمهندس انت وصلتني بـ... قبل كده صح؟ هز رأسه بنعم.
ثم تابعت: طب بابا مستنيك في نفس العنوان اللي وصلتني فيه. ركضت للخارج. هز رأسه بمعنى لا فائدة من تلك المجنونة الجميلة وقال: مجنونة.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!