تحميل رواية «ندبات قدر» PDF
بقلم الشيماء مسعد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"البت دي لازم تكون في أوضتي الليلة دي يا "دلال" بأي تمن." كانت تلك كلماته التي ألقاها بغضب ذلك الرجل صاحب الخمسين عاماً، لكن من يراه يقسم أنه في بداية الأربعينات من عمره. كانت "دلال" تفرك يديها بتوتر، بدا في نبرتها وهي تقول: "حاضر هحاول، بس والله يا ممدوح بيه أنا بعمل كل اللي أقدر عليه معاها، بس البت المفعوصة دي منشفة دماغها، أعمل إيه بس؟" أشارت له على باقي الفتيات اللاتي يعملن معها، وقد كن يجلسن على طاولة الطعام يلعبن الورق لقتل الملل. تفت قائلة بثقة: "ما قدامك أهو، البنات، شاور على أي واحدة وه...
رواية ندبات قدر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم الشيماء مسعد
ما أجمل السماء حينما تصبح صافية بعد ليلة شتوية ممطرة، بعدما كانت ملبدة بالغيوم. ما أجمل أن تتصافى القلوب وتعود المياه لمجاريها. فالقلوب العاشقة لا تعرف للكره سبيل، ولا يدوم غضبها طويلاً.
لفتت مريم غرفة ابنتها نورين، لأنها لم تعتد النهوض في وقت متأخر.
اقتربت لتوقظها، هتفت باسمها مرات متتالية بضجر وهي تقول:
"في حد ينام فوق الكتاب كده يا بنتي؟"
أمسكت مريم بالكتاب، كان كتاب الفيزياء.
وقعت عيناها على ما كتبته مريم. كان إجابة عن سؤال تعريف الجاذبية. كتبت نورين:
"تعريف الجاذبية: هي أن يكون أحدهم بمثابة مغناطيس يجذب قلبك وعقلك وروحك دون إرادة، ثم يأتي مغناطيس آخر أكبر في الحجم والقوة فينجذب مغناطيسك تجاهه، تاركاً إياك تسقط بلا رحمة ولا شفقة."
اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول:
"هو ده تعريف الجاذبية يا نورين؟ هي دي المذاكرة؟"
فكرت بداخلها: ياترى مين المغناطيس اللي جذبك وسابك تقعي يا نورين؟
توجهت مريم إلى مكتب نورين، أخرجت منه دفتر اعتادت نورين أن تسجل فيه خواطر تكتبها.
قلبت مريم بعجلة وهي تنظر تارة إلى الصفحات، وتارة إلى ابنتها التي تخشى أن تستيقظ فتجدها تفتش خلفها.
وجدت آخر خاطرة كتبتها نورين منذ أيام. كانت كالآتي:
"ترعرت يتيمة الأب، لم أرتشف من ذلك الحنان الذي يتحدث عنه الناس، لكني اعتدت ذلك بفضل الله ثم أمي الحبيبة. لكني ظهرت لي من العدم، أحببتك خارج إرادتي. كنت لي بمثابة العوض عن أب لم أراه. قدمت لي ليس فقط حب الحبيب، لكن دفء وحنان وأمان الأب. لقد كنت تدعوني ابنتي المدللة. وفجأة، ألقيت بي من حافة الهاوية. انفطر قلب ابنتك، قلب ابنتك يقطر دماً. هل أنت سعيد الآن...؟"
وقع الدفتر من يد مريم. كانت في حالة ذهول، عقلها لا يستوعب الفكرة التي طرأت عليه: هل ابنتها نورين تحب أستاذ الفيزياء؟ لو كان حقاً، سأضع أصابعي في عينيه، ذلك الوغد الحقير يخدع طفلة صغيرة ويوهمها بالحب. أقسم أنني سأقتلع رأسه لو كان تفكيري حقيقياً.
غادرت الغرفة. التقطت هاتفها، كانت يدها ترتعش والدم يغلي في رأسها، تشعر بحرب نشبت للتو بداخل رأسها.
هاتفت الأستاذ عبد الناصر لأول مرة منذ أن أعطاها رقم هاتفه وطلب منها أن تهاتفه بأمر يخص نورين.
جاءها الرد فقالت وهي تمثل الهدوء:
"أستاذ عبد الناصر، أنا والدة نورين. عايزة أقابلك ضروري برا البيت، ممكن؟"
أتاها رده:
"أهلاً يا مدام. نتقابل النهارده بعد المغرب في كافيه (أيام السعادة)."
وافقت قائلة:
"تمام، هاكون على الوقت إن شاء الله."
أغلقت الهاتف وهي تشعر بحزن عميق وغضب أيضاً ينهش قلبها. فكرت: لقد كبرت تلك الطفلة الصغيرة سريعاً. كيف لي أن أتغافل عن كونها أصبحت شابة؟ إنه خطأي وحدي، كان يجب أن أكون أكثر قرباً من طفلتي، أعلمها عن مشاعرها وعن وحوش العالم الذين يستغلون تلك المشاعر البريئة لإشباع غرائز مريضة لديهم.
مسحت مريم دموعها وتوجهت ناحية نورين.
وكزتها بقوة كنوع من المعاتبة.
فتحت نورين عيناها بهلع.
قالت بكسل:
"ماما، خضتيني."
جلست مريم بجوارها وقالت:
"فيه حاجة حابة تقوليها يا نورين؟"
ابتلعت لعابها بقلق. حمحمت وقالت:
"حاجة زي إيه يا ماما؟"
هزت رأسها مريم ورسمت ابتسامة على وجهها بالإجبار:
"أقصد صباح الخير، مش هتقولي لماما صباح الخير؟"
استقامت واقفة وقالت:
"جهز الفطار، حصليني على برا."
نظرات ريبة أطلقتها نورين. شعرت وكأن والدتها تخفي شيئاً ما...
***
كانت قدر تدور ذهاباً وإياباً قلقة على رازي. تساؤلات كثيرة بداخلها: أين ذهب؟ ولما لم يوقظها؟ لمَ لم يخبرها؟
حسمت أمرها أخيراً بعد تردد. قررت أن تتصل به. ولما لا، هو زوجي... ماذا قلت؟ زوجي. حتى لو لم يكن كذلك، فهو يستحق مني كل هذا القلق.
التقطت هاتفها، طلبت رقمه. لكن صوت نغمة هاتفه صدحت في الشقة. ذهبت قدر تجاه الصوت. وجدت هاتفه في الغرفة. بدأ القلق جلياً على ملامحها. فكرت: تباً له، كيف له أن يترك هاتفه هكذا؟ لماذا صنعت الهواتف المحمولة إذاً؟
تذكرت كلامه: "لست طفلاً لتقلقي عليّ هكذا؟"
قالت: "هو فعلاً مش طفل عشان أقلق عليه، بس غصب عني. ياترى راح فين؟"
تنهدت بحيرة ثم دلفت إلى المرحاض، توضأت لتخرج وتلتقط مصحفاً كان في الرواق. فهي اعتادت أن تقرأ القرآن حينما تشعر بالقلق يداهمها. لا تجد راحة سوى في قراءة كلمات من نور.
ظلت وحيدة حتى ارتفع أذان المغرب. مر الوقت بطيئاً كالسحلفاة. وهي تارة تتصفح مواقع التواصل، وتارة أخرى تشاهد التلفاز... حتى طرقت السيدة مريم باب الشقة.
ركضت قدر بسرعة، حتى أنها تعثرت في كرسي أمامها كادت تسقط.
لكن ظنونها هوت أرضاً حينما وجدت السيدة مريم.
قالت مريم برجاء:
"قدر يا حبيبتي، ممكن تبقي تخلي بالك على نورين؟ أنا خارجة مشوار ومش هتأخر إن شاء الله."
قالت قدر بود:
"أكيد يا طنط، نورين في عينينا. روحي مشوارك وانتي مطمنة."
ذهبت السيدة مريم. ولم يمر الكثير من الوقت حتى عاد إلياس ومهاب الشقة.
لقد أصاب الإحباط قدر لدرجة أنها جالسة لا تشعر بمن وصلا.
قال إلياس بقلق:
"قدر، فيه حاجة؟ حد زعلك؟"
عادت إلى الواقع تقول:
"ها، انتو جيتوا إمتى؟"
تبادلا النظرات وقال مهاب:
"فيه يا قدر؟"
قالت بصدق نابع من قلبها:
"رازي، صحيت الصبح مالقيتهوش ولحد دلوقتي مارجعش البيت. أنا قلقانة أوي عليه وسايب موبايله هنا."
ضيق إلياس عينيه يفكر: تلك الأشياء كان يفعلها رازي حينما كان يعمل في المخابرات. يخرج سراً دون أن يعلم أحد خط سيره. يترك هاتفه في المنزل.
نفض إلياس تلك الأفكار وقال بداخله: رازي مستحيل يرجع المخابرات. وحتى لو عايز، أنا همنعه.
قال مهاب بمشاكسة:
"سيدي يا سيدي، على الناس اللي بتقلق وتحب ومقضياها. وأنا خليني جمب أمي، نقمع بامية."
أنهى كلمته حينما صدح جرس الباب.
توجه مهاب ناحية الباب ليفتحه. وكانت الصاعقة بالنسبة له حينما رأى هاجر ومعها إياد يقف بجوارها!!
***
وصلت السيدة مريم مقهى أيام السعادة. وجدت الأستاذ عبد الناصر في انتظارها.
توجهت ناحيته بملامح متجهمة. ألقت السلام بنوع من الكبر والجمود.
قابلها هو بابتسامة رقيقة قائلاً:
"أهلاً يا مدام، يارب تكونوا بخير."
قالت هي بغضب:
"وهيجي منين الخير وفيه حد زي حضرتك في حياتنا؟"
اتسعت عيناه من الصدمة وهو يشير إلى نفسه:
"زيي أنا؟"
قالت بحزن وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
"أستاذ عبد الناصر، أنا بنتي دي هي اللي طلعت بيها من الدنيا. والدها اتوفى وهي عندها سنتين، ربيتها لوحدي. رفضت كل العرسان اللي اتقدموا لي عشانها. ومش مستعدة أشوف بنتي بتنطفي قدامي واقفة أتفرج. اللي يتعرض لبنتي هاكله بأسناني."
كان يستمع بكل صدر رحب وهدوء، متأثراً بتلك الدموع التي تمردت على وجنتيها.
قال بعدما تأكد من أنها لن تضيف شيئاً آخر:
"أنا عارف ومقدر كل كلمة انتي قلتيها، لأني ظروفي ما تختلفش كتير عن ظروفك. أنا كمان ربيت بنتي لوحدي ولو حد داس لها على طرف مستعد برضو أكله بأسناني."
كلامه أشعل حماسها ودفعها تقول بغضب:
"أومال علقت بنتي ليه بيك؟ انت راجل قد أبوها ومربي فاضل وعندك بنت تعمل كده في بنات الناس ليييه؟"
أنهت كلامها وهي تلقي دفتر خواطر ابنتها في وجهه وكتاب الفيزياء الخاص بمادته.
فتح فمه من أثر الصدمة. هرب الكلام من فمه:
"هل تتهمني الآن باستغلال طفلة صغيرة...؟"
***
مهاب الذي تجمد من الصدمة قال:
"كابتن هاجر وعريسها، أهلاً أهلاً... خير جايين ليه؟"
قالت هاجر بتلعثم:
"أنا جاية أقولك كل حاجة أنا وإياد."
صدح قبل أن تتكلم:
"مش عايز أعرف أي حاجة عنك، غوري بقى وسيبيني في حالي، عايز أنسى."
كورت كفها في وضع استعداد لأن تلكمه في أسنانه، ذلك العنيد الأحمق.
قالت بغضب:
"لو ما سكتش وسمعت كلامي للآخر، هاضربك بوكس أوقع صف أسنانك."
قال هو بغضب وعناد:
"لمي نفسك لاجيبك من شعرك يا بنت الصاوي."
وقف إياد في المنتصف وقال:
"باااس، إيه العلاقة المتخلفة دي؟ طب ما تدخلوا مصارعة حرة احسن."
دفع مهاب لداخل الشقة وهو يقول:
"وانت مش تقول اتفضلوا؟ دانت مافيش دم خالص يا أخي."
خرج إلياس من المرحاض. اتسعت عيناه حينما رأى إياد ومهاب وهاجر. ضيق عينيه وقال:
"هو فيه حاجة غلط، بس أنا مش عارف إيه هي."
بعد جهد كبير، استطاع إلياس وإياد عقد هدنة بين مهاب وهاجر، اللذين لو تركوهما لكانا قتل أحدهم الآخر.
حك إياد خلف رأسه وقال لقدر بحرج:
"ممكن يا آنسة تندهي نورين تيجي تقعد معانا هنا؟"
تبادل مهاب والياس النظرات وقال إلياس:
"وإنت تعرف نورين منين؟"
قال إياد بحنق:
"انتوا بس هاتوا نورين هنا وكل حاجة هتبقى واضحة."
قال إلياس لقدر:
"روحي يا قدر اندهي نورين، لما نشوف آخرتها معاهم إيه؟"
***
بعدما قرأ الأستاذ عبد الناصر ما كتبته نورين وكيف أن والدتها فهمت أنه السبب في تحطيم قلب ابنته.
قال لها بهدوء:
"أنا دلوقتي فهمت انتي ليه كنتي عصبية من البداية معايا. بس لازم تعرفي أن نورين بنتي وفيه شاب بيحبها وتقريباً كده الشاب ده جرحها. مش عارف إزاي، بس أنا شوفته يوم ما وصلتها كان مستني تحت البيت، عشان كده طلبت منك ترني عليا عشان أعرفك."
شعرت بالخجل كثيراً من سوء ظنها به. أنه حقاً رجل بأخلاق عالية. قالت وعيناها تنظر في الأرض:
"أنا آسفة يا أستاذ."
قطع كلامها وهو يقول:
"ما تتأسفيش يا مدام، أنا لو مكانك كنت عملت أكتر من كده."
أخرج هاتفه. كانت صورة شاشته هي صورة لفاطمة ابنته. قال لها وهو يبتسم:
"البنت الشقية دي تبقى فاطمة بنتي الوحيدة، هي كل حاجة حلوة في حياتي. رغم إني رجل وصعب إني أدير حياتي لوحدي، وشغل البيت وشغلي واهتمامي ببنتي، كل الأمور دي صعبة. لكن قصاد سعادة فاطمة أنا رفضت إتجوز وأجيب لها مرات أب."
هزت رأسها ولم تعلق. أكمل هو:
"قربي من نورين، عاتبيها بهدوء. مش عشان حبت، الحب مش بإيدينا. بس عاتبيها لأنها خبت عليكي. واعرفي لو عاقبتيها هتخسريها للأبد..."
هزت رأسها واستقامت لتقف، مكررة أسفها للمرة الثانية. لكنه قال بإصرار:
"مش هتمشي إلا لما تشربي القهوة. ولا انتي كمان عايزة تهزقيني وتشكي فيا وتمشي من غير ما تشربي حاجة؟"
ابتسمت وقالت:
"مش هزعل حضرتك، أنا محقوقة لك، وهاشرب القهوة معاك....."
***
دَلفت نورين مع قدر. وما إن رأت إياد حتى ارتجف جسدها كلياً واتسعت عيناها من الصدمة. كادت تفر هاربة إلى الخارج، لكن قدر أمسكت بيدها وقالت مطمئنة إياها:
"متخافيش، أنا معاكي."
اقترب هو، ضارباً بكل الجمع عرض الحائط. وقف أمامها وقال بنبرة جمعت حنان العالم أجمع:
"نورين حبيبي، عاملة إيه؟ ليه يا بابا وشك اصفر؟ مش بتاكلي صح؟ ولا بتذاكري؟ ضيعي مستقبلك بقى عشان تقهريني وتموتيني بحسرة."
رفع مهاب حاجبه وقال:
"إيه العلاقة اللي مش باين لها ملامح دي؟ بابا وحبيبي. ومستقبلك. دي علاقة متعددة الأطراف، أب وأم وكراش في نفس الوقت."
نظر إلى هاجر وقال:
"وانتي يا قطة، إيه وضعك من الإعراب في الليلة دي؟ دا بيحب على نفسه قدام عينك."
رفعت شفتها بتكشيرة وقالت:
"هو البعيد مش بيفهم صح؟"
اقترب إلياس بغضب نوعاً ما وقال:
"ما تحترم نفسك يا ابني، محدش مالي عينك ولا إيه؟ عايز إيه من نورين؟"
نظر إليها وعسليتاه تشتعلان غضباً وقال:
"نورين دي بنتي حبيبتي. أنا أقولها كل الكلام اللي أنا عايزه وأحبها بالطريقة اللي أنا شايفها في مصلحتها، ومحدش يقدر يمنعني."
تشبثت قدر أكثر، دافنة وجهها في أحضانها لتخفي دموعها.
شعر بأن دموعها تنزل كالجمر على قلبه. قال بحنان بالغ:
"بس يا بابا، بس يا حبيبي. دموعك غالية أوي يا نوري. أنا ما أستاهلش دموعك دي أبداً يا حبيبي."
مسح إلياس على وجهه بحنق وقال:
"يا جدع، انت ما عندكش دم! إيه حبيبي حبيبي؟ ماتلم نفسك."
وجه كلامه لقدر وقال:
"خدي نورين يا قدر وروحي شقتهم."
نظر إياد لمهاب والياس وقال:
"لا استني يا نورين. أنا بحب نورين وهاتجوزها لو الدنيا كلها قالت لأ، هاقف قصاد الدنيا. أنا وهاجر اتغصبنا على الخطوبة دي. مصالح أبويا أجبرتني على إني أوافق. وهاجر أبوها هددها أنها لو رفضت هايقفل لكم الشركة بتاعتكم."
وجه كلامه لمهاب قائلاً:
"انت ما تستاهلش هاجر. مش عارف بكت يوم الخطوبة عليك قد إيه."
نظر مهاب إلى هاجر. كانت مطأطأة رأسها تمسح عبراتها.
اقترب منها وقال:
"انتي بنت ستين كـ...!"
حدقته بعينين متسعتين أثر الصدمة. مما دفعه أن يقول:
"آسف والله، بس ده اللي جه في بالي. أنا زعلان منك يا هاجر، ليه خبيتي عليا وما قلتيش؟"
تنهدت وقالت بصدق حقيقي:
"كنت خايفة تركب دماغك وترفض الفكرة. أنا قولت هتخطب لإياد لحد ما شركتكم تقف على رجلها، وبعدين هاتحجج وأسيبه. لكن إياد طلع جدع واتفقنا إننا نساير أهلنا لحد ما كل واحد يوصل للي هو عايزه، وبعدها نسيب بعض."
وقفت واقتربت من نورين تقول بنبرة حنونة:
"له حق إياد يوقع على بوزه، انتي قمر وبريئة أوي. وهو كمان بيحبك حب كبير أوي، حبه ليكي وصل لمرحلة إنه شايفك بنته وبيتصرف على الأساس ده. ده كان هيتجنن يوم ما شافك بتعطي ودايخة، ضغطه نزل وحالته بقت حالة واتعلق له محاليل من قلة الأكل. أوعي تفرطي في إياد، مش كل يوم بنصادف حد يحبنا كده."
أكملت بابتسامة:
"تعرفي إني في كل المواقف اللي شوفته فيها كان واحد عنده برود أعصاب وردّه مش أحسن حاجة، إلا لما يتكلم عنك. تحسيه حد لطيف وهش ورفيق أوي."
ابتسمت من بين دموعها، وهو كان يغمرها بنظراته الحانية.
أشار إلى قلبه وقال:
"ده كان واجعني أوي عليكي، ما كنتش بنام الليل. صورتك وانتي بتعيطي يا حبيبة بابا مش قادر أنساها."
همس مهاب لهاجر:
"بت، هو أنا لو قلتلك يا حبيبة بابا شعورك هيكون عامل إزاي؟"
رمقته بطرف عينها وقالت:
"هاقولك العب بعيد يا بابا."
ضحك الجميع وجلسوا يشربون العصير الذي أعدته لهم قدر، التي لم تنضم لعالمهم. كانت في عالم ملئ بالقلق والاستفهام... ولا يوجد أي جواب يهدئ من حريق القلق الناشب بداخلها. إلى أن صدح جرس الباب. ركدت كالمغيبة، فتحت باب الشقة وما إن رأته قامت باحتضانه بحركة عفوية جداً منها، مما جعل عينيه تتسعان من أثر المفاجأة.
حاوطها بذراعيه، ضمها أكثر وهو يهمس ما أثر به فؤادها:
"أنا كنت محتاج الحضن ده أوي بصراحة، بس أنا شايف عندنا ضيوف."
ابتلعت لعابها وهي تنهَر نفسها على اندفاعها. ابتعدت عنه بحرج. نظرت له ثم للجميع وركضت خجلة إلى داخل غرفتها.
ألقى نظرة استفهامية على الجميع، يتساءل: من هؤلاء ولما هنا؟ هل انحرف أخي ويحضر فتيات هوى في شقته؟ سأفصل رأسه عن عنقه إذا كان الأمر كذلك. ألقى السلام ثم حدج إلياس بنظرة حادة مضمونها: أريد توضيحاً لهذا لاحقاً. اتجه إلى غرفة قدر وكان منهكاً جداً. فيومه حقاً كان طويلاً.
كانت تجلس على فراشها تفرك يديها بعضهما ببعض.
دلف وأغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يزيد توترها.
اقترب منها. كانت تنظر للاسفل. جلس جوارها وقد قرر أن يتلاعب بها. قال بجدية:
"إيه اللي حصل برا ده؟"
تعالت نبضاتها وهي تبرر:
"أنا آسفة. أنا كنت قلقانة بجد عليك، ماعرفش إزاي عملت كده. عارفة إنه مش من حقي إني أتصرف كده، بس غصب عن..."
بتر كلماتها وهو يحتضنها وقال:
"هش. اهدى. أنا سألتك عشان كنت عايز تكرري اللي عملتيه برا. محتاج أوي الحضن ده."
استكانت وبادلته العناق. همس هو:
"من يوم اللي حصل، بحس إني تايه مني. مش بلاقي نفسي إلا في الحضن ده."
ابتعد عنها يقول:
"انتي ليكي كل الحق تسألي وتقلقي عليا، أنا بحب ده."
اتسعت ابتسامتها وهي تفكر بداخلها: هل سيقول هذا الكلام أيضاً إذا علمت أنني أحببتك حقاً؟ هل سيعطيني تصريحاً بحبك؟ لا أفهم لماذا تعاملني بكل هذا اللطف. أخشى أن يكون هذا نوعاً من الشفقة.
فاقت من شردها على يده التي التقطت يدها واضعاً بها جواز سفر.
تساءلت:
"إيه ده؟"
قال هو:
"ده جواز سفر ليكي. أنا اتأخرت النهارده برا عشان خلصته. هاسافر إيطاليا مع إلياس ومهاب عشان الشغل، وأكيد مش هقدر أسيبك هنا لوحدك، مش هكون مطمن."
لم يعلم كيف وقعت تلك الكلمات القلائل على قلبها. لقد ذاب عشقاً لتلك الحروف القليلة التي خرجت بعفوية بحتة.
ظلت تطالعه بابتسامتها البريئة ولم تتفوه.
لم يرد أن يحرجها. تركها تطالعه حتى قال:
"مين اللي برا دول؟"
قصت له قدر ما رأت وكيف أنها كانت تشعر أنها تشاهد فيلماً هندياً من بطولة هؤلاء المجانين.
هز رأسه يميناً ويساراً بمعني أنه لا فائدة من مهاب وهو يقول:
"مهاب طول عمره كده، حتى قصة حبه مخالفة لقوانين الطبيعة."
فتح حقيبته يخرج منها بعض الثياب وقال لقدر:
"أنا هاخد دش، اعملي أي حاجة آكلها، أنا واقع من الجوع."
أومأت رأسها وقالت بحنان ودفء:
"من عينيا."
نظر هو إليها يستوعب ما قالت، وعلى جانب فمه ابتسامة ساحرة قال:
"لو من عينيكي مش هقدر آكل، هفضل أتفرج بس."
احمرت وجنتاها خجلاً وخرجت من الغرفة لتفادي تلك النظرات التي تبعثرها كلياً...
***
مر يومان استعدوا فيهما للسفر إلى إيطاليا. وها هما الآن يهبطون من الطائرة على أرض إيطاليا.
قال مهاب بحماس:
"هنروح بيت الجبل."
قال رازي باختصار وبدون أي يبدي سبباً لهذا:
"لا، هنروح على فندق. أنا حجزت فندق قريب من مقر الشركة."
استقلوا سيارة وانطلقوا إلى حيث الفندق. وحينما وصلوا.
وقف رازي وقال لهم:
"ادخلوا، انتوا هتلاقوا حجز بأسمائكم. وفيه غرفة بإسم قدر."
تعجب الجميع من كلامه هذا. وجه هو كلامه لقدر وقال:
"خليكي في أوضتك يا قدر. ولو احتجتي حاجة. أوضة إلياس جمبك، كلميه."
قالت بقلق:
"وانت هتروح فين؟"
رد باختصار:
"مشوار مهم أخلصه وهرجعلك."
هزت رأسها بتفهم. بينما بدأ الشك يساور إلياس: عن أي مشوار يتحدث؟
لذا قال إلياس محاولاً إضمار فضوله:
"فين المشوار ده يا رازي؟"
وضع يديه في جيوب المعطف الذي يرتديه ونظر للفراغ قائلاً:
"صديق قديم، هاروح أسلم عليه."
الآن هدأ الشك بداخل إلياس. تحركوا جميعهم إلى الفندق. أما هو كان ما زال يقف ينظر إليهم حتى استدارت قدر لترى هل غادر أم لا. وما إن دلفوا داخل الفندق حتى أخرج نظارة شمسية وارتداها وغادر.
***
وصل رازي إلى ملهى ليلي ضخم جداً كان كمدينة متكاملة. وقف أمامه ينظر إليه وقد أخرج هاتفه. كلم أحداً ما من داخل الفندق قال باللغة الإيطالية:
"أنا بالخارج الآن، سأدخل حالاً."
أقفل الخط وتوغل داخل الملهى.
رمقته إحدى النادلات بتفحص. اقتربت نحوه وأعطت له زجاجة كبيرة من الجعة. وكانت أثقل الأنواع حيث تجعلك تثمل من أول كأس.
أخذها منها فتحها وهو يطالع المكان بنظرات تفحص. يتذكر آخر مرة كان بها هنا من حوالي ست سنوات. حينما نفذ عملية من أخطر العمليات في تاريخه. تحمس كثيراً يريد أن يضيف انتصاراً جديداً لنفسه.
أخذ يرتشف من زجاجة الجعة تلك حتى أوشك على إنهائها. فجأة وقف يتمايل يميناً ويساراً وهو يقول بدون وعي بالإيطالية:
"أين المرحاض؟ أريد أن أتقيأ........."
رواية ندبات قدر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم الشيماء مسعد
وصل رازي إلى ملهى ليلي ضخم جداً، كان كمدينة متكاملة. وقف أمامه ينظر إليه، وقد أخرج هاتفه.
كلم أحد ما من داخل الفندق، قال باللغة الإيطالية: "أنا بالخارج الآن، سأدخل حالاً."
أقفل الخط وتوغل داخل الملهى. رمقته إحدى النادلات بتفحص. اقتربت نحوه وأعطته زجاجة كبيرة من الجعة، وكانت أثقل الأنواع حيث تجعلك تثمل من أول كأس.
أخذها منها، فتحها وهو يطالع المكان بنظرات تفحص. يتذكر آخر مرة كان بها هنا من حوالي ست سنوات، حينما نفذ عملية من أخطر العمليات في تاريخه. تحمس كثيراً، يريد أن يضيف انتصاراً جديداً لنفسه.
أخذ يرتشف من زجاجة الجعة تلك حتى أوشك على إنهائها. فجأة، وقف يتمايل يميناً ويساراً وهو يقول بدون وعي بالإيطالية: "أين المرحاض؟ أريد أن أتقيأ."
اقتربت منه الفتاة لتساعده. ارتشف قليلاً من القنينة، ثم مال عليها ليفرغ ما في فمه على ثياب الفتاة، مما لفت انتباه العالمين بالملهى.
صدحت بتذمر بالإيطالية: "أيها المقزز." أشارت إليه على سلم وقالت: "اذهب، المرحاض في تلك الجهة. لا أعلم لماذا يشربون ماداموا لا يتحملون."
ثم تركته وأخذت توبخ ذلك المعتوه، حتى قال لها مديرها بتهديد: "سوزانا، يجب عليك تلبية احتياجات الزبائن، حتى اصطحابهم إلى المرحاض من مهامك. إنتي عاملة حديثة هنا، هل تريدين أن ترفدي قبل أن تكملي شهراً هنا؟"
رمقته بضيق وقالت: "إني غاضبة من ذلك المعتوه، لقد أفسد ثيابي. سأذهب وأبدلها."
أشار لها بأن تذهب.
أما عن رازي، فقد وصل إلى غرفة مغلقة. دفع الباب، فوقف أربعة رجال وأشهر أحدهم سلاحه عليه.
قال رازي بنبرة ثملة وكان يتطوح: "هل هنا المرحاض؟ أريد أن أتقيأ."
حنّي نفسه وبدأ يتقيأ رغماً عنها. اعتدل عندما أنهى ما يفعله قائلاً بثمالة: "تلعبون الورق؟ يالحظي، أريد أن ألعب أيضاً. لدي الكثير من الأموال."
أخرج رزمة دولارات من جيب معطفه وهو يقول: "لدي الكثير أيضاً، هلا انضممت إليكم."
تبادلوا النظرات وقال أحدهم بغلظة: "أجل."
بدأوا يلعبون وهو يخسر حتى خسر كل ما معهم.
ط شفتيه بحزن وقال: "سأسحب أموالاً أخرى من الماكينة وأرجع."
تحرك خطوات ثم استدار وقال لهم: "هلا دللتموني على أقرب ماكينة لسحب المال؟"
تحرك أحدهم وقال: "أنا سآخذك إلى هناك."
ثم حدث نفسه بأنه سينهب من ذلك الغبي قدر ما يستطيع، فهو ثمل ولا يعي ما يفعله.
هبطا للأسف وكاد رازي أن يسقط، فسنده الرجل. فباغته رازي مخرجاً سلاحاً كاتم للصوت وهمس له: "إذا فتحت فمك، ستكون في خبر كان. أخرج معي في صمت."
بالفعل، استطاع رازي أن يخرج مصطحباً الرجل بالإجبار. وما إن خرجا، حتى استطاع الرجل الإفلات من قبضته وركض سريعاً. ركض رازي خلفه بسرعة البرق حتى ابتعدا عن زحام المدينة.
تعرج الرجل في طريق جانبي خالٍ من السكان. كان رازي يعرف كل شبر في تلك المدينة الصاخبة، لذا سلك طريقاً آخر استطاع من خلاله أن يظهر أمام الرجل. ابتسم له وقال باللغة الإيطالية: "Benvenuto" (مرحباً).
ثم أشهر سلاحه وأصابه في قدمه، فسقط الرجل صارخاً.
رفعه رازي عن الأرض بالإجبار واتصل على شخص ما، وقد كان في انتظارهم في سيارة قريبة منهم.
أركبه رازي وركب السيارة، وانطلقت سوزانا، نادلة الملهى، بسرعة فائقة حتى توقفت السيارة في مكان على أطراف المدينة.
أخرجه رازي رغماً عنه، كان يتوجع من الألم.
دلفوا إلى ذلك المنزل العتيق.
قال الرجل بنبرة متألمة: "من أنت؟ وماذا تريد مني؟"
لف رازي حوله وقال: "أريد صديقك المقرب (نزار كايا). ولا تقلق، سأدفع لك أكثر مما تتخيل نظير تلك المساعدة."
رمقه الرجل بتوتر وقال: "هذه لعبة خطيرة، لما عليّ أن أوافق؟ هذا صديقي، كيف لي أن أخونه؟"
"لأنك جشع، تحب المال كعينيك. ألم تأتِ معي لتنهب أموالي؟" كان هذا رد رازي.
والذي رد الرجل عليه وقال: "هذه مسألة شرف، هذا صديقي، يجب أن أتقاضى الكثير من أجل ضميري، فربما علم صديقي وقتلني. هو ليس سهلاً."
رد رازي ببرود وهدوء: "لو رفضت طلبي أيضاً، سأقتلك. ولو غدرت، سأقتلك. موتك حتمي، عزيزي. ليس أمامك سوى أن تنجز المهمة بنجاح، حينها ستحصل على الكثير من الأموال وتسافر بعيداً. ولا تقلق، سوزانا ستساعدك إذا احتجت ذلك، وأيضاً ستكون لك بالمرصاد إذا ما حاولت الغدر بنا."
ناح الرجل أنفه وقال: "حسناً، نتفق أولاً على المبلغ الذي سأتقاضاه."
جلس رازي أمامه وقال: "موافق."
بعدما اتفقا على المبلغ الذي سيتقاضاه الرجل.
ضيّق عينيه وقال: "صديقي لديه طفل صغير. سأساعدك أن تصل للطفل لكي تساومه، وبعدها تأخذ منه ما تريد."
زفر رازي بضيق وقال: "هذا ليس أسلوبي، لا أريد أن أدخل الأطفال في مخططاتي."
قال الرجل: "أنت لن تؤذيه، ستساوم عليه فقط. اعتبر أنك أخذته في نزهة خلوية رائعة."
حك رازي أنفه وبعدها قال له: "دعني أفكر."
كلم رازي شخصاً ما حضر، كان طبيباً يعمل لحسابهم. طلب منه تضميد جراح الرجل.
قال رازي للرجل قبل أن يغادر: "اسمع مارسيلو، مهمتك أن تدخل منزل نزار وتحضر لي نسخة عن مفتاح مكتبه فقط."
وافق مارسيلو على مضض، وبعدها غادر رازي وسوزانا تاركين ومارسيلو.
أوشكت الشمس على الغروب ورازي لم يعد. كان إلياس ومهاب لا يزالان نائمين منذ أن وصلا الفندق.
لكن قدر ماكثة في غرفتها تنتظر رازي، والقلق ينهش قلبها. كانت تنظر إلى الساعة اللعينة، تباً لها، وكأنها لا تتحرك. مرت الساعات ثقيلة جداً. هكذا نحن البشر نمقت الانتظار.
حينما شعرت بالملل، قررت ألا تنظر إلى ساعة الحائط حتى يهدأ قلبها. عليها أن تشغل نفسها بشيء ما.
ظلت تنظر من شرفة الفندق المطلة على شوارع المدينة الصاخبة. وفجأة، هبط رازي من سيارة وهبطت أيضاً فتاة معه.
توجهت ناحيته تحدثت معه قائلة: "كنت بارعاً في تمثيل الثمالة، لقد صدقتك حقاً. نسيت أن زجاجة الجعة كانت مليئة بمياه غازية وأنا من وضعها بها."
أنهت كلامها بضحكة جذابة، وبادلها هو الضحك قائلاً: "إذا أردتي درساً في فن التمثيل، فعليكي الالتحاق بمدرسة رازي للفنون."
ضحكت بمفاجأة وقالت: "أنت حقاً مغرور، لكن الغرور يليق بك."
ظهرت ابتسامة جانبية على ثغره وحك خلف رأسه وقال: "أجل، أعلم."
قالت ومعالم الصدمة احتلت ملامحها: "أنت مغرور حد اللعنة، تباً لغرورك سيد رازي."
وضع يديه في جيوب معطفه وقال: "استقلي سيارة أجرة، فهذه السيارة تلزمني."
يومأت برأسها بالموافقة وانصرفت هي. لكن هناك من احترق قلبها بداخلها وهي تراقب من الشرفة. لم تستطع منع دمعة هبطت على وجنتها معلنة عن شعور دفين بداخلها بأن هذا الشاب هو ملك لها فقط، وليس من حقه أن يقف يمازح فتاة أخرى ويحادثها بكل تلك البهجة.
دلف إلى الداخل حزينة، ولكنها لم تنهر نفسها هذه المرة على غيرتها الواضحة، فهذا حبها الذي ستقاتل من أجله. لقد اعترفت بذلك أمام نفسها.
توجه هو إلى الفندق ولم يدخل. دق على هاتف إلياس حتى رد، وصوته يبدو عليه آثار النوم.
قال رازي بحنق: "كل هذا عشان ترد؟"
قال إلياس: "يا ابني، كنت نائماً."
اعتدل من نومه وفرك آثار النوم من عينيه وقال: "إنت مش حاجز غرفة بإسمك ليه؟ أنا لقيت حجز بإسم قدر."
سرد رازي: "أنا هاخد قدر على بيت الجبل."
رد إلياس ممازحاً: "سيدي يا سيدي، قدر تروح على بيت الجبل وأخوك يقضيها في الفنادق."
ضحك رازي وقال: "الناس مقامات."
قال إلياس: "مثل إلياس الصدمة وهو يقول: ما توقعتهاش منك دي، أنا اللي جبته لنفسي، عرفتك عليها عشان تاخدك مني."
رد رازي قليلاً يفكر: "هل حقاً استطاعت أن تحتل مكانة خاصة داخل قلبي؟ لأكن صريحاً مع نفسي لمرة واحدة فقط. أشعر معها كأنني الشاب المراهق الذي يحب لأول مرة."
قطع صوت أفكاره إلياس بقوله: "روحت فين يا عم؟"
قال رازي باختصار: "أنا قدام الفندق، هات قدر وشنطنا وانزل، أنا مستنيك."
قال إلياس بمشاكسة: "لا، طالما فضلتها عليا وهتاخدها على بيت الجبل، يبقى اللي عايز حاجة يجي ياخدها."
قال رازي ممازحاً: "مش هقدر أدخل الفندق، ليهم عندي فلوس."
ضحك إلياس وقال: "طالما كده، ربع ساعة وجايلك."
لكن حقاً، كان هناك فضول داخل إلياس يتساءل لماذا لم يدخل رازي الفندق.
أقفل رازي الهاتف وهو يفكر في عدم دخوله الفندق، وكان السبب أنه لا يريد لكاميرات المراقبة أن تلتقطه، فقد نفذ عملية خطيرة في هذا الفندق من قبل.
بعد مرور وقت، هبط إلياس حاملاً الحقائب ومعه قدر، قائلاً بمزاح: "على آخر الزمن أنا الباشمهندس إلياس أبقى شيال شنط."
ابتسمت رغماً عنها، فقد كانت حقاً تشعر بالحزن والخوف من خسارة السيد رازي المتعجرف الوسيم.
وصلوا إلى رازي، كان ساندًا على سيارته عاقدًا يديه أمام صدره العريض. لم تنظر هي إليه، تجاهلته تماماً. عقد حاجبيه بدهشة. كان يعتقد أنها ستنهال عليه بأسئلتها التي لا تنتهي (أين كان، ومع من، ولما تأخر، فهي الآنسة فضولية) أو ربما ستركد إليه وتحتضنه كما فعلت في السابق، وكم تمنى لو فعلت هذا، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه. قال في نفسه: "حقاً، لا أحد يستطيع فهم المرأة، فهي كائن غريب الأطوار."
أخذ الحقائب من إلياس، وضعها في شنطة السيارة، ثم فتح الباب لقدر. ركبت بدون أن تنظر إليه أيضاً، مما زاد من حيرته.
فكر ربما هي منزعجة لأنه تركها بمفردها مدة طويلة. ودع إلياس قائلاً: "خلي بالك على نفسك وابقى كلمني، وبلغني مواعيد الاجتماعات."
أومأ له إلياس ثم صافحه وانصرف.
ركب هو السيارة بجوار قدر. رمقها بطرف عينه وهو يدور محرك السيارة قائلاً: "ساكتة يعني إيه؟ فضولك سبتيه في مصر ولا إيه؟"
لم تبتسم على مزحته تلك، لذا تابع هو: "فيه حاجة حصلت ضايقتك؟"
أومأت برأسها بمعنى لا، ثم قالت: "إحنا رايحين بيت الجبل دا ليه؟"
رد هو باختصار: "بحبه."
ظل الصمت سائداً بينهما، وداخلها بركان يتقد. أما هو، فكان الفضول يتملكه، يريد أن يعرف لماذا تبدو متزمرة وحزينة.
وصلوا بيت الجبل. كان نظيفاً، فقد طلب رازي من السيدة التي أعطى لها المفتاح أن تنظفه وتشتري الأشياء التي يحتاجها للطهي.
كان المنزل مبهراً حقاً، صغير جداً لكنه رائع ومريح للنفس. حوله منظر خلاب من الأشجار والزروع الخضراء والورود الملونة الرائعة. إن نظرت إليه، ستقع في حبه من النظرة الأولى.
كانت قدر منبهرة وهي تطالعه بدقة.
حثها رازي على أن تتبعه قائلاً: "تعالى دلوقتي ارتاحي، وبكرة إن شاء الله هفرجك على المكان كله."
تحركت وصعدا درجات السلم.
دلفوا للداخل.
وبعدها أفرغت هي الحقائب، ودلف هو لينعم بحمام دافئ. حينما أنهى حمامه وخرج، اقترب منها قائلاً بهدوء: "قدر، مش بحب أكرر كلامي أكتر من مرة، فيه حاجة حصلت زعلتك؟"
نظرت له بتحدي وقالت: "إنت ليه حاسس إني زعلانة؟ إنت عملت حاجة تزعل؟"
زفر بحنق وقال: "يعني عشان سبتك اليوم كله، مانا قولتلك رحت أزور واحد صاحبي."
لوى فمها وقالت: "صاحبك دا حلو بقى؟"
ضيق عينيه وبحركة منه حاصرها بين ذراعيه والحائط، كان مستنداً بذراعيه على الحائط وهي أسيرة في المنتصف.
قال بهمس: "ما تقولي اللي في قلبك من غير لف ودوران."
تعالت ضربات قلبها اضطراباً. رفعت وجهها لأعلى لتنظر في عينيه، لكنها لم تستطع أن تطيل النظر إليهما، تشعر بتشتت حينما تنظر إليهما. تمالكت أعصابها وأغمضت عينيها.
قالت بغضب: "إنت كداب، كنت مع صاحبتك مش صاحبك. أنا شوفتك من الفراندا وانت واقف معاها وبتضحكوا."
فتحت عينيها ببطء لتجد ابتسامة خفيفة على ثغره.
قال بهدوء: "إحنا كنا واقفين في الشارع وسط الناس، إيه اللي يزعل في كده؟"
قالت بغضب حقيقي: "اللي يزعل إنك ما قدرتش تصبر أول ما وصلنا جريت عليها."
زفر الهواء من فمه وقال: "أنا ماكنتش معاها على فكرة، ماليش أي علاقة بيها. هي بس معرفة قديمة، لكن مش هي الصديق المقرب اللي كنت عنده. ولو حابة تكلميها دلوقتي، أنا معنديش مانع."
تابع وهو يضيق عينيه: "بس أنا عايز أسأل، إنتي غيرانة ليه؟"
توترت كثيراً من سؤاله المفاجئ. تلعثمت وقالت بحروف متقطعة: "أنا، مش، غيرانة."
ابتسم وهمس بجانب أذنها: "هافكرك تاني، من حقك إنك تقلقي عليا، وتزعلي مني، وضيفي ليهم إنك تغيري عليا."
ابتعد عنها ليجدها مجمدة من كلماته التي أسرت قلبها. كانت تفكر بسعادة: "لقد أعطاني تصريحاً بالغيرة عليه."
قال وهو يتجه إلى المطبخ: "عشان تعرفي إنّي جنتل مان، أنا هاتبرع وأجهزلك العشا تعبيراً عن أسفي لأنك سببتلك الغيرة والزعل دا كله."
جاهدت في كبح ابتسامتها وهي تقول: "ماشي، لما نشوف بتعرف تطبخ ولا هنقضيها تلبك معوي."
عاد إليها ليقترب مرة أخرى وهو يهمس لها: "أنا كنج في كل حاجة."
قالت بتأثر مصطنع: "أوه، متواضع بطريقة مستفزة."
ضحك هو وأمسك يدها متجهاً إلى المطبخ الصغير وقال: "أنا بس بحب أفكرك."
جلست على المقعد وبدأ هو في إعداد وجبته الإيطالية المفضلة باحترافية شديدة. كان يرفع المكونات داخل الطاسة بطريقة الشيف المحترف، وهي تنظر بانبهار شديد.
كان قد أوشك على إنهاء العشاء. وقفت بجواره وقالت: "اسمح لي أدوق بقى."
تناولت ملعقة من الحساء الذي أعده.
قالت بتلذذ: "اممم جامد، لا انت بجد شيف."
ابتسم هو بغرور وقال: "مانا قلتلك أنا..."
أكملت هي محاولة تقليد نبرته: "كنج في كل حاجة."
ركز جيدا على وجهها. شعرت بالخوف تفكر، هل غضب؟ هل سيضربني؟ أغمضت عينيها.
وكان هو يركز على شفتيها التي لطختهما بالحساء. ولم تشعر، كانت تبدو جذابة له حد اللعنة. لم يستطع تمالك نفسه ولأول مرة مال عليها ليطبع قبلته الأولى على ثغرها. كانت مغمضة عينيها، لكنها شعرت بأنفاسه. ارتجف جسدها كلياً، وما إن شعرت به يلمس شفتيها حتى ابتعدت بزعر.
وقالت بنبرة مرتجفة وكأنها ليست قدر التي يعرفها: "ابعد عني، ماتلمسنيش."
كانت تهز سائر جسدها من التوتر.
عقد حاجبيه بدهشة، هل ضايقها لهذه الدرجة أم هناك خطب آخر؟ حاول أن يمسك يدها، لكنها نفضت يده وهي تقول: "ما تلمسنيش."
تسلل القلق داخل قلبه، لم تكن طبيعية بالمرة، ليست هي من كانت تمزح منذ برهة. قال: "طب اهدي، أنا آسف لو ضايقتك."
أمسك يدها رغم محاولاتها الفاشلة في سحب يدها مرة أخرى، لكنه أغلق الغاز وأخذها من يدها. أجلسها على أريكة وأعطاها كوب ماء.
ارتشفت منه وقال لها: "ليه الخوف دا كله؟"
هبطت دموعها وهي تقول: "أنا آسفة، بس مش بحب حد يقرب لي أبداً."
فهم قصدها، وأن ذلك حتماً نتيجة طبيعية لما تعرضت له في صغرها على يد هؤلاء الأوغاد في منزل دلال. لكنه رغم ذلك بدا حزيناً. هل تعتبره مثلهم؟ هل تضعه في القائمة ذاتها مع هؤلاء؟
ربت على كفها وقال: "هو أنا حد يا قدر؟ أنا بالنسبة لك حد غريب؟"
كانت تحني رأسها لأسفل ولم ترد. وهو أيضاً لم ينتظر منها أي رد. استقام متجهاً إلى المطبخ لينهي إعداد الطعام.
بعد دقائق، حسمت أمرها واتجهت ناحية المطبخ. وعلى حين غرة، التقطت يده بكفها الصغير وقبلت باطن كفه، مما جعل ملامح المفاجأة تظهر على وجهه.
قالت بصدق نابع من صميم قلبها ومازالت متشبثة بيده: "أنت بالنسبة لي الحلم اللي طول عمري كنت بحلمه، أنت عوض ربنا عن سنين خوف وذل. انت لو دخلت قلبي دلوقتي وشوفت مكانتك فيه، ماكنتش هتقول إنك حد غريب. أنا آسفة يا رازي، آسفة، بس..."
وقبل أن تكمل حديثها، وضع يده على فمها وقال: "أظن بعد الكلام الحلو دا، مافيش آسفة ولا بس. أنا عمري ما هقربلك لو انتي مش حابة دا، أنا اللي آسف."
أكمل بنبرة مشاكسة: "تعالي بقى يا آنسة فضولية عشان تقوليلي رأيك في الأكل."
ابتسمت له، لكنها كانت تشعر بالحزن بداخلها. هي من يجب عليها أن تعتذر، ليس هو.
بعدما تناولا العشاء في صمت تام، دلفا إلى الغرفة. لم يكن بها سوى سرير واحد، لذا أخذ رازي وسادة من السرير وقال لها: "هنام برا عشان تكوني براحتك."
قبل أن تتفوه بكلمة واحدة، وضع يده أمام فمها وقال: "أنا مش زعلان ومش بضغط عليكي، أنا بجد عايزك تكوني مرتاحة، هابقى مرتاح أنا كمان."
هزت رأسها ولم تتفوه، فقد عجز لسانها أمام كل ذلك اللطف والحنان الذي لم تراه قبل أن تقابله.
في منتصف الليل، لم تستطع النوم بسبب الأصوات التي تسمعها بالخارج، لذا نهضت عن فراشها واتجهت إليه توقظه. كانت تشعر بالحرج، لكن صوت خوفها أعلى، فهي حقاً تخاف من الليل والظلام والأصوات الغريبة وروايات الرعب وكذلك المسلسلات والأفلام المرعبة.
فتح عيناه بالكاد. قالت وهي تطأطأ رأسها وكانت على وشك البكاء من الحرج: "أنا خايفة، ممكن تيجي تنام في الأوضة؟"
مسح على وجهه بضجر وقال: "خايفة من إيه؟"
قالت: "في أصوات برا، طيرت النوم من عيني."
اعتدل هو ثم استقام واقفاً وقال: "أمري لله، تعالي."
التقط كفها، وأخذت هي الوسادة وتحركا تجاه الغرفة.
استلقى على الفراش، وقبل أن يغمض عينيه قالت قدر: "رازي، ممكن سؤال؟"
قال باهتمام: "اتفضلي."
"إنت حبيت كام مرة في حياتك؟"
رد هو دون تفكير: "مرة واحدة."
مطت شفتيها بحزن فأكمل هو: "مش عايزة تعرفي اسمها؟"
قالت بحزن: "فريدة؟"
تنهد بهدوء على عكس ما الغضب الذي تملكه ما إن سمع ذلك الاسم المقيت. وقال: "والله لو اللي أنا حاسس بيه دلوقتي دا حب، يبقى أنا ماحبتش فريدة."
أغمض عينيه وتركها تستوعب ما قال للتو.
وكزته بخفة لتحثه على فك ابهام حديثه، لكنه تعمد إثارة غضبها وقال: "اششش، عايز أنام."
***
في الصباح، استيقظت نورين بسعادة، على غير حالتها منذ يومين. عقدت مريم حاجبيها وهي تفكر ماذا حل بها، لقد عادت لسابق عهدها. هل الأستاذ عبد الناصر هذا كان يكذب؟ هل هو من تحبه ابنتها؟ وعندما واجهته، كذب عليها وعاد يعامل نورين بلطف لتعود لحالتها الطبيعية؟ إذا كان الأمر كذلك، سأقتلع روحه من جسده.
تحركت ناحية نورين وقالت: "نورين، شايفاك فرحانة يعني، خير. أقدر أعرف اللي مفرحك كده؟"
ردت هي بسعادة لا تستطيع إخفائها: "يووووه يا ماما، يعني لما أكون حزينة تزعلي، ولما أكون مبسوطة كمان تزعلي؟"
نفت كلام ابنتها قائلة: "بالعكس، أنا أتمنى تكوني مبسوطة على طول، بس انتي ماحكتيش اللي زعلك، ولا اللي غير مودك فجأة كده وبقيتي مبسوطة. مش أنا أمك ومن حقي أعرف."
قبلت خد والدتها وقالت: "انتي حبيبتي والله، واكيد لازم تعرفي كل حاجة، بس لما يكون فيه حاجة أصل."
تركتها ودلفت إلى المرحاض، مما دفع مريم تخرج هاتفها وتهاتف عبد الناصر بنبرة حادة.
"ممكن نتقابل في نفس الكافيه؟"
رد هو بترحيب: "أكيد يا مدام."
أغلقت الخط دون أن تسمع منه أي كلمة إضافية، مما دفعه يتساءل ما بها الآن.
***
استيقظ رازي من نومه مبكراً قبل قدر. لبس ثيابه، كانت عبارة عن بنطال جينز أسود وجاكت جلد أسود طويل ونظارة سوداء. وضع لحية وشارب. وضع مسدسه الكاتم للصوت في خصره وخرج من المنزل. توقف عند الملهى الليلي الضخم. خرج منه مارسيلو وركب جواره في السيارة. توجها إلى نادي رياضي. درس رازي مداخل ومخارج النادي جيداً. انتظر حتى وصل نزار ومعه آدم. كانت مايا ستأتي معهم، لكنها طلبت منهما الذهاب قبلها لأنها لديها موعد في مركز التجميل، وقالت إنها ستلحق بهما عندما تنتهي.
بعد أن ساعد مارسيلو رازي في التعرف على نزار وآدم، طلب منه رازي أن ينتظره بجوار سوزانا في السيارة، فربما احتاج إليه.
كان هذا يوم تدريب آدم على السباحة، لذا دلف إلى غرفة تبديل الملابس ومعه المدربة. وجدت رازي منتظره داخل الغرفة. وما إن دخلا، حتى أشهر سلاحه عليها، مما جعلها تصرخ. وضع يده على فمها وقال لها بالإيطالية: "الزمي الصمت، وإلا سأصمتك للأبد."
هزت رأسها بنعم. أخرج إبرة مخدرة غرزها في رقبتها. كان آدم يراقبه برعب. لم يستطع تجاهل ما يحدث. انقض على رازي يضربه بقبضته الصغيرة في ساقه، فهي الوحيدة التي كان يطولها. كتف رازي وأخرج إبرة أخرى صغيرة وضعها في رقبة آدم وحمله وخرج من باب غرفة تبديل الملابس، لكنها كانت بعيدة عن المكان الذي يجلس به نزار، لذا لم يراهما.
استطاع رازي أن يخرج من الباب الخلفي للنادي دون أن يراه أحد. وضع آدم في السيارة وأعطى أوامر لسوزانا بأن تنطلق.
رواية ندبات قدر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم الشيماء مسعد
حمل رازي الطفل آدم وخرج من باب غرفة تبديل الملابس.
كانت بعيدة عن المكان الذي يجلس به نزار، لذا استطاع أن يخرج من الباب الخلفي للنادي دون أن يراه أحد.
ركب السيارة حاملاً الطفل وقال لسوزانا: "قودي إلى حيث هذا العنوان."
وما أن وصلا المكان توقفت السيارة وهبطوا منها جميعاً.
تحرك رازي وهما خلفه إلى بيت نائي على أطراف المدينة، أو بالأحرى خارجها.
قال مارسيلو: "خذ تلك الخارطة لمنزل نزار وبها طريقة الدخول الآمنة. أظن هكذا لن تحتاج لمفتاح مكتبه. أنا قد أنهيت مهمتي بنجاح، اعطني حسابي الآن لكي أغادر، وصفي حسابك مع نزار بعيداً عني."
ابتسم له رازي واضعاً يد في جيبه وأخرج أبرة أخرى وقال له: "على الرحب والسعة."
غرس الإبرة في رقبة مارسيلو.
اتسعت أعين سوزانا وهي تقول له: "لما فعلت هذا؟ لقد صدقك الوعد."
قال بجمود: "عليّ أن أنهي مهمتي دون خطأ، أنا لا أضمنه. قد يخبر نزار أو ينصبا لي فخاً. لا تقلقي، لن أؤذيه."
كتف رازي مارسيلو وانتظر حتى بدأ يستعيد وعيه.
قال له رازي ببرأة: "عزيزي مارس، اعتذر."
صدح مارسيلو بغضب: "أيها الماكر! لقد وثقت بك."
قال رازي بصدق: "اسمع، أنت هنا إلى أن تنتهي المهمة وبعدها ستحصل على أموالك وتغادر. وهذا أفضل مكان بالنسبة لك وسيبعد عنك الشبهات. أرأيت؟ أريد مصلحتك."
نطق من بين أسنانه: "تباً لك، إنك الأسوأ."
ابتسم له وقال بثقة: "أعلم ذلك."
ثم حمل الطفل النائم وقال لسوزانا: "سآخذه معي، وأنتِ مهمتك مارسيلو. لا تغفلي عنه لحظة."
أومأت برأسها وقالت: "لا تقلق، سأوصد الأبواب جيداً."
***
استيقظت قدر على دقات على باب المنزل.
فتحت عينيها تبحث عن رازي لكنها لم تجده.
دب الرعب في قلبها من الطارق، لو كان رازي لما لم يفتح؟
تحركت نحو الباب بحذر وقالت: "مين؟!"
أتاها الرد بنبرة مندهشة: "ماجي، رازي موجود."
فتحت الباب بسرعة.
طالعت تلك السيدة التي كانت في عقدها الثالث، تبدو جذابة جداً على الرغم من أنها ليست بذلك القدر من الجمال. كانت تحمل صينية إفطار.
عقدت قدر يديها أمام صدرها وقالت بنبرة بدا فيها بعض الغيرة: "انتي مين؟"
طالعتها ماجي من أعلى لأسفل وقالت: "أنتي اللي مين؟ ده بيت رازي."
لوت فمها وقالت: "انتي متعودة بقى تيجي هنا؟"
هزت رأسها وقالت: "طبعاً، أنا على طول باجي لما رازي يكون هنا. إحنا جيران أصلاً."
اشتعلت نار الغيرة في قلبها. هل هو هكذا زير نساء؟ لم أكن أعلم ذلك عنه.
قالت لها بثقة: "أنا مرات رازي، إنتي بقى تبقي إيه؟"
أبدت ماجي ابتسامة صفراء، فقد كان لديها طموح بأن رازي يكون لها في يوم من الأيام. قالت: "هو رازي اتجوز؟ بس انتي شكلك صغيرة أوي."
حدجتها بنظرة ساخطة وقالت: "الحب مش بيعرف سن."
ضحكت وقالت: "عندك حق، ممكن أدخل؟"
أشارت لها قدر لتدخل.
جلسن سوياً وقد وضعت ماجي الصينية وقالت: "رازي مش موجود؟"
أجابت قدر: "لا، أنا صحيت من النوم ما لقيتوش."
ابتسمت ماجي وقالت: "هو كده، بيختفي فجأة ويظهر فجأة. غامض أوي."
كل كلمة تقولها ماجي بمثابة قطعة حطب تزيد من إشعال النيران في قلبها. لما تتحدث وكأنها تعرف كل تفاصيله التي لا أعلم عنها شيء.
قالت ماجي: "طالما رازي مش موجود تعالي ناكل سوا."
أومأت لها قدر وقالت: "انتي تعرفي رازي من زمان أوي؟"
قالت ماجي وهي تدس لقمة في فمها: "أعرفه من حوالي تمن سنين لما اشترى البيت دا، كنت أنا هاربة من مصر كلها."
عقدت قدر حاجبيها بدهشة مما دفع ماجي لتوضيح ما قالته.
بقولها: "ما تستغربيش، أنا مش هاربة من حكم مثلاً، لا هربت من المجتمع اللي مش بيرحم الست المطلقة. أنا اتطلقت بعد سنتين من جوازي وعندي بنوتة هي كل حياتي."
انتبهت لها قدر أكثر وتابعت هي: "اكيد عايزة تعرفي أطلقت ليه، رغم إن المفروض إنه جواز عن حب. هو كان واحد متسلط وخاين، كل يوم مع واحدة. استحملت سنتين قهر وكل أما أشكي لماما تقولي: معلش استحملي بكرة يتوب، بكرة يرجع، ماتخسريش بيتك، ما تشرديش بنتك. كلام إنشاء سهل أي حد يحكم طالما المشكلة ما تخصهوش."
زهقت واتخنقت لحد ما قررت إني أطلق وأسافر وأخد بنتي معايا من غير ما آخد رأي أي حد. ودا كان أحسن قرار خدته في حياتي."
ابتسمت لها قدر وقالت: "انتي بجد جريئة عشان تاخدي خطوة زي دي."
أكملت هي بفخر: "أنا فنانة تشكيلية وشغلي ماشي حلو أوي هنا. أنتي بقى احكيلي اتعرفتي على رازي إزاي؟ واكيد كان جواز عن حب. رازي ما جاش هنا من خمس سنين بس أنا بكلمه فون على طول وعارفة كل حاجة حصلت معاه. تعرفي لما جاب فريدة هنا؟ أنا صارحته وقلت له مش مرتاحة لها، فيها حاجة غلط. ما سمعش كلامي."
"طب وأنا؟"
دَهمتها قدر بهذا السؤال.
ابتسمت ماجي وردت بصراحة: "انتي بريئة زي الأطفال ومش بتعرفي تخبي، حتى غيرتك من وقت ما دخلت البيت دا باينة أوي."
شعرت بالحرج ثم تنهدت وقالت: "أنا أول مرة أحب في حياتي و..."
وقطع كلامها دلوف رازي المنزل.
قال بجمود: "صباح الخير."
وجه كلامه لماجي: "كنت عارف إنك هنا. خبطت عليكي فتحت لارا."
احمر وجه قدر غضباً. لهذه الدرجة لا يحسب لمشاعرها أي حساب.
تابع هو وكأنه لا يرى قدر: "ماجي تعالي عايزك في بيتك."
حدجته قدر بنظرة حادة مختلطة بين الغضب والحزن والخذلان.
لقد كادت أن تعترف بحبها له منذ برهة، لكن ماذا يفعل هو الآن؟
تبعته ماجي ولم تكن أقل صدمة من قدر.
حينما وصلوا منزلها وجدت طفل كالملاك نائم في بيتها.
اتسعت عينيها وقالت: "مين دا رازي؟"
قال: "انتي بتثقي فيا صح؟"
هزت رأسها بنعم.
تابع هو: "يبقى ما تسأليش عن حاجة دلوقتي وتنفيذي اللي هاقولك عليه دا بالظبط. مش عايز غلطة."
هزت رأسها بنعم.
***
صراخ صدح في أرجاء المكان أجمع.
فقد علمت مايا بخطف صغيرها.
أخذت تكسر كل شيء أمامها.
ولم يكن نزار أقل منها زعراً، لكنه متمالك أعصابه إلى حد ما.
احتضنها وقال: "اهدي مايا، كل شيء راح يكون بخير. وعد مني ابني راح يرجع بأي ثمن. والله لو حدا مس شعرة منه لكون دافنه بارضه."
جسدها يهتز من البكاء.
تشبثت في ثيابه وهي تترجاه: "ابوس إيدك يا نزار، رجعلي ابني."
أكملت بهستيريا: "مستعدة أقدم لهم اللي هما عايزينه، لو عايزين الفلاشة الخاصة بمصر بدون ما يدفعوا ولا مليم أديهالهم يا نزار بس ما يأذوش ابني."
كانت تقصد المافيا الإرهابية التي يعملون لصالحها.
مسح على ظهرها بحنان لكنه قال في عقله الباطن: "راح أرجع ابني بس مو راح اتنازل عن الفلاشة بهي السهولة. هاي آخر عملية بقوم بيها. عرضت حالي للخطر كتير مشان آمن مستقبله لأدم. مو حدا راح يأذي ابني طول ما هالفلاشة معي."
***
لم يمر الكثير من الوقت، عاد رازي إلى المنزل.
ألقى مفاتيح السيارة بإهمال وجلس بتعب وبدا عليه الحزن، فهو حقاً لا يريد أن يكون قاسياً مع طفل صغير.
قال وهو يمسح وجهه: "قدر ممكن فنجان قهوة؟"
قالت بنبرة بدا فيها آثار بكاء: "حاضر."
طالعها ودقق النظر في عينيها وقال: "انتي معيطة؟!"
هزت رأسها بلا.
وقف واقترب منها أكثر، مسح آثار الدموع من عينيها وقال: "لو الدموع دي سببها أنا هازعل."
ازداد نحيبها وهي تقول: "لا، الدموع دي سببها أبويا."
ضحك فهو لم يتوقع ردها.
تابعت هي: "مين ماجي دي اللي تعرف كل حاجة عنك وروحت عندها البيت دلوقتي ليه؟ عندك إجابات على أسئلتي؟ دانت حتى ما بصتش عليا لما دخلت البيت."
تنهد هو بتعب، ولم يجيب عن أي تساؤلات.
لكنه قال ما جعل معالم الصدمة تحتل ملامحها.
قال بتعب: "قدر ممكن طلب."
انتبهت له.
أكمل هو وقد بدا الإجهاد في صوته: "محتاج حد يحضني أوي."
توترت كثيراً، ابتلعت لعابها لكنها هزت رأسها موافقة. فحالته تلك مثيرة للشفقة وأقنعت نفسها بأن هذا واجبها ولم تفعل هذا لأنها تحبه!!
احتضنته لكنها مازالت تفكر في تلك التي ظهرت فجأة في حياتهما.
تشبث بها كأنها أمه، أغمض عينيه فهو لم يذق النوم طوال الليل.
ابتعد عنها بعد دقائق وقال وقد بدأ يغلق عينيه من التعب: "ممكن أنام في حضنك النهارده."
جاهدت ألا تبدو متوترة وقالت محاولة المزاح: "لااا، انت طماع أوي."
أمسك يدها برجاء وهو يشدها لغرفة النوم وقال: "عشان خاطري."
وافقت على مضض وهي تفكر: "لأكون صريحة فأنا سعيدة حقاً لأنه يطلب مني أن أكون بجواره، رغم أن هذا يوترني لكن لا بأس."
احتضنته وبدأ هادئاً جداً. لم يتصرف بطريقة تزعجها البتة، بل كان كالطفل الوديع. ذهب سريعاً في ثبات عميق.
دقت النظر في ملامحه، تبدو بريئة جداً وهو نائم على عكس ما يظهر دائماً.
طبعت قبلة على جبينه.
ظلت محتضناه وهي مستيقظة لم تغفو، لكنها لم تشعر بالوقت الذي كانت مثبتة ناظرها عليه.
قالت في نفسها: "منذ أن وصلنا هنا ولم يعد يبقى معي كالسابق، حقاً أريد أن نعود إلى القصر في أسرع وقت."
***
استيقظ آدم بزعر ودخل في نوبة بكاء ما إن رأى نفسه في مكان غريب.
اقتربت منه ماجي بحنان وقالت: "اهدأ يا حبيبي."
نظر إليها الطفل ولم يفهم حديثها. قال: "I want mom." (أريد أمي.)
قالت ماجي: "You speak English."
هز رأسه بنعم من بين شهقاته.
قالت ماجي وهي تمسح على خصلاته بحنان: "Don’t worry, sweet boy, I saved you from the evil man." (لا تقلق يا صغيري الجميل، لقد أنقذتك من الرجل الشرير.)
هدأ قليلاً فتابعت: "I will find your parents and bring you home." (وسوف أبحث عن والديك وأعيدك للمنزل.)
أنهت كلامها بجملة: "You are safe now." (أنت في أمان الآن.)
خرجت لارا وقد كانت عمرها 10 سنوات.
مدت يدها تصافحه وقالت باللغة الإيطالية: "Buongiorno bellezza." (صباح الخير يا جميل.)
قالت والدتها بالعربية: "لارا هو مش بيفهم إيطالي، كلميه إنجليزي حبيبتي."
هزت رأسها وقالت: "مش بعرف إنجليزي كتير."
"Mia madre." (يا أمي.)
زفرت ماجي بحنق وقالت: "وقعتي في حصة لغات يا ماجي. أنا فعلاً بشتاق للغة المصرية بتاعتي."
وقفت في المنتصف وقالت: "أنا هاكون المترجمة بتاعتكم."
توجهت إلى لارا وقالت: "Sarò il tuo traduttore."
ثم نظرت إلى آدم وقالت بارهاق: "I will be your translator."
***
ذهبت مريم مصطحبة ابنتها إلى المقهى الذي ينتظرها به عبد الناصر.
وما إن رأت نورين عبد الناصر حتى هوى قلبها أرضاً.
فكرت هل حكى لوالدتها عن إياد الذي رآه حينما أوصلها ذلك اليوم الذي تعبت فيه.
جلست مريم وحثت ابنتها على الجلوس بنبرة غاضبة.
وقالت: "أنا عايزة أفهم كل حاجة دلوقتي حالا. الأستاذ عبد الناصر بالنسبة لك إيه يا نورين؟"
اتسعت أعين كلامهما بصدمة.
قال عبد الناصر بغضب: "إنتِ عارفة نفسك بتقولي إيه يا مدام؟"
تجمعت الدموع في أعين نورين بخجل وقالت: "ماما ليه بتحرجي الأستاذ عبد الناصر وتجرحيني؟"
قالت مريم بجمود وهي تخرج دفتر نورين أمامهم: "عشان انتي مش صريحة معايا. أنا عمري ما قصرت في حاجة، وعمري ما كنت بخوفك ليه تخبي عني وكأني غريبة؟ أنا من حقي أعرف فيكي إيه."
اتسعت أعين نورين بصدمة. إذن والدتها تعلم الكثير.
عقد الأستاذ عبد الناصر يديه أمام صدره وقد تملك منه الغضب. فهو معلم محترم له مكانته، كيف لها أن توجه اتهاماتها له وتشوه سمعته هكذا؟ قد تتناثر الأخبار هنا وهناك ويخسر سمعته والأسر تخشى أن ترسل بناتها لتدريسهن. هل هذا جزاء إحسانه لهما؟
قال بغضب: "نورين هتحكي إنتي ولا أحكي أنا؟ الموضوع دا خد أكبر من حجمه معايا."
قالت نورين وهي تزيح دموعها: "أنا هتكلم."
نظرت إلى والدتها وقالت: "الأستاذ عبدالناصر زي بابا مش أكتر، والكلام المكتوب في النوت بتاعتي مش عشانه. ارتاحتي كده يا ماما؟"
صمتت. لم تجد ما تقوله. هي الآن في موقف لا تحسد عليه.
ابتلعت ريقها وقالت بندم: "أنا آسفة للمرة التانية يا أستاذ عبد الناصر و..."
قطع كلامها وهو يقول: "حصل خير يا مدام."
أخرج نقوداً من محفظته وضعها على الطاولة. كانت ثمن القهوة والعصير الذي طلبهم لثلاثتهم وقال: "عن إذنكم."
قالت مريم بندم: "يا أستاذ عبد الناصر، استنى."
لم يلتفت لهما وغادر وهو حقاً غاضب من تلك السيدة المندفعة.
قالت نورين بحزن: "أنا زعلانة منك بجد يا ماما ليه عملتي كده؟"
ردت هي بغضب: "أنا اللي زعلانة، المفروض إني مربياكي على الصراحة."
قالت نورين وهي تبكي: "خفت أحكيلك تبعديني عنه. هو بيديني طاقة أقدر أكمل بيها كل حاجة ناقصة في حياتي. لو شفتي يا ماما بيبصلي إزاي هتتمني أن حد يحبك بالطريقة دي. لو كنت حكيتلك وطلبتي مني أبعد عنه ماكنتش هقدر أخالف كلامك وفي نفس الوقت ماكنتش هقدر أبعد. عشان كده كنت خايفة أخسر حد فيكم. ليه ديما أنا اللي لازم أخسر؟ ليه أنا اللي أتحط في اختيارات لازم أخسر فيها حد يا ماما؟ زي لما اتحطيت في اختيار بينك وبين عيلة بابا كنت مضغوطة وحزينة. هو ما ينفعش أعيش معاكي بس في نفس الوقت تبقى علاقتي بيهم كويسة."
كانت تشهق مع كل كلمة تخرج منها.
احتضنتها مريم وقالت: "كل دا يا نور شايلاه وساكتة؟"
هدأت نورين قليلاً. تابعت والدتها: "أنا عايزة أشوفه."
صمتت نورين تفكر. يا له من مأزق. هل سيعجبها؟ وهل عليّ أن أخبرها بأنه مرتبط بأخرى أم لا؟
***
استيقظ رازي قرابة المغرب. لم يجد قدر. خرج وجدها تعد طعام العشاء.
قال وهو يشد أجزاءه: "أنا نمت كل دا إزاي؟"
نظرت له وقالت: "مين ماجي دي؟"
ابتسم وقال: "انتي فعلاً آنسة فضولية."
اقتربت منه وامسكت تلابيب قميصه وقالت بجرأة غير معهودة: "أنا مراتك ومن حقي أعرف كل حاجة."
احتلت معالم الدهشة وجهه. لم يتفوه بكلمة، لكنه أعجب بتلك الجرأة. كانت أكثر جاذبية من كونها بريئة.
حاوط خصرها بيديه وهو يهمس لها بنبرة دافئة: "حد قال غير كده؟"
ابتلعت لعابها بتوتر. نهرت نفسها لجرأتها تلك. لقد وقعت في فخه الآن.
قالت بتلعثم: "الأكل على النار."
قال رازي وهو يستنشق عبير خصلاتها: "يولع."
قبل خدها بهدوء وحررها حينما تذكر وعده لها بألا يقترب منها إلا برضاها.
تنفست الصعداء. أما هو فقد دلف إلى المرحاض في محاولة منه لتنظيم أنفاسه المتسارعة.
خرج بعدها وجد الطعام جاهز. جلس بهدوء وقال لقدر: "تعالي جمبي."
تحركت بحذر. جلست جواره. حاوطها بذراعه.
قال وهو يثبت ناظره على عينيها: "ماجي صديقة قديمة مش أكتر، وسوزانا بيجمعني بيها علاقة عمل قديمة. مافيش حاجة بيني وبين أي واحدة فيهم."
اتسعت ابت
رواية ندبات قدر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم الشيماء مسعد
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيك، وأنسى كل الدنيا دي. غمض عينيك، إنت نور حياتي، عمري، كل أملي. شوق الدنيا كله مش كتير عليك. والله كل حاجة فيا بتناديلك، أيوه كل حاجة فيا بتناديك.
***
بترت ماجي كلماتها حينما وجدت قدر متجمدة عند الباب. مقها رازي معاتباً، مثل أنه لم يرى قدر. وقال بنبرة طبيعية جداً، برع في إخراجها: "أخطف؟!! إنتي تعرفي عني كده يا ماجي. الطفل ده أنا بحميه. في مؤامرة على أهله وجبته عندك عشان يكون في أمان ويلعب مع لارا. لا بجد أنا مصدوم من كلامك، بتتفهمني يا ماجي."
طالعته ماجي بغير تصديق. كيف له أن يكون بارعاً لهذه الدرجة؟ لم يتلعثم حتى.
دلفت قدر ولم تتحدث. مثل أنه متفاجئ. اقترب منها وقال بقلق: "مش كنتي نايمة؟ إيه اللي صحاكي؟"
قالت بتوتر: "لما خرجت من البيت، قلقت عليك."
انحنى لمستوى أذنها وهمس وهو عاقداً يديه خلف ظهره: "قلقتي عليا ولا قلقتي مني؟"
تلعثمت وهي تقول: "وهاقلق منك ليه؟"
أكملت معاتبة: "وبعدين لما فيه طفل إنت بتحميه، ما جبتهوش على البيت ليه؟"
قال باختصار: "لما نروح هاشرحلك."
أكمل وهو يتجه ناحية الغرفة التي يرقد بها آدم: "هاطمن عليه وارجعلك."
دلف إلى الغرفة يتفحص الطفل. نظر إليه مطولاً. فكر بحزن: "لما أشفق عليه هكذا، أنا لن أؤذيه. في النهاية سيعود إلى أهله، فلما أنا غاضب من نفسي هكذا."
ألقى عليه نظرة أخيرة قبل أن يخرج من الغرفة. توجه ناحية قدر وأمسك يدها وقال: "يلا تصبحي على خير ماجي."
نظرت ماجي ليده التي تقبض على يد قدر بتملك. كم تمنت أن تكون تلك اليد قابضة على يدها. رازي لم يلمس يدها يوماً.
عاد رازي إلى المنزل. كانت قدر ما زالت غاضبة من تصرفاته الفترة الأخيرة وكيف يتعامل بغموض مع الجميع. قال بصدق: "قدر، أنا في مهمة تبع الشغل مش هأقدر أقول غير كده. شغلي بيحتّم عليا إني ما أقولش أي معلومات لأي حد."
رفع وجهها بكفه لتنظر إليه وقال بحنان: "حتى لو الحد ده هو قدر."
تركها ودلف إلى الغرفة. أما هي فقد وقفت جامدة. رمشت عدة مرات في محاولة منها أن تستوعب. لماذا خصها هي فقط؟ هل هي مميزة عنده بهذا القدر؟ كان من الممكن أن يقول: "حتى لو هذا الشخص مقرب مني أو عزيز على قلبي"، لكنه لم يذكر سواها.
سمعت صوته يناديها: "قدر، تعالي نامي وبطلي تفكري كتير."
حينما وصلت عنده كان مسطحاً على السرير، يديه خلف رأسه. قال: "مهو مش معقول ظابط يخطف ولا إيه."
هزت رأسها وجلست جواره. قالت: "ومش معقول رازي يخطف."
رفع حاجبه باستنكار وقال: "اشمعنى رازي؟"
أكملت وهي تمسك ثيابه: "عشان إنت رازي. يعني الشهامة والحنان والنبل والطيبة كلها في شخص واحد."
نظر إلى عينيها وأنشد:
"إن كان في صدف الأزمان رائعة، فإنك خير ما جادت به الصدف."
حاوطها بذراعيه، قربها له أكثر. شعر برفضها، ليس له ولكن لقربه هذا، تبعثرها، توترها، خوفها من القادم.
لم يرد أن يستمر. ضغط على نفسه وقد كان شيئاً ليس بسهل عليه. قبل أن يحررها من قبضته، أنشد تلك الأبيات وقال لها بصوت دافئ هامس، متلهفاً لقربها:
"دنيايَ انتي ولوعتي ومنى الفؤاد إذا تمنى."
"انتي السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا."
وكانت تحمل الأبيات معنى أنها هي أمنيته التي تبدو يريد الاقتراب منها، فهي جميلة كالسماء، لكنها ممتنعة عنه وبعيدة المنال.
فك أسر جسدها حينما أرخى ذراعيه رغماً عنه. ترك لها الفراش وغادر الغرفة بأكملها.
تنهدت بحزن، تشعر أنها عاجزة عن تقديم شيئاً حتى لو كان بسيطاً له. جاهدت لتخرج له، تعلن له أنها تريده كما يريدها، لكنها لم تنجح. فإحساس الرفض هذا قد تكون نتيجة تشوهات فكرية حدثت لها بسبب مكثها في منزل تلك المدعوة دلال.
هطلت دموعها بسبب إحساسها بالذنب تجاه رازي.
أما عنه، فقد أخرج هاتفه الذي وجد به العديد من المكالمات التي لم يرد عليها. كانت من مهاب والياس. عاود الاتصال بالياس الذي رد ممازحاً: "هو صدق اللي قال: من لاقى أحبابه نسى أصحابه ولا إيه؟ فينك يا عم العريس؟"
قال رازي بنفس مزاحه: "أنا قلت برضو هي عين وراشق."
قاطع الضحك الياس وقال: "بصراحة أنا ومهاب عمالين نقر عليكم من وقت ما رحتوا بيت الجبل."
ضحك رازي بتهكم وقال: "مهو باين فعلاً قركم وصل."
تحدث الياس بجدية وهو يقول: "الاجتماع بعد بكرة. هابعتلك اللوكيشن أو تعالى ع الفندق اللي لهم عندك فلوس."
ضحك رازي وقال: "تمام، ابعت اللوكيشن."
أقفل رازي وألقى الهاتف جواره وأغمض عينيه، واضعاً يده على عينيه ليستسلم للنوم.
***
دلف شخص ما إلى منزل منال ليقابل ممدوح الصاوي. فكل مقابلاته السرية تتم في منزلها. قال الرجل، وقد كان قاتل مأجور: "أنا رحت العنوان اللي قلتلي عليه هنا في القاهرة. فضلت مراقب البيت يومين لا حس ولا خبر. ولما سألت عنهم قالوا إنهم سافروا تقريباً كده إيطاليا."
ضيق عينيه وحك أرنبة أنفه وقال: "قولتلي إيطاليا، اممم، مانا ليا حبايب هناك برضه."
أخرج رزمة نقود من درج مكتبه وألقاها للرجل وأشار بيده أن يرحل. التقطها الرجل وغادر.
دلت منال مربعة يديها وقالت: "هي وصلت إنك تقتل يا ممدوح عشان البت دي؟ إنت فقدت عقلك خلاص."
تنهد بتعب وهو يشير لها بأن تصمت. قال: "منال، لو عندك كلمة حلوة قوليها، لو مش عندك اخرسي خالص."
اقتربت منه وقالت بمقت: "تعرف يا ممدوح، إنت شيطان بجد."
جذبها من خصلاتها وقال من بين أسنانه: "أنا سكت عليكي كتير. لسانك بدأ يطول وأنا ساكت. كل ما تتكلمي تقولي شيطان، شيطان. إنتي لسة ما شفتيش الشيطان اللي جوايا. تحبي أوريكي عينة."
تركها ودلف إلى غرفة نومها. أخرج ثياب راقصات وقناع بوجه قدر من خزانته وقال: "خمس دقايق تكوني لابسة دول. ولو بس فكرتي تعترضي، هاتشوفي ليلة أسود من شعرك الخيلي الحلو ده."
ألقى الثياب في وجهها وخرج إلى الرواق مرة أخرى وهو يمسح على وجهه من الغضب. منال تعني له الكثير وهو لا يحب إذلالها، لكنها تدفعه إلى الجنون. إنها ثرثارة حد اللعنة.
كانت الثياب ملقاة على الأرضية. نظرت إليها وعبراتها تتسابق. كم كانت غبية حين استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير. دوست على الثياب بقدمها في محاولة منها لتذكير نفسها بأنها تدوس على كرامتها وليس الثياب.
***
كانت مايا تجلس على الأرضية وبيدها كأس جعة ترتشف منه لتنسى أن صغيرها لم يعد معها. من أخذه هي لا تعلم، لكن ما تشعر به الآن هو أن روحها تفارقها. لا تقوى على هذا الشعور.
كانت تهبط دموعها في صمت وهي تحتضن صورة لآدم.
أتى رياض والدها، جلس بجوارها وقال: "امسكي نفسك شوية يا مايا. ما اتعودتش عليكي تكوني كده ضعيفة ومكسورة."
طالعته بحزن وقالت: "لما هشام أخويا اتقتل على يد رازي، حسيت بإيه؟"
صمت قليلاً ولم يتحدث. علم الآن ما تشعر به. ربّت على كتفها وقال: "نزار مش هيسكت، ده ابنه واكيد هيجيبه. هو يعرف الناس دي كويس وهيعرف يتصرف معاه."
نظرت إليه وقالت بثمالة: "نزار مش هيعمل حاجة، عشان آدم مش ابنه. هو ابني أنا."
ساعدها رياض على النهوض وهو يقول: "إنتي شكلك شربتي زيادة عن اللزوم ومش عارفة بتقولي إيه."
***
في الصباح في القاهرة.
استيقظت نورين بنشاط وسعادة. التقطت هاتفها وهاتفت إياد. رد سريعاً وهو يفرك آثار النوم من عينه: "صباح الخير يا قلب بابا."
ابتسمت وقالت: "صباح الخير. عندي ليك خبر حلو. ماما عرفت كل حاجة عننا وعايزة تشوفك."
هتف بسعادة: "بجد؟ ده أحلى خبر ممكن أصحى عليه."
قالت هي محذرة: "إياد، بالله عليك بلاش كلمة حبيبة بابا أو حبيبي دي قدام ماما. أنا عارفاها هتتضايق لو سمعت حاجة زي دي."
قال وهو يشد ذراعيه: "هحاول، ما أوعدك."
قالت هي بتحذير: "إياااد، خليك عاقل عشان تعجب ماما."
قال هو بصدق حقيقي: "أنا عشانك مستعد أتشقلب لها عشان أعجبها."
ابتسمت وقالت له: "عندي درس دلوقتي في سنتر النجاح. استناني هناك عشان نخلص ونروح لماما. هتستنى في الكافيه اللي جنب السنتر."
في الوقت ذاته، كانت مريم تهاتف عبد الناصر.
قالت: "أنا بجد مش عارفة أقول إيه. أنا محرجة من آخر موقف حصل. أتمنى تكون عذرتني."
قال هو برسمية: "حصل خير يا مدام."
شعرت أنه مازال غاضباً من تصرفاتها المندفعة، لذا قالت: "حابة إني أعتذر عن اللي حصل وكنت قاصدة حضرتك في خدمة. ياريت ما تكسفنيش."
قال هو بترحيب: "أكيد طبعاً يا مدام مريم، لو أقدر أعملها مش هتأخر."
قالت: "أنا طلبت أشوف الشاب ده اللي اسمه إياد. هنتقابل في الكافيه اللي جنب سنتر حضرتك. عندك مانع تشرفنا في القعدة دي؟ وبالمرة أعزمك على فنجان قهوة وبتقولي رأيك في الشاب ده."
أمام رجائها هذا، لم يستطع الرفض، لذا قال لها: "ربنا يقدم اللي فيه الخير. في انتظار حضرتك."
بعد مرور وقت، كان إياد ينتظر نورين كعادته خارج مركز الدروس. وكان هناك شابان يراقبانه ومعهما شاب آخر.
قال الشاب لهما: "هو ده الواد اللي الآنسة نورين بتركب معاه العربية ويفضل مستنيها بالساعات لحد ما تخلص دروسها وتطلع."
رمقه الشابان بمقت وغضب. وفجأة خرجت نورين مندفعة. اقتربت لتقف أمام إياد الذي ابتسم لها. أشارت هي على المقهى ودلفا إليه ليجدا والدتها في انتظارهما.
بعدها بلحظات، حضر عبد الناصر.
جلس الجميع وبدأت مريم تتحدث. قالت: "اسمع، أنا عرفت كل حاجة عنك وعن بنتي وعرفت إنك ابن وزير. ياترى والدك هيوافق تتجوز واحدة مش من مستواك، ولا تعلق بنتي بيك وتسيبها في نص الطريق؟"
قال وهو مثبت ناظره على نورين: "لو الدنيا كلها رفضت حبي ليها، هحارب الدنيا عشانها. حوار مستواك وشغل فرق الطبقات ده مش بيفرق معايا أصلاً. وحتى لو بابا اعترض، مش هيقدر يمنعني إني أتوز حبيبة قلب باباه."
رفعت مريم حاجبها بضيق وقالت: "نعم؟"
مقته نورين بعتاب، فاسرع هو يصحح: "أسف، قصدي نورين."
قال عبد الناصر: "خلاص، حيث كده بعد الامتحانات لازم تاخد خطوة إيجابية في العلاقة دي وتتقدم."
قال إياد: "هو ده اللي أنا ناوي أعمه إن شاء الله."
***
استيقظ رازي بنشاط، وجد قدر أيضاً مستيقظة تعد طعام الإفطار. دلف إلى المطبخ، تناول شريحة من البطاطا المقلية وقال: "جهزي نفسك عشان هاخرجك حتة خروجة هتدعيلي بعدها."
تحمست كثيراً وقالت بسعادة: "بجد يا رازي؟ عشان جدعنتك دي أنا هاعملك أحلى فطار."
خرج وهو يقول: "أنا واثق من كده."
ابتسمت لأثره وهي تراه يثق بها لهذا الحد. يثق أنها ستبلي حسناً في كل ما تفعله.
فكرت: "إنه يمنحني كل شيء، إنه كريم في كل ما يمنحه. أنا أحبه كثيراً."
أعدت طاولة الطعام. تناولت هي طعامها بسرعة وحماس. أما هو فقد كان يراقبها ويبتسم لحماسها الطفولي. كان يفكر: "يالها من طفلة تتحمس لأبسط الأشياء. أشعر أنها ستحلق في السماء من فرط السعادة."
هبت واقفة وهي تقول بحماس: "رازي، أنا خلصت فطاري. ممكن يا رازي تشيل الأكل بعد ما تخلص؟ هالبس بسرعة."
اتسعت ابتسامته وهز رأسه وهو يقول: "غالي والطلب رخيص."
ركدت بحماس. أما هو فقد أنهى طعامه ونظف الطاولة وهو يضحك على نفسه ويقول: "الدنيا دي غريبة. حد يصدق إن رازي باشا بينفذ أوامر بنت عادي كده بكل بساطة."
بدل ثيابه أسرع منها بكثير. لبس ساعته الرولكس، رش عطره المفضل.
أنهى كل شيء وهي ما زالت بالداخل. نظر يتطلع الباب بضجر. فهو يكره الانتظار. كان يفكر: "آه من حواء، هل تحتاج كل هذا الوقت لتبديل ثيابها؟"
خرجت هي بخجل وسعادة. كانت ترتدي ثوباً رائعاً من اللون الوردي وبه زهرة لوتس ناصعة البياض كبيرة الحجم في حجره. كان قد أحضره لها قبل سفرهم مع مجموعة من الثياب الرائعة التي اختارها بعناية بذوقه الرفيع.
لفتت وقالت بخجل: "حلو الفستان ده عليا؟"
طالعها بابتسامة وقال: "تؤ، الفستان هو اللي أحلو بيكي."
ابتسمت له ثم نظرت لأسفل في خجل. اقترب هو وقوس ذراعه. تأبطت ذراعه بذراعها وخرجا من المنزل.
كانت ماجي تسقي نباتاتها التي تزرعها أمام منزلها. رمقتهما بحزن دفين. شعرت بوخز في قلبها. تشعر أيضاً بالحقد على قدر. إنها فتاة عادية ليست بذلك القدر من الجمال. أنا أكثر أنوثة منها بكثير. لماذا أحبها؟ لا أدري. إن ذوقه غريب.
قاد رازي سيارته وانطلق إلى من هدوء الجبال إلى حيث صخب المدينة وازدحامه.
توقف في شارع واسع به الكثير من المارة. قال لها: "تاكلي آيس كريم؟"
هزت رأسها بحماس.
اشترى لهما المثلجات. كانت شهية جداً. بدأت تأكل وهي تسير جواره وتنظر يميناً ويساراً. أطعمها من خاصته. وقد تلطخت أرنبة أنفها بالمثلجات.
انتهز الفرصة وخطف قبلة سريعة لأنفها مما جعل وجنتها تتورد.
ابتسم وقال لها: "هنبدأ بالأماكن السياحية الأول."
ذهبوا إلى عدة أماكن سياحية مميزة ومشهورة، كبرج بيزا المائل وغيره من الآثار الرائعة.
بعدما انتهوا من جولتهم السياحية.
سألها رازي: "مبسوطة؟"
قالت له بصدق حقيقي: "أوي. أنا فرحانة بجد يا رازي."
مسح على رأسها بحنان وقال: "فرحان أكتر عشان شايفك فرحانة."
وبعدها قال لها هو بحماس هذه المرة: "تعالي هاوريكي المدينة من فوق."
لم تفهم، ولكنه سحب يدها يجرها خلفه. توقف حينما وصلوا وأشار بيده إلى السماء وقال: "هنركب التلفريك."
اتسعت عيناها وهزت رأسها وهي تقول: "لا، مستحيل. مش هركب البتاع ده. أنا لا..."
قال بمشاكسة: "يا جبانة، خايفة؟"
هزت رأسها بنعم وبدا عليها الذعر.
ربت على ظهرها بحنان وهو يقول: "بتخافي وأنا معاكِ."
هزت رأسها بلا، وقد كانت مخدرة من نبرته الحنونة تلك.
بالفعل ركبوا التلفريك. وما أن بدأ يتحرك بهما حتى صرخت وتشبثت بثيابه، بل واحتضنته كطفلة صغيرة خائفة.
شدد قبضته عليها، يتمنى لو تشعر كم هو بحاجة لقربها من بعد سنين عجاف مرت عليه. لكنه عاهد نفسه بألا يقترب شبراً واحداً إلا إذا اقتربت هي.
همس لها: "قولتلك متخافيش. أنا جنبك."
قالت هي بصوت عالٍ: "أنا مش خايفة يا رازي، أنا مرعوبة بس."
ضحك على كلامها وأمسك يدها ووقف بها لتنظر إلى المدينة من أعلى. كان محاوطها باحتواء حتى تلاشى خوفها شيئاً فشيئاً وانسجمت مع روعة المناظر الخلابة التي تراها من الأعلى.
كان يشير إلى الأماكن ويذكر لها أسماءها ولأي عصر تنتمي.
أخيراً انتهت جولتهما وهبط التلفريك.
أمسك يدها. كانت تشعر بدوار، فقدت توازنها، كادت أن تقع، لكنه امسكها من معصمها وقال بقلق: "إنتي كويسة يا قدر؟ حاسة بإيه؟"
قالت وهي تحاول تنظيم أنفاسها: "حاسة بدوخة بس بصراحة التجربة تستحق المجازفة. المنظر تحفة من فوق."
همست: "شكراً يا رازي. أنا مش عارفة أعبر عن اللي جوايا. إنت قدمت لي كل حاجة حلوة. نفسي بجد أقدر أسعدك زي ما بتسعدني."
نظر إليها وقال بحنان: "وأنا نِفسي أديلك أغلى حاجة في الكون كُله عشان تبقي سعيدة. بس مفيش أغلى مِنك للأسف، في إنتِ."
أمسك يدها وضعها عند موضع قلبه وقال بمشاعر صادقة: "أنا قلبي ده قفلته من سنين. كنت حالف إنه ما يدقش لواحدة تاني لو كانت مين. بس فجأة لقيته بيتسحب مني وبيجري عليكي. كل لحظة بشوفك فيها، كل مرة بتقربي بيدق بعنف كأنها أول مرة."
أمسكت يده وقبلت باطن كفه وقالت: "إنت استجابة دعواتي اللي كنت بدعيها كل صلاة يا رازي. ربنا ما يحرمني منك أبداً."
ابتسم لها وقبض على يدها وقال: "تعالي، هنروح مكان كان نفسي أوي أروحه معاكي."
ركبا سيارته. وكانت قد غربت الشمس والليل أصبغ لونه والنجوم تتلألأ في السماء كأنها ثوب أسود اللون مرصع بالألماس يتوسطه ماسة كبيرة وهي القمر.
وصلوا مكان عبارة عن شاشة عرض في مكان مفتوح وأمامها سيارات كثيرة. قال رازي متحمساً: "دي اسمها سينما السيارات. الأجواء هتعجبك أوي."
لم تسمع عنها من قبل، لكنها تحمست لحماسه. وظلا جالسين في السيارة يتابعان الفيلم المعروض. لكنه لسوء حظ قدر أو لحسن حظ رازي، كان فيلماً رعب.
توترت نوعاً ما، لكنها لم ترد أن تفسد فرحته وحماسه بالفيلم.
بدأ الفيلم هادئاً ككل الأفلام الغربية، لكن الأحداث بدأت تشتد. دب الذعر في قلب قدر. وحينما شاهدت الوحش ينقض فجأة على البطلة بهيئته البشعة، صرخت قدر مختبئة بين ذراعي رازي.
حاوطها بذراعيه مطمئناً إياها بأن هذا مجرد خيال. ظل محتضناً حتى أوشك الفيلم على الانتهاء. كان قد غلبها النعاس. غفت بين ذراعيه. شعر بذلك، لذا أبعدها بلطف ودور السيارة عائداً إلى المنزل.
حينما وصل إلى بيت الجبل، أوقف سيارته وحمل قدر ودلف بها إلى الداخل. وضعها برفق على الفراش، قبل جبينها وفك حجابها. وهم بالمغادرة، لكنه تفاجأ بأنها تقبض على يده. نظر إليها وجدها قد فتحت عينيها. جلس بجوارها ومسح على شعرها وقال: "صحيتي. خايفة؟"
كان يقصد من أحداث الفيلم المرعبة.
هزت رأسها بلا. قال بابتسامة محاولاً إخفاء تعطشه للقرب لها: "تصبحين على خير."
لكنها ما زالت تقبض على يده. نظر إلى يديهما معاً وقال: "هاطلع أنام."
أغمض عينيه وأكمل بصدق: "أبوس إيدك يا قدر، ما تقوليش خليك معايا."
أكمل بتفكير: "يمكن ما أقدرش أحافظ على وعدي ليكي."
اعتدلت هي واحتضنته. فذابت كل ذرة ثبات متبقية لديه. وقالت بنبرة خجلة: "ليه مش عايز تقعد معايا؟"
قال: "عشان تاخدي راحتك."
همست بصدق: "أنا راحتي جنبك يا رازي."
شدد على حضنه لها وقال: "أفهم من كده إنك عايزاني أقرب؟"
هزت رأسها بنعم. لكنه شعر برجفة خوف في سائر جسدها وهي تقول: "آه."
قال: "وخوفك؟"
ردت: "الواحد بيتخطى خوفه مع اللي بيحبه. أنا واثقة إني هاتخطى خوفي معاك وانت هتساعدني."
رد: "أنا جنبك ومعاكي وهعمل كل اللي أقدر عليه. بس لو مش مستعدة أنا هاستناكي. عمري ما هزهق."
ابتعدت عنه. نظرت في عينيه وقالت بنبرة أسرت قلبه وأعلنت عن انهيار حصونها: "أنا مش مستعدة أبعد عنك حتى لو خايفة. الخوف جنبك له طعم حلو."
وضع وجهها بين يديه وقال: "بحبك يا قدر. كلمة عمري ما كنت أتصور أقولها لحد تاني. بس يعلم ربنا ليكي في قلبي من الحب اللي عمره ما كان ولا هيكون لغيرك..."
اقترب أكثر حتى تلاقت شفتاهما. ثم قبّل فمها بشغف. وقد كانت تلك أولى خطوات هزيمة خوفها... وأولى بداية حياة جديدة بينهما.
رواية ندبات قدر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم الشيماء مسعد
في الصباح تململت قدر في فراشها، فردت ذراعيها تثأبت. بدأت تفتح عينيها ببطء، وقد كان ضوء الشمس ساقط عليهما يداعب وجهها مما جعله يشع نورًا وكأنه القمر ليلة التمام.
فتحت عينيها، تذكرت ليلة أمس، يا لها من ليلة لن تنساها أبدًا. تذكرت كم كان رازي لطيفًا حنونًا معها، يعاملها بحنو وكأنها قارورة باهظة الثمن يخشى عليها أن تخدش أو تتهشم. خوفه عليها وكلماته المطمئنة لها كلما كانت تشعر بالزعر يهمس في أذنها: "ما تخافيش".
كانت تلك الكلمات الرقيقة والهمسات المرهفة هما الداعم الأكبر لتخطي خوفها. حمدت الله على أنه وهبها زوجًا كرازي. لقد صبر كثيرًا، حتى أنه تعامل معها كطفلته المدللة. لم تجد رجلاً مثله يومًا، إنه الصدفة التي لا تتكرر سوى مرة واحدة في العمر.
استدارت تطالع رازي وهي تتحسس مكانه، لكنها لم تجده بجوارها. دب القلق في أوصالها، فكرت أين هو الآن. لكن حيرتها لم تدم طويلًا، فقد سمعت صوت المياه قادمًا من المرحاض. كان رازي واقفًا تحت المياه التي تتساقط عليه وهو غارق في التفكير:
"رازي أيها اللعين، لم تكن الرجل الذي يحافظ على وعده هذه المرة. لما اقتربت أكثر مما ينبغي؟ لما ربطت مصير تلك البريئة بمصيرك؟ أنت رجل أقسمت على الانتقام. قدر لا تستحق أن تتعلق بآمال ثم تهوي بها من أعلى الحافة. هي تستحق حياة سعيدة هادئة. لكنني لم أستطع أن أحافظ على وعدي، فأنا مسلوب الإرادة أمام عينيها. إني أحبها، وسأحبها من كل قلبي..."
بعد تفكير طويل، حسم أمره بأنه سيفعل ما بوسعه ليجعلها سعيدة.
خرج من المرحاض وهو ينشف شعره. مثلت أنها نائمة، فقد كانت تشعر بالخجل. ارتدى باقي ثيابه، وقد كانت عبارة عن بنطال كحلي وقميص بلون السماء. مشط خصلاته ثم وضع عطره المفضل. قام بكل هذا وهي ما زالت لا تستطيع أن تفتح عينيها.
اتجه ناحيتها، مسد على خصلاتها بهدوء وداعب أنفها وهو يقول:
"قومي يا كسلانة، كل دا نوم؟"
فتحت عينيها وقد عرف أنها كانت مستيقظة من قبل. ابتسم واقترب من أذنها وهمس بنبرة أسرت قلبها:
"لما انتي صاحية بتهربي مني ليه؟"
تلعثمت وقالت:
"لا، أنا كنت نايمة."
قبل وجنتها وقال:
"صباح الفل على أجمل زهرة لوتس في العالم كله."
ابتسمت وقالت:
"صباح الخير، بس إيه النشاط دا كله؟"
قال لها بحماس وهو يبعد الغطاء عنها:
"قومي، هخرجك خروجة أحلى من امبارح."
شهقت وأسرعت تشد الغطاء مرة أخرى بخجل. شعر بخجلها فلم يرد أن يتمادى، لذا شد الغطاء مرة أخرى وهو يقول:
"هاسيبك ربع ساعة بالظبط تكوني لابسة، وإلا هغير رأيي."
قالت وهي تشير له على الباب:
"طب يلا أخرج عشان البس."
قام واقفًا وخرج ينتظرها إلى أن انتهت من تجهيز نفسها.
خرجت من غرفتها متجهة إلى المطبخ.
قال رازي:
"هتعملي إيه؟"
قالت:
"هعمل فطار بسرعة."
أمسك يدها وجذبها لخارج المطبخ وهو يقول:
"لا ما تتعبيش نفسك، إحنا هنفطر برا. مش عايزك تتعبي انهاردة خالص."
أكمل حديثه:
"ادخلي بقى البسي عشان هنخرج."
دلف إلى الداخل، ارتدت ثيابها سريعًا هذه المرة ثم خرجت له. بدت عيناه منبهرتين عندما رأى هيئتها، وكأنها القمر ليلة التمام.
أمسك يدها وفتح الباب لتتفاجأ هي بوجود دراجتين أمام المنزل.
قال هو بحماس:
"بتحبي العجل؟"
مطت شفتيها بحزن وقالت:
"بحبه بس مابعرفش أسوق."
هز هو شفتيه وقال:
"هتركبي قدامي لحد ما أعلمك."
هزت رأسها بحماس وقالت:
"كان نفسي أجربها."
أخيرًا ركب الدراجة وهي أمامه وانطلق في رحلة قاصدًا تلك الأماكن الشعبية التي تتميز بالبساطة والحفاظ على جزء من التراث الشعبي المتوارث لأي مكان.
لم يبتعد كثيرًا عن منزل الجبل، وصل إلى مطعم شعبي لوجبات الإفطار. أوقف الدراجة ودلفا ليتناولا إفطارًا على الطريقة الإيطالية. كان الطعام شهيًا حقًا، أعجبت قدر كثيرًا به.
لكن رازي كان عاقدًا حاجبيه، ينظر بغضب إلى ذلك الرجل الأشقر الذي لم يحيد ناظره عن قدر منذ وصولهما المطعم.
وقفت قدر بعدما أنهت طعامها وقالت:
"هاروح أغسل إيدي."
أشار لها رازي على مكان المرحاض. وما إن تحركت تجاه المرحاض حتى وقف ذلك الرجل الذي يراقبها وتبعها. استقام رازي وتحرك بخفة خلفهما.
انتظر الأشقر خارج المرحاض، وما إن خرجت حتى قال لها بالإيطالية:
"أنتِ مذهلة، لقد سحرت بتلك العينين. لقد سحرت بتلك العينين، لم أرى مثلهما من قبل. أقسم أنني لم أرى في حياتي مثل تلك العينين. اتركي ذلك الرجل وتعالي معي."
عقدت حاجبيها وقالت:
"أنا مش بعرف إيطالي."
وما إن تحركت حتى كاد أن يمسك يدها ليوقفها. وفجأة وجد رازي يقبض على يده وهو يقول:
"إذا كنت فتنت بتلك العيون فهذا لا يعطيك الحق حتى في التفكير في أن تكلم زوجتي."
قال الرجل وهو يرفع كتفيه ببرأة:
"لم أكن أعلم أنها متزوجة. لكن حقًا أنت محظوظ لأنك حصلت على أفضل عيون في العالم. لا تشعر بالغيرة يا رجل، فأنا أقدر الجمال."
فقد رازي كل ذرة تعقل به، لكم الرجل في وجهه وقال:
"لقد تماديت كثيرًا، تباً لك. قلت إنها زوجتي واللعنة."
تركه يتأوه، وأمسك بيد قدر وتخطاه وغادر للخارج. كانت تسأله بفضول:
"ضربته ليه؟ قال إيه؟"
قال:
"قال اللي قاله بروح أمه."
خافت من نبرته الغاضبة، لذا لم تسترسل. صمتت حتى هدأ قليلًا. ركبا الدراجة وقال لها:
"تحبي تشوفي المرسم بتاع ماجي؟"
قالت وهي تلوي فمها:
"ماشيه."
شعر بتغير نبرتها فقال لها:
"مالك؟"
قالت بصدق:
"مش برتاح لماجي دي، بحس إنها..."
كانت ستقول له أنها تحبه، لكنها صمتت لأن تلك كلها ظنونها وليس لديها أي أدلة.
قال مستفسرًا:
"إنها إيه؟"
"ولا حاجة خلاص."
كان ذلك ردها باختصار.
وصلا مرسم ماجي، كانت ترسم صورة لسيدة تمد يدها لأحد ما وهو يتركها ولا ينظر إليها.
قال رازي بابتسامة:
"الفنانة اللي مشرفة مصر وسط الأجانب."
رفعت وجهها بابتسامة، لكنها تلاشت حينما رأته يحاوط قدر بذراعه.
قالت:
"أهلاً رازي، المرسم نور."
طالعت قدر بحقد حاولت إخفاءه خلف تلك الابتسامة، ثم قالت:
"عاملة إيه يا قدر؟"
قالت قدر متصنعة الابتسامة:
"تمام الحمد لله، رسمتك حلوة أوي."
قالت:
"شكرًا، اتفضلوا."
أراد رازي أن يخفف من حدة الأجواء فقال:
"زي ما انتي كملي رسم، أنا هاخد قدر في جولة في المرسم بتاعك."
دلف رازي إلى الداخل. ظلت قدر تنظر إلى لوحات ماجي، لقد كانت حقًا رائعة. ماجي موهوبة حقًا، هكذا فكرت قدر.
تركت يد رازي، توجهت إلى لوحة كانت لعروس ترتدي فستان زفاف أبيض وتتدلى طرحته على وجهها. سرحت قدر كم تمنت أن ترتدي مثل ذلك الثوب التي تحلم به كل فتاة.
كان رازي عاقدًا يديه يتابعها من بعيد. اقترب منها، حضنها من الخلف وهمس لها:
"نفسك تلبسي الفستان الأبيض؟"
فاقت من شرودها وقالت:
"ها؟ لا أبدًا."
قبل وجنتها وقال:
"وعد مني أول ما ننزل مصر، هاعملك أحلى فرح يا ست البنات."
طالعته بغير تصديق. استدارت له وقالت بفرحة:
"بجد يا رازي؟ هلبس فستان أبيض؟"
قبل يدها وقال:
"بجد يا قدر، انتي أحلامك أوامر بالنسبة لي."
كانت ماجي تعتصر من الألم. لم تتمنى شخصًا أن يكون لها يومًا ما بقدر ما تمنت رازي. إنها حقًا تعشقه.
أوقعت من يدها علبة الألوان الزيت التي كانت تحملها.
انتبه رازي وقدر. قال رازي ولم يتحرك انشًا واحدًا:
"أنتي كويسة يا ماجي؟"
هزت رأسها بنعم.
أمسك بيد قدر وقال:
"تعالي فيه لوحات جوه هتعجبك أوي وكمان فيه تماثيل منحوتة."
وجه كلامه لماجي وقال:
"فين التمثال اللي يشبهني يا ماجي؟"
قالت ماجي:
"على إيدك اليمين."
توجه رازي إلى حيث التمثال، وفجأة تبدلت ملامحه حينما وجد لارا وآدم يلعبان. اتسعت عيناه بصدمة. ترك قدر وخرج لماجي.
قال:
"إنتي إزاي تخرجي الولد معاكِ؟"
رفعت كتفيها وقالت:
"ماقدرتش أسيبهم لوحدهم في البيت."
مد يده وقال:
"هاتي مفتاح عربيتك."
مدته له وقال لها:
"فيه عجلة برا المرسم ابقي روحي بيها."
أخذ قدر ولارا وآدم وعاد إلى المنزل.
بدأت قدر تلعب مع الأطفال في حين دلف رازي إلى الغرفة ليرتاح قليلًا. وقد أبلغ قدر ألا تتعب نفسها في إعداد الطعام، لأنه سيطلب طعامًا من الخارج.
***
كان مهاب متحمسًا لذلك الاجتماع الكبير الذي يضم كل الشركات المساهمة مع الشركة الإيطالية الكبيرة.
اتصل على هاجر، ظل يتحدث معها بحماس عن الاجتماع. كانت تشجعه كثيرًا. طلب منها أن تتحدث معه بمكالمة فيديو. وافقت. رفع مهاب قميصين، أحدهما أبيض والآخر أسود، وقال لها:
"قوليلي بقى ألبس مين في دول؟"
بينما تدقق النظر في القميصين لتختار أحدهما، إذ بالياس يدخل الغرفة دون استئذان. كان لا يرتدي سوى سروالًا قصيرًا.
نظرت هاجر إليه بصدمة. صرخت فانتبه إلياس وصرخ هو الآخر:
"يا فضيحتي!"
و مهاب كاد أن يقع أرضًا من الضحك.
أكمل إلياس وهو يغادر الغرفة: "يا أخي أبو شكلك على شكلها."
أغلقت هي الفيديو وهي ما زالت تضحك.
قال مهاب وهو يدعي البراءة:
"وأنا مالي يا لمبي، حد قالك تدخل ملط كده أوض الناس من غير استئذان؟"
رماه إلياس بالوسادة وترك له الغرفة وهو يضحك على ما حدث له.
***
في المساء، تجمع رازي والياس ومهاب أمام مقر الشركة الأم. تحركوا جميعًا إلى الداخل. بينما كانت قدر عند ماجي في منزلها.
كان آدم قد اعتاد اللعب مع قدر منذ الصباح. وبدأت قدر تعلمه بعض الكلمات العربية.
قالت قدر بمرح:
"Adam, say شكرا."
ابتسم بخجل وقال:
"شكرا."
ضحكت ماجي وقدر عليه وصححت له قدر:
"شكرا."
قال آدم:
"Kadar, let's play hide and seek." (قدر هي نلعب لعبة الغميضة)
أمسكت قدر به وبدأت تقبله وهو يضحك.
قالت ماجي مبتسمة:
"لايق عليكي أوي إنك تبقي أم."
ابتسمت بخجل وفكرت أنها حقًا تريد طفلًا يشبه رازي.
انتهى الاجتماع وقد حقق إلياس ومهاب أولى خطوات النجاح. فقد ثبتوا أقدامهم في شراكة تلك الشركة الإيطالية الضخمة.
وقف رازي وقال ل إلياس:
"عندي مشوار مهم يا إلياس، موبايلي احتمال يفصل شحن. لو قدرت تكلمك طمنها."
قال إلياس وقد بدأ الشك يساوره:
"فين المشوار دا يا رازي؟"
لم يجب رازي، لكنه قال ما دب القلق في قلب إلياس:
"لو مارجعتش خلي بالك على قدر."
أمسك إلياس يده وقال:
"رازي انت رايح فين؟ بسألك."
همس له:
"إنت رجعت شغلك صح؟"
هز رازي رأسه وقال:
"رجعت، وأول مرة أكون خايف، بس مش عليا، على قدر."
أغمض إلياس عينيه بحزن وقلق وقال:
"مش هقدر أقول حاجة بس..."
احتضنه إلياس وقال:
"خلي بالك على نفسك، لازم ترجع يا رازي عشاني وعشان قدر."
أتى مهاب ومعه أكواب قهوة. عقد حاجبيه بتعجب وقال:
"إيه الرومانسية دي، فيه إيه؟"
قال رازي محاولًا إخفاء ما دار بينهما منذ برهة:
"مبروك يا إلياس."
أنهى كلامه وغادر. نظر إلياس إلى أثره وكان يشعر بوخز في صدره من الحزن والقلق. كان بداخله يصرخ: "أخي لا ترحل وتبتعد، ابق معي أو عد إلي بسلام."
قال مهاب وقد شعر أن هناك خطب ما:
"فيه إيه يا إلياس، قلبتوها دراما كده ليه؟"
انتبه له إلياس وقال وهو يتحرك تجاه سيارته:
"مافيش حاجة، أنا بس فرحان عشان الشركة فتأثرت شوية من الفرحة."
رفع مهاب حاجبيه وقال:
"هي مش عشرة يوم يا إلياس، بس هعمل نفسي مصدقك."
وصل رازي المكان المقصود وهو فيلا نزار كايا. نظر إلى الفيلا في ظلام الليل. تذكر قبل قليل حينما أتاه اتصال من شخص ما كلفه بمساعدته وأعطى له نسخة مفتاح مكتب نزار الذي أحضره مارسيلو. وقال ماركوس له:
"لقد عطلت كاميرات المراقبة، واقتصصت لك الجزء الذي كلفتني بقصه من الفيديوهات. تعالى."
تسلق رازي من إحدى شرفات المنزل، وكان قد تدلى له حبل من الأعلى. صعد عبر الحبل ووصل إلى حيث غرفة مكتب نزار. تحرك بخفة وحذر متجهاً نحو خزنته السرية. همس لمساعده:
"كم الرقم السري؟"
قال الرجل:
"١٥_٨_١٩٩٠."
شرد رازي قليلًا، هذا التاريخ المقيت يذكره بميلاد شخص ما يمقته من كل قلبه. كانت تلك اللعينة مايا.
حاول أن يتمالك أعصابه، فتح الخزنة وبحث بها إلى أن وجد الفلاشة المنشودة. التقطها رازي ووضعها في علبة صغيرة وأحكم غلقها، ثم وضعها في جيب جاكته السري.
همس له ماركوس:
"إذا أنت قد نفذت المهمة بسلاسة هكذا، لما خطفت الطفل؟"
ابتسم بتهكم وقال:
"لو لم آخذ الطفل ما كنت استطعت أنت الدخول بكل هذه البساطة. غياب الطفل أربكهم كثيرًا يا صديقي."
ابتسم له ماركوس وقال:
"تملك دهاء ليس له نظير."
ابتسم رازي بغرور وقال:
"اذهب لتعيد الكاميرات كما كانت، وأنا سأرحل قبل أن يكتشفوا أمرنا."
تحرك رازي وكان على وشك الرحيل، لكن أوقفه شيء ما. اتسعت عيناه من الصدمة حينما رأى صورة لها على المكتب. لقد كانت هي بوجهها المقيت بالنسبة له.
همس لماركوس:
"أعطني الفيديوهات التي اقتصصتها من كاميرات المراقبة."
أخذ يقلب في الفيديوهات سريعًا إلى أن لمح مايا في أحدهم. اشتعلت عيناه غضبًا حينما رآها. توقف عقله لحظات عن العمل، لكنه بدأ يربط الأحداث. هل هي زوجة نزار الآن؟ هل آدم ابنهما؟
فكر ساخرًا:
"لقد أبليتِ حسنًا يا فريدة، عشتِ حياتك كما ينبغي، وأنجبتِ أيضًا. لم تلتفتي للحظة لما فعلتي في الماضي أيتها الحقيرة. حسنًا، لقد أتت فرصتي الآن للاقتصاص منك. سأندمك بقدر ما أدميتي قلبي على السنيوريتا."
تنهد طويلًا محاولًا تنظيم أنفاسه التي تتسارع من فرط الغضب.
أخرج علبة الفلاشة من جيبه وأعطاها لماركوس وقال:
"هذه أمانة عندك يا ماركوس."
عقد ماركوس حاجبيه وقال:
"يا رجل، لما تقول هذا؟"
أخرج سلاحه من خصره وقال:
"لدي حسابات قديمة أريد تصفيتها الليلة."
تحرك ماركوس، وقبل أن يرحل قال رازي:
"أعطني سلاحك يا ماركوس، فقد أحتاجه أيضًا."
قال ماركوس بزهول:
"ماذا؟ ما الذي تنوي فعله يا هذا؟ لقد أتممنا المهمة بنجاح، ألا يكفيك هذا؟"
قال رازي بحنق:
"نفذ ما أقوله، لا وقت للشرح."
غادر ماركوس، بينما تسلل رازي لداخل المنزل الكبير. وقف في وسط الردهة وأخرج سلاحه، أزال منه كاتم الصوت وضرب ثلاث طلقات متتالية هزت أركان المنزل.
بينما كانت قدر تموت قلقًا عليه، فقد حاولت الاتصال به عدة مرات متتالية ولم تنجح، لذا هاتفت إلياس الذي قال لها أنه ذهب إلى مكان ما ولم يصرح لها أين هذا المكان. شعرت بتغير نبرته. كانت نبرته القلقة المتوترة كافية لزرع جذور الشك في قلبها.
وحينما تأخر، قررت قدر مغادرة منزل ماجي والعودة إلى بيت الجبل. لم تجد راحة سوى أنها أطلقت العنان لدموعها التي لم تجد أحدًا يواسيها كما كانت تفعل كل مرة.
أما هو، فقد فقد كل ذرة تعقل. من يفعل فعلته هذا، فحقا هو بدون عقل. استيقظت مايا بفزع، خرجت بملابس النوم خاصتها. ولحسن الحظ لم يكن نزار بالمنزل. نظرت إلى رازي، كان متنكرًا.
قالت:
"من أنت؟"
اقترب منها بخطوات ثابتة، وقف أمامها وقال:
"أنا القدر الذي انتظرتك طويلًا."
"هذا الصوت، تلك النبرة، أنا أعرفها جيدًا." كان هذا تفكيرها.
امتدت يده ناحية رقبتها. لم يدري كيف قبض عليها، يشعر أنه مسلوب الإرادة. هناك قوة خفية تحركه، ألا وهي قوة الغضب والانتقام.
ظلت تقاوم حتى استطاعت أن تنزع تلك اللحية التي يضعها للتنكر.
اتسعت عيناها وهي تجاهد أن تخرج كلمة واحدة:
"را...زي."
كانت عيناه وكأنها قطعتين من الجمر المشتعل. جاهدت مايا أن تخرج بعض التمتمات. قالت:
"ابن..نا."
وفجأة صوت طلقات أتى من خلفه. نظر رازي إلى مصدر الصوت وقد ارتخت يده التي تقبض على رقبة مايا. همس رازي:
"رياض ال***."
أطلق طلقة على يده التي تقبض على سلاحه. وقع السلاح من يد رياض. فصرخت مايا. ولكن المفاجأة أن ماركوس قبض على رياض من الخلف.
عقد رازي حاجبيه وقال:
"لما لم تغادر؟"
قال ماركوس:
"كنت أعلم أنك سترتكب حماقة. لم تكن بوعيك يا رجل."
نظرت مايا إلى والدها وإلى رازي الذي لا ينوي سوى الشر. قالت وهي تتوسل:
"رازي اسمعني، أبوس إيدك، أنا مستعدة أعمل اللي انت عايزه، بس آدم ابننا."
قطعت كلماتها صفعة قوية منه على وجهها جعلت الدماء تسيل من فمها.
قال رازي وهو يلهث من شدة الغضب ويشير إلى والدها:
"يستاهل الخاين دا. تقتلي أمي عشانه؟ إنتي وعيلتك كلها متساويش ضفر من زهرة هانم."
هبطت دموعه وهو يقول:
"وإنتي بتخططي تقتليها، ما افتكرتيش كام مرة حضنتك كأنك بنتها؟ كام مرة بكيت على عيلتك الوهمية اللي اتقتلت؟"
قبض مرة أخرى على رقبتها وهو يقول:
"كان أهون عندي تعملي أي حاجة عشان تنتقمي، إلا أنك تمسي شعرة من أمي."
كانت ستستسلم للموت، لكنه تركها فجأة وقال:
"لو قتلتك هترتاحي؟ مش هتستمتعي باللي هاعمله فيكي وفي كل اللي يخصك، وأولهم ال*** دا."
وجه سلاحه تجاه رياض وخرجت طلقة منه اخترقت ضلوع رياض. صرخت مايا وهي تقول:
"بابا!"
لم تستطع أن تصل إليه. منعها رازي وهو يقبض على خصلاتها وألقاها أرضًا.
صدح ماركوس:
"واللعنة، ماذا فعلت؟"
قال رازي:
"لن يموت، سنسعفه. هي نحمله ونتجه فورًا إلى المستشفى. فهو مجرم هارب من العقاب."
حمله ماركوس، بينما نظر رازي لتلك التي تجلس ودموعها تتسابق. هبط لمستواها. قرب يده من فمها، مسح قطرات الدم بإصبعه. هدأت قليلًا اعتقادًا منها بأنه تأثر، لكنه فاجأها بأنه لطخ وجهها بتلك القطرات بحركة دائرية على وجهها وقال:
"آدم ابنك عندي. عايزك تتخيلي ممكن أعمل فيه إيه."
ابتسم لها، وقبل أن تنطق بحرف واحد ضربها برأس مسدسه في رأسها. فقدت الوعي.
قال وهو يتخطاها:
"بكرة صوتك."
خرج من المنزل وذهب هو وماركوس إلى المستشفى. شرح للطبيب بأن هذا الرجل مجرم خائن وأنه الضابط المكلف بإرجاعه إلى المعتقل. لذا بدأ الطبيب في معالجته.
حل الفجر. كان الطبيب قد انتهى للتو من إجراء العملية الجراحية لرياض. اطمئن رازي أنه بخير، لذا طلب من ماركوس بألا يتركه لحظة واحدة، وأنه سيعود في الصباح لأخذه.
عاد رازي إلى بيت الجبل. وجد الأنوار مضاءة. دلف إلى غرفة النوم لم يجد قدر. ظن أنها ما زالت في بيت ماجي، لكنه تفاجأ حينما نظر إلى الأرضية ليجدها جالسة في صمت، ضامة ساقيها إلى صدرها وعيناها متورمتان من كثرة الدموع. أسرع إليها في لهفة وقال:
"قدر مالك؟ حصل إيه؟ انطقي."
قالت هي بجمود ووجه مكفهر:
"طلقني."
رواية ندبات قدر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم الشيماء مسعد
كنت أتمنى لو قابلتك في وقت آخر في مكان آخر. كنت سأحبك بهدوء بعيدًا عن صخب الانتقام الذي يعج بداخلي، بعيدًا عن حقد الهزيمة الذي لوث نقاء قلبي. لكن هذا حظك عزيزتي، أن أكون أنا ندبة أخرى في قلبك الصغير.
عاد رازي إلى بيت الجبل، وجد الأنوار مضاءة. دلف إلى غرفة النوم، لم يجد قدر. ظن أنها ما زالت في بيت ماجي، لكنه تفاجأ حينما نظر إلى الأرضية ليجدها جالسة في صمت، ضامة ساقيها إلى صدرها وعيناها متورمتان من كثرة الدموع. أسرع إليها في لهفة وقال:
"قدر، مالك؟ حصل إيه؟ انطقي."
قالت هي بجمود ووجه مكفهر:
"طلقني."
بعدت يده عنها، ولم تتفوه إلا بتلك الكلمة التي أثارت جنونه. كان يتساءل ماذا بها. نظر إلى هاتفه، وجد منها أكثر من عشرين محاولة اتصال به. أدرك أنه هو من تسبب لها في ذلك. نهر نفسه حينما علم كم كانت قلقة عليه. قال بندم وهو يقبل كلتا يديها:
"آسف يا قدر، ما اتخيلتش تقلقي أوي كده."
نظرت إليه بعينين متورمتين من أثر البكاء، وقد احتلت الصدمة ملامحها. كيف له أن يعتقد أنها لا تقلق عليه؟
قال بصدق:
"أنا غلطان، بس اديني فرصة أصلح اللي عملته."
حاول أن يحملها عن الأرض، لكنه تفاجأ أنها تقاومه وبدأت تثور ثورتها وهي تبعده عنها وتقول:
"ابعد عني، ما تلمسنيش."
تفاجأ بها كثيرًا. لأول مرة يراها فاقدة السيطرة على أعصابها. أدرك أن أعصابها قد تلفت تمامًا، وهي تنتظر قدومه كأن الوقت متوقف لا يمر. استقامت بالكاد، توجهت ناحية الغرفة. وقبل أن تدخل، أسرع وقف أمام باب الغرفة وقال برجاء وصدق:
"قدر، مش قادر أشوفك كده. ازعلي بس خليني جمبك لحد ما تهدي."
قالت بجمود:
"عايزة أبقى لوحدي."
قال وهو يمسك يدها:
"ماشي، وأنا هافضل جمبك، مش هسيبك. مش هاتكلم. ربنا يعلم إني عمري ما حيلت حد قدك يا قدر."
هدأت قليلاً، فكل تلك الحنية تجعلها وكأنها مخدرة. دلفت الغرفة، تمددت على الفراش. جلس بجوارها، لمح دموعها تسقط من جديد. وضع يده على رأسها، قرأ لها بعض آيات القرآن الكريم حتى تهدأ. تخللت أصابعه داخل خصلاتها، أخذ يمسد على شعرها إلى أن غطت في النوم. كانت عيناه تقفل من فرط التعب، يريد النوم. لكنه هاتف ماركوس وأكد عليه أن يبقى بجوار رياض المنشاوي حتى يأتي هو في الصباح. وما أن أغلق الهاتف، حتى صرخت قدر وهي نائمة:
"راااازي!"
استيقظت بزعر، احتضنها رازي وهمس لها:
"آسف لأني السبب في الخوف ده كله."
أجهشت في البكاء وهي تقول:
"عارف كام سيناريو جه في دماغي وأنا قاعدة مستنياك؟ عارف فكرت في كام حاجة وحشة؟ وكل ما أفكر، بنهار أكتر. ليه بتعمل كده معايا؟ ليه بتعيشني كل يوم في رعب إني أخسرك؟ ليه مش بعرف الأماكن اللي هتروحها؟"
ربت على ظهرها وقال:
"آسف، مش هعمل كده تاني. هعرفك كل الأماكن اللي هاروحها. عمري ما هخبي عليكي تاني، بس اهدي، خلاص حصل خير، أنا هنا دلوقتي جمبك."
هدأت قليلاً واحتضنته وقالت:
"أنا مش قادرة أتخيل حياتي من غيرك يا رازي. اوعى تسيبني أو تبعد عني. رازي، انت مش بس جوزي، انت عيلتي."
قبل رأسها وقال:
"اهدي يا حبيبتي، كفاية عياط. العينين الحلوة حرام تحزن، لازم تضحك وبس."
تنهد طويلاً وقال وهو يقفل عينيه من الإرهاق:
"ممكن أنام بقى؟ مش قادر أفتح عيني خلاص."
تمدد بجوارها، احتضنها وأغلق عينيه.
مسحت على شعره. قال هو:
"صحيني ضروري الساعة ٨ وكلمي إلياس ومهاب عشان هنرجع مصر."
قال جملته هذه وغط في نوم عميق.
***
كانت مايا تنتحب وبجوارها نزار ممسكًا بسلاحه وهو يقول:
"راح ندمك يا رازي. بالله إذا بيلمس شعرة من ابني لأخفيه بأرضه."
قالت مايا وهي تشهق:
"ضرب بابا طلقتين، واحدة في إيده وواحدة في جمبه. وابني معاه. قالي إنه هينتقم مني في ابني."
أمسكت يده وهي تقول:
"أبوس إيدك، عايزة ابني. أو وصلني لرازي، عايزة أتكلم معاه."
قال نزار بغضب:
"تتكلمي معه ليش؟ مافي كلام بيناتنا."
وضعت وجهها بين يديها وهي تقول:
"إنت مش فاهم حاجة، وهو كمان مش فاهم حاجة."
أخذت تردد:
"محدش فاهم حاجة."
رفع نزار وجهها وهو يقول:
"حاجة شو؟ يلي مو فاهمها؟ شو مخبية يا مايا؟"
كان قلبها ينزف ألمًا. هي في حيرة الآن، هل تقر بالحقيقة لنزار؟ لكن لو علم أن آدم ابن رازي، قد يتخلى عنها تمامًا ولا يساعدها. ولو لم تتحدث، قد يقتل رازي ابنه آدم ظنًا منه أنه ينتقم من مايا. وفي ظل الصراع القائم داخل عقلها، سقطت أرضًا فاقدة الوعي. أسرع نزار والتقطها وهو يقول بقلق:
"مايا، شو صارلك؟ لك الله يلعنك يا رازي."
***
بدأ إلياس ومهاب الاستعداد للعودة كما أبلغتهما قدر عبر الهاتف. لقد دقت الآن الساعة الثامنة صباحًا. حاولت قدر أن توقظ رازي مرات عديدة، لكنه كان حقًا منهكًا. وما أن قالت قدر:
"رازي، فوق. الساعة ٨."
فتح عينيه بسرعة، لكن جسده يأبى التحرك. بالكاد استطاع النهوض. أحضرت له قدر طعام الإفطار. خرج بعدما بدل ثيابه، وكان على عجلة من أمره.
قالت قدر:
"مش هتفطر؟"
قال وهو يرتشف من فنجان القهوة:
"مستعجل يا قدر، مش هقدر أفطر."
قالت بجمود:
"رايح فين؟"
زم شفتيه وقال وهو ينظر في عينيها:
"أنا في مهمة يا قدر، رايح أكمل اللي بدأته. وخليكي مطمنة، أنا نفذت الجزء الأصعب في المهمة."
تحركت لتقف أمامه، التقطت يده وقالت بصدق:
"رازي، انت كل حاجة ليا دلوقتي. انت أهلي كلهم. لو سمحت حافظ على نفسك وارجع لي بخير."
هز رأسه وقد هام عشقًا في هاتين العينين. الذي لا يدري ماذا يحدث له كلما نظر إليهما، يهيم عشقًا بها. قال لها ما لم تتوقعه، وما زال يركز في عينيها:
"تعرفي محمود درويش قال إيه؟"
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"مين محمود درويش؟ وقال إيه؟"
قال رازي:
"أحبُّكِ عشراً
ثمانٍ لكِ
وواحدة لضحكتكِ
والأخرى لصوتكِ
أما عن عينَيكِ
فقد عجزَ الكلامُ عن الكلام."
نظرت له ببلاهة لتستوعب ما قال. كيف له أن يغير مجرى الأمور هكذا؟ تركها غارقة في تفكيرها وغادر قاصدًا منزل ماجي. طرق الباب، فتحت ماجي.
قال رازي:
"صباح الخير يا فنانة."
تهللت أساريرها وقالت:
"صباح الفل يا رازي."
قال رازي وقد كان على عجلة من أمره:
"ممكن تجهزي آدم؟ هارجعه لأهله."
فرحت كثيرًا بهذه الأخبار، فقد كانت تشفق على ذلك الصغير من بعده عن والدته. تحركت سريعا وأحضرت آدم بعدما بدلت له ثيابه. نظر إليه رازي. شعر للوهلة الأولى أنه يمقته، مستعد لسحقه كذبابة. إنه ابن مايا الحقيرة. لكن ما إن طالعه الطفل ببسمة بريئة، حتى لانت ملامح رازي وبادله الابتسام. كانت ماجي قد أخبرت الطفل بأن رازي أتى ليعيده إلى المنزل.
قال الطفل بحماس وسعادة:
"Razy, do you will get me back home, I miss my mom so much."
(رازي، هل ستعيدني إلى المنزل؟ لقد اشتقت إلى أمي.)
كانت تلك الكلمات كافية لتذكير رازي بأنه اشتاق لأمه أيضًا. شعر بغصة مريرة. لا يريد أن يكون وغدًا ويتلاعب بطفل صغير لا حول له ولا قوة، لكن الانتقام لا يترك له مكانًا للعاطفة. حمل الطفل وأخذه معه في السيارة. أجرى اتصالًا بسوزانا بأن تحرر مارسيلو، صديق نزار، وأن تترك المنزل كله وتقابله في مكان آخر. وقد أرسل لها الموقع الذي سيلتقيان به.
بعد مرور وقت، وصل رازي عند حافة جبل. نظر لآدم بابتسامة وقال:
"Do you wanna play?"
(هل تريد اللعب؟)
هز الطفل رأسه بسعادة وقال:
"yes, but I wanna back. home too Razy."
(نعم، لكني أيضًا أريد أن أعود إلى منزلنا رازي.)
تأثر رازي ببرأته وكلماته. تمنى لو يضرب بهذا الانتقام عرض الحائط ويعيد الطفل إلى أحضان أمه، لكنه لا يستطيع. فخسارته كانت كبيرة لدرجة أن نيران قلبه لن تخمد. بعد حسم أمره بأنه لن يؤذي الطفل، بل سيتلاعب بالحقيرة مايا، لذا هبط من السيارة ولعب قليلاً مع آدم. وبعد ذلك، أوقفه على حافة الجبل، وقف جواره. وأخذت سوزانا تلتقط لهما الصور. كانا يلعبان، لكن الصور لم تظهر هكذا. كانت الصور تظهر أن آدم يكاد أن يقع من الجبل. وأخذ صورة أخرى لرازي وهو يصوب سلاحه على آدم. في الحقيقة، آدم لم ير ذلك السلاح، لكن في الصورة كان يبدو أن رازي يوجه السلاح عليه وهو مذعور. التقط عدة صور، كانت كافية لقتل مايا عدة مرات.
قال رازي لسوزانا:
"سوف أعود اليوم إلى مصر، لذا سوف أترك الطفل معكِ."
ضيق عينيها وقالت:
"ألم تعيده لأهله يا رازي؟ هذه جريمة."
قال رازي وهو ينظر إلى الفراغ:
"أنا أصفي حسابات قديمة بيني وبين أهله."
قالت بقلق:
"أنا أجاريك ولا أعلم إذا كان هذا الصواب أم لا. أنت صديقي ولا أستطيع أن أرفض لك أمرًا، لكن عليك أن تعلم أنك تلعب بالنار."
قال بجمود وقد احتدت عيناه:
"لقد احترقت بتلك النار لسنوات، لذا لا يهم ماذا سيحدث. عليا فقط أن أنفذ انتقامي. اسمعي، هذا الطفل هو أمانة عندك، حافظي عليه جيدًا. وأنا سآخذك إلى مكان آخر بعيدًا عن هنا."
هزت رأسها وقالت:
"كما تحب. رغم أنني لا أوافقك على تلك الحماقات، لكن لا بأس يا صاح."
انطلق رازي ومعه سوزانا. قطع مسافة كبيرة بالسيارة إلى أن وصل إلى قرية ريفية. هبطوا جميعًا من السيارة، وقد كان آدم نائمًا. لم يسيروا كثيرًا على الأقدام، حتى وصلوا إلى منزل. دق رازي باب المنزل، فتحت سيدة عجوز. رحبت بهم بحرارة، وكأنها تعرف رازي من قبل. عانقت رازي وقالت:
"افتقدتك يا فتى، لقد مضى كثيرًا من الوقت على آخر لقاء."
قال وهو يقبل رأسها:
"سيدتي الجميلة، ما زلتِ كما أنتِ جميلة منذ آخر لقاء."
ضربته على كتفه بخفة وقالت وهي تضحك بخجل:
"أيها المخادع."
دلفا إلى المنزل. وقال رازي لسوزانا:
"سوف تبقين هنا بعيدًا عن الأنظار مع السيدة Anna. لم يشك أحد بك، لكن عديني ألا تطأ قدمك المدينة ما دمت لم آذن لك بذلك."
وافقت على مضض وقالت:
"أعدك بذلك."
أخرج رازي رزمة من النقود وأعطاها فيزا وقال لها:
"خذي هذا، وهذه البطاقة بها رصيد كبير. اسحبي منها متى شئتِ، وكلميني إذا احتجتِ أي شيء."
أعطاها مفاتيح سيارتها وقال لها:
"شكرًا على السيارة يا سوزانا، وشكرًا على كل شيء."
هزت رأسها بابتسامة وقالت:
"لا عليك يا صديقي."
استدار ليغادر، لكنه نظر إليها مرة أخرى وقال:
"حافظي على الطفل يا سوزانا."
هزت رأسها بنعم وغادر هو سريعًا. ولوحت هي لأثره. تنهدت بارتياح ودلفت إلى الداخل تتحدث مع السيدة Anna.
***
وصل رازي إلى المشفى الذي يحتجز به رياض. طلب من الطبيب تصريحًا له بالخروج. تم كل شيء على أكمل وجه. خرج رياض وهو يجلس على مقعد متحرك. وصلت مايا بسيارتها للتو. كانت على بعد خطوات منهم. صدحت بصوت عالٍ:
"راااازي، استني!"
وما أن لمحها، اعتقد أنها تريد توديع والدها، لذا قرر حرمانها من تلك اللحظة. لذا، أركب رياض السيارة وركب هو، وتحرك سريعًا قبل أن تصل إليهم.
في تلك الأثناء، كانت قدر قد حزمت كل أمتعتهما، وأيضًا مهاب والياس معها الآن في بيت الجبل. هاتف رازي إلياس وطلب منه الحضور إلى المطار ومعه مهاب وقدر. استقلوا سيارة أجرة، وصلوا إلى المطار، وجدوا طائرة خاصة ورازي يقف أمامها. عقد إلياس حاجبيه وقال:
"إحنا هنسافر ليه في طيارة خاصة؟"
تنهد رازي وقال:
"معانا ضيف."
قال مهاب ممازحًا:
"الناس مقامات يا بني."
ظهرت ابتسامة جانبية على ثغر رازي وقال:
"طب يلا نتناقش جوا الطيارة."
دلفوا جميعًا. وما أن رأى إلياس رياض حتى نظر إلى رازي وقال:
"مين دا؟"
قال رازي بمقت:
"رياض المنشاوي."
اتسعت أعين إلياس وانقض على رياض، أبرحه ضربًا وهو يقول:
"يا ابن ال***، أنت وبنتك ال*** دمرتوا حياتنا. أخذتوا مني أمي."
أمسكه رازي ومهاب. بالكاد استطاعوا أن يخلصوا رياض من قبضة إلياس. صدح رازي وهو يهز إلياس:
"اهدأ، إلياس، سامعني."
كان إلياس في حالة غضب هستيري. دموعه تتسارع، يتنفس بسرعة. احتضنه رازي بقوة وهو يقول:
"خليك واثق في أخوك. واللي بكيت دمعة بسببهم هيبكوا بدالها دم."
هدأ إلياس، لكن قدر انكمشت على نفسها. لقد عاد رازي قاسيًا لسابق عهده. لمحها رازي، لذا حاول أن يتحلى ببعض الهدوء. أمسك بيد أخيه، أجلسه على مقعده. تحركت الطائرة عائدة لأرض الوطن. وبمجرد أن تحركت الطائرة، وصلت مايا ونزار المطار، ولم يجدوا لهم أي أثر. أخذت مايا تصرخ وتصرخ. ركل نزار تراب الأرض بغضب. يحرق الأخضر واليابس. سقطت مايا أرضًا، فلم تعد قدماها تقوى على الثبات. تشعر بأن قطعة من روحها ضائعة منها. وما زاد حسرتها هو أن رازي لا يعلم أنه يختطف ابنه. ماذا قد يكون فعل به؟ هل قتله؟ هل ألقاه من أعلى الجبال؟ كل الأفكار التي تدور في رأسها الآن كافية لجعلها تموت ألف مرة ومرة. جس نزار على ركبتيه وأمسكها من كتفيها وقال:
"اسمعيني منيح، ابني راح يرجع. والله لو حدا مسه بسوء بيدفع التمن كتير غالي. راح أحجز على أول طائرة على مصر."
ساعدها على النهوض وهي تشهق، وعادا يلملمان أذيال خيبتهما.
بعد مرور ساعات، هبطت الطائرة بسلام أرض الوطن في الصباح. كان القائد حازم ومعه سيف وعدنان وقوات أمن دولة في انتظار وصول الطائرة. هبط رازي ممسكًا بالمقعد المتحرك لرياض. صافح الجميع وهنأه. كان حازم فخورًا جدًا بصنيع رازي. فهو دائمًا قادر على إتمام المهام الموكلة بها، حتى لو اضطر لأن يكمل المهمة على نفقته الخاصة. فهو لا يتردد. أعطى رازي الفلاشة للسيد حازم.
قال حازم بفخر:
"صدق اللي سماك صاحب القبضة الحديدية. سلمت يمناك يا رازي."
ابتسم بفخر وقال:
"تلميذك يا باشا. دي الفلاشة، لكن مع الأسف مقفولة بباسوورد. هتحتاج هكر."
التقط حازم الفلاشة وقال:
"أنا هاتصرف."
ثم وجه كلامه للقوات الأمنية وقال:
"هاتوا رياض المنشاوي."
هبطت قدر من الطائرة. التقط رازي يدها وهبط إلياس ومهاب، الذي فرد ذراعيه وكان يتثاءب لأنه كان نائمًا. ركبا سيارة أجرة وعادوا إلى شقة إلياس ومهاب. استلقى مهاب والياس وغطوا في نوم عميق. وقدر أيضًا غفت على فراشها. لكن رازي لم ينم. وهل ينعم الذي وضع الانتقام نصب عينيه بالراحة؟ التقط هاتفه وطالع صور آدم. بعدها فتح مواقع التواصل الاجتماعي وأرسل بعض الصور لرقم مايا، وكان قد أخذه من مارسيلو من قبل. ظل بعض الوقت ينتظر أن تراهم. وما أن تأكد أنها رأتهم، حتى أقفل الخط وابتسم بخبث وهو يقول:
"هموتك كل يوم ألف مرة يا بنت المنشاوي."
وضع هاتفه جواره وتمدد بجوار قدر. حاول إيقاظها بلطف لأنهما سوف يعودان إلى القصر، فلديه خطط يريد تنفيذها هناك. ظل يداعب أنفها حتى استيقظت. حاولت أن تفتح عينيها، لم تستطع، لذا تركها تنام بعض الوقت قبل أن يعودا إلى القصر. التقط هاتفه وكلم السيدة أمينة وأبلغها بأنهما سيعودان اليوم. وقال لها:
"جهزتي اللي قولتلك عليه يا ست أمينة؟"
قالت:
"أيوا طبعًا يا ابني، كله تمام."
ابتسم وقال لها:
"تسلمي."
أقفل الخط وتمدد بتعب جوار قدر وأغمض عينيه.
***
كان إياد ينتظر نورين أمام سنتر الدروس. خرجت نورين، ولكن تجمع حولها شابان كانا يتبعانها منذ فترة. حاولت الإفلات منهما، كانت تتشاجر معهما. لذا، أسرع إياد بالخروج من السيارة. ألقى نظارته الثمينة ماركة ريبان على الأرض وهرول بسرعة إلى أن وصل إلى نورين. دفع أحدهما بكل ما أوتي من قوة وقال له:
"إيدك ما تتمدش عليها، لاقطعهالك."
أمسك الشاب الآخر إياد من تلابيب قميصه وقال له:
"إنت مالك بيها؟ يلا تعرفها منين؟"
لكمه إياد في فمه وقال:
"وانت مالك؟ أمك؟"
ردها له الشاب وهو يقول:
"دي بت عمي يا ابن ال***."
أخذت نورين ترتجف وتبكي وهي تضع يدها على فمها. صفعه إياد وهو يقول:
"وايه يعني ابن عمها؟ حصلنا الرعب."
وقف الشاب الآخر وهو يعتصر ذراع نورين ويقول لها:
"ماشية على حل شعرك؟ مين دا يا بت اللي شوفتك كذا مرة ماشية معاه؟"
اشتعلت النيران في صدر إياد. استطاع أن يفلت من قبضة الآخر وانقض على الشاب الذي يقبض على ذراع نورين. وفجأة، أخرج الشاب الآخر سلاحًا أبيض طعن به إياد في جنبه. صرخت نورين وكادت تفقد الوعي. كان ابن عمها على وشك طعن إياد مرة أخرى، حتى صدحت نورين:
"إياد ابن الوزير أمجد نصار، هيوديكم في ستين داهية."
خرج الطلاب من مركز الدروس على صوت صراخ نورين. هرب أبناء عمها حينما علما هوية إياد، وقد أتيا لأخذها عنوة لأن والدتها رفضت مرات عديدة بأن يتزوجها ابن عمها. وقد كانا يراقبنها منذ فترة. وقع إياد أرضًا وهو يمسك جنبه ويتألم. خرج الأستاذ عبد الناصر، توغل داخل التجمع. اتسعت عيناه من الصدمة حينما رأى إياد ينزف وبجواره نورين تنتحب. لذا صدح:
"حد يساعدني نشيله نوديه المستشفى."
نظر إياد إلى نورين وهو يقول:
"ماتخافيش يا حبيبتي، أنا كويس. اهدي."
***
عدى النهار، ورازي أخذ قدر وعادا إلى القصر. كانت السيدة أمينة وسناء في انتظارهما. استقبلتهم بحفاوة، وكانت قد اشتاقت كثيرًا لرازي.
قال رازي:
"سناء، جهزي العشا بسرعة. إحنا واقعين من الجوع."
قالت سناء:
"حالا يا بيه. دانا عاملة كل الأكل اللي بتحبه."
ابتسم لها وقال:
"كل الأكل اللي بتعمليه جميل يا سناء."
تحركت قدر لتصعد غرفتها، لكن أوقفها رازي قائلاً:
"قدر."
نظرت إليه. اقترب منها بابتسامة جذابة، التقط كفها وقبض عليه وقال:
"عندي ليكي مفاجأة."
أخذها إلى غرفتها، وما أن فتحها، اتسعت عيناها من المفاجأة.
رواية ندبات قدر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم الشيماء مسعد
قد تبدو لك الحياة غير عادلة، قد تشعر أن دعواتك لا تستجاب، لكنك لا تعلم أن ألطاف الله تحيط بك دائمًا. تذكر فقط كم مرة أنجاك من حافة الهلاك. عليك أن تحسن ظنك بالله. تيقن بأنه يومًا ما سيولد من رحم الظلمة نور يضيء حياتك، ويجعل الله لك قرة عين لا تنقطع، فقط ثق بالله.
تحركت قدر لتصعد غرفتها، لكن أوقفها رازي قائلاً:
"قدر؟"
نظرت إليه. اقترب منها بابتسامة جذابة، التقط كفها وقبض عليه وقال:
"عندي ليكِ مفاجأة."
أخذها إلى غرفتها، وما إن فتحها اتسعت عيناها من المفاجأة وقالت وهي تصيح من الفرحة:
"مكتبة!"
احتضنت رازي وهي تقول بامتنان وسعادة:
"شكرًا يا رازي إنك في حياتي."
بادلها العناق وهو يقول:
"أنتي اللي لازم أشكرك لأنك رجعتي الحياة تاني لقلب رازي."
ابتعد عنها وقال:
"فيه حاجة تاني كان نفسي تبقى مفاجأة، لكن مش هقدر أخبيها."
استمعت له بانتباه وهو يكمل:
"هعمل لك أحلى فرح يا ست البنات، جهزي نفسك واستعدي كويس للفرح."
اتسعت ضحكتها وهي تطالعه، محاولة استيعاب كم هو شخص جميل ورائع في كل شيء.
أمسكها من أرنبة أنفها وقال:
"أي أوامر تانية يا سمو الأميرة؟"
زمت شفتيها وأخذت تفكر لبرهة ثم قالت:
"فيه حاجة كده نفسي فيها بس خايفة تتريق عليا."
ضحك وقال:
"لا مش هتريق، وعد."
تنهدت بحماس وقالت:
"نفسي أجرب إحساس المخطوبين عن حب، إيه رأيك فترة قبل الفرح نبقى مخطوبين؟"
رفع حاجبه وقال:
"مخطوبين؟ يعني هدايا وورد ودباديب وكده؟"
هزت رأسها بنعم.
ضيق عينيه وقال:
"ماشي، مانا اللي جيبته لنفسي على كل حال."
قرب وجهه من وجهها وأغمض عينيه وقال:
"مافيش شكرًا؟"
دفعته للخارج وهي تقول:
"مافيش واحدة مخطوبة بتبوس خطيبها يا سيد رازي."
ضحك وهمس لها:
"تصدقي واحشتني."
قالت بعدم استيعاب:
"هي إيه دي؟"
"سيد رازي."
ابتسمت له وقالت:
"طب يلا يا سيد رازي امشي عشان عايزة أغير هدومي."
قال هو بغيظ:
"ماشي، بكرة تندمي يا جميل. أنا في مكتبتي تحت، وماحدش يجي يلتصق فيا ويقول محتاج أستلف كتب."
ضحكت وهي تشير إلى مكتبتها وقالت محاولةً استثارة استفزازه:
"عندي واحدة."
ضغط على شفته السفلى بأسنانه وهو يقول:
"مانا اللي جيبته لنفسي فعلاً."
***
في المستشفى.
استفاق إياد بعد إجراء جراحة له، بعدما تلقى طعنة من أبناء عمومة نورين. كانت نورين ما تزال تنتحب وهي تعض يدها من الخوف والقلق على إياد بجوارها، الأستاذ عبد الناصر الذي لم يتركها لحظة.
وصلت السيدة مريم لأن نورين هي من هاتفتها وطلبت منها الحضور، وقصت عليها كل ما حدث. أتت مريم واحتضنت ابنتها، التي ما إن رأتها حتى ازداد نحيبها، وكأنها قد وجدت من تفرغ معه كل ما تشعر به من أسى وحزن.
بعد ذلك، أخرجت السيدة مريم نقودًا من حقيبتها واتجهت ناحية الحسابات، لكنها تفاجأت حينما علمت أن الأستاذ عبد الناصر قد دفع تكاليف المستشفى. عادت لهما وقالت بحرج وهي تمد النقود لعبد الناصر:
"إحنا بنتعبك معانا أوي يا أستاذ عبد الناصر، اتفضل دا حساب المستشفى."
بهت وجهه وقال:
"عيب في دا يا مدام مريم، شيلي فلوسك."
أعادت النقود إلى حقيبتها وقالت:
"شكرًا، المهم إياد كويس."
قبل أن يتفوه عبد الناصر، خرج الطبيب وأعلن أن إياد استعاد وعيه وهو بحالة جيدة الآن. تنفست نورين الصعداء، ودلفوا جميعًا للداخل للاطمئنان عليه.
اقتربت نورين وقالت بقلق:
"إياد، بقيت كويس؟ حاسس بإيه؟"
ابتسم لها رغم ألمه وقال محاولًا أن يبدو طبيعيًا ولا يتفوه بما يستفز مريم:
"الحمد لله أنا بخير يا حبي..."
بتر كلمته حينما حدقته مريم بنظرة مرعبة.
أكمل هو:
"الحمد لله بخير يا نورين."
اطمأنت مريم وقال عبد الناصر:
"الدكتور قال إنك ممكن تخرج."
أسرع إياد يرد:
"أنا مش هينفع أروح البيت، أبويا هيفتح لي تحقيق وممكن يكبر الحوار. مش عايز نورين تدخل في حوارات لحد ما أشوف هتصرف إزاي مع ولاد عمها."
ابتسمت مريم، فهي منذ أن عرفت كم يعشق إياد ابنتها أحبته كثيرًا. فهي تعلم أن نورين لن تجد أحدًا يحبها بتلك الطريقة التي يحبها.
قالت نورين:
"ناخده عند مهاب والياس يا ماما، مش هيرفضوا. هما زي إخواتي ومستحيل يرفضوا ليا طلب."
ابتسم إياد وقد فكر أن تلك فرصة ليكون قريبًا من نورين طوال الوقت. قال:
"دي فكرة حلوة، أنا موافق."
***
كانت مايا جالسة مستندة برأسها على صدر نزار، ورغد ممرضة رازي القديمة قابعة في المقعد المقابل لهما.
قالت مايا وهي تهز سائر جسدها:
"رني على الخدامة واعرفي منها بطريقتك فيه طفل في القصر ولا لأ."
وما إن أنهت كلماتها حتى استقبلت رسالة على موقع التواصل الاجتماعي واتساب. أسرعت تفتحها، وجدت مقطع فيديو لآدم في صورة ليست حقيقية، إنما هي تركيب، لكن مايا من هول الصدمة لم تنتبه. كانت الصورة لآدم يجلس على حافة الهرم الأكبر.
صرخت مايا وألقت الهاتف من يدها. التقطه نزار وقال بغضب وغل:
"بالله لأدفعه ثمن ده كتير غالي."
وأمر رغد قائلاً:
"هلأ بتتصلي على الخادمة تعرفي منها كل التفاصيل، ومن هي مرته وكل شيء عن حياتها."
أومأت رغد بالموافقة وهاتفت سناء التي أسرعت بالرد وهي تقول:
"إزيك يا بت يا رغد؟ اسكتي، فيه أخبار حلوة أوي. رازي باشا هيعمل فرح كبير أوي، والبشمهندس إلياس خطب وهيكتب كتابه."
كانت مايا ونزار يستمعان للمحادثة.
قالت رغد:
"أنا فرحت من قلبي لرازي بيه، ولازم أجي بنفسي أبارك."
قالت سناء:
"طبعًا تعالي، بس الفرح كمان أسبوعين. ابقي تعالي قبل الفرح بأسبوع نقعد مع بعض ونظبط الفرح. واحشتني أيام ما كنا بنتلم مع بعض على سطح القصر ونرقص ونغني بعد ما رازي بيه ينام."
ضحكت رغد وقالت:
"طبعًا هاجي، أنا مافيش حد أغلى من رازي بيه عندي. بس العروسة دي منين؟ أصلها إيه؟ احكيلي يا سناء."
قالت سناء بعجلة:
"مش وقته دلوقتي يا بت. لما تيجي هاحكيلك كل حاجة عنها، دي حكايتها حكاية."
ابتسمت رغد لمايا بخبث وقالت:
"أكيد هاجي، يلا سلام."
أقفلت الخط رغد ونظرت لمايا وقالت:
"أنا هاروح أدور بنفسي على البيه الصغير لحد ما أعرف هو فين يا ست مايا."
هزت مايا رأسها وكانت تنظر للفراغ وقالت:
"أنا عندي خطة هاعرف أرجع بيها ابني وأنتقم من رازي أشد انتقام على اللي عمله فيا."
***
بعدما طلبت مريم من إلياس أن يستضيف إياد في شقته، وافق إلياس. أصبحت نورين تأتي لتراه كل يوم قبل أن تذهب لدروسها، ومريم تعد له أطعمة صحية تساعده على الشفاء سريعًا.
وفي صباح ثالث يوم له في منزل إلياس ومهاب، وبعدما خرجا للعمل، حضرت نورين وهي تحمل طعام الإفطار له. دقت الباب ودلفت وتركته مواربًا. قالت بابتسامة:
"صباح الخير، عامل إيه النهارده؟"
رد هو:
"صباح الفل يا حبيب بابا. أنا لو أعرف إني كل يوم الصبح أول وش هاشوفه إنتي، كنت اتضربت من زمان."
قالت هي بلهفة:
"هي بعد الشر عليك يا إياد."
حاول أن يعتدل من نومته، لكنه أطلق تأوهًا من ألمه. هوى قلبها وأسرعت تقف جواره وهي تقول:
"إياد، هاساعدك."
وضعت الطعام على الكمود المجاورة للسرير وسندت ظهره بحذر. نظر في عينيها مباشرة وقال:
"خايفة عليا يا قلب بابا؟"
أبعدت عينيها عن خاصته وقالت:
"طبعًا خايفة عليك، ده أنا كنت هموت من القلق عليك وانت في أوضة العمليات."
رد هو:
"بعد الشر عنك يا حبيبي، ده أنا أفديكي بروحي."
وضعت حاملة الطعام أمام إياد وجلست على طرف الفراش. بدأ هو يأكل وهي تراقبه بسعادة.
قالت وهي تنظر في ساعة يدها:
"إياد، أنا اتأخرت ع الدرس."
نظر إليها بحب وقال:
"ربنا يوفقك يا حبيبتي."
دَلفت مريم وهي تقول:
"نورين، روحي درسك وأنا هاشوف البشمهندس إياد لو محتاج حاجة."
ركدت للخارج وهي تقول:
"تمام يا ماما، خلي بالك عليه."
ابتسم هو ونظر لمريم، وجدها رافعة حاجبها. حمحم وكبح ضحكته وقال:
"منورة يا ست مريم."
لوت فمها وقالت:
"ده نورك. أنا كنت حابة أشكرك على اللي عملته ما بنتي، أنت بجد شهم."
ترك الملعقة وهو يقول:
"أنا معملتش كده عشان شهم، أنا بحب نورين وأفديها بروحي يا ست مريم."
ابتسمت وقد شعرت ببعض الراحة، فهذا الفتى يبدو صادقًا جدًا في مشاعره التي تظهر جلية على عينيه ووجهه.
***
أما عن رازي، فقد كان يستعد للذهاب في مهمة في عمله، وقد أبلغ قدر أنه سيظل بعيدًا عنها أسبوعين. وقبل أن يغادر، كانت تعد له حقيبة السفر وهي حزينة.
دلف إلى الغرفة وكان ممسكًا بصندوق هدايا، وقف أمامها وحك خلف رأسه بحرج وقال:
"دي هدية عشانك."
ابتسمت رغم حزنها وقالت بمشاكسة:
"حركات مخطوبين يعني."
حك أنفه بحرج وقال:
"امم."
فتحت الصندوق، وجدت به عروسة لعبة ممسكة بيدها زهرة اللوتس ومجموعة شوكولاتات. ابتسمت وقالت:
"إنت شكلك بتحب زهرة اللوتس أوي."
التقط كفها وقبل باطنه وقال:
"حبيتها من يوم ما عرفتك."
قالت وبدا عليها الحزن:
"ما تتأخرش عليا، وخلي بالك على نفسك."
هز رأسه وحاول أن يقبلها، لكنها ابتعدت عنه قائلة:
"قولنا إيه، إحنا في مرحلة الخطوبة."
ابتسم وقال:
"هانت."
قبل جبهتها والتقط حقيبته وغادر.
مر الأسبوع على قدر بليله الطويل من كثرة التفكير في حبيبها الغائب، ونهاره المتكدس بالمهام التي تبذل قصارى جهدها لإنهاءها قبل رجوع رازي. لكن هناك شخصًا آخر انضم لمساعدتها، كانت رغد، التي تمثل أنها أتت للمساعدة وأنها فرحة للغاية، لكنها ما أتت إلا لإفساد كل شيء. كانت تتلصص وتسترق السمع وعلمت كل شيء عن حياة قدر، حتى ممدوح.
كانت تسترق السمع على قدر حينما هاتفت فاطمة وقالت بغضب:
"أنا زعلانة منك يا فاطمة، كده برضو؟ سيباني لوحدي في وقت زي ده."
قالت فاطمة بصدق حقيقي:
"وأنا أقدر برضو أتخلى عنك؟ ده أنا ما بصدق أروح القصر. أنا مستنية أتجوز بفارغ الصبر عشان نبقى أصحاب أكتر. المشكلة إننا بنسابق الزمن عشان نسلم مشروع القرية السياحية، لازم المشروع يتسلم في معاده عشان المصداقية وعشان نكسب ثقة الشريك الأجنبي."
قالت قدر:
"تمام، بس لأسبوع اللي جاي تكوني هنا بأي طريقة. مش هاقبل أعذار."
***
ذهب مهاب إلى النادي الذي تتدرب فيه هاجر، وصل عندها ووقف ينظر إلى طريقتها في التدرب وتركيزها في خطوات التمرين. وقال:
"ياريتني كنت كيس رمل وتركزي معايا كده حتى لو كنت هتضرب."
نظرت له هاجر بضيق وقالت:
"كيس رمل؟ يا جاهل، مهو طبعًا إنت آخرك الجيم اللي فوق سطوح بيتكم."
رد ضاحكًا:
"وحشتيني يا كابتن قلبي، بالحضن بقى."
وكان سيقترب منها وهو يفرد ذراعه. أوقفته هاجر بضربه في صدره:
"ده بعينك! وبعدين إنت لسه فاكر تسأل؟ لأ وكمان وحشتك؟ ده أنا قلت إنك فقدت الذاكرة."
قال بصدق حقيقي:
"حقك عليا، انتي عارفة إني هارب من الشركة عشان أشوفك لأنك فعلاً وحشتيني. والله حتى مش فاضي أكلم أمي وإخواتي."
تعاطفت معه هاجر، ولكن دون أن تظهر له، وقالت:
"فيه اختراع اسمه موبايل، تسمعي عنه؟"
قال بغضب مصطنع:
"برن عليكي تليفونك مغلق، أعمل إيه يعني أكتر من كده؟"
قالت هي بلامبالاة:
"بكون نايمة."
قال هو باستعجال:
"طب أنا كنت جاي أعزمك على فرح رازي أخو إلياس، وبصراحة عايزك تكوني معايا. ها، هتعرفي تتصرفي وتيجي؟"
كان داخلها فرحًا جدًا لأنه يريدها معه، وقالت:
"هاحاول أتصرف."
تأفف وقال:
"هاجي آخدك، مفيش هشوف ولا هحاول."
فكرت قليلاً ثم قالت:
"تمام، اتفقنا. هاخترع أي حجة وقتها."
قال قبل أن يغادر:
"من هنا لوقتها هتوحشيني أوي يا كابتن الكابتنات."
ضحكت على كلامه، ولكن اتجهت للجهة الأخرى، وهو لاحظ ابتسامتها وقال بصوت جوهري وهو يغادر المكان:
"باي يا حبيبي، أشوفك بعدين."
نظر الجميع إليها. اتسعت عيناها من الصدمة واخفضت هي رأسها وهي تتمتم:
"يخربيت جنانك، هتجبلي شبهه."
***
في شركة ممدوح الصاوي.
بعدما تلقى مكالمة من رقم غير معروف، كانت مايا التي طلبت منه أن تقابله. هي الآن جالسة في المقعد الذي أمامه على مكتبه. تحدثت معه عن قدر وعرفت أكثر عنها. وبعدما أنهت حديثها معه قالت له:
"واللي يرجعلك قدر لحد عندك."
ابتسم بهيام وقال:
"ساعتها هاقولك شبيك لبيك، اللي تطلبيه أوامر."
نظرت للفراغ وقالت:
"تأمنلي خروجي من مصر."
مد يده لها وقال:
"بقي اتفقنا."
صافحته وقالت:
"ديل."
***
عاد رازي إلى القصر بعدما أنهى مهمته بنجاح. كانت قدر في انتظاره. احتضنته قدر باشتياق وهمست:
"حمدلله على السلامة."
همس لها بشوق أيضًا:
"وحشتيني."
ثم أكمل بمشاكسة:
"ما تيجي نطلع فوق."
حاولت التملص منه وهي تقول:
"ماتنساش إننا مخطوبين."
قال هو بمشاكسة:
"هو فيه مخطوبين في حضن بعض كده؟"
بالكاد تحررت من قبضته وقالت وهي تتحرك:
"مش فاضية للجدال معاك يا سيد رازي، ورايا مليون حاجة عايزة أخلصها قبل بكرة."
ابتسم لأنه يراها بهذه السعادة وهذا الحماس. ظل ينظر إلى أثرها وقال:
"ربنا يقدرني وأخليكي على طول سعيدة."
صعد إلى غرفته لينال قسطًا من الراحة. أما قدر، فقد كانت منهمكة جدًا في ترتيب زفافها الذي هو غدًا.
حينما استيقظ رازي، وجد الجميع مشغول والقصر يعج بالضوضاء. يكره الضوضاء جدًا. دلف إلى مكتبته لينعم بالهدوء ويغوص وسط الكتب وما بها من عوالم رائعة تأخذه في رحلة خيالية رائعة.
انتهت قدر تقريبًا من كل الإعدادات للزفاف. ألقت نفسها على الفراش وكأنها لم تنم منذ سنوات. استغرقت في النوم. نام الجميع وأصبح القصر هادئًا تمامًا.
وكانت قدر قد غطت في نوم عميق. سمعت خبطًا خفيفًا على باب غرفتها. بالكاد استطاعت أن تفتح عينيها. اعتدلت من نومها وقالت:
"مين؟"
سمعت صوتًا يهمس بهدوء:
"افتحي يا قدر، أنا رازي."
تحركت بسرعة ناحية الباب، فتحته، فركت عينيها لتتخلص من آثار النوم، وقالت بقلق:
"رازي، فيه حاجة؟"
قال هو مقلدًا نبرتها:
"أنتي لازم تصلحي غلطتك، أنا مش قادر أنام بجد، أنا خايف أنام لوحدي."
عقدت حاجبيها وقالت:
"غلطتي؟ أنا عملت إيه؟ وبتتكلم كده ليه؟ وإيه خايف دي؟"
تذكرت موقفًا مشابهًا لهذا حينما قرأت رواية رعب وخافت وقالت له يجب أن تصلح خطأك وتبقى معي. ظهرت ابتسامة على وجهها ورفعت حاجبها وعقدت ذراعيها أمام صدرها. وقالت:
"عايز إيه يا رازي؟"
دلف وأغلق الباب خلفه وقال برجاء:
"مش قادر أنام بجد، خليني أنام هنا الليلة دي."
قالت وهي ما تزال عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
"لا، روح أوضتك. إنت دلوقتي خطيبي، مش دا كان وعدك ليا؟ الراجل لازم يوفي بوعده."
اقترب منها أكثر وهمس:
"ده لو راجل عادي."
عقدت حاجبيها وقالت:
"أومال إنت إيه؟ سوبر مان؟"
قال بنبرة كادت حصونها تنهار أمامها وهو يحاوط خصرها:
"تؤ، أنا راجل عاشق."
ابتعلت لعابها وقالت:
"لا برضو، روح أوضتك."
قال بنبرة بريئة كطفل صغير:
"عشان خاطري خليني جنبك النهاردة."
تنهدت وقالت مستسلمة لرغباته:
"هاسمحلك تنام بس تقعد عاقل."
قال ببرأة:
"عيب عليكي."
ثم تمتم بما لم تسمعه:
"هو فيه حد يقدر يفضل بعقله قدام الجمال دا."
قالت هي بشك:
"بتقول حاجة؟"
تابع هو بنفس تمثيله للبرأة:
"بقول نبطل رغي وننام مؤدبين بقى، بكرة معانا يوم طويل."
هزت رأسها وقالت بابتسامة:
"صح."
تمددت على الفراش وسحبت الغطاء، دثرت نفسها جيدًا، لكنه استلقى بجوارها وشاركها الغطاء ليلتصق بها تمامًا. اتسعت عينيها وهي تقول:
"ابعد يا رازي بدل ما أطردك من الأوضة كلها."
قال وهو يقترب أكثر:
"وماله، هابعد أه."
قالت محذرة:
"لو ما بعدتش هاخرج أنا من ال..."
ابتلع باقي كلماتها في فمه حينما لم يترك لها مجالًا حتى للحركة، وكانت تلك المرة الثانية التي ينقض عهده لها ويتخطى أسوار قلعتها بدون استئذان.
***
في الصباح، كانت قد وصلت فاطمة مع إلياس لتشارك قدر فرحتها. ألقت حقيبة يدها بإهمال على الأريكة في الرواق واندفعت للأعلى. فتحت باب غرفة قدر بدون استئذان، وقد تجمدت مكانها حينما وجدت رازي بجوارها يحتضنها وينامان في سلام. ابتلعت لعابها ومعالم الصدمة تحتل ملامحها. أغلقت الباب مرة أخرى وما زالت لا تستوعب ما رأته عيناها.
همست:
"وأنا اللي فاكرة فيك مؤدب يا رازي، نايم كده من غير التيشيرت."
تحركت عينيها يمينًا ويسارًا تتأكد أن لا أحد يراقبها. وقالت بنبرة خبيثة:
"مافيش مانع أختطف نظرة سريعة."
انحنت وظلت تنظر إليهما من فتحة باب الغرفة. خبط إلياس على ظهرها. لم تنظر إليه وقالت:
"ششش، دقيقة بس عايزة أتفرج."
همس بجانب أذنها:
"تتفرجي على إيه؟"
انتفضت واقفة ما إن سمعت صوت إلياس. نظرت بتوتر وهي تقف أمام الباب خوفًا منها أن يفتح إلياس الباب. قالت بتلعثم:
"ها، لا أبدًا مافيش. أنا بس كنت بطمن قدر نايمة لوحدها ولا لأ."
رفع إلياس حاجبه وقال:
"لوحدها؟"
أسرعت تصحح:
"قصدي نايمة ولا صاحية."
هز إلياس رأسه وقال:
"تمام، وأنا هاروح أصحّي رازي."
صرخت:
"لااااا، رازي لا!"
نظر إليها بشك وقال:
"فاطمة، هو فيه حاجة؟ مش على بعضك كده ليه؟"
قالت بتوتر:
"أنا فعلاً تعبانة، تعالى نتمشى شوية في الجنينة."
ابتسم لها وقال:
"زي ما تحبي."
تنفست الصعداء وهي تزيح قطرات العرق من جبينها وهمست:
"وقعتك سودة يا قدر."
***
في المساء، كانت قد انتهت قدر من ارتداء فستان زفافها، والآن تضع اللمسات الأخيرة، وفاطمة معها في كل لحظة.
قالت فاطمة وهي تلوي فمها بعدما خرجت مصففة الشعر:
"بت إنتي، أنا شوفت حاجة في الصبح مش قادرة أتخطاها. إنتي فرطتي في شرفك يا بت!"
اتسعت عينا قدر من الصدمة وقالت:
"إيه؟ شرفي إيه؟ رازي دا جوزي."
أكملت ببرأة وهي تقول:
"وهو قالي عايز أنام جنبك النهاردة."
قالت فاطمة:
"اسمعيني كويس يا بت، خدي نصيحة من أختك الكبيرة. ما تبقيش سهلة المنال كده. خليكي تقيلة زيي كده. إيه اللي عايز ينام جمبك؟ نام يا رازي. لا، مش حلوة منك دي. اتعلمي مني، ده أنا ماشية إلياس على العجين ما يلخبطهوش."
كان إلياس يمر بجانب الغرفة وكان باب الغرفة مواربًا. سمع فاطمة، ابتسم وقال:
"بقى كده طيب يا فاطمة."
صدح بصوت جوهري:
"فاطمة، يا طماطم."
اتسعت ابتسامتها وركضت نحو خارج الغرفة وهي تقول بصوت رقيق:
"نعم يا إلياس."
همس هو بنبرة ساحرة:
"وحشتيني."
احمرت خجلًا ونظرت للأسفل. كانت قدر تتابع وهي رافعة حاجبها لأعلى.
أكمل إلياس بتهكم:
"مين بقى دلوقتي اللي ماشي على العجين يا فاطوم؟"
ضحكت قدر، أما هي فقد اتسعت عيناها من الصدمة. ضحك إلياس وتركها وغادر.
قالت قدر وهي تضحك بسخرية:
"السيطرة والتقل هيفوتوا من عينك. امسكي نفسك كده، ده أنتي كنتي هتقعي مننا."
قطع كلامها دخول رازي وهو يرتدي بذلة رائعة سوداء وقميص أبيض ورابطة عنق بيضاء. نظر رازي إلى قدر وكأنه يراها لأول مرة. ثبت ناظره عليها لبرهة ثم نطق:
"ما شاء الله، تبارك الرحمن. اللي يشوفك كده ما يقدرش إلا يذكر الله اللي خلق وأبدع."
نظرت إلى أسفل وقد احمرت وجنتيها من الخجل، وبجوارها فاطمة تخرج فراشات من عينيها.
مسك رازي يد قدر وقبلها.
قالت فاطمة بصوت مخدر لا يتناسب مع الجملة التي قالتها:
"ممنوع العريس يشوف العروسة إلا لما تجهز خالص. أخرج يا رازي."
نظر إليها وعقد حاجبيه على تلك النبرة وهمس لقدر:
"مال فاطمة؟"
قالت قدر وهي تضحك:
"معلش، أصل لسه واخدة جرعة وحشتيني من إلياس مخليها متخدرة."
ضحك رازي ودلفت رغد الغرفة وهي تقول:
"يلا يا رازي بيه، اطلع، ما ينفعش تشوف العروسة قبل ما تجهز."
خرج رازي. وبعد مرور وقت، بدأ القصر يكتظ بالمدعوين.
كانت قدر حزينة وهي تقول لفاطمة:
"كان نفسي يكون فيه حد من عيلتي ياخدني يسلمني لعريسي."
دلف إلياس وهو يقول:
"وأنا مش أخوكي يا قدر؟ أنا اللي هاسلمك لعريسك."
قال رازي قاطعًا كلامهما:
"أنا اللي هاخد قدر وننزل سوا، مش كده يا قدر؟ أنا عيلتك صح."
ابتسمت وقالت:
"إنت كل عيلتي يا رازي، والياس أخويا اللي مافيش أحن منه في الدنيا كلها."
تأبطت ذراع رازي وهبطوا جميعًا إلى الحديقة. كان مهاب قد وصل للتو ومعه هاجر. وصل رازي وقدر منتصف الحديقة وحاوطهما إلياس ومهاب وفاطمة وهاجر ورغد، وبدأوا في الرقص على الموسيقى الهادئة.
همست له قدر:
"أنا مش بعرف أرقص سلو."
همس لها:
"طب سيبي نفسك ليا."
رفعها رازي قليلاً عن الأرض، بدأ يتحرك بها بخفة ورشاقة وكأنها فراشة بين يديه.
كانت رغد تحمل كاميرا تعرض الفرح بالبث المباشر لمايا. كانت مايا تعتصر من الغيرة والحقد عندما رأت رازي يحتضن قدر ويتراقص بها.
ابتعدت رغد وبدأت توزع المشروبات المنعشة للمعازيم، وبدأت أجواء الفرح تشتد بهجة.
مال رازي على أذن قدر وهمس لها:
"أنا هانفذ لك أمنية كنت شفتك كتباها في الرواية اللي قرأتيها."
عقدت حاجبيها وقالت:
"أمنية إيه؟"
غمز لالياس فأخرج إلياس جوكي من الحظيرة. حمل رازي قدر وركب الحصان وانطلق تحت أنظار الجميع وهو يقول لها:
"مش كنتي عايزة فارس يجي يخطفك على حصانه الأبيض؟"
شهقت هي عندما حملها وقالت:
"إنت بجد مجنون يا رازي."
صرخ هو غير آبه بالجمع وهو يقود الجوكي بأعلى سرعة:
"أنا مجنون بيكي يا قدر."
لف بها والجميع ينتظر قدومهم على أحر من الجمر. وأخيرًا عادوا.
بدأ الوقت يمر إلى أن انتهى الزفاف. لم يتبق سوى أفراد العائلة ورغد.
أتت رغد حاملة معها حامل معدني به مشروبات وقالت:
"لازم نشرب العصير احتفالًا بالعرسان."
قال مهاب وهو ينظر في ساعة يده:
"أنا لازم أرجع هاجر عشان أبوها ما يعرفش إنها هنا."
خرج هو وهاجر. بدأ الباقي يرتشف العصير. لم تكن فاطمة معهم. سأل إلياس رغد قبل أن يرتشف عصيره:
"فاطمة فين؟ من حوالي نص ساعة مختفية."
أجابت رغد بصراحة:
"مش عارفة."
تحرك ليبحث عنها. أسرعت رغد وقالت:
"طب اشرب العصير."
نظر إلى العصير وقال:
"هاشرب أنا وفاطمة."
ذهب للبحث عنها. أما رازي، فقد ارتشف العصير على جرعة واحدة ليأخذ قدر ويصعد غرفتهم. حملها واتجه إلى المصعد وهو يقول:
"البيت بيتكم يا جماعة، نجاملكم في الأفراح إن شاء الله."
ضحك الجميع وصعد رازي إلى غرفته التي كانت مزينة بالورود. وضع قدر على الفراش، قبل رأسها وأغلق باب الغرفة.
رواية ندبات قدر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم الشيماء مسعد
بدأ الوقت يمر إلى أن انتهى الزفاف، لم يتبقى سوى أفراد العائلة ورغد.
أتت رغد حاملة معها حامل معدني به مشروبات وقالت:
"لازم نشرب العصير احتفالا بالعرسان."
قال مهاب وهو ينظر في ساعة يده:
"أنا لازم أرجع هاجر عشان أبوها ما يعرفش إنها هنا."
خرج هو وهاجر.
بدأ الباقي يرتشف العصير. لم تكن فاطمة معهم.
سأل إلياس رغد قبل أن يرتشف عصيره:
"فاطمة فين؟ من حوالي نص ساعة مختفية."
أجابت رغد بصراحة:
"مش عارفة."
تحرك ليبحث عنها.
أسرعت رغد وقالت:
"طب اشرب العصير."
نظر إلى العصير وقال:
"هشرب أنا وفاطمة."
ذهب للبحث عنها.
أما رازي فقد ارتشف العصير على جرعة واحدة ليأخذ قدر ويصعد غرفتهم.
حملها واتجه إلى المصعد وهو يقول:
"البيت بيتكم يا جماعة، نجاملكم في الأفراح إن شاء الله."
ضحك الجميع.
دلف إلياس غرفة فاطمة وجدها تبكي وملامحها متألمة.
قال بقلق:
"فاطمة مالك؟"
قالت وهي تعتصر بطنها من الألم وتشعر بالإحراج:
"بطني وجعاني شوية."
قال بلهفة:
"طب تعالي نروح المستشفى."
ردت باندفاع:
"لا لا مفيش داعي، أنا هكون كويسة."
دقت سناء الباب وقد كان مفتوحًا، كانت تحمل كوبًا من مشروب الأعشاب الدافئ.
حين رآها إلياس فهم سبب آلامها.
خرج إلى غرفته وعاد مرة أخرى وهو يحمل بعض الأقراص المسكنة.
قال لها:
"خدي المسكن ده هتتحسني."
أخذته منه بحرج وابتعلت قرصًا منه.
وجلس بجوارها وأعطاها كوب ماء وبدأ يترقب هل أصبحت بخير أم ما زالت تتألم.
كانت تشعر بالخجل.
حاول هو أن يخفف حدة خجلها وقال بصوت دافئ:
"كنتي زي القمر النهاردة في الحفلة."
ابتسمت له ولم تعلق على كلامه.
أكمل هو:
"أنا مش مصدق إنك قاعدة معايا بندردش في وقت زي ده، تعرفي إحنا لازم نتجوز في أسرع وقت، أول مرة أحس إني مش عايز الليل يخلص."
قالت هي بخجل لم يعهده بها:
"وأنا كمان."
ابتسم وقال:
"بقيتي أحسن دلوقتي."
هزت رأسها بحماس.
ابتسم هو وقال:
"طب الحمد لله."
مر الوقت سريعًا ولم يدري كم الوقت الآن.
فجأة سمع إلياس صوت خبط بالأسفل.
عقد حاجبيه وقال:
"إيه الصوت ده؟ فيه حد تحت؟"
قالت فاطمة بخوف:
"الساعة ٣ بالليل، مين هييجي القصر في الوقت ده؟"
ضحك إلياس وقال:
"يا جبانة، استني هانزل أشوف فيه إيه وأجي لك."
قالت فاطمة برعب:
"بالله عليك يا إلياس ما تتأخر."
هز رأسه بابتسامة وقال:
"مستحيل أتأخر وأسيب فرصة إني هقعد أدردش معاكي الليل كله."
***
بعد مرور وقت طويل.
بدأت قدر تستيقظ، أحست بثقل على جسدها.
فتحت عينيها بالكاد، وجدت نفسها ما زالت بثوب الزفاف وهو الشيء الثقيل الذي كانت تشعر به.
رأسها يؤلمها كثيرًا.
فركت عينيها ونظرت في أرجاء الغرفة، وفجأة صرخت واتسعت عينيها من الصدمة.
وجدت ممدوح يجلس بجوارها وعلى وجهه ابتسامة انتصار.
***
أصبحت أرضية القصر ملطخة بالدماء وكل أبوابه مفتوحة والستائر تتحرك مع نسمات الهواء الهوجاء.
الأنوار مضاءة ولا صوت يعلو سوى صوت الصمت القاتل.