تحدث عزيز بصوت حاد وصارم. ـ قصدك حد زيي كده مثلا صح؟ فزع الجميع من وجوده وتدخله في الحوار، وعلموا أن الموضوع لن يمر مرور الكرام. نظر عزيز للجميع وتحدث بغضب. ـ إيه المسرحية حلوة ومطوّلة وعايزين تعرفوا آخرها صح؟ ثم نظر لذلك الموظف.
ـ طبعًا فاكر نفسك الواد الجامد اللي لما تقولها الكلمتين الهبل اللي أنت قلتهم دول تقول لك لأ عيب، وأنا موافقة ارتبط بيك عشان خاطر تثبت لك إن ما فيش حاجة بيني وبينها. ماشي بمبدأ فيها لا أخفيها صح؟ طيب أنا عايز أقول لك بقى يا أفندي يا محترم إنك ملكش غيري مرتبطة بيه. اتحوزت، اطلقت، أنت مالكش دعوة. أنت هنا محامي تحت التدريب، ومن اللحظة دي اعتبر نفسك مطرود من التدريب، وأحلى ريفيو عنك هيتعمل من بكرة. عارف ليه؟
لأنك محامي فاشل واستغلالي. ولو واحد جالك ممكن تبيع قضيته للخصم أو تساومه بعد كده. إذا كنت أنت حاولت ابتزاز زميلتك، هتعمل إيه مع الغريب؟ صمت مرة أخرى، ونظر بعدها للجميع. ـ شغل اللت والعجن ده بره المكتب. المكتب هنا للشغل والقضايا والعملاء، أنتوا فاهمين. محدش له علاقة بحياة غيره. خلوا التخمينات دي وتشغيل الدماغ ده لقضاياكم. ولو سمعت بعد كده حد بيحشر نفسه في حياة غيره بطريقة غير لائقة، ما يلومش غير نفسه.
حاول المتدرب الحديث معه والاعتذار له مرة أخرى، لكنه رفض ودلف لغرفته وأمر رحيل أن تتبعه. دلفت رحيل خلفه. وظل باقِ العاملين، منهم من ذهب لمباشرة عمله، ومنهم من يحاول مواساته، ومنهم من يوبخه، ومنهم من رأى أنه غلطان وعليه أن يتحمل نتيجة خطأه. داخل المكتب، ظل عزيز يتنقل في المكتب ذهابًا وإيابًا، ثم توقف ونظر لرحيل بعصبية. ـ أنا عايز أفهم، اديني سبب واحد يخليكي ملطشتيهوش بلقم ووقفتيه عند حده، سبب واحد بس.
لأول مرة ترى رحيل عزيز بتلك العصبية، دائمًا تراه صارمًا هادئًا. خشيت رحيل أن تتحدث، إلى أن وجه لها سؤاله، فجمعت شتات نفسها وأجابته. ـ محبتش إن الموضوع يكبر، وأنا رديت عليه الرد المناسب. ـ ده المناسب من وجهة نظرك؟ واحد عايزك تتصاحبوا، وتقولي لي رديت عليه؟ أقل حاجة كنتي فتحتي له راسه، مش تقوليلوا ما يشرفنيش. ـ حضرتك أنا محامية، مش بلطجية.
ـ رحيل، أنا وأنتي عارفين كويس إن مش كل الناس ينفع معاها القانون. أوقات بنحتاج نجيب حقنا بإيدينا. مش معنى إني محامي إني أحط راسي في التراب زي النعام. أنا آه محامي، أغلب القضايا عندي دولية، بس في الأول والآخر محامي. وياما قابلت ناس عارفين القانون زي أكبر محامي، وواكلين حقوق الناس، ووقتها بنجيب حقوقهم بالحيلة. صمتت رحيل، فهو محق في حديثه. *** في الجهة الأخرى، كان حجازي يجلس في منزله يشاهد التلفاز.
دلفت إليه مها وبيدها إحدى المشروبات، وكانت ترتدي منامة حريرية باللون القرمزي. قامت بوضع المشروب أمامه وجلست بجانبه. تجاهل حجازي وجودها وأكمل مشاهدة التلفاز. ـ حجازي، هنفضل كده كتير؟ إحنا عرسان جداد. ـ المطلوب أعمل لك إيه يعني؟ أعدي اللي عملتيه ده كده بالساهل وكأن ما فيش حاجة حصلت؟ ـ بص لي يا حجازي، أنا أهو مها اللي أنت شفتها وعرفتها قدامك أهو، صح؟ ووعد مني مش هتشوفني غير كده. وغير كده ليه تشمت فينا بنت عمك؟
أنا شايفة في عينيها نظرات شماتة ناحيتك. ليه توصلها لكده؟ ليه عايزها تقول يستاهل اللي بيحصله؟ أنا هفضل قدامك مها اللي أنت حبيتها وأعجبت بيها. هتنام، هتصحى على نفس الوش ده، اتفقنا؟ ـ سيبيني أفكر يا مها. ثم قام من جانبها. ـ رايحة فين؟ أنا لسه عروسة، خليك معايا. ـ سيبيني دلوقتي يا مها أفكر، وما ترنيش عليا، أنتِ فاهمة؟ أنا هاجي لوحدي. ثم تركها وذهب لأحد القهاوي ينتظر صديقه. كان يجلس حجازي ويبدو على وجهه الغضب.
اقترب منه كريم وجلس أمامه. ـ مالك يا حجازي، في إيه؟ ـ شوفت اللي حصلي. ـ حصلك إيه؟ مش أنت امبارح كان فرحك على البنت اللي حبيتها؟ ـ حبيتها إيه بقى؟ أنا كنت فاكرها حلوة ودلوعة كده. ـ امال حصل إيه؟ مش ده اختيارك؟ ـ عارف يا كريم، أنت شكلك أحلى منها. صمت كريم بعض الوقت ثم انفجر في الضحك. ـ أنت بتقول إيه؟ ـ هتضحك؟ مش هكمل. ـ لأ خلاص، أنا آسف. كمل. ـ كل حاجة طلعت صناعي، شعر، عيون، حتى لون البشرة. تصدق؟
ـ منا قولت لك من الأول، أنت كان معاك جوهرة، مصدقتنيش يا حجازي. الناس اللي بتشوفها في التلفزيون دول وعلى النت والتيك توك، كل دول فلاتر وميك أب. أنت مش بتتفرج على الفيديوهات؟ الراجل فيها بيحول نفسه لست، واستحالة تفرق بينه وبين أي ست. خلاص، أنت اخترت، ارضى بقى بالأمر الواقع. ـ أنت عارف اللي مصبرني عليها إيه؟ ـ إنها كانت مديرة مكتب عزيز المراكبي؟
تخيل بقى لما يتنشر خبر إنها سابته عشان تبقى معايا أنا. شوف ده هيدي ثقة لعملائك قد إيه إنهم يجولك. ـ يعني انت أصلاً واخدها مصلحة؟ أنا بصراحة مش عارف أقولك إيه. ربنا يهديك، بس بلاش تتعشم كده. عزيز عمل اسمه بنفسه، مش موظف اللي عمله اسم. ـ بقولك إيه، كلنا محامين وعارفين اللي فيها. هو حافظ القوانين وبيحطها في مكانها، بس كده. ـ أنت حر، بس دماغك يا صاحبي مش حلوة وهتجيبك ورا. افتكر كلامي ده.
صمت حجازي، فهو لا يعجبه آراء صديقه. ثم ذهب بعد ذلك للمنزل وقرر إعطاء مها فرصة أخرى. دلف للغرفة، وجدها تتصفح إحدى مواقع التواصل الاجتماعي. جلس بجانبها وأخذ الهاتف من يدها. ـ بصي يا مها، أنا موافق أديكِ فرصة تانية، بس عايزك كل الوقت عاملة الميكب هايز، أفضل شايفك حلوة. ـ اتفقنا. ـ آه، أنا كمان حجزت أسبوع مصيف كده عشان نغير جو، ظبطي نفسك بقى. ـ حاضر، ما تقلقش.
ـ وبعد ما نيجي من المصيف، هتنزلي تبدأي معايا شغل في المكتب. أنتِ كده كده ما وراكيش حاجة، فانزلي ساعديني بقى، تمام؟ ـ ماشي، ما فيش مشكلة. مر أسبوعان بدون أحداث جديدة، كانت خلالهما رحيل تتجنب مها وحجازي، اللذان يحاولان دائمًا أن يظهروا مدى سعادتهما. بدأ حجازي بعدها في نشر أخبار أن مساعدي عزيز المراكبي تركوه ليعملوا لديه.
بدأت الإشاعات تنتشر، ولكن لم يؤثر ذلك على العملاء الخاصين بعزيز، فهم على علم أن عزيز ليس لديه أي مساعدين. وصلت الأخبار لمكتب عزيز وتأكدوا حينها من كذب مها المتواصل، فهم على علم بوظيفتها الحقيقية، ولكن لم يعلموا سبب طردها من المكتب. ظل عزيز تاركًا وقرر الرد عليه بطريقة تناسبه. بينما رحيل اقتربت على الانتهاء من رسالتها، وذلك بفضل عزيز الذي دائمًا يباشرها ويوجهها.
علم الموظفون بالمكتب بهويتها، وأنها ليست مجرد متدربة، بل طالبة لديه وتحضر أيضًا الماجستير. بعد ذلك الخلاف، اقترب منها زملاؤها واعتذروا منها على سوء الفهم، ونمت بينهم علاقة زمالة. في ذلك الوقت، كان هناك زميل (محمود) نمت لديه مشاعر إعجاب نحو رحيل. شعروا من حولهم بذلك الإعجاب، ولكنهم تجاهلوه، لم يريدوا أن يتكرر ما حدث في السابق. *** كان عزيز يجلس في مكتبه ويفكر في رحيل. هل ستتركه بعد انتهاءها لرسالتها؟
هي أوشكت على انتهائها. لم داخله هذا الشعور بالقلق؟ هو لا يريدها أن تبعد عنه. هل لأنه اعتاد عليها؟ هناك الكثير في المكتب غيرها، لما هذه بالتحديد التي دائمًا يضع الأعذار ليراها ولتأتي لمكتبه؟ في ذلك الوقت، كانت رحيل تجلس في مكتبها ودلف عليها زميلها محمود. ـ رحيل، ممكن آخد من وقتك خمس دقايق؟ ـ حاضر، بس لحظة أرد على التليفون. أجابت رحيل على الهاتف، وكان عزيز يتصل. ـ الو، رحيل، شوفي عندك ملف قضية (..... . تمام، لحظة.
ثم وضعت الهاتف على سطح المكتب لتبحث داخل مكتبها في وسط الأوراق على ذلك الملف. في نفس الوقت، ظن محمود أنها أغلقت الهاتف وتحدث معها بأريحية. ـ بصراحة يا آنسة رحيل، أنا معجب جدًا بيكي بقالي فترة، وأنا نيتي كويسة، وكنت عايز أقابل ولي أمرك أطلبك منه لو أنتِ موافقة طبعًا. سمع عزيز ذلك الحديث ووقف من مكتبه وتوجه مباشرة لمكتب رحيل. لم يفكر لحظات عن سبب تلك العصبية والغيرة التي نمت بداخله.
ظلت رحيل تنظر لمحمود بصدمة، لا تعلم بماذا تجيب. رنت الهاتف والملف، وظلت تنظر إليه. في نفس اللحظة، دلف عزيز إلى مكتب رحيل بخطوات سريعة، عيناه تتطلعان إلى محمود الذي كان يقف أمام مكتب رحيل، وجهه يعبر عن دهشة واضحة. قبل أن يتسنى لمحمود أن يتفوه بكلمة، قطع عليه عزيز الحديث بصوتٍ حاد: ـ أنت واقف هنا بتعمل إيه؟ ـ أنا جاي أتكلم مع رحيل في موضوع شخصي. ـ موضوع شخصي؟ وياترى إيه بقى الموضوع الشخصي ده؟ ـ عايز أخطبها.
ـ وده مش مكان لأي أحاديث جانبية. اتفضل على مكتبك، وأنتي يا أستاذة، هاتي الملف وتعالي ورايا فورًا. أحست رحيل براحة، إنه أخرجها من ذلك الموقف الذي وضعها به زميلها، فهي لا تشعر بمشاعر تجاهه ولا تفكر بالزواج حاليًا. قررت ترتيب حديثها ثم الرد عليه لاحقًا. أخذت رحيل الملف من أمامه وذهبت مسرعة لمكتب عزيز. وجدته يجلس على مكتبه وبيده القلم يطقطق به على المكتب.
دلفت رحيل المكتب فور دخولها. وقف عزيز واقترب منها خطوات هادئة باردة، ثم وقف أمامها وأخذ منها الملف وقبض بيده بقوة على ذلك الملف كأنه يخرج كامل غضبه به. شعرت رحيل بنظرات عزيز لها، لكنها لم تستطع التحدث وأومأت له برأسها بمعنى ماذا. تنحى عزيز جانبًا وأشار لها بالجلوس. ـ اتفضلي. ثم ذهب خلفها وجلس على المقعد المقابل لها. وتحدث وهو يصطك على أسنانه. ـ ده الملف اللي طلبته منك. ـ آه. ـ وأنتي البني آدم ده جاي عايز يخطبك؟ ـ آه.
ـ وأنتي رأيك إيه؟ ـ بفكر. ـ نعم؟؟؟ ـ بفكر أرد أقوله إيه. ـ ما تفكريش. ـ نعم؟؟؟ ـ بقولك ما تفكريش، وما ترديش عليه أصلًا. ـ حضرتك بتقول إيه؟ ـ اللي سمعتيه. ـ طيب هو منتظر ردي، ما يصحش. ـ لأ يصح، أنا اللي هرد عليه. ـ طيب معلش في السؤال، حضرتك هترد عليه بصفتك إيه؟ ياترى هيرد بصفته إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!