ظلوا جالسين في الاستراحة، وأثناء انتظارهم رن هاتف رحيل. نظرت رحيل للهاتف وجدت رقم عزيز، شعرت بتوتر. ذهبت رحيل لمكان بعيد نوعاً ما وأجابت على الهاتف. "السلام عليكم." "وعليكم السلام. وصلتي البيت؟ "آه بس روحت المستشفى بعد كده." "ليه؟ حد تعبان ولا إيه؟ "حجازي عمل حادثة كبيرة أوي ولسه خارج من العمليات." "وهو عامل إيه دلوقتي؟ وإيه سبب الحادثة؟
"خبط في عربية تانية وعربيته اتقلبت، وركبوا له مسامير وشرايح في رجله. ولما يفوق هيحددوا حالته إيه." "ربنا يشفيه ويصبر أهله." "أنا عمي صعبان عليا أوي هو ومراته." "ربنا يصبرهم يارب. طيب انتي ما تغديتيش طبعاً." صمتت رحيل، فهي لم تأكل شيئاً من الصباح. "انتوا في مستشفى إيه؟ "ليه؟ "بسأل عادي." "في مستشفى... "طيب تمام. لو احتاجتي حاجة كلميني." "حاضر. مع السلامة." "مع السلامة."
ارتدى عزيز ملابسه مرة أخرى وذهب لإحدى المطاعم واشترى منها وجبات جاهزة عبارة عن مشاوى وسلطات، ثم ذهب بهم للمستشفى. وبعد ذلك ذهب لمكان جلوس رحيل وعمها. اقترب منهم، فنظروا له جميعاً في دهشة، إلى أن تحدث: "مساء الخير." "مساء النور." "أنا عزيز. انتوا اتعرفتوا عليا قبل كده. عرفت من رحيل إن حصلت حادثة لحجازي، فجيت بنفسي أطمئن عليه. وعارف طبعاً إنكم أكيد هتنسوا تاكلوا، فجبتلكم أكل معايا."
نظروا له بدهشة من سبب وجوده. وشعرت رحيل بخجل وتوتر كبير، فهو لم يخبرها بما نوى أن يفعله، لما يضعها في موقف كهذا في ذلك الوقت. اقتربت منه رحيل: "شكراً أوي يا دكتور عزيز. تعبت نفسك معانا." "لأ ولا تعب ولا حاجة يا رحيل." تحدثت والدة حجازي: "مكنش له داعي تتعب نفسك، محدش له نفس ياكل." "لأ طبعاً لازم تاكلوا كويس وتهدوا نفسكم قبل مايفوق عشان حاله النفسية. مش هقبل أعذار. اقعدوا كلوا يلا."
جلسوا جميعاً، حاولوا الطعام ولكن لم يستطيعوا، فقط استطاعوا أن يتذوقوا الطعام. لاحظ الجميع اهتمام عزيز المبالغ برحيل، ولكن لم يكن وقته للحديث في أمور جانبية، عليه أولاً أن يطمئن على ابنه. تعمد عزيز أن يتعامل بتلك الطريقة ويثبت اهتمامه برحيل حتى يمنع أي نوع من الضغط على رحيل حتى تعود لحجازي، ويبني لما هو قادم ويصبح زواجهم أمر واقع. فهو تحدث مع صالح وأخبره بما حدث داخل المكتب.
بعد فترة قصيرة، خرجت إحدى الممرضات وأبلغتهم أن المريض فاق ويريد أن يتحدث مع أهله، وسيسمحوا لهم بالزيارة لمدة عشر دقائق. دلفوا جميعاً لغرفة العناية ووقفوا أمام سرير حجازي. نظر حجازي للجميع وتحدث: "أنا كويس، ماتقلقوش. هي فين رحيل؟ اقتربت رحيل منه: "أنا أهو." "ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟ "اتكلم يا حجازي، مافيش حد غريب." "رحيل أنا عايزك تسامحيني. ربنا جابلك حقك مني بزيادة."
"مالوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا حجازي، انت ابن عمي في الأول والآخر." "ابن عمك بس؟ هنا تحدث عزيز: "آه طبعاً ابن عمها. وربنا هيعوضها بكل خير." نظر حجازي لعزيز وقد فهم ما يرمي عليه، وفهم لماذا لم تريد رحيل أن تتحدث معه بمفردها، وفهم الجميع سبب مجيء عزيز في هذا الوقت، فهو يريد أن يثبت وجوده. اطمأن الجميع عليه، ودلفت الممرضة طلبت منهم أن يخرجوا من الغرفة فقد انتهى وقت الزيارة.
طلب حجازي من الممرضة أن تترك زوجته، فهو يريدها في أمر مهم. وافقت الممرضة وتركت لها عشر دقائق أخرى. اقتربت مها وجلست بجانب التخت الذي يتسطح عليه حجازي: "ألف سلامة عليك يا حجازي." "من قلبك يا مها." "آه من قلبي يا حجازي. أنا معنديش مشكلة معاك، انت اللي عندك مشكلة معايا عشان شكلي، رغم إن شكلي مش وحش." "وبرضه ماعندكيش مشكلة معايا دلوقتي بشكلي ده؟ واحتمال يبقى عندي مشكلة في رجلي وهتبقى مشكلة مدى الحياة."
"ماعنديش يا حجازي مشكلة. كل اللي طالباه منك إننا نتعامل مع بعض كزوج وزوجة طبيعيين. لازم تفهم إن ربنا خلق لكل واحد شكل وميزة بحاجة. أنا لما بصيتلك حبيتك كده زي ما أنت. ما فضلتش أفصص فيك. الأول كنت معجبة بالمكتب والعربية، ولما قريت منك حبيتك كده. رغم إنك مش أكبر محامي ولا أشطر محامي ومش عندك قضايا كبيرة، كلها قضايا أي محامي تحت التدريب يكسبها من أول جلسة. ولا انت أجمل واحد في الدنيا، في أحلى منك على فكرة، بس أنا اتشديت
ليك. انت قلبي دق لك انت. وكنت بغير من رحيل لمجرد إنها على اسمك، رغم إني عملت حاجات وحشة واتكلمت عليها. بس سبحان الله بدون أي مجهود منها الحقيقة اتكشفت وحقها جالها مننا. عكسك انت اتجوزتني عشان شكلي وعشان أجيب لك عملاء من مكتب الأستاذ عزيز، صح؟
صمت حجازي، فهي محقة في حديثها معه، وهو تزوجها لهذه الأسباب. "حجازي لو هتوعدني إنك هتتغير، صدقني هقف معاك لحد ما ترجع زي الأول واحسن كمان. ها؟ قولت إيه؟ صمت حجازي يفكر في حديث مها، فقد ابتلاه الله بما كان يعايرهم به. فقد يصبح لديه إعاقة لمدى الحياة، عليه أن يستجيب لقضاءه وأن يأخذ العبرة مما حدث له. فهو في لحظة أصبح ربع وجهه مشوه، وقد يستمر هذا التشوه مدى الحياة.
خرجت مها من غرفة حجازي وقررت الذهاب للمنزل لأخذ قسط من الراحة، فهي تشعر بإرهاق شديد. اقتربت منهم ووجدت عزيز يتحدث مع والد زوجها. "طيب يا أستاذ ضياء، حضرتك محتاج حاجة مني؟ تحب أوصلكم للبيت؟ "لأ، وصل أم حجازي ورحيل ومها. وأنا هبات هنا مع حجازي."
"الدكتور قال طالما في العناية مش مسموح لحد إنه يبات. أنا مش حابب أتدخل، بس لو تحب تاخد رأيي، انتوا كلكم محتاجين تروحوا في البيت تاخدوا قسط من الراحة عشان حجازي هيكون محتاجكم كلكم الفترة الجاية." تحدثت مها مؤكدة على حديث عزيز: "أستاذ عزيز عنده حق يا عمي. حجازي هيحتاج مننا مجهود كبير، وخاصة لما يرجع البيت. وغير كده، طول ما هو في العناية هيرفضوا إن حد يشوفه." "خلاص يا عمي، يبقى نروح ونيجي كلنا بكرة."
وافق ضياء وزوجته على مضض، واتجهوا جميعاً لسيارة عزيز. فركب ضياء بجانبه، وفي الخلف مها ورحيل ووالدة حجازي. وصلوا جميعاً المنزل ونزلوا من السيارة. نظر ضياء لعزيز: "اتفضل يا أستاذ عزيز، اطلع اشرب حاجة." "مش وقته يا عمي، مرة تانية." "اتفضل اطلع يا أستاذ عزيز اشرب حاجة ونتكلم شوية مع بعض، مايصحش توصل لحد هنا ومتطلعش." صعدوا جميعاً لمنزل ضياء. وصعدت مها لشقتها وأخذت حمام دافئ وخلدت بعدها لنوم عميق.
في الأسفل، جلس عزيز برفقة ضياء داخل الصالون. ودخلت رحيل المطبخ تجهز إحدى المشروبات لهم. تحدث ضياء موجهاً حديثه لعزيز: "أنا سمعك." ابتسم عزيز، فهو لم يكن ينوي أن يتحدث معه اليوم نظراً لحالة ابنه، ولكنه من بدأ. حسناً، ليستغل الفرصة. "مش وقته عشان الظروف وكده."
"بص يا ابني، رحيل مش بنت أخويا، رحيل تبقى بنتي من لحمي ودمي. بنت أخويا يعني بنتي. وأبوها سابها لي أمانة. أوى تكون فاكر إن معزتها عندي أقل من ابني، تبقى غلطان. ويهمني أطمن عليها زي بالظبط ما يهمني أطمن على ابني." "بصراحة يا عمي، أنا بحب رحيل وعايز أتقدملها رسمي وأجيب والدي. ولولا الظروف اللي حصلت انهاردة، كنت جبت والدي وجينا اتقدمنالها." "تمام، معنى كلامك إن والدك موافق؟ "آه طبعاً. أنا كلمته انهاردة وبلغته."
"تمام يا بني. أنا هسأل رحيل عن رأيها وأرد عليك." "وأنا جاهز في أي وقت. عن إذنك، مضطر أمشي، وعشان كمان تلحقوا ترتاحوا." خرج عزيز من منزل ضياء وقام بالاتصال برحيل، التي أجابت عليه فور اتصاله. "أستاذ عزيز." "نعم؟ بتقولي إيه؟ "إيه؟ أستاذ عزيز." "رحيل، هو إحنا في محكمة؟ بتقوليلى أستاذ؟ "طيب دكتور." "لأ، إحنا مش في الجامعة." "طيب أقولك إيه؟ "حبيبي، قلبي كده يعني." "نعم." "لأ، مانتي لازم تتعودي بقى."
"صعب أوي، لأ مش هينفع. بص هقولك يا عزيز. حلو؟ "خلاص. مش هقولك. قولت لعمك إيه؟ ولا اتفقنا على إيه؟ "إيه ده؟ هو انت كلمته؟ "آه طبعاً." "بس انت شوفت الظروف. وبصراحة أنا استغربت. انت عملت كده ليه؟ "أنا عارف أنا عملت كده ليه. وكنت عايز أشيل من دماغهم فكرة إنك ممكن ترجعي لحجازي تاني ويلعبوا على عواطفك." "وهما هيعملوا ليه كده؟ ما حجازي متجوز."
"لأ، هو كان هيطلق مها انهاردة. ويمكن اللي حصل له ده درس عشان يتقي ربنا بعد كده في ولاد الناس." "إيه ده؟ وانت عرفت اللي حصل انهاردة منين؟ أنا لسه معرفتش حاجة." قص له عزيز ما حدث في مكتب حجازي. "معقول كل ده حصل؟ "آه والله. ولولا صالح كان حجازي سابها مرمية." "صحيح يا عزيز، باباك رأيه إيه؟ "اشمعنى؟ هو أنا اللي هتجوز ولا هو؟ "بجد مش بهزر، باباك رأيه إيه؟
"هقولك بعدين. يلا تصبحي على خير. وتقدرى تاخدى بكرة إجازة وتريحي شوية. اتفقنا؟ وأنا هكلمك تاني أطمن عليك. بكرة." "ماشي." "سلام يا روحي." أغلقت رحيل الهاتف دون أن تجيبه، فهي أصبحت تشعر بخجل من حديثه معها، فهي لم تتوقع أن يقول حجازي مثل هذا الحديث. ياترى رد فعل عزيز إيه لما يعرف إن رحيل كانت زوجة على الورق فقط؟ وهل حجازي هيتغير هو ومها، وهل هيحاول مرة تانية مع رحيل، ولا هو شاف وقت الندم فات وعليه أن يتقبل الأمر الواقع؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!