أعطاها الأمل الأكبر في حياتها، بعد مرور يوم واحد، أخذه مرة أخرى ليعيده إلى مكانه وكأنه لم يعطيه إليها. في تلك اللحظات، كان هناك رجل يقف على سطح منزل في الناحية الأخرى لهم، بعيدًا قليلًا عن مرمى عينهم، يأخذ لهم بعض اللقطات التي تظهر بوضوح. وربما أكثر قليلًا بعد أن أخذها بزوايا معينة تُرضيه وتُرضي من سيراهم غيره. ابتسم من زاوية فمه بخبث، ثم وضع الهاتف داخل جيبه وعاد مرة أخرى من حيث أتى.
عاد جاد بنظره إليها، وهناك سؤال بداخل عقله يلح عليه أن يطرحه إليها ويعرف إجابته، ولكنه يخاف أن يأتي بحديث آخر ويستمر هنا. اعتدل بوقفته وتحدث قائلًا بنبرة رجولية هادئة: "أنتِ رفضتي مسعد ليه؟ ابتسمت بسخرية وذهول حل عليها بعد هذا السؤال الذي يُجيب على نفسه أمام أي شخص عاقل. أردفت قائلة بتساؤل: "يعني مش عارف؟! "أحب أعرف أسبابك." استدارت ووقفت أمام السور تنظر إلى الخارج، وبدأت بالحديث عن الأسباب التي تتوارى خلفها:
"لأنه أكبر مني، يمكن بخمسة عشر سنة أو أكتر مش عارفه. ولأنه متجوز تلاتة. ولأنه مش قريب من ربنا، بالعكس بيتاجر في حاجات ربنا يبعدنا عنها. ولأني عارفة هو عايز يتجوزني ليه وعلشان إيه." استدارت بوجهها تنظر إليه بعمق متحدثة بلوعة حارقة: "والأهم من كل ده إني مش بحبه ولا بطيقه أصلًا. وأنا لا يمكن أتـجـوز واحد مش بحبه حتى لو السكينة على رقبتي." يتحدث بداخله الآن: هل يسعد أم يحزن!
لن تتزوج إلا شخص تحبه، سيسعد لذلك، وسيحزن لأنه لا يعلم من تُحب، وسيحزن لأن والده لن يتركه يفعلها إلا بأمر الله. ضيق ما بين حاجبيه بعد أن أعاد حديثه داخله، وقد وصل إليه سبب ومفهوم كل ما تحدثت به، ولكنه يريد أن يعلم هل ما وصل إليه صحيح! "أكبر منك ماشي، ده سبب مقنع. متجوز تلاتة بردو مفهوم. بعيد عن ربنا وبيتاجر في حاجات ممنوعة، طب ما جمال زيه؟!
بعد أن تلقت صدمتها منه ومن حديثه عن شقيقها، ابتسمت. ابتسمت بحزن يتغلغل داخلها لأجل شقيقها الذي تأخذه الحياة في طريق لن يعود منه إن فات الأوان. "جمال طيب وشخص كويس بس مغلوب على أمره، أو مش مغلوب، هو مش عايز يشتغل ويتعب نفسه. استسهل طريق مسعد وهو اللي عمل فيه كده. ضحك عليه وفهمه أن الدنيا وردي وإن الطريق ده كويس وسهل. ربنا يرده عنه قادر على كل شيء."
أبعد بنظره عنها ساحبًا نفسًا عميقًا، ثم نظر إليها مرة أخرى دون تردد قائلًا بجدية شديدة: "السبب اللي قبل الأخير، مسعد عايز يتجوزك ليه؟ داخلها يعلم الإجابة التي أحرقته عندما تعرف عليها وتخيلها تحدث. داخله يشتعل بالنيران الثائرة، داخله يحاول إبعاد الأفكار السيئة هذه عن عقله، ولكنه لا يستطيع ويريد التأكد منها هي ليعلم إن كان هناك سبب آخر!
نظرت إليه بتوتر وقد احمر وجهها خجلًا وضيقًا من سؤاله الغريب، والذي لن تستطيع الإجابة عنه وهو يعرف ذلك جيدًا. إذًا لما سألها؟! "عن إذنك." ذهبت من أمامه سريعًا متجهة إلى باب السطح لتهبط إلى الأسفل بعد أن ذهب الحديث بينهم إلى اتجاه آخر لا تفضله أبدًا.
"طب لو اتقدم لك واحد في سني، من الحارة مثلًا.. ومش متجوز، بيسمع من والدتك دايمًا أنه كويس، هو مش قريب من ربنا أوي بس على الأقل بيصلي وبيقرأ قرآن على طول يمكن كل يوم، وبياكل بالحلال وعايز يتجوزك علشانك أنتِ مش علشان حاجة تانية.. هتوافقي؟ ولا لازم تكوني بتحبيه؟ وقفت دون أن تذهب خطوة أخرى إلى الأمام عندما استمعت أولى كلماته. قلبها يدق بعنف، يرفرف من السعادة. أتبتسم؟ تفرح؟
تترك قلبها يصعد إلى السماء مرفرفًا مع الطيور من فرط السعادة. يتحدث عن نفسه صحيح! صحيح، مؤكد أنه يتحدث عن نفسه. ظلت هكذا لحظات أو ربما دقائق، لا تدري. تعطي إليه ظهرها والهواء يعبث بطرف حجابها من الخلف. أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما واستدارت تنظر إليه قائلة بهدوء وخجل اعتقادًا أنه يتحدث عن نفسه: "لو هو كده فعلًا، يبقى أنا أصلًا بحبه."
نظرت إلى داخل عينيه بعمق وهو يبادلها نفس النظرة بحب خفي بينهم هم الاثنين منذ زمن. ربما الآن فقط تبادلت القلوب الهمسات وبدأت شعرة الحب في الظهور. أخفضت نظرها عنه واستدارت تستكمل سيرها لتهبط إلى الأسفل والسعادة تلح عليها من كل جانب أن تتركها وتفتح لها الأبواب حتى تشعر بها وبحب عمرها. وهذا طلب صغير بالنسبة لما تشعر به الآن.
هبطت الدرج والدموع تخرج من عينيها فرحة، متمتمة داخلها بالحمد والشكر إلى الله معتقدة أن هذه إشارة التي طلبتها في دعائها. بينما جاد، بقي على السطح ينظر في أثرها بعد أن رحلت عنه ويفكر فيما فعله. هل توقعت أنه يتحدث عن نفسه أم أنه مجرد سؤال؟
يا الله، عقله سينفجر. لقد أوقع نفسه في مأزق بسبب سؤاله هذا، وسيكون أول توضيح يصدر منه تجاهها والمذنب الوحيد هو لأنه لا يدري ما الذي سيحدث في الأيام القادمة. فإن كانت فهمت ما رمى إليه، فسيتحمل الذنب لأنه جعل فتاة تتعلق به وهو الذي ترك زمام الأمور إلى والده يفعل ما يشاء وهو يرضى. *** اليوم التالي.
جلس جاد على المقعد الخشبي عكسيًا جوار باب الورشة مع ابن عمه سمير. كان يتحدث معه عما يفعله به والده هذه الأيام وعن ذلك القرار السريع الذي اتخذه دون موافقة جاد التامة. صاح جاد بصوت عالٍ ليجذب انتباه المارة وهو يتحدث مع عامل المقهى الشعبي: "عيسى.. اتنين شاي مظبوط في السريع." أردف سمير بخبث يعبث معه ويثير حنقه وهو ينظر إلى نافذة بيت الهابط الخاصة بغرفة هدير: "وايه المشكلة يا جاد لما يجبلك عروسة على مزاجه؟
مهو في الأول ولا في الآخر أبوك وعايز يعملك اللي متعملش لحد قبل كده." نظر إليه بحدة وكأنه يود أن يضع يديه الاثنين حول عنقه ولا يتركه إلا وهو جثة هامدة لأنه يعلم أنه يثير حنقه ويستفزه: "ولا عليا النعمة هلبسك الشاي اللي جاي ده في وشك وابقى وريني مين هتبصلك." ارتفع صوت ضحكات سمير بعد نظرة جاد الحادة الصارمة وحديثه إليه، وقد وصل إلى ما كان يريده هو أن يجعله يثور ويغضب.
مد يده كما فعل الآخر وأخذ الشاي من على الصينية التي كان يقدمها إليه عيسى عامل المقهى الشعبي. ارتشف منه بهدوء دون حديث، ثم بعد لحظات أردف قائلًا بجدية وعقلانية في الحديث: "بس صراحة اللي أنتَ عملته غلط مكنش ينفع تقولها كده." وضع كوب الشاي على الأرضية جوارهم بين المقعدين ونظر إليه قائلًا بضيق وانزعاج: "الله يرضى عليك يا عم سمير بلاش تعذيني في نفسي.. أنا عارف إني غلطان بس أهو اللي حصل." استرسل في حديثه بعد
أن زفر بهدوء وقال بيقين: "في الأول ولا في الآخر أنا راضي باللي ربنا كاتبه ومحدش يعرف يمكن على آخر لحظة تبقى ليا." ابتسم سمير بهدوء ناظرًا إليه متحدثًا بنبرة رجولية هادئة وسعادة داخله: "ياما نفسي أبقى زيك كده." ابتسم جاد وهو يوزع نظرة على المارة بالحارة، وتحدث قائلًا بنبرة رجولية جادة وحنونة في ذات الوقت:
"يوم ما تبقى رايد حاجة من قلبك وعارف إن ربنا بس اللي يقدر يحققها هتبقى كده. يوم ما تقرب من ربنا علشان تبقى أحسن ويبقى عندك إيمان وصبر هتبقى كده يا عم سمير." مر من أمامهم رجل في عمر الثلاثون تحدث بصوت عالٍ وهو يمر مشيرًا بيده بحركة تحية: "السلام عليكم، منور يسطا جاد، أهلًا يا عم سمير." رد عليه الاثنين السلام بابتسامة عريضة وأردف جاد قائلًا بترحاب وهو يشير إليه: "اتفضل يا باشا.. اتفضل يا عم محروس."
أجابه الآخر وهو يضع يده على صدره من الأمام مربتًا عليه بينما يسير مكملًا سيره بابتسامة ودودة: "يزيد فضلك يسطا جاد." ترك سمير كوب الشاي من يده بعد أن وقف على قدميه ووضعه على المقعد مكان جلوسه، وهتف بسخرية وتهكم قائلًا: "أنا ماشي يا عم أروح أشوف شغلي بدل ما أقعد أولول جنبك على حبيبة القلب." رفع جاد نظرة إليه على حين غرة بحدة جدية هذه المرة وكأنه يرفض أن تأتي بخلد أحد غيره: "ما تحترم نفسك يلا."
"ولا تحترم ولا أحترم أنا ماشي سلام." أردف جاد بضيق وانزعاج قائلًا بسخرية وهو يرفع الكوب إلى فمه: "في داهية." *** أتت رحمة بعد صلاة المغرب إلى منزل هدير لتخبرها ما وصل إلى مسامعها من والدتها. كانت تفكر بأن تخبرها عبر الهاتف ولكنها عادت مرة أخرى عن ذلك قائلة بأنها يجب أن تتواجد معها.
نظرت إليها هدير بقلق وريبة، فهي منذ أن أتت تتحدث بمواضيع شتى ليس لها علاقة بهم وتوترها يظهر عليها بوضوح وهي تعلم أنها لا تكون في هذه الحالة إلا عندما تكون تخفي شيئًا سيئًا. أردفت متسائلة بقلق بالغ وهي تنظر إليها بجدية شديدة: "أنتِ مش على بعضك وحاسة إنك مخبية عني حاجة، في إيه يا رحمة؟
ابتلعت رحمة ما وقف بحلقها ونظرت إليها بحزن شديد وهي تعلم أن هذا الخبر لن يكون هينًا على صديقتها التي احتفظت بحبها داخل قلبها لعله يُرزق بمن أحب. "بصراحة كده فيه." نظرت إليها بتمعن منتظرة منها أن تكمل حديثها وتخبرها بما حدث. وقفت رحمة على قدميها ثم أولتها ظهرها متحدثة بقلق وتردد: "جاد.. جاد هيخطب بنت عم مروان البرنس." "إيه؟! . أنتِ بتقولي إيه؟ وعرفتي منين الكلام ده… أكيد كذب يا رحمة ما أنا قولتلك اللي قالهولي امبارح."
كانت هذه كلماتها الحادة، بعد أن وقفت على قدميها هي الأخرى بعد استماع كلمات صديقتها عنه وعن أخرى غيرها وهو الذي بالأمس تحدث عنه وعنها! وأضاف إليها أملًا لم يكن موجودًا من الأساس وهو من زرعه، يود محوه بهذه السهولة؟ استدارت رحمة إليها قائلة بجدية مضيقة ما بين حاجبيها: "أنا دايمًا كنت بدعيلك لو شر ربنا يبعده عنك ولو خير يقربه وأهو بعد يا هدير يبقى شر.. احمدي ربنا."
وزعت نظرها عليها بصدمة وذهول تام، لا تستطيع الرد على حديثها الآن وعقلها يفكر بكيف ذلك وهو ألقى عليها كلمات يعلم أثرها جيدًا! "بس أنا كمان طلبت من ربنا إشارة أعرف بيها إذا كان بيحبني ولا لأ وهو أكد لي ده امبارح وبعدين ممكن يكون خبر كذب، أنتِ عرفتي منين؟ أجابتها رحمة قائلة بحزن وضيق وهي تضع يدها على ذراعها مربتة عليه بدعم:
"أمه يا هدير هي اللي قالت لماما النهاردة أن الحج رشوان اتكلم معاه امبارح وهيتجوز قريب واتفق معاه أنه يخطبله بنت عم مروان البرنس وأنا أول ما عرفت جيت أقولك علشان متتعبيش نفسك كفاية لحد كده." جلست هدير على الأريكة خلفها بعد أن فرت دمعة وحيدة من عينها قائلة بحزن شديد يظهر على صوتها وملامح وجهها وكل شيء بها: "طب وكلام امبارح يا رحمة؟ .. وتصرفاته معايا كل ده إيه؟ ذهبت صديقتها إليها محتضنة إياها بشدة تربت على ظهرها
قائلة بحزن هي الأخرى: "هو مش غلطان يا هدير.. هو معشمكيش بحاجة احمدي ربنا أنها جت على قد كده.. استغفري ربك كتير وركزي على مستقبلك وسيبيه هو كمان يشوف مستقبله." أبعدت عنها ثم نظرت إلى داخل عينيها محذرة إياها من شيء أتى بخاطرها: "هدير، اوعي…" قاطعتها الأخرى بحدة وجدية شديدة قائلة وهي تمسح أسفل عينيها الدامعة وها قد ظهرت مرة أخرى شراستها:
"أنا عمري ما أعمل كده يا رحمة، عمري ما أرخص نفسي بالطريقة دي لو هو آخر راجل على الأرض أنا اللي عايزني يجيلي لحد عندي ويطلبني ويقول إنه بيحبني مش أنا اللي أروحله أبدًا." بعد وقت لم يكن قصير ذهبت صديقتها وتركتها وحدها بعد تقديم بعض النصائح لها لكي تبتعد عنه وتتخطاه وتنظر إلى نفسها وحياتها، لتعود إلى الله وتقترب منه أكثر وأكثر حتى يقف جانبها وتتخطى هذه الأزمة سريعًا.
جلست هدير على فراشها بعد أن أغلقت باب الغرفة عليها من الداخل وتركت عينيها تخرج كل الدموع الحبيسة داخلها وقلبها يتحدث بنحيب أرهقه طوال هذه المدة. جلست بضعف وقلة حيلة تبكي على شخص أحبته داخل قلبها ونفسها فقط ليوفقها الله ويجعلها من نصيبه. لقد أحبته بشدة وليس لنا على القلب سلطان، إنه يفعل ما يشاء ونحن خلفه نصلح أخطاءه. عامان كاملان وفي النهاية تكن هذه النتيجة!
بكت وانتحبت كثيرًا وهي تتذكر نظراته إليها، رجولته الطاغية عليه عندما يعلم أن هناك من تعرض إليها، حنانه وأخلاقه الظاهرة أمام الجميع. لقد أحبته رغم عنها وبضعف منها. شعور داخلها لا يوصف، قلبها يتمزق إلى أشلاء أو ربما يحترق، هي لا تدري ولكن تشعر بالخراب الذي حدث بداخله من بعد هذه الأخبار الحزينة. تحبه إلى هذه الدرجة؟! . إلى درجة شعورها بأن قلبها سيتوقف الآن!
إنه جاد الله أبو الدهب، أنقى الرجال وأفضلهم. إنه من زرعت بداخله الشهامة والرجولة من سار الحنان إلى قلبه. أحبته يا الله ولا تستطيع العودة بهذه السهولة. وضعت كف يدها على جانب صدرها الأيسر مكان قلبها تمامًا وسارت تسير بيدها عليه براحة وهي تشعر أنه يُسلب منها وبكائها يزداد لحظة بعد لحظة. نظرت إلى سقف الغرفة متمتمة داخلها بالاستغفار كثيرًا ثم خرجت كلماتها بصوت عالٍ مع شهقاتها تملأ الغرفة:
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، استغفر الله العظيم وأتوب إليه، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." هدأت قليلًا بعد أن بقيت دقائق كثيرة تردد بالاستغفار، مسحت على وجهها بيدها الاثنين تزيل دموعها بينما ما زالت شهقاتها مستمرة وتحدثت بضعف وحزن ناظرة إلى الأعلى: "يارب شيل حبه من قلبي لو كان فعلًا رايد غيري."
استمعت فجأة إلى صوت جمال شقيقها ينادي بحدة، مسحت بيدها على وجهها مرة أخرى ثم وقفت على قدميها متوجهة إلى باب الغرفة وفتحته، ووجدته كان يتقدم إليها فنظرت إليه باستغراب متسائلة: "في إيه؟ أردف بجدية شديدة ونظرة صارمة وهو يتقدم منها ووالدته خلفه وشقيقته مريم: "اسمعي بقى أما أقولك أنا وافقت على مسعد واديت كلمة راجل ومش هرجع فيه." رفعت والدتهم يدها وضربت على صدرها بصدمة وصرخت به قائلة بغضب:
"يالهوي على خلفتي السودة هو مفيش ورانا كل يوم غير مسعد مسعد مسعد.. ما رفضته وانفض المولى." نظرت إليها هدير نظرة جادة واثقة بذات الوقت وتحدثت قائلة بهدوء وكأنها لم تكن تبكي منذ لحظات وعيناها حمراء وظاهرة بقوة: "ما تسيبيه يقول اللي هو عايزة.. يبقى يتجوزه هو." صرخ بها شقيقها مردفًا بحدة وهو يجذبها من معصمها بشدة: "بت أنتِ بلاش استهبال أنا قولتلك اديت كلمة راجل…."
قاطعته بحدة وغضب وهي تجذب يدها منه بعصبية صارخة به وكأنها ترى الشياطين أمامها وليس شقيقها، والآن حدتها وشراستها المعهودة على من يتطاول عليها تظهر له:
"راجل مين يابو راجل.. الراجل ده اللي يشتغل ويصرف على بيته ويحمي أهله، الراجل اللي الرجولة والشهامة بيمشوا في دمه اللي يشقى ويتعب علشان يداري عظمه ولحمه من عيون الناس مش أنتَ يلي طول النهار نايم وطول الليل على القهوة مع الصيع بتوعك.. فوق لنفسك يا جمال دا أنا اللي بصرف عليك من فلوسي.. بتاكل وتشرب من فلوسي ولو عايزك تطلع بره البيت بكلمة مني للحج رشوان هيرميك بره.. فوق لنفسك وأرجع عن اللي في دماغك."
حك مقدمة لحيته بعد أن استمع إلى حديثها رافعًا أحد حاجبيه، نظر إليها قائلًا بمكر وخبث: "افهم من كده إيه؟ أقتربت منه هدير قائلة بسخرية وتهكم وهي تنظر إليه باشمئزاز واضح كما نظرت إلى مسعد: "لو واخد منه فرش ولا عليك فلوس من الحاجات اللي بتوزعها ليه قولي وأنا أديلك بدل ما هو لاوي دراعك كده."
جذبها من خصلات شعرها بحدة وعصبية على حين غرة وهو يسب بشتايم بشعة داخل أذنها بعد أن استفزته بحديثها الذي يقلل من رجولته أمامهم جميعًا: "طب عليا الحرام ما أنتِ طالعه من البيت ده ولا الأوضة دي إلا على بيته." حاولت والدته جذبه ليبتعد عنها بينما ضربته مريم على ظهره بحدة وقوة تحاول التحلي بها أمامه وهي تطلق الدعاء من فمها عليه لما يشاهدونه على يده: "ربنا ياخدك بعيد عننا.. سيبها حرام عليك كفاية اللي بتعملوا فينا كل يوم."
حاولت هدير جذب خصلاتها من بين يده، شعرت أنه اقتلعها من جذورها بيده عندما داهمها هذا الألم الشديد وشقيقتها ووالدتها لا يستطيعون أن يجعلوه يبتعد عنها، صرخت به بحدة وهي تضربه في معدته بقبضة يدها: "والله لو آخر يوم في عمري يا ابن أبويا ما هتجوزه."
تعالت صرخات مريم وهي تراه يصفعها بحدة وعصبية على وجنتيها الاثنين، ثم أتى بالصفعة الثالثة، ضربته والدته ضربات متتالية على ظهره بقبضة يدها محاولة أن تجذبه مرة أخرى ولكنه صخر لا تستطيع التغلب عليه وتراه وهو يقوم بضرب شقيقته الصغرى دون وجه حق. لقد عانت منه كثيرًا بعد وفاة والده والآن وصلت إلى مرحلة أنها لا تستطيع حماية بناتها من بطشه.
أخذت مريم حجاب صغير منزلي وجدته على الأريكة في الصالة لوالدتها، وذهبت إلى باب الشقة وفتحته لتذهب إلى الخارج مهرولة تأتي بأحد ينقذ شقيقتها والدموع تخرج على جنتيها. وجدت جاد يدلف من باب المنزل صرخت باسمه بلهفة وتوسل: "يسطا جاد… الحقنا الله يخليك." نظر إليها باستغراب ودهشة شديدة وهو يراها تبكي وحجابها ليس مهندم عليها بل هناك خصلات ظاهرة وعينيها منتفخة وتبكي ويخرج صوت شقيقها من الداخل وهو يصرخ بألفاظ رديئة،
سألها باستغراب وقلق: "في إيه يا مريم؟ أردفت بسرعة وخوف وهي تنظر إليه بتوسل ليدلف معها ينقذ شقيقتها: "جمال نازل ضرب في هدير عايزها تتجوز مسعد." لم تراه!
لم يستمع إلى باقي جملتها من الأساس عندما شعر أن الأمر يتعلق بـ هدير دلف إلى الداخل سريعًا وقلبه يخفق بعنف داخل أضلعه، وجدها منحنية على نفسها و جمال يجذب خصلاتها بقوة بينما والدته تجذبه إليها وتحاول نزع يده من على شقيقته. تقدم منه وأبعد والدته عنه ثم جذبه إليه بقوة شديدة من ذراعه جاعله يترك شقيقته وتلقى لكمة قوية في منتصف وجهه من جاد فترنح إلى الخلف ولم يقدر على استيعاب كيف دلف جاد إلى هنا!
أخذت نعمة ابنتها بأحضانها وأتت لها مريم بحجاب لتغطي به خصلاتها عن أعين جاد بينما كانت ترتدي عباءة منزلية فضفاضة كعادتها. خرجت الدموع من عينيها بكثرة في أحضان والدتها وهي تراه يلكم شقيقها مرة أخرى لأنه تطاول عليها، هو الوحيد الذي كان يناسبها ليأتي بحقها من الجميع وليحافظ عليها وعلى حبها، هو الوحيد وليس هناك سواه ولكن لم يُكتب من نصيبها. استمعت إليه يهتف بحدة واشمئزاز وهو ينظر إلى شقيقها:
"عيب على رجولتك اللي بتعمله ده، بتمد ايدك على أختك ليه." أبتعدت عن والدتها وذهبت لتقف أمام جاد جوار شقيقها وفي خلدها أن ما ستفعله صحيح ولم تكن تعلم أنها تحطم قلبين الحب داخلهم نقي حافظ عليه الله من الدنس الذي يحيطهم ليكونوا من نصيب بعضهم البعض ولكنها الآن تنهي ذلك إلى الأبد. نظرت إلى جاد بتمعن وكانت نظرتها حزينة للغاية معاتبة إياه على ذهابه لأخرى بعد أن أخذت أكبر أمل بحياتها منه. نظرت إلى شقيقها قائلة ببرود
وجدية استغربها الجميع: "أنا موافقة اتجوز مسعد." ذهل الجميع وهي التي كانت منذ لحظات ترفض وإن كان الموت البديل عن الزواج! رُسمت الصدمة على ملامح الجميع وكأنها الآن بغيبوبة ولا تعلم ما الذي تقوله، ولكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب جاد الذي نظر إليها بحزن وصدمة ودهشة لم يراها بحياته.
الجميع حلت عليهم الدهشة ولكنه ما حل عليه كان أصعب بكثير. نظر إلى عسلية عينيها الباكية وكأنه يريدها أن تؤكد حديثها بالزواج الآن لأنه لا يصدقه. لا يصدق أن هذه من رفضته على السطح رفضًا قاطعًا. لا يصدق أن من أحبها بصدق ونقاء ودعا ربه من أجلها توافق الآن على الزواج من غيره أمامه وتحت ناظريه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!