الفصل 3 | من 30 فصل

رواية ندوب الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم ندا حسن

المشاهدات
23
كلمة
3,351
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

قبع الحزن داخل قلبه بعد التخلي عنها! ولكن بقى اليقين يحالفه أنها لن تكن لغيره. تجمهر الجميع أمام ورشة "جاد" ليشاهدوا الذي يحدث بينه وبين "مسعد الشباط" وما سبب هذا الشجار الذي أخلف بعده أصوات عالية استمع إليها الشارع بأكمله. وفي هذه المواقف، الجميع يقوده فضوله ليكن على دراية تامة بما يحدث من حوله حتى وإن كان لا يخصه.

تحدث جاد بعصبية وصوت عالٍ استمع إليه الواقفون جميعًا، ومن بينهم "هدير" وشقيقتها التي وقفت معها في نافذة غرفتها. وقد حاول وبشدة أن يحافظ على هدوئه، لكن "مسعد" لا يساعده على ذلك: "اقطم الكلام يا مسعد وامشي من هنا أحسن لك." صاح "مسعد" مجيبًا عليه بنفس نبرة الصوت العالية، يبادلها إياه أمام الجميع قائلًا وهو يشير بيده إليه بهمجية: "مالك يسطا جاد، الموضوع لا يخصك ولا ليك فيه. أنا جاي للحج رشوان. أنت مالك محموق كده ليه؟

تقدم منه "جاد"، ولكن أعاقه طريقه شاب يعمل عنده بالورشة يدعى "عبده" حتى لا تتطور الأمور أكثر من هكذا. واقفًا أمامه يحيد بينهم، أردف قائلًا بهمجية هو الآخر وقد برزت عروق عنقه من فرط العصبية: "والحج قالك عيب على سنك، روح شوف واحدة من طينة نسوانك. إيه، ما سمعتش كلامه ولا أنت أطرش؟

ابتسم "مسعد" بسخرية وقد أخرج المكنون داخل قلب "جاد" بطلبه للزواج من "هدير"، جعله كالثور الهائج الذي يحاولون سجنه بين القضبان الحديدية، وقلبه اشتعل بلهيب لم يشعر به سابقًا. ذهابه إلى "رشوان أبو الدهب" اعتبارًا أنه الوصي عليهم وفي رتبة والدهم، وكان له غاية أخرى مع طلبه الزواج منها وهو أن يتأكد من مشاعر "جاد" ناحيتها، وقد علم ما يريد. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو ينظر إليه بشماتة وتحدث قائلًا بمكر غامزًا

له والجميع ينظر إليهم: "لأ، سمعت. بس أنا مستغرب من رد فعلك. ولا تكونش عينك من برنسيس الحارة؟ قول متتكسفش، هي تستاهل بردو."

دفع "جاد" "عبده" من أمامه بحدة فترنح إلى الخلف، وتقدم بخطوة واحدة إلى "مسعد" بعد أن غلت الدماء بعروقه وكادت أن تنفجر، وتضخم صدره وهو يتنفس بسرعة وغضب كبير لا يصل إليه بهذه السهولة. في لمح البصر، كان "جاد" لكم "مسعد" بوجهه أسفل عينه لكمة قوية بقبضة يده جعلته يترنح هو الآخر إلى الخلف متفاجئًا من فعلته التي جعلته يشعر بالألم الحاد.

تقدم والد "جاد" منه وقد تركه يفعل ما يريد إلى الآن ليخرج ما في صدره على "مسعد" بعد الحديث الذي قاله لهم في الداخل عن زواجه من "هدير". ولقد تحدث معه باللين رافضًا أكثر من مرة لأنه يعلم أنها لن توافق أبدًا على أمر كهذا، وهو الذي وضعوه بمثابة والدها يرفض لها هذه الزيجة رفضًا تامًا. تحدث قائلًا بجدية شديدة وهو ينظر إلى جميع الذين يشاهدون ما يحدث بصمت، ولا يريدون غير معرفة ما حدث، وهو لا يريد أن يعلم أحد

بأي شيء يخص فتاة كابنته: "يلا، كل واحد يروح على شغله. سوء تفاهم وهنحله مع بعض." صرخ بهم عندما وجدهم كما هم، فبدأ واحد تلو الآخر يرحل إلى أن رحل الجميع. فنظر إلى "عبده" قائلًا: "استنى أنت يا عبده." نظر "مسعد" إلى جاد بكره وحقد داخله يشتعل تجاهه كل لحظة وأخرى. أتى ليتحدث ولكن قاطعه "رشوان" قائلًا بنبرة جادة صارمة:

"امشي من هنا يا مسعد، أحسن لك زي ما جاد قالك. أنت طلبت مني وأنا رفضت وانفض المولد. مالوش لزوم الشويه اللي كنت عايز تعملهم في الحارة وتخوض في عرض الناس." نظر إليه بسخرية وضيق مستهزءًا بحديثه، ومن ثم نظر إلى "جاد" ورفع يده أمام وجهه مشيرًا إليه بإصبعه السبابة: "هنتقابل يا بتاع الميكانيكا والخورده... وعايزك تعرف إن الشباط بياخد اللي هو عايزه حتى لو بعد ميت سنة. متنساش."

تركه وأدار ظهره إليه، فتحدث "جاد" هاتفًا خلفه بغضب وصوت عالٍ: "لو اتقابلنا أنا اللي هاخد منك يا شباط... هاخد روحك." ذهب "مسعد" وكان الجميع قد رحل ما عدا "رشوان" و "عبده" و "جاد" بينهم بارزة عروقه وعينيه يخرج منها لهيب ناري تراه بنظرتك إليه. أتى "رشوان" بنظرة إلى منزلهم ليرى "جمال" يقف كما هو وكأنه يود أن يفهم ما الذي يحدث، وهناك على وجهه علامات استفهام كثيرة مطالبة بالتوضيح.

وقد كان هكذا حقًا، يريد تفسيرًا لما حدث الآن أمام الجميع. فقد طلب منه "مسعد" الزواج بشقيقته وهو أخبرها بذلك ورفضت، فقال له أنه يريد وقتًا ليجعلها ترضخ له. ومن الواضح أنه ذهب إلى "رشوان أبو الدهب" وقد رفض طلبه!

استدار "جمال" وولج إلى المنزل مرة أخرى بعد أن قال لوالدته أن تدلف هي الأخرى حيث أنها كانت تقف معه. أدار "جاد" وجهه للناحية الأخرى ليراها تقف في نافذة غرفتها البسيطة وحدها، بعد أن دلفت شقيقتها. يبدو على ملامحها اللهفة والخوف، وربما التفكير. نظرتها إليه شاردة، هل فهمت أن الحديث عليها؟ رأى "جمال" وهو يأخذها إلى الداخل غالقًا النافذة بحدة وعنف. وجد "سمير" يأتي من نهاية الشارع سريعًا بلهفة. وقف أمامهم متسائلًا:

"في إيه يا جاد؟ كنت بتتخانق مع مسعد؟ أجابه عمه بهدوء يروي له ما حدث منذ قليل من "مسعد" و "جاد" أمام الجميع. دلف "جاد" إلى الورشة ومن خلفه والده وابن عمه و "عبده". جلس على أقرب مقعد منحنيًا على نفسه ينظر إلى الأرضية، وقد كان داخله نيران ثائرة وبراكين تود لو تدق عليها دقة واحدة لتنفجر في وجه الجميع. لقد كان قلبه مقهورًا من رفض والده، والآن ازداد قهرًا بسبب طلب "مسعد" الزواج منها. لن يصمت...

لن يصمت بعد الآن. في المساء سيتحدث مع والده وسيحسم الأمر على ما هو يريد. يعلم أن الله لن يكسر خاطره وقلبه. يعلم أنه سيقف معه وستكون من نصيبه بطريقة ما. هذا ما يعلمه جيدًا. "في المساء"

كان "جاد" في الورشة منذ الصباح إلى الآن. لم يستطع أن يعمل بأي شيء. عقله مشغول بها وبما يحدث وما سيحدث. ولديه كم كبير من العمل، ولكن كلما وضع تركيزه بالعمل ليعمل، يعود مرة أخرى إليها ويفشل بما يفعل. فترك كل شيء إلى العمال معه بالورشة تحت إدارة "عبده" الأقدم بينهم والأكبر سنًا. ثمانية وعشرون عامًا والأقرب إليه أيضًا. "طارق.. حمادة، لموا العدة يلا."

بعد أن قال هذه الكلمات، ألقى برأسه بين يديه على مكتبه وهو يفكر ولم يتوقف عن فعل هذا الشيء. استمع إلى صوت "حمادة" يتقدم منه قائلًا بجدية: "لسه في شغل يسطا جاد ولسه كمان معاد قفل الورشة مجاش." رفع رأسه ينظر إليه بهدوء فتحدث مرة أخرى قائلًا بعدما ابتسم بسخرية: "تعرف يا حمادة أنك بتخاف على الشغل أكتر مني.. بأمانة والله." ابتسم "حمادة" بهدوء وقد فرح لمدحه هكذا وفرح بعلمه أنه يخاف على عمله. وأردف قائلًا بجدية وهو يبتسم:

"اومال يسطا جاد، الشغل ده فاتح بيوتنا لازم نخاف عليه." عاد برأسه إلى الخلف مستندًا إلى ظهر المقعد. ثم هتف بجدية وإرهاق قد ظهر عليه بعدما أنهى حديثه مع "مسعد": "طب يا عم الحلو... اعتبرها إجازة مني ليكم يلا لموا العدة." امتثل لأوامره وذهب من أمامه وبدأ العمل مع "طارق" كما قال. تقدم "عبده" من المكتب الذي يجلس عليه "جاد". سحب مقعد وذهب به إلى جواره جالسًا عليه عكسيًا. تحدث قائلًا بخفوت إلى "جاد" وهو ينظر إليه بخجل:

"تسمحلي أقولك حاجة يا كبير؟ أومأ إليه برأسه وهو يعلم ما الذي يريد قوله، ولو أراد أن يقوله هو لفعل، ولكن مع ذلك سمح له ليتحدث ويجعله يشعر بالراحة. "صراحة كده اللي عملته مع مسعد غلط. كان المفروض تمسك أعصابك شوية والحج كان خلص الليلة. دلوقتي الحارة كلها مالهاش سيرة غير مين البت اللي الاسطى جاد حارق نفسه عليها، والأغلبية عارفين برنسس الحارة اللي على لسان مسعد." لم يكن أبلة ليكون لا يعرف ما الذي سيتحدث به!

أجابه "جاد" مستنكرًا حديثه متحدثًا بانفعال ونبرة حادة وهو يستدير ليقابله: "يعني إيه حارق نفسه؟ هي ولا غيرها. كنت هعمل كده. ده في فرق بينهم يجي خمسطاشر سنة لو مكانش سطاشر ومتجوز تلاتة. لو وقفت وسطيهم هتطلع ميته." تحدث "عبده" مجيبًا إياه بعقلانية وهدوء: "يا كبير، أنا فاهم بس كان ممكن تسيب الليلة في إيد الحج وهو لا يمكن أنه يوافق وأنت شوفت بنفسك...

وعلى فكرة بقى باللي أنت عملته ده نولت مسعد اللي في باله. هو عايز يعمل شوشرة حواليها وأنت وأنا عارفين ليه." أردف "جاد" سريعًا بعصبية وحنق من كلماته عنها وهو لا يود أن يستمع إلى أي شيء يخصها: "لا عاش ولا كان اللي يشوشر عليها ولا يجي ناحيتها. دا أنا كنت أشقه نصين. ومسعد أنا ليا تصرف تاني معاه، سبهولي." أخفض "عبده" نظره إلى الأرض وكان لا يود التحدث بهذه النقطة، ولكن هو من أوصله إلى هنا. رفع نظره قائلًا بجدية:

"متتحركش ورا عواطفك ناحيتها يسطا جاد." ضيق ما بين حاجبيه سائلاً إياه بصوت خافت وهو يدقق النظر إليه بعد أن استغرب حديثه: -تقصد إيه؟ هتف الآخر قائلاً بابتسامة بسيطة وعقلانية في حديثه:

-يسطا جاد أنا واخد بالي من زمان إنك ميال ليها وعارف إنك راجل دوغري وعارف ربنا واللي بتعمله كله بالحلال ولو واحدة تانية مكنتش هتعمل كل ده مع مسعد. أنت كنت هتسيب الحج رشوان يحل الموضوع… عشان كده خلي بالك من تصرفاتك، أنت عارف الحارة كل اللي فيها عايزين خبر يقعدوا عليه ولو عملت اللي في دماغك هتجيب عليها غبار وهي نضيفة.

وقف "عبده" على قدميه بعدما ربت على فخذ "جاد" كأنه يمده بالدعم وتوجه ليساعد "طارق" و"حمادة" بينما ترك "جاد" يفكر في حديثه والذي رآه معقولاً وصحيحاً. أنه لم يفكر بحديث الناس عنها عندما يفور غضبه هكذا، لم يفكر بماذا سيقول الجميع في هذه الحارة المعروفة بأن أهلها لا يصمتوا عن شيء يحدث وهي فتاة وسمعتها أول شيء يهمها ويهمه هو الآخر. ***

فتح "جاد" باب شقتهم بمفتاحه الخاص وولج إلى الداخل مغلقاً الباب خلفه وقد كان يود وبشدة أن يدلف إلى غرفته لا مكان آخر ولكن ليس كل ما نريده يحدث، وحتى وإن كان من أتفه الأشياء. استمع إلى صوت والده يهتف باسمه من صالة المنزل ليتقدم إليه بعد أن زفر بهدوء شديد. دلف إلى الصالة ووجد والده ووالدته "فهيمة" يجلسون سوياً ويبدو أنهم كانوا في انتظاره.

والدته سيدة طيبة القلب بأصل طيب كوالدة "هدير" تماماً، وجهها طويل نسبياً، وملامحها تشبه ملامح ولدها وبشرتها خمرية اللون. ألقى عليهم سلام الله متقدماً إلى الداخل وجلس على الأريكة بعد أن أجاب عليه والده ووالدته السلام. تحدث والده بعد أن نظر إليه بجدية قائلاً دون مقدمات كثيرة وقد كان مقرر أن ما سيقوله هو الذي سيحدث: -من فترة أنت جيتلي وطلبت تتجوز. حصل؟ أومأ إليه برأسه مستغرباً من سؤاله الذي يعرف أجابته جيداً: -حصل يا حج.

ألقى عليه والده سؤالاً آخر وهو يتقدم بجسده للأمام: -يعني أنت فكرت في الجواز؟ حك جاد مقدمة لحيته بعد أن ضيق عينه محاولاً فهم ما يريد أن يصل إليه والده. أجابه بهدوء بعد أن نظر إلى والدته باستغراب: -فكرت آه. ابتسم والده ابتسامة غريبة وكأنه انتصر عليه في شيء ما. عاد إلى الخلف بجسده يستند إلى ظهر الأريكة وتحدث قائلاً بنبرة جدية:

-أنت فكرت في الجواز وجبتلي واحدة أنا رفضتها وأنا عارف إنك مش هتعصى كلامي وقفلنا الموضوع من وقتها ومش هنفتحه تاني. لم يغلق مواضيع هو فقط ينتظر قليلاً ليجعل قلبه يلين عليه. هو لم يتخلى عنها ولن يتخلى عنها. يريدها أن تكن زوجته الصالحة وليس هناك شيء يعيق ذلك سوى سبب والده الذي لا يعنيه. أبصر والده بدقة ولم يتحدث بعد. يريد أن يعرف ما النهاية لذلك الأمر وتلك المقدمة. وجده يتحدث مرة أخرى مردفاً بحزم:

-ودلوقتي أنا عايز أفرح بيك… شاور على أي واحدة وأنا اخطبهالك.. ولا خلي أمك اللي تختار ولا أقولك بنت عمك مروان البرنس من كبار الناس في المنطقة.. مفيهاش غلطة أدب وجمال وأخلاق. لم يتحدث "جاد" وبقى صامتاً يوزع نظره بين والده ووالدته، منتظراً أن يرى إن كان هناك شيء آخر يود إضافته على هذا الحديث الذي لن يفعل به مؤكد. هتف والده مستغرباً صمته الذي بقى حتى بعد انتهاء حديثه: -مقولتش رأيك يعني؟

سأله "جاد" مضيقاً ما بين حاجبيه وهو يعلم أنه لن يفعل ما يريده واضعاً يده على فخذه وهو جالس منحني بجانبه: -ولو قولت رأي هتعمل بيه؟ -اسمعه. وقف "جاد" على قدميه أمامهم واستدار يعطي ظهره إليهم هاتفاً بجدية وحزم: -أنا لما جيت أخد موافقتك كان عقلي وقلبي رايدين واحدة أنت رفضتها ولحد الأن رايدها. وقف والده هو الآخر على قدميه ينظر إليه من الخلف قائلاً: -يعني إيه يا بشمهندس جاد الله؟

استدار "جاد" ينظر إليه بعد أن نظر إلى والدته التي تضع كف يدها على وجنتها وتستمع إلى نقاشهم دون حديث ويظهر على وجهها الحزن لأجل ولدها. أردف قائلاً: -يعني مش موافق يا حج إلا لو أنت وافقت على اللي أنا عايزها. صاح والده بحدة وضيق شديد من رفضه لحديثه لأول مرة وقد كان مقرر داخله أنه سيفعل ما يريد: -لأ يا جاد كلامي هيمشي ومش هتتجوز البنت دي طول ما أنا عايش.

زفر "جاد" بصوت عالٍ والضيق احتل ملامحه وهو يرى أن رفض والده ليس له أي أساس وليس هناك أي أسباب مقنعة. تحدث قائلاً بصوت عالٍ: -يوه.. مهو رفضك ده مالوش سبب مقنع كلام في الفاضي. نظر إليه والده بذهول. أنه أول مرة يرفع صوته هكذا أمام والده ووالدته. أول مرة له أن يزفر هكذا في وجهه. كل هذا لأجل فتاة؟ .. هل نسي ما ورد في كتاب الله ليزفر هكذا في وجهه؟

{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا}

صمت لبرهة وهو يرى ملامح "جاد" قد تحولت متأثراً بالآية التي استشهد بها في هذا الموقف. أردف مرة أخرى متسائلاً بحزن: -بتعصاني يا جاد؟ أقترب منه "جاد" بخطوات بطيئة متحدثاً بنبرة مترجية قبل أن تكون جادة وهو يشير إليه بيده: -يا حج أنا مش عايز أعصاك بس أنت اللي بتجبرني.. لو أنت رافض فكرة جوازي من هدير فأنا رافض الجواز كله.

جلس والده مرة أخرى جوار زوجته وعاد بظهره إلى الخلف. نظر إلى ولده بجدية وهو يود أن يراه أفضل البشر ويعتقد أن ما يفعله هو الصحيح. هتف بحدة وقسوة قائلاً: -لو رفضت يا جاد الله لا أنت ابني ولا أعرفك. أبصر "جاد" والده بذهول ودهشة مستغرباً ما يقوله. هل يصل الأمر إلى هنا؟ .. هل يتخلى عنه والده فقط لأنه يريد الزواج من فتاة ليست مثل ما يريدها والده وعلى الرغم من أنها كبرت أمام عيناه؟

نظر إلى والدته التي إلى الآن لم تتحدث بحرف واحد. ربما أخذت التعليمات من والده قبل أن يصعد. نظر "جاد" إلى الأرضية وهو منهزم. أمامه خياران الأول أن يعصى أمر والده ولا يتزوج سوى من "هدير" ويكسب غضبه عليه وعدم رضاه عنه والثاني أن يتخلى عن "هدير" ويكسب رضا والده عليه إلى الأبد وهذا ما يريده الله من عباده أن يكون الوالدين راضيين عنا. تحدث وهو ينظر إلى الأرضية بحزن بلغ أعماق قلبه جاعلاً الأمواج تثور داخله:

-اللي أنت عايزه اعمله يا حج. وذهب من أمامهم إلى الخارج، متقدماً ناحية غرفته وهناك جروح داخله خلقت الآن بعد ذلك الرفض القاطع. ستترك ندوب خلفها لن تمحى إلى الأبد. وهناك صورة بذاكرته لحب طاهر شريف لم يكتب له أن يخلق ويذهب للنور ولكن.. لن يكف عن الدعاء. *** لا يدري كيف فعلها! كيف تخلى عنها بهذه السهولة واليوم كان يصيح في الجميع لأجلها! لماذا ترك الأمور بين يدي والده ليفعل ما يريد؟ لما تحدث معه من الأساس؟

ولكن هو لم يكن يعلم أنه سيرفض بهذه الطريقة. كيف تخلى عنها هكذا! كيف تركها! ولكن هل كان يترك والده؟ الأمران أصعب عليه من الصعب نفسه ولكن والده لا يستطيع التخلي عنه. لا يستطيع أن يراه وهو غاضب عليه. لقد ضغط عليه من ناحية يعلم جيداً أنها ستأتي بنتيجة مرضية له.

يحبها. منذ أربع أعوام وهو غارق في العسل الصافي داخل عينيها. وكلما فتن به وبجمالها الهادئ استغفر ربه وعاد مرة أخرى ينهي نفسه عن نظرتها ليرضى عليه ربه ويجعلها له بحلاله ليس غيره. يجب رؤيتها يومياً في ملابسها الواسعة الفضفاضة، يدوب برؤية وجهها الأبيض الذي يزينه النمش الخفيف. كيف له أن يتخلى عنها وقد زرع الله حبها بقلبه! وبعد الأن وهو يعلم أنه سيتزوج غيرها! لا محال هل يستطيع نسيانها؟

كيف لا محال وهناك رب يدبر كل شيء لنا ولو كنا نراه شراً! ابتسم براحة متمتماً بين نفسه بهدوء وسكينة: -بسم الله الرحمن الرحيم. {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

وكأن ذلك البركان الثائر داخل قلبه هدأ تماماً بقول تلك الآية الكريمة. وكأن أفكاره وتشتت عقله وقف نهائياً بعد أن تحدث بهذه الكلمات الشافية لروحه. رفع يده أمام وجهه متحدثاً بيقين وجدية تامة وكأنه متأكداً مما يحدث: -أنا عارف إنك مش هتسيبني لوحدي ومش هتكسر قلبي. مهما روحت وجيت ومهما كبرت أنا في حبي ليها طفل. عارف إنك مش هتصعبها عليا أكتر من كده حتى بعد اللي قاله أبويا الحج. صمت لبرهة ثم تحدث مرة أخرى بلهفة وجميع حواسه

تناجي ربه بتلبية دعائه: -اللهم إن كانت كتبِت من نصيبي فأجعل قلبي يزداد خفقاناً لها ولحبها وإن كانت من نصيب رجل آخر فاللهم لا اعتراض على أمرك ولكن لا تترك قلبي مفجوعاً وأزل حبها منه وكأنه لم يوجد. أخفض يده بعد أن استمع صوت هاتفه يعلن عن مكالمة هاتفية. وقف على قدميه ورفع سجادة الصلاة ووضعها على الأريكة. تقدم إلى الكومود بجوار الفراش وأخذ من عليه الهاتف ليراه رقم غير مسجل. بعد أن فتح وضعه على أذنه وتحدث بخشونة:

-ألو. مين؟ -بشمهندس جاد. أتاه الصوت ليدغدغ خلايا أذنه وليستمع إلى أجمل معزوفة قد يستمع إليها والأحب إلى قلبه. مرة أخرى يستغفر بعد تفكيره ورأى أن نفسه تغويه كثيراً تجاهها. حمحم بصوت رخيم وتحدث قائلاً: -هدير. في حاجة ولا إيه؟ -ممكن أشوفك على السطح دلوقتي. استمع إلى صوتها الخافت وعلم أنها تطلب ذلك على استحياء ولكن لماذا تريد مقابلته؟ سيرفض لأن ذلك يجب ألا يحدث مرة أخرى. يجب ألا يراها وحدها هذا هو الشيء الصحيح.

-تمام، طالع. أغلق الهاتف ونظر إليه بذهول ودهشة مستغرباً من الذي تحدث به! لقد أنهى نفسه عن ذلك وقال أنه سيرفض كيف تحدث بهذه الكلمات إذاً! يحاول بكل الطرق ولكن كل الطرق تؤدي إليها. زفر بضيق ثم وضع الهاتف بجيب بنطاله وذهب إلى الخارج ليصعد إليها على السطح وليرى ما الذي تريده. *** وقف "جاد" أمامها بعد أن وضع يده بجيب بنطاله تاركاً بينهم مسافة. نظر إليها ومن ثم إلى البعيد متحدثاً بجدية وهو يسألها:

-مش فاهم يعني أنت عايزة توصلي لإيه؟ نظرت هي داخل عينيه تتمعن بها وتراه وهو يتهرب منها بنظراته وكلماته. هتفت مجيبة إياه بجدية: -لأ، على فكرة فاهم. أنا سؤالي واضح وصريح، مسعد كان متقدملي أنا. نظر إليها هذه المرة وداخله يتسائل ما الذي يجعلها تشعر بذلك ربما تكن فتاة غيرها. أردف بصوت أجش متسائلاً: -طب وليه بتقولي كده؟ ما يمكن واحدة تانية. وضعت يدها أمام صدرها وتحدثت بتهكم وسخرية قائلة:

-علشان مسعد بيقولي أنا بس برنسيس الحارة وكمان طلبني قبل كده من جمال وأنا رفضت، ده غير إنه كان في الخناقة بيكلمك ويبص ناحيتي. برزت تفاحة آدم بعنقه وهو يضغط على أسنانه بعنف وتحدث بغضب وعصبية بعد أن استمع حديثها الذي لأول مرة يستمع إليه: -وأنت إزاي تسمحيله يقولك كده وليه مقولتليش؟

اندهشت من تغيره المفاجئ وتحدثه بهذه العصبية بعد أن استمع إلى كلماتها وهو الذي كان هادئ منذ قليل. ولكنها لن تسمح له هو الآخر أن يتحدث لها بهذه الطريقة ولو كان هذا يعود بالنفع لها: -بشمهندس جاد، أنا مفيش حد بيقدر يتطاول معايا في الكلام حتى لو كان مين ومسعد بعرف أوقفه عند حده. صمتت قليلاً ورأت الهدوء عاد إليه مرة أخرى بعد حديثها ولكنها استرسلت قائلة: -وبعدين أقولك إيه وليه أصلاً؟ -أنت جبتي رقمي منين؟

-من موبايل جمال أخويا. مش هتجاوبني؟ تنهد بعمق وأغمض عينيه ثم أخرج يديه من جيوب بنطاله واستدار بجسده ينحني على السور مستنداً عليه بيده قائلاً: -أيوه، أنت. في تلك اللحظات كان هناك رجل يقف على سطح منزل في الناحية الأخرى لهم بعيد قليلاً عن مرمى عينهم يأخذ لهم بعض اللقطات التي تظهر بوضوح وربما أكثر قليلاً بعد أن أخذها بزوايا معينة ترضيه وترضي من سيراهم غيره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...