فتح معتز عينيه بنزعاج من الأصوات العالية. وأخذ ينظر للمكان، ورؤيته مشوشة. إلى أن اتضحت أمامه الرؤية، أنه يقف بداخل غرفة عمليات. تمتم معتز باستغراب: "أنا إيه اللي جابني؟ وإزاي دخلت الأوضة دي؟ قالها وهو يرى ناس كثير لابسة أبيض وبتلف حوالين سرير ممدد عليه شخص نائم ومدرج بالدماء. قرب معتز من السرير وبلع ريقه بخوف لما شاف إنه هو اللي نايم على السرير. ودكتورة واقفة عند رأسه مثبتها بقناع الأكسجين. أسلاك كتير موصولة بجسمه.
والدكتور آخر بيضغط على صدره بجهاز الصدمات لينعش نبضه من جديد. هوى قلب معتز بفزع وهو يرى نفسه يرتفع مع كل صدمة من الجهاز ويرتطم جسده بالسرير مرة أخرى بقوة. التفت معتز بسرعة إلى صوت صفير الجهاز بجانب جسده، وهو يتأمل الخط الثابت على شاشته. والذي يعلن ببساطة عن توقف نبض قلبه ومفارقته للحياة. وقع معتز على الأرض وهو يستوعب أن وقته قد انتهى من الدنيا في ثواني معدودة، وأنه قد حان وقت الحساب.
بدأ يتعرض أمامه شريط حياته بالكامل. وبقي شايف نفسه وهو بيشرب وبيسهر في مكانه المعتاد. ولقطة كان بيرقص فيها مع لولا وبيحضنها. ولقطة وهو يتجاهل صوت الأذان وبيعمل كل اللي يغضب ربه. معاصي كتير كتير شايف نفسه بيعملها، عمره ما فكر في حسابها إيه عند ربنا. بقي يغمض عينيه عشان ما يشوفش نفسه. بس برضه لسه الشريط بيتعرض قدامه. شايفه وهو مغمض عينيه. كل غلط عمله وهو بيعند في أبوه واللي حواليه وهو عارف إنه غلط. فضل معتز
يهز رأسه برفض وهو بيصرخ: "لأ لأ أنا ما متش، أنا لسه عايش. ما ينفعش أموت دلوقتي. أنا ما عملتش حسابي على الوقت ده. أنا إزاي هقابل ربنا؟ إزاي هقف بين إيديه؟ أقول إيه؟ عملت إيه في حياتي؟ هبرر معاصي دي بإيه؟ هو أنا كده خلاص؟ أنا حياتي انتهت بالسرعة دي؟ لأ لأ، يارب مش وقته، أنا ما لحقتش أتوب. أرجوك يارب، مش عايز أخسر آخرتي دلوقتي واللي عمري ما فكرت فيها. أنا مش قد عذا..بك يارب."
قام وقف وفضل يصرخ في كل اللي حواليه وما حدش سامعه. ما فيش حد بيرد، ما حدش حاسس بيه. الثواني بتعدي ببطء ومعتز بيصرخ فيهم: "أنا لسه عايش، الحقوني. أنا ماينفعش أموت دلوقتي. اعملوا حاجة، أنا مش قد اللحظة دي. أرجوكم اعملوا حاجة، أنا مش قد اللحظة دي. أنا ما عملتش حسابي عليها." فضل معتز يتمتم بالجملة دي وهو بيبكي: "أنا عمري ما صليت، عمري ما عملت اللي ربنا خلقني عشانه، أنا ما لحقتش أتوب." دموعه كانت بتفيض على وجهه بندم وخوف.
وظهر أمامه نفق أبيض مضيء. شيء خفي بيسحبه جواه مرغم عليه. وفجأة ضرب المكان صوت صفير عالي. ليضع يده على أذنيه بقوة. إلى أن اظلمت الدنيا من حوله. اتنهد الطبيب وتمتم يشكر الله. مع عودة صوت نبضات القلب من جديد. وابتسم بطيبة وهو بينظر لملامح معتز: "ربنا بيحبك، كتب لك عمر جديد. يا ريت تعرف تقدره المرة دي وتحافظ عليه." قالها الطبيب وخرج من غرفة العمليات بعد نقل معتز للعناية المركزة.
جرى و**همه** كلهم على الدكتور أول ما خرج من غرفة العمليات. صلاح: "طمني يا دكتور ابني عامل إيه؟ وإيه اللي حصل له؟ الدكتور بابتسامة هادية: "ابنك بخير اطمن، هو حالته مستقرة دلوقتي واتنقل للعناية." ميرفت: "العناية ليه لما هو كويس؟ هو إيه اللي حصل بالظبط؟ ما تخبيش حاجة عليا." الدكتور: "طبيعي يدخل العناية، الحادثة كانت صعبة واتعرض لخبطة قوية في دماغه، غير نسبة الكحول العالية جدا اللي في دمه ودي عملت له حالة تسمم."
صلاح: "هو كان شارب؟ الدكتور: "للأسف أه، ودا خلى قلبه يقف جوه العمليات، ونبضه رجع بمعجزة." ميرفت خبطت على قلبها وهي بتعيط وزعقت في الطبيب: "كل ده وبتقول إن ابني كويس؟ إنت إيه مش فاهم بتقول إيه؟ ولا شكلك ما بتفهمش اصلا. أنا عايزة أشوف ابني حالا." الدكتور: "للأسف الزيارة ممنوعة، لما يتنقل أوضة عادية ممكن تشوفيه. واحمدي ربنا إن ابنك خرج منها وهو لسه بيتنفس وياريت تدعيله واشكري ربنا إنه بخير."
قال كده الطبيب بضيق وبعد عنهم. وقعدت ميرفت تبكي وتصرخ. وهنا بتهديها. وياسين سابهم وراح وراه الطبيب يعتذر له ويفهم أكتر عن حالة معتز. نور فضلت واقفة مكانها من بعيد بتسمع كلامهم وهي بتبكي. ميرفت بصتلها بنظرة كلها غضب وحقد: "إنتي السبب، عجبك اللي حصل له؟ مرتاحة وابني بيضيع مني؟ يارب تكوني مبسوطة." وبصت لصلاح بغضب وبكاء: "خليها تمشي من هنا، أنا مش عايزة أشوفها. اتصل بآدم ييجي ياخدها يا صلاح."
أخذت حنين تتلفت يمين وشمال مع صوت ضحك ابنها اللي سامعه وهي بتدور عليه وبتمتم باسمه. ابتسم جاسر بسعادة وهو شايف أول استجابة لحنين وهي بتدور على ابنها وأنها حست بالعالم الخارجي. عالي الصوت أكتر وشغل فيديو آخر وهي حنين بتلاعب سليم وضحك الطفولي خلاه يبتسم. جاسر بهمس: "عايزة ابنك يا حنين، عايزة تشوفيه. بصي حواليكي هتشوفيه." جاسر علق أكتر من صورة لسليم بعد ما طبعهم. وعلقهم على الحائط. وفتح شبابيك الغرفة عشان تدخلها الشمس.
وحنين مدت عينها تلقائياً أول ما حست بأشعة الشمس. جاسر مسك إيدها: "ما تخفيش يا حنين، أنا جنبك. وهفضل جنبك على طول، ما حدش هيقدر يقرب منك. سليم محتاجلك يا حنين، إنتي سامعة صوته بينادي عليكي." حنين كانت بتسمع الصوت بهدوء ومرة تبتسم ومرة تبكي. وجاسر ماسك إيدها وبيكلمها بحنية وهو بيبتسم لاستجابتها. تجاهلت نور كل زعيق ميرفت وبعدت عنهم. وهي شايفة صلاح بيكلم أبوها بغضب في الفون. وصلت لغرفة الطبيب وقابلها ياسين.
نور: "ياسين الدكتور قالك إيه؟ ياسين: "قالي إنه هيبقى كويس إن شاء الله. نور لو تحبي تروحي ترتاحي أنا هوصلك." نور: "لأ يا ياسين أنا حابة أفضل هنا. وعارفة إن وجودي مضايقكم، بس والله أنا زعلانة على معتز وخايفة عليه. أنا مش زي ما أنتم فاكرين، عا..ر." قطعها ياسين وابتسم بتكلف: "مش محتاجة تبرري موقفك يا نور، دا جوزك وحقك تكوني جنبه. غصب عن الكل. وأنا جنبك ماتخفيش. تعالي نرجع عنده."
نور بتردد: "أنا هعمل حاجة الأول وأجي وراك." هز ياسين رأسه بالموافقة وبعد عنها. وسألت نور عن مكان الصلاة في المستشفى. وراحت عنده ودخلته اتوضت ولبست أسدال كان موجود في المسجد وبدأت الصلاة. كانت بتصلي ودموعها مغرقة وشها. وبتتمنى إنه يقوم بسلامة. وكفاية إنها سبب في اللي حصل له وإحساسها بالذنب تعبها أكتر. خلصت صلاة وقعدت مكانها تقرأ في المصحف بصعوبة بسبب بكائها. وبعدها بوقت خرجت من المسجد ورجعت تاني لمكان العناية.
وقعدت مكانها متجاهلة كل نظراتهم. دخل عادل ولولا المستشفى. ولولا جريت على ميرفت وهي بتبكي: "هو إزاي دا حصل؟ ومعتز عامل إيه؟ أنا مصدقتش اللي اتقال ده." حضنتها ميرفت وهي بتعيط: "ربنا ينتقم من اللي كان السبب. إن شاء الله هيبقى كويس. ادعوا له يا بنتي." قالتها وهي بتبص لنور. لولا ببكاء: "إن شاء الله يا طنط هيقوم منها، غصب عن أي حد." هنا بصت للاثنين وهي رافعة حاجبها. ورجعت بصت لنور واللي كانت مش مهتمة ليهم اصلا.
وعادل وقف جانب ياسين وجاي يتكلم. ياسين سابه وبعد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!