انتبهت على صوت الطيار يعلن عن استعداد الطائرة للهبوط بمطار القاهرة، كانت تبدو في قمة تألقها وحماسها ونشاطها، وكأنها تريد أن تقفز من الطائرة قفزًا، فهي لم تأتِ لبلدها منذ اثني عشر عامًا، وها هي في الخامسة عشر من عمرها الآن، شعرت أنها اشتاقت لبلدها حقًا.
بدأ الكل يستعد لمغادرة الطائرة، ثم تحرك صف الركاب ببطء، البعض يشتاق للقاء أحبته على عجل، حتى غادروا الطائرة واستقلوا الحافلة التي تنقلهم إلى أرض المطار لاستلام حقائبهم والانتهاء من إجراءات وصولهم.
دلفت إلى قاعة الاستقبال بعد أن أنهت إجراءات وصولها لبلدها، وبعد انتظار أكثر من ربع ساعة في صالة الانتظار الكبيرة، في انتظار عمها الذي أتى ليأخذها، تقدم منها عندما وجدها، كان يبدو في بداية العقد الرابع من عمره، بذلك الشعر البني، وعينيه البنية الفاتحة. -بيلار همس الرجل فور رؤيته لابنة أخيه التي تنظر إليه بشرود، وكأنها تتخيله، بينما خانه الدمع فانساب على خده وهو يعانقها بحنان. ردت بابتسامة، وهي تقبل وجنته: -ازيك يا عمو
شكري بنبرة حانية: -ازيك أنتِ يا حبيبتي... نورتي مصر والدنيا كلها. بيلار برقة: -منورة بك يا عمو. شكري بسعادة: -مش مصدق إنك أخيرًا وافقتي تعيشي في مصر. -بصراحة ميرا ومعتز أقنعوني، ومعتز أقنع مامي وهي وافقت بشرط إن أنا أرجعلها في الإجازة ووقت الدراسة أكون موجودة في مصر. سألها باستغراب: -هو معتز بيتواصل معاكم؟ ابتسمت له بنعومة: -هو مسابناش خالص من وقت وفاة بابا ولما كان بيسافر أمريكا عشان شغله كان بيجيلنا.
أومأ عمها بإيجاب: -آه.. هو معتز جدع وراجل فعلًا.. يلا بقى عشان ميرا ومرات عمك مستنيين يشوفوكي بفارغ الصبر. صاحت الفتاة بشوق: -أنا كمان نفسي أشوفهم أوي. _وصلت سيارة شكري إلى المنزل الخاص به. دلفت بيلار خلف عمها إلى المنزل وتركها وهو ينادي زوجته لكي ترى ابنة أخيه، قاطع شرود الفتاة صوت زوجة عمها وهي تقترب منها قائلة بترحيب: -بيلار حبيبتي.. ردت بخجل: -طنط أمل ازيك.
ابتسمت أمل زوجة عمها ثم سحبتها بين ذراعيها تعانقها وهي تربت على ظهرها قائلة بإعجاب: -ازيك أنتِ حبيبتي.. إيه القمر ده ما شاء الله.. أنتي أحلى من الصور كمان. ابتسمت بخجل، لتسألها بفضول: -حبيبتي يا طنط.. أومال فين ميرا؟ -ميرا راحت الكلية وزمانها جاية.. تعالي أوريكي أوضتك اللي هتقعدي فيها وهخلي حد يطلع الشنط. لتسحبها من يدها بحماس، وهي تأخذها إلى الغرفة التي خصصها لها عمها لكي تقيم فيها. بعد مرور مدة قصيرة.
بدأت بيلار في ترتيب أغراضها الكثيرة، حتى اقتحمت ميرا الغرفة بضجة، ممزوجة بالمرح وهي تضم بيلار بين ذراعيها قائلة: -مش مصدقة إنك نزلتي مصر أخيرًا.. ومعايا في بيت واحد.. ده بجد! ضحكت بيلار وهي تبعدها قليلًا قائلة: -طيب بما أنك بقى مش مصدقة.. فتعالي ساعديني وأنا برتب حاجتي وإحنا بنرغي. -مُستغلة أوي. -I know (أنا عارفة)
بدون تردد، بدأت ميرا تساعدها في ترتيب الملابس وهي تثرثر بدون توقف ما زالت غير مصدقة أن ابنة عمها المقيمة في أمريكا معها الآن وستبقى في منزلهم، حينها تأكدت أن ثرثرتهم في الواقع لا تقل عن طول محادثاتهم الإلكترونية إطلاقًا، على الرغم أنها شعرت بأن بيلار في البداية ستشعر بالإحراج والخجل معها ولكن كانت تستمع إليها بيلار وتشاركها الحديث بتلقائيتها المعتادة معها.
قاطع حديثهم صوت أمل وهي تنبه بيلار بأن معتز ابن عمها ينتظرها في الأسفل فأومأت بيلار بإيجاب، لتصطحبها ميرا إلى الأسفل لمقابلة معتز، لترى شابًا في منتصف العشرينات من عمره بشعر أسود، وعيون بنية وبشرة خمرية وتبدو على ملامحه الجدية. صافحها معتز قائلًا بابتسامة: -بيلار.. حمد لله على السلامة.. أخيرًا رجعتي. ابتسمت بيلار بحماس، قائلة: -الله يسلمك يا معتز.. لتردف بتساؤل: -ها بقى عملت إيه في موضوع دراستي؟
تحدث معتز بجديته المعتادة: -هقدملك ملفك في أقرب مدرسة ثانوي هنا.. والمدرسة كويسة جدًا.. كانت ميرا فيها برضه. أومأت ميرا قائلة: -آه هتعجبك أوي يا بيلا. -طب الإجراءات هيبقى فيها حاجة صعبة ولا تمام؟ -لا عادي تتنقلي في أي وقت. -مدرسة ميرا كانت لغات صح؟ -آه لغات لأن العربي هيكون صعب عليكي وبتأخذي أول كام سنة إعفاء من المواد اللي بالعربي، تقريبًا هتقعدي كده سنتين أو ثلاثة على حسب مستواكي في العربي بقى إيه. معتز بحزم:
-عمومًا أنا كنت مكلم المديرة بتاعتها من فترة وقالتلي لما تيجي مصر هاتي ملفها.. وهاخد عمي بكرة ونروح. ليردف قائلًا: -في حاجة كمان جديدة أعرف واحدة زميلة ماما عملتها...
هما نقلوا على مصر إقامة فقط وعملت من هنا home schooling يعني كله دراسة أونلاين مناهج من هنا.. هي عملتها برضه بس عايشين في مصر ومش محتاجين يروحوا المدرسة أصلًا كله من البيت وأونلاين.. بتأخذ مناهج مدرستها اللي هنا.. عشان لو حبت تدخل الجامعة في أمريكا ما تحتاجش تعمل معادلة بس هي عشان ظروفها اتغيرت شوية نزلت مصر. -بس أنا شايفة أني أروح المدرسة أحسن.. أنا حابة أنزل وأشوف البلد والمكان هنا اللي بابا عاش فيه. أومأ بإيجاب:
-ربنا يرحمه يا رب.. تمام اللي تشوفيه برضه. قاطعهم صوت زوجة عمها قائلة: -يلا يا حبايبي الأكل هيبرد.. _بعد مرور عدة أيام، انتقلت إلى المدرسة.. كانت شروق صديقة بيلار الجديدة التي تعرفت عليها تقف مع فتاة في مثل عمرهما، بملامح جميلة ومحجبة تبتسم لشروق في مرح وهما تتحدثان في شيء ما إن اقتربت منهم بيلار هتفت وهي تنادي عليها: -شروق. التفتت إليها شروق بمرح:
-بيلا حبيبتي تعالي أعرفك على جومانة صاحبتي أو ممكن نقول صاحبتنا الجديدة.. معانا هنا في المدرسة. ابتسمت بيلار قائلة: -أهلًا يا جومانة. ردت جومانة بابتسامة: -أهلًا بيكي يا حبيبتي.. شروق مبطلتش كلام عنك. -حبيبتي اتشرفت بك.. بعد ساعات روتينية لبعض الطلاب، رن الجرس معلنًا انتهاء الدوام المدرسي لليوم، صرخ الجميع بصوت عالٍ وسعادة في الفصل. هرعت الطالبات لوضع أغراضهن في حقائبهن.
وكل فتاة ودعت صديقاتها ورجعن إلى منازلهن في انتظار موعد دروسهن الخاصة. _بعد انتهاء بعض الدروس بالسنتر خرجت بيلار مع صديقاتها بجو يمتلئ بالحماس وبنفس الوقت ترتب أغراضها بعناية، بحقيبتها الأنيقة فها هو آخر درس اليوم بالسنتر انتهى وستعود إلى المنزل. سألت جومانة قائلة: -بيلار أنتِ ساكنة فين؟ أجابتها بيلار بالعنوان، فردت قائلة باستغراب: -بجد أنا قرايبي ساكنين في نفس المكان ده. -فعلًا؟ إيه الصدفة دي...
-أنتِ ساكنة في أنهي شارع بالظبط؟ صوت فرامل دراجة نارية وقفت فجأة.. يليها إلقاء خوذة بطريقة عشوائية على ذراع الفتاة. أطلقت صرخة صغيرة عندما اصطدمت خوذة السائق بذراعها بعنف. تأوهت بألم، وهي تضع كفها على مكان الضربة: -آه إيدي مش قادرة. بينما بدأت كلتا صديقاتها بمحاولة نزع كفها التي كانت ممدودة على ذراعها الآخر وهي تتحسس بمكان الضربة. قالت إحدى صديقاتها بقلق واهتمام: -حصلك حاجة؟
همست بهدوء لتطمئنهم وهي ترفع أكمام قميصها عن ذراعها قليلًا لترى مجرد آثار احمرار بالمكان نتيجة فعلة الشاب المتهورة. فنظرت الفتيات إلى الشاب الذي فعل هكذا بصديقتهم بغيظ. ظهر صوت الشاب الرجولي يسخر من الفتيات قائلًا: -إيه البنت اللي عاملة زي بسكويت النواعم دي!! رمقته بيلار بحدة، فقد غاظتها كلماته تلك. كان الشاب بشعر بني حريري مشعث قليلًا من أثر الخوذة بملامح جذابة وجسد متوسط الطول ليس بالقصير وليس بالطويل.
فهو يبدو في عمرهم أو أكبر. صرخت شروق عليه بحدة: -إيه ده يا مجنون؟! والله كنت حاسة إنه أنت أصل مفيش حد متهور كده غيرك! إيه أعمى عينك مشافتش الخوذة وهي بتترمي على صاحبتي. رد عليها ببرود: -كنت بناولها لصاحبي. صاحت به جومانة بغيظ: -وبترميها ليه يا مجنون أنت.. فاكر نفسك بتلعب في بيتنا! قدك هي عشان تستحمل هزارك السخيف ده. فقام بتجاهلهم عندما وقعت عيناه محدقة نحو صاحبة الشعر الكستنائي قائلًا بنبرة مكر: -وجه جديد دي صح؟
هتفت شروق باندفاع قائلة: -وأنت مالك. ثم تحدث بالإيطالية موجهًا حديثه لبيلار: -Benvenuto .. me Bella "مرحبًا.. جميلتي" فغرت بيلار فاها قائلة: -أنت عرفت اسمي إزاي؟ غمز لها الشاب قائلًا: -إيه ده طلع اسمك بيلا برضه؟ لا أنا معرفوش أنا بس كنت بعاكسك بالإيطالي. ليردف قائلًا ببساطة وكأنه لم يفعل شيئًا منذ قليل: -آسف معرفتكيش بنفسي.. أنا سليم القاضي.. اللي خبطتك بالخوذة. الوقح كيف يتجرأ؟
صحيح بأنها سمعت عن مغازلات شباب مصر، لكن والدتها علمتها ألا تصمت أبدًا مع الغرباء. سألت بيلار صديقاتها قائلة: -هو يخصكم؟؟ هتفت جومانة بقوة: -معاكي كل الصلاحية تعملي اللي أنتي عايزاه براحتك. -أنتوا بتبيعوني وش كده! -أوكيه.. متزعلوش بقى من اللي هعمله فيه. أمسكت الخوذة بين يديها ورمتها بقوة عنيفة لتصل نحو معدة سليم، فتأوه بألم فشل في كتمه كله.. لترمقه بنظرة انتصار قائلة بسخرية: عشان تبقى تتعلم تناولها لصاحبك صح بعد كده.
اتجهت الفتيات نحو شارع آخر، وجومانة وشروق ينظران إليها بدهشة من فعلتها. ضحكت شروق بفخر: يستاهل بجد، متزعليش مني يا چوچو. بيلار بتساؤل وعدم فهم: متزعلش ليه؟ ثواني، أنتوا تعرفوه إزاي أصلًا؟ عشان ملحقتش أسألكم قدامه. سليم يبقى أخو چومانة ومعانا في أولى ثانوي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!