بص يابا، شوف نوح بقى عامل إزاي؟ نظر الأب إلى الهاتف، يقارن ملامحه منذ اثنى عشر عامًا والآن، ذلك الطفل الذي كان يسير معه يصل إلى كتفيه، الآن أصبح رجلاً طويل القامة عريض المنكبين، أنفه الحاد، عيناه التي تنظر نظرة قوية. هتف بهمس طفيف: نوح. وقف عبد العظيم عن مقعده وترك المجلس، ودلف إلى غرفة نوح. جلست الأم بحسرة على ما حدث لهم. جلس بجانبها سامح، زوج سما، صديق نوح منذ الطفولة. إلى الآن لم يعرف نوح من هو زوج أخته. ***
دلف نوح إلى جناحه في الفندق، وخلع قميصه وهو يشعر بحرارة تتصاعد من جسده. اتجه إلى الحمام بخطوات مرهقة، خلع ملابسه وصعد إلى كابينة الاستحمام. ملأها بالماء الدافئ، وأضاف بعض المنتجات العطرية التي تنبعث منها رائحة جميلة تُشعره بالاسترخاء. غمر جسده في الماء، وغطس بوجهه للحظات، ثم رفعه وهو يتنهد بتعب واضح.
أسند ظهره إلى الجدار، مد يده إلى جانب المغسلة، تناول لفافته، وأشعلها. أخذ نفسًا عميقًا، ثم أطلق الدخان بقوة وكأنه يطرد شيئًا عالقًا في صدره. شرد قليلاً في هذه البحرية الجميلة التي خطفت أنظاره وأعجب بها، سرح قليلاً بتفكيره حتى شرد في أفكاره الوقحة. فاق على صوت الباب، خرج من المرحاض وأخذ منشفته يضعها حول خصره ومنشفة أخرى صغيرة يجفف بها شعره. فتح الباب وهو منشغل بتجفيف شعره، سمع حديث معتصم يقول:
يا شيخ، طب استر نفسك، افرض معايا حد غريب. رد ببرود: والغريب يطلع لحد أوضة نومي ليه؟ مش ناقص هوسة. دلف معتصم وهو يغلق الباب بقدمه. طب إيه بقى، مش هنفوق؟ تروح للحج وتفتحوا صفحة جديدة، ونفتح هنا مقر جديد للشركة. دلف نوح إلى الداخل وخرج بعد دقائق يرتدي بنطال أسود ومازال عاري الصدر. معتقدش إني أفضل في مصر يا معتصم، شكلي هرجع على سويسرا. اقترب معتصم هاتِفًا بغضب: تاني ترجع تاني؟
كفاية ٨ سنين في سويسرا، طب أنا يا أخي ومعنديش حد أعيش معاه ولا يخاف عليا، بس حق أهلك عليك فين ها؟ حقهم وأنت اتناشر سنة بعيد عنهم. نظر إليه نوح ولم يتحدث. *** كانت موج تجلس على حافة البحر على الرمال، يأتي الموج تستنشق رائحته، تنظر إلى الماء تتمنى أن تدفع نفسها إلى الماء. لكن ماذا؟ هل تنتهي حياتها بكفر؟ لا لا. اقترب منها سيدة عجوز بشرتها تحكي ما فعل بها الزمن، كل تجاعيد تكون بسبب شيء. مدت يدها تعطيها البطاطا المهروسة.
شكرًا يا خالة، متحرمش منك. ابتسمت السيدة بحب: العفو يا بنتي، ربنا يسعدك دنيا واخرى يا رب ويرزقك بابن الحلال. ابتسمت موج ابتسامة باهتة وهي تأخذ البطاطا من يد العجوز، ثم نظرت إليها نظرة امتنانٍ صامتة، وكأن الكلمات لا تكفي. جلست السيدة بجانبها بصمت، تنظر هي الأخرى إلى البحر، كأنهما تشتركان في حزنٍ قديم لا يُقال. قالت العجوز بنبرة هادئة، فيها دفء الأمهات: البحر واسع يا بنتي، بس ما فيش وسع ولا حضن أحن من ربك.
نظرت إليها موج، وعيناها تلمعان بشيءٍ يشبه الدموع: أنا تعبت يا خالة… تعبت من الانتظار، ومن الوحدة، ومن وجع ملوش صوت. وضعت العجوز يدها على يدها، وربتت عليها برفق: عارفة يا بنتي، كل وجع له وقت، وكل هم له آخر. ماتخليش الشيطان يضحك عليكي، ويخليكي تفكري تسيبي الدنيا وإنتي زعلانة، يمكن الفرج قريب، أقرب مما تتخيلي.
صمتت موج، ونظرت للبحر مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن نداءه قويًا كما قبل، بل صار صوته أخف، وكأنه تراجع خطوة للخلف. أخذت لقمة من البطاطا، وابتسمت في صمت، لأول مرة منذ أيام. *** بعد مرور أسبوع. كانت الأجواء مستقرة إلى حد ما، موج تحاول تجنب الراجل الغليظ، تحاول كسب الأموال حتى تبدأ ما كانت تتمناه. وقف أمامها نوح بهيئته الجبارة وهتف بصوت أجش: ممكن سمك يا آنسة.
رفعت موج نظرها إلى مصدر الصوت، عقدت حاجبيها بغرابة من هذا الرجل الثري الذي يريد أن يقوم بالشراء منها. يالله كم وسيم. فاقت على صوته مرة أخرى وهو ينظر بخبث: السمك يا آنسة. ردت بتوتر: آه يا باشا، أؤمر. أوزن كام كيلو؟ كاد نوح أن ينطق ويقول أنه يريده بأكمله لكن ستفهم خطأ وأنه يريد إعطائها حسنة. عاوز خمسة كيلو. ابتسمت موج بفرحة وبدأت تضع السمك في الإناء والفرحة تغمرها.
انتهت موج من الميزان وأعطتهم لنوح الذي أخرج المال وأعطاها الثمن. هتفت بهدوء: دقيقة تاخد الباقي. هتف نوح بهدوء: لأ لأ، خليه. وغادر نوح وهي تنادي عليه بصوت عالٍ: ياباشا… الباقي…. إيه الراجل الغريب ده. *** وصل نوح إلى الفيلا التي اشتراها له معتصم ويقيموا سويًا. فتح نوح باب الفيلا بخطوات بطيئة، دلف، خلع سترته وضع المفاتيح على الطاولة، ونظر إلى كيس السمك الذي لا يزال في يده. مرر أصابعه على البلاستيك، كأنها تمس أثر صوتها
المرتبك حين نادت عليه: الباقي يا باشا. اتجه إلى المطبخ، غسل يديه جيدًا، وبدأ في تجهيز السمك كأنه يطهو لأول مرة بشغف نادر. قطع الليمون، نثر التوابل، وضع شرائح الفلفل والثوم، وكأن في كل خطوة يحاول نسيان شيء من حياته أو يتذكر. وقف لحظة يتأمل السمك وهو يتحمر في الزيت، تفوح الرائحة في المكان، تعيد له ذكرى قديمة –أمي كانت تحب السمك بنفس الطريقة، تعلمتها منها.
أخرج السمك ووضعه في إناء كبير ووضع عليه شرائح من الطماطم والبصل ووضعه في الفرن لدقائق. جلس عند الطاولة، أخرج طبقًا بسيطًا، وقام بالاتصال على معتصم حتى يهبط. هبط معتصم وهو يستنشق رائحة السمك ويقول: أيوه أيوه يا سيف، إيه الروايح دي؟ ابتسم نوح له وهتف: ادخل هات الصينية من الفرن وجبت عيش من الفرن، إيه حكاية؟ ابتسم معتصم وقهقه عليه: الله الله نوح الباشا بنفسه، نزل جاب سمك وعيش من الفرن.
بعد دقائق كانوا يستمتعون بالطعام، لكن عينه تسرح نحو النافذة، وكأن البحر ينادي عليه… أو صوت موج لم يعرف. ثم ابتسم، لأول مرة من أيام، ابتسامة حقيقية… فيها شيء من الراحة… وشيء من الفضول. *** في منزل موج كانت تجلس على الفراش تقوم بعد المال والفرحة تغمرها. الله الله ٧٠٠٠ جنيه يا حبيبي يا الله أخيرا. أخذت المال وهي تقبله وتشكر ربها عليه وتهلل. الحمد لله يا رب الحمد لله.
وقفت وقامت بتغيير ملابسها إلى بنطال أسود وقميص جينز يتوسط البنطال حزام لونه كحلي، عقدت خصلاتها على هيئة ذيل حصان. تهبط الدرج مسرعة، لا تنتظر المصعد، لا تنظر خلفها، حقيبتها على كتفها، والمال بداخلها… وقلبها يركض قبل قدميها. تخرج إلى الشارع بخطى متحمّسة، تعبر الرصيف دون أن تتوقف، لا تنظر يمينًا ولا يسارًا. لقطة من زاوية منخفضة، عجلات سيارة تندفع بسرعة. آآآه……
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!