اااه… سقط جسدها أرضًا، وارتطم رأسها بالرصيف بقوة. ثوانٍ مرت كأنها دهر. الشارع حولها صامت، يراقبون المشهد في دهشة باردة، كأنهم شلت أطرافهم. دماء خفيفة تسللت من جانب رأسها واختلطت بالأتربة. عينها نصف مفتوحة، تبحث عن مأوى، عن يد تنقذها، أو صوت ينطق. كان أنينها ضعيفًا. المال متناثر أرضًا. لم تكن وحدها أرضًا، بل أحلامها، عملها، كل شيء. تجمعت الناس، كان الشارع مليئًا بالجميع. إذا نثرت ملحًا، لا يوجد له مكان.
"الحقونا يا ناس، البت هتروح مننا، البت دمها بيتصفى! كان الجميع يحاول الاتصال بالإسعاف، أين منهما يأتي أولًا؟ والأخرى لا حول ولا قوة، في عالم أخرى، لا تدري بأي شيء يحدث. بعد مرور وقت ليس كثيرًا، كانت جاءت السيارة. هبط منها اثنان من المساعدين، وضعوا الحامل أرضًا، ورفعوا موج بحذر شديد. بعد مرور الوقت، وصلت المستشفى. دلفوا سريعًا، فحالتها خطرة للغاية، بين الحياة والموت.
أغلقت غرفة العمليات، والجميع على استعجال، يحاولون إنقاذ أي شيء. مرت ساعات، ومازالت غرفة العمليات مغلقة. الوضع مشحون بالتوتر والقلق، الحالة حرجة. "لازم أقابل نوح يا سامح، لازم أقابله." اقترب منها يرتب على كتفها بحنو. "هتقابليه يا حبيبتي، متقلقيش." هتفت بقلق. "معرفش، كفاية بعد بقى. كان فين كل دا وليه يستدعي كل دا؟ ما كان فضل معانا وخلاص يا سامح."
"أنت عارفة نوح يا سما، مش تايهة عنه. نوح مش عاوز قفص يتقفل عليه فيه. أنت أهو مبسوطة بحالك؟ ردت بتوتر. "ماله حالي يا سامح؟ هتف بتلقائية وصدق. "حالك. مجبتيش مجموع اللي والدك عاوزه، وفي نفس الوقت أنتِ كان نفسك تدخلي علوم، لكن الباشا أصر إنك تدخلي بيطري عشان تبقي دكتورة." هتفت بحزن. "عادي، بابا كان بيفكر لي في الأحسن ليا، وهو أدرى بمستقبلي." "ونوح عرف مستقبله. تقدري تقولي لي لو ما كان بص لحياته، كان زمانه فين؟
ما تقوليش أحسن من دلوقتي. شوفي نوح فين يا سما. نوح أشهر مصمم أزياء في سويسرا، متخيلة اللي أخوكي وصله من غير مساعدة حد." شردت قليلاً ثم هتفت بهمس. "بحمد ربنا إنه حقق حلمه، كفاية واحد حقق حلمه، أنا راضية." هتف ببرود.
"بس أنا مش راضي. زهقت من العيشة دي، إننا عايشين مع أهلك عشان ما نسبهمش لوحدهم. لكن أنا راجل نفسي أعيش حياة مستقلة، أربي ابني براحتي، مش كل شوية ألاقي حد بيتدخل في حياتنا. سما بعد ما نلاقي نوح لازم نشوف شقة ونستقبل بقا، أنا مببعدكيش عن أهلك، لكن أنتِ زوجة لازم تقدري دا." كان نوح يجلس على مقعده، يمسك قلمه بين أصابعه بثبات وهو يرسم تصميمًا جديدًا. تطوف بعينيه خطوط دقيقة تنسج فكرته بثقة.
كان الفستان قصيرًا، ينتهي أعلى الركبة بكثير، مصمم بحمالات عريضة تنساب على الكتفين بانسيابية، وتبرز جمال عظمة الترقوة دون مبالغة. يتوسطه من الأمام شريط من القماش الشفاف، يمتد من تحت الصدر حتى ما بعد الركبة بمراحل، يكشف لمحات ناعمة من الساقين، لكنه مُطعم بتطريزات دقيقة أشبه بنجوم متناثرة. الخامة المختارة كانت مزيجًا بين الحرير الناعم والشيفون الشفاف، بدرجات لون البحر تنعكس عليه الإضاءة برقة.
الجزء الخلفي مفتوح قليلاً، ينتهي برباط ناعم يُعقد عند منتصف الظهر، بينما الجانبان ينسابان بانحناءة رشيقة تمنح الفستان توازنًا بين الجرأة والرقي. وضع القلم، وقف عن مقعده حتى يقوم بتشغيل أغنية هادئة "كيفك أنت". ودلف إلى المطبخ يحضر كوبًا من العصير وهو يتمتم. "تذكر أخر مرة شفتك… تذكر وقته أخر كلمة قلته… وما عدت شفتك وهلا شوفتك… كيفك أنت." خرج وجد معتصم يمسك الورق، يحدق به بدقة وهو يقول.
"تصميم تحفة يا نوح.. فيه جانب جريء وفي نفس الوقت خجول.. تحسه بيوصف إسكندرية معرفش ليه." شرد قليلاً وهتف بهمس. "لا وأنت الصادق.. ده بيوصفها هي." رفع معتصم أحد حاجبيه وهتف. "إيه ده.. ده الحوار في أنثى.. أنت لحقت ولا إيه؟ ده أنت مكملتش أسبوع في إسكندرية." جلس وهو يترشف من العصير ثم هتف. "والله يا معتصم معرفش، بس لقيت نفسي بفكر فيها من ساعة ما شفتها أول ما نزلنا مصر." اعتدل في جلسته وهتف بحماس. "مين دي؟ شوفتها فين؟
أنت روحت حتة أصلاً؟ "بعدين بعدين، سبها بظروفها. المهم شوف مبنى كويس ينفع شركة. أنت أكيد عارف المواصفات، ولو مفيش يبقى نأجر شوية ونشوف حتة أرض على مساحة كبيرة نبدأ فيها من الأول. بعد ما تلاقي الأرض تبدأ تنزل إعلانات إننا عاوزين موظفين، وطبعًا هنعملهم اختبارات. وابعت للمصريين اللي في سويسرا، قولهم إني هحتاجهم ينزلوا كل شهر أسبوع مصر، يعني يكون ليهم إيد في سويسرا وهنا كمان." أومأ له معتصم وهو يستمع له بدقة.
خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يخلع عنه الواقي ويخلع قفازات طبية، يضعها في القمامة. وهتف إلى طبيبة ملازمة له. "الحمد لله عدت على خير. لو عدى 48 ساعة عليها يبقى عدت مرحلة الخطر." أومأ له زميله وهتف. "البنت مجاش معاها حد نهائي، حتى مفيش أوراق ليها، مش عارفين نكتب أي، وفي نفس الوقت مكنش ينفع مانستقبلش الحالة، لأن حالتها كانت حرجة جدًا."
"إصابة في الفص الصدغي من المخ، ده الجزء المسؤول عن الذكريات. النزيف أثر عليه بشكل مباشر، فيه احتمال كبير إنها تفقد ذاكرتها، مؤقتًا أو حتى دائمًا، لحد الآن مش قادرين نحدد، لازم نراقب حالتها بعد الإفاقة. وكمان دراع مكسور، غير الكدمات اللي في جميع أنحاء جسمها. ربنا يستر." بعد مرور يومان، كان الوضع استقر قليلاً، لكن بعض القلق. كان نوح يحاول الوصول إلى موج ويذهب إلى السوق، لكن لم يصل إلى شيء.
موج مازالت في غيبوبة، ولم يصل الأطباء إلى شيء جديد. ينتظرون معجزة من الله، هو وحده قادر على كل شيء. كانت سما في هذه المدة تبحث عن رقم نوح وأي شخص يصلها له. وجدت رقم مدير شركته وقامت بالاتصال عليه. بعد ثوانٍ، جائها الرد. "الوو." هتفت سريعًا. "الوو، لو سمحت محتاجة أكمل نوح." عقد حاجبيه بغرابة من العشم الزائد. "نوح؟ أستاذ نوح مش فاضي يا فندم، خير؟ تمتمت سريعًا.
"يا أستاذ الله يخليك تخليني أكلمه، أنا سما أخته، بالله عليك خليه يكلمني." رد معتصم سريعًا. "حاضر حاضر، آسف والله معرفش." خرج من جناحه سريعًا، دلف إلى جناح نوح المجاور، فتح الباب دون إذن، يهتف بصوت عالٍ. "نوح نوح." خرج نوح من غرفة الملابس وهو يغلق أزرار قميصه، هتف بانشغال. "إيه يا معتصم، دخلت الحرامية دي؟ مد معتصم يده بالهاتف وهو يقول. "أختك سما. باباك في المستشفى." تجمّدت يد نوح للحظة.
نظر إلى معتصم بوجه خالٍ من التعبير، كأن الكلمات لم تصل بعد إلى عقله. ثم تقدم فجأة، وكأن قلبه سبق جسده، وأمسك الهاتف من يد معتصم دون أن ينبس بكلمة. قال بصوت خافت. "ألو؟ جاءت صوت سما من الجهة الأخرى، متقطعًا، مليئًا بالبكاء المكبوت. "نوح… نوح بالله عليك تعال بسرعة… بابا تعبان قوي.. دخل العناية.. والدكتور بيقول حالته مش مستقرة.. محتاجينك يا نوح." هتف نوح سريعًا والقلق ينهش قلبه. "عنوان المستشفى بسرعة يا سما، أنا جاي."
أخذ منها العنوان وهبط سريعًا، وخلفه معتصم خلفه سريعًا. صعد إلى سيارته وقام بتشغيل برنامج الموجه حتى يعرف الطرق. كان يقود بسرعة فائقة، كاد أن يصطدم أكثر من مرة. وقف أمام المستشفى بعد القليل من الوقت، ودلف سريعًا وهو يقف أمام الاستقبال ويهتف. "غرفة الأستاذ عبد العظيم الباشا." أعطاه الرقم، ولم ينتظر إلى باقي الحديث، هرول سريعًا على الدرج، لم ينتظر المصعد.
وقف في آخر الدور، وجد والدته تقف في المنتصف تنظر إلى الغرفة من النافذة الزجاجية. تقدم منها سريعًا وهو يقول. "أمي." استدارت له وارتمت في أحضانه وهي تقول. "أبوك يا نوح.. كان نفسه يشوفك يا نوح.. سامحه يا نوح.. أبوك ما ظلمكش يا ابني." رتب عليها بحنو وهو يغمض عينيه بقوة. جاءت سما وهي تحتضنه من الخلف. "نوح." استدار لها وهو يشدد على احتضانها. "سما.. كبرتي يا سما، كنتِ وحشاني أوي." "وأنت كمان يا نوح وحشتني يا حبيبي."
بعد السلامات والاشتياق بينهم ومقابلة نوح وسامح، وقف نوح أمام الغرفة ينظر إلى جسد والده النائم على الفراش. ظل ينظر إلى الغرفة. حتى جاء الطبيب وشرح له حالته. تقدم نوح حتى يجيب على هاتفه. لكن لفت نظره الغرفة التي تكون في آخر الصف. وقف ونظر إلى النافذة الزجاجية ونظر بصدمة وهو يهتف. "موج." جاء الطبيب خلفه وهو يقول سريعًا. "حضرتك تعرفها بجد؟ أي معلومات عنها؟ تلجلج نوح في الحديث وهتف. "حالتها إيه؟ هتف الطبيب بهدوء.
"إصابة في الفص الصدغي من المخ، ده الجزء المسؤول عن الذكريات. النزيف أثر عليه بشكل مباشر، فيه احتمال كبير إنها تفقد ذاكرتها، مؤقتًا أو حتى دائمًا، لحد الآن مش قادرين نحدد، لازم نراقب حالتها بعد الإفاقة. وكمان دراع مكسور، غير الكدمات اللي في جميع أنحاء جسمها. ربنا يستر. وبقالها يومين في غيبوبة، مش عارفين ناخد أي إجراءات. حضرتك مين؟ رد نوح بجدية. "جوزها…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!