نوح بجدية: -جوزها. كنت مسافر وهي اختفت وأنا قلبت مصر عليها. فجأة والدي تعب وزي ما أنت شايف. هتف الطبيب: -طب حضرتك إيه أوراق شخصية للمدام علشان لحد دلوقتي مش عارفين نتصرف. وبعدين هنستنى المدام تفوق، لأن دي حادثة وفي محضر مفتوح.
أومأ له نوح وغادر الطبيب. وقف نوح يهاتف أحدهم وهو يخبره ماذا يفعل، ثم وقف ينظر إلى الزجاج الذي يفصل بينه وبينها. جسدها الممتد على الفراش، الكثير من الأجهزة بجانبها، والأسلاك محاطة بجسدها. ذراعها الملفوف بجبيرة طبية، وجهها الكدمات تملأه باللون الأزرق الداكن. تخيل صوتها وهي تنادي عليه أثناء شرائه للأسماك، ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم عاد إلى والدته حتى لا يشعر أحد بالوضع.
بعد مرور أكثر من ساعتين، كان والد نوح قد فاق ودلفوا إليه. كان نوح يقف أمام الباب يمسك بالمقبض، قلبه يؤلمه، أيدخل أم لا؟ وفي النهاية فتح الباب وألقى نظرة إلى والده الذي نظر إليه بلهفة وشوق. اقترب نوح بهدوء وجلس بجانبه على الفراش ورفع يده يقربها من فمه ليقبلها: -حمد الله على السلامة يا بابا. اغرورقت عين عبد العظيم من كثرة الندم الذي يملأ قلبه، فهو سبب الغربة وظلم نوح وهتف: -سامحني يا ابني. هتف نوح سريعًا
وهو يضع يده على فمه: -لا يا بابا متقولش كده، اللي حصل حصل. دُق الباب ودلف معتصم وهو يقول: -السلام عليكم، حمد الله على سلامة حضرتك يا فندم. -الله يسلمك يا ابني. ونظر بغرابة إليهم، من هذا؟ نظر إليه نوح وهتف: -دا معتصم يا والدي، سبب في كل اللي أنا فيه. حمحم معتصم بإحراج: -لا دا كرم ربنا مش أكتر. فرصة سعيدة جدًا بحضراتكم. نوح عاوزك في شغل. أومأ له نوح وخرج معه. فتح معتصم الملف:
-دا الوقت اللي لقيناه في الأوضة. شهادة ميلاد ليها وبطاقة، وكمان إعلان لكورسات تعلم لغة فرنسية وبس. بس أوضة إيه يا نوح، حرفياً الفراخ متقعدش فيها. حيطة مشققة، مرتبة طالع عينها، حصيرة مشوفتهاش من ساعة بيت جدي، بوتجاز اتنين شعلة صغير. أغمض نوح عينيه على ما تفوه به معتصم. لقد عانت كثير هذه الجميلة. التقط منه البطاقة وهو يقول بصوت هامس: -موج... موج. تحدث معتصم بغرابة: -عاوز أفهم بقى فيه إيه؟ ومين دي؟ ...
أوعى تكون دي اللي أنت... قاطعه نوح قائلًا: -أيوه هي يا معتصم، تعالى معايا. سار معه معتصم حتى وقف أمام غرفتها. طالعها بنظرات غريبة، هذه الفتاة من سرقت قلب صديقه. الآن لا تشعر بشيء نهائي. نبضات قلبها على الجهاز هي من تطمئنه. هتف نوح: -تتصرف يا معتصم وتجبلي قسيمة جواز باسمي واسمها. نظر إليه بصدمة وكاد بؤبؤ عينه يخرج من مكانه: -أنت عاوزني أزور يا نوح؟ رد عليه ساخرًا: -هي أول مرة ولا إيه يا صاصا؟
في ساعتين تتشقلب وتجبلي العقد علشان أقدمه للمستشفى. يلا. غادر معتصم وهو يضرب كف على كف على ما يفكر به صديقه. أيعقل وقع بالحب في أقل من أسبوع؟ لا لا، لقد فقد عقله تمامًا. بعد مرور أسبوع. كان الوضع استقر. والد نوح غادر المشفى، ونوح يمر عليهم للاطمئنان، لكنه مقيم في المشفى سرًا.
في غرفة موج، كان نوح يجلس على المقعد أمامها. فهو منذ يومين وهو يظل بجانبها طوال اليوم ويغادر آخر الليل ليبدل ملابسه ويرتاح قليلًا ويعود في الصباح. وقف معتصم أمام الغرفة ودق الباب ودلف: -هتفضل كده لحد امتى؟ هي بقالها أكتر من أسبوع في غيبوبة، وأنت مش بتتحرك من هنا وبعدين!؟ شرد نوح قليلًا وهمس، فهو مُحق، أغلق حياته عليها: -معرفش يا معتصم، مستنيها تفوق في أي لحظة. -ولو فاقت يا نوح هتقولها إيه؟ وأنت مين؟
وقف نوح وهو يضع يده في جيبه وأخذ نفسًا عميقًا: -معرفش، بس بنسبة كبيرة هتكون فاقدة الذاكرة. هاخدها على الفيلا. صدم معتصم بشدة وهتف وهو يجز على أسنانه: -أنت متخلف! تاخدها فين؟ أنت صدقت نفسك ولا إيه؟ أنت مش جوزها، دا عقد مزور يا بيه، فوق يا نوح. غادر معتصم وهو يغلي من الغضب. خطواته تُحدث صدى ثقيلًا في قلب نوح. لأول مرة يرى صديقه يفكر بهذا الشكل.
وضع يده على خصلات شعرها برفقٍ غاضب، كأنّه يُعاتب نفسه من خلال ملامستها. تنهد بحرقة، وحدّق في ملامحها الصامتة التي لا تُجيد سوى الصمت. أنجلس بجانبها على الفراش، يُداعب خصلاتها البنية الناعمة، كأنّه يخشى أن يُرهقها أو يجرحها. نظر إلى رموشها الكثيفة، كأنّها تحرس عينيها من العالم، ثم تأمل بشرتها القمحاوية التي ازدادت شحوبًا، لكنها ما زالت تحتفظ بجمالها، وكأن الزمن توقف عندها.
حدّق في ملامحها طويلًا، كأنه يبحث عن أي علامة حياة تدل أنها سوف تستيقظ. أغمض عينيه للحظة، شعر بأن الغرفة تختنق، وأن كل شيء من حوله يذكره بماذا فعل. مرّ يومٌ... تلاه آخر، ثم آخر، حتى مضى شهرٌ كامل على دخول موج إلى المشفى. كان نوح يجلس على مقعده المعتاد بجانب سريرها، يرمق ملامحها بصمتٍ ممتزج بالحب والاشتياق. لا يفهم كيف وصل إلى هذه المرحلة من التعلق...
يعشق فتاةً تتوسّد الغياب، ترقد بلا حراك، لا تدري من هو، ولا تشعر بوجوده. كانت الدقائق تمر عليه كأنها دهور، ثقيلة وبطيئة. كل لحظة تمضي بجانبها كانت تسرق شيئًا من روحه. مدّ كفه ليمسك بكفها، يضمّه برفق، كأنّ لمسته دعاء صامت. أغمض عينيه بتعب، يحاول أن يهرب للحظة من مرارة الانتظار، لكن قلبه ظل معلقًا بها، لا يعرف راحة إلا حين تتنفس. وفجأة، شعر بلمسةٍ ضعيفة على كفه...
لمسة خفيفة، لكنها أربكت كل شيء داخله. فتح عينيه بسرعة، ظنّ للحظة أنه يتخيل، لكنه نظر إلى يدها، فوجد أناملها تغلق برفق على كفه، كأنها تتمسك به من عالمٍ آخر. ارتجف صدره، وامتدت يده المرتبكة لتضغط زر الاستدعاء بجوار الفراش، ثم صرخ بانفعالٍ امتزج بالخوف والأمل: -ضغطت على إيدي.. حاسة بيا؟ دخل الطبيب سريعًا، اقترب منها وبدأ بفحصها بانتباه، ثم التفت إلى نوح بابتسامة مطمئنة، وقال:
-حاجة كويسة جداً. مدام موج بدأت تستجيب، وده معناه إنها بدأت ترجع للحياة. من هنا لبكرة ممكن تفوق. لكن قبل أن يُكمل الطبيب كلماته، قاطعه نوح وهو يحدّق فيها بدهشة، فقد لمح رمشة خفيفة في جفونها... اقترب أكثر، ركع بجوارها، صوته خرج هامسًا يتقطع بين الرجاء والدهشة: -موج... سمعاني... موج. بدأت جفونها تفتح قليلًا... ضوء خافت دخل إلى عينيها لأول مرة منذ شهر. عيناها تائهتان، باهتتان، كأنها لا تزال على الحافة بين العالمين.
اقترب الطبيب منها ومسك كفيها ليقول: -مدام موج... لو سمعاني اضغطي على إيدي. ضغطت موج على يده وقامت بفتح عينها بضعف حتى هتفت بهمس: -آآآه. ابتسم نوح بسعادة، لقد عادت، عادت يا نوح. ثم همس لنفسه: -اهدا يا نوح، فالطريق ما زال طويل. بعد مرور الوقت والكثير من الفحوصات للاطمئنان عليها. جلس نوح بمفرده مع موج. كانت موج تطالعه بنظرات غريبة وهو يشعر بذلك. قطع هو الصمت وهتف: -حاسة بحاجة غريبة صح؟ أومأت له برأسها بهدوء:
-بصي يا موج، أنتِ ضاع منك سنة اللي أنتِ مش فاكرة فيها حاجة. السنة دي أنا ظهرت فيها. علقتنا كانت غريبة وبسرعة، لأن أنا كنت حابب تكوني جنبي في أسرع وقت. بس فيه حاجة... هتفت موج بغرابة: -حاجة إيه؟ حمحم نوح بخفوت وهو يمرر يده في شعره بتوتر، كأن الأفكار تتزاحم في رأسه ولا يجد لها مخرجًا. كانت عيناه معلقتين بعينيها، مرتبك، خائف. صمت لحظة، أخذ نفسًا متقطعًا، ثم نطق بصوت عالي: -نتجوز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!