الفصل 23 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
22
كلمة
3,180
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

الباشا بخير، أصله… باعتني… أنا آسف والله على اللي هقوله، باعتني… أخد العربية يا فندم. علامات الدهشة ملأت وجهه، ويبدو أنه ارتكب أكبر خطأ حين اختار معتصم صديقًا، بل وأخًا له. التفت حوله فرأى العيون مسلطة عليه، ورأى موج تحدق فيه بقلق شديد من قدوم أحمد في ذلك التوقيت. أراد أن ينهي الحديث سريعًا قبل أن يقترب أحد منه. شكل الأمر وكأن خيوطًا خفية بدأت تنكشف، وابتسامات الوجوه من حوله لم تعد تخفي الريبة التي تسللت إليهم.

أحس بثقل يجثم على صدره، فحاول أن يجاري الموقف بابتسامة مصطنعة. رتب على كتف أحمد بهدوء قائلاً: "عيني يا أحمد." مد يده في جيبه وأخرج مفتاح السيارة، وضعه في كف أحمد، وهتف: "اتفضل يا عم أحمد، بس اقعد خد واجبك وامشي طيب." تمتم بشكر وأدب: "تسلم يا باشا، طول عمرك تفهم في الواجب، عن إذنك، والف ألف مبروك وربنا يرزقك بالذرية الصالحة يارب." غادر أحمد، فعاد نوح إلى مكانه جوار موج التي كانت تنظر إليه بعين يملؤها القلق.

اقترب منها، ووضع يده على خصرها ليضمها إلى صدره، ثم تطلع في عينيها فرأى ارتجافًا خفيًا ورغبة في السؤال. كانت تهم بالكلام، غير أنه قطع عليها همسها قائلاً: "متخافيش، مفيش حاجة." جاءت والدته من بعيد وهي تشعر بالقلق من تغير نوح، هتفت: "مالك يا نوح؟ وكمان مش ده الراجل بتاعك؟ وصحبك فين معتصم؟ تمتم بهدوء: "بعدين يا أمي، بعدين، خلينا لما الناس تمشي."

مضى بعض الوقت، خفتت الضوضاء شيئًا فشيئًا، وغادر المدعوون واحدًا تلو الآخر، حتى خلا المكان إلا من أفراد العائلة وبعض المقربين الذين انشغلوا بجمع ما تبقى من أشياء. وقف نوح إلى جوار موج، يمسك بيدها، غير أن ذهنه كان بعيدًا عما حوله. عينيه ظلتا معلقتين بالباب، وكأنه ينتظر حدثًا يوشك أن يقع. حاول أن يخفي ارتباكه بحديث عابر وضحكات مجاملة، إلا أن القلق كان يتسرب من نظراته.

وحين انقضت دقائق أخرى، وسكنت القاعة إلا من العائلة القريبة، التفت نوح إليهم جميعًا. نظر في الوجوه التي أحبته وأحاطته بالثقة، ثم أخذ نفسًا عميقًا وجلس بجانب موج التي اقتربت منه وهمست بصوت مرتجف: "نوح مالك؟ أحمد كان عاوز إيه؟ شد نوح على يدها وضغطها في كفه كأنه يسكب طمأنينته فيها، ثم قال بنبرة هادئة: "مالك قلقانة كده ليه؟ عادي يعني أحمد جاي ياخد العربية، عادي مش إحنا عارفين كده ولا إيه."

استمع الأب إلى الحديث وعقد حاجبيه بغرابة، ثم سأل: "ومعتصم صاحبك بعت ياخد عربيتك ليه؟ وكمان مجاش يحضر الفرح ليه؟ اعتدل نوح في جلسته وقام بمد يده ثم شمّر كم قميصه في حركة واثقة تحفي اضطرابه، واستعد لما هو قادم، وهتف:

"بما إن الكل قاعد، فـ أحب أقول كل حاجة بقا. ياريت محدش يقاطعني، معتصم استغل إني ما كنتش مدي له خوانه، وعامله توكيل عام بالبيع والشري، وباع لنفسه كل حاجة تخصني، حتى العربية اللي جه أحمد ياخدها. يعني أنا دلوقتي ما معيش حاجة، كل ما أملك، ثروتي كلها معتصم خدها." ضربته والدته على صدرها بقوة وهي تشهق قائلة: "يا مصيبتي، خلاك على البلاطة، وتأمن له ليه يا نوح؟ ده الأخوات ما بيعملوش كده، ليه يا بن بطني تعمل كده؟

صاح بها عبد العظيم بصوت عالٍ: "وفاء؟ فيه إيه؟ هو بيحكي علشان تقطميه ولا إيه؟ ابنك راجل مش عيل، وبعدين أكيد هيرجع كل حاجة، هو بس محتاج يفكر كويس." ثم استطرد موجهًا حديثه لنوح:

"بص يا بني، أنا يمكن غلط في حقك كتير، ما تزعلش مني. أنا أب، وأي أب بيكون نفسه ابنه يطلع أحسن منه، ويشوفه حاجة كبيرة. أنت لما مشيت أنا كان قلبي بيتعصر عليك من القلق، يمكن أمك ما كانتش تعرف ده وبتقول عليا جاحد وقلبي حجر، بس لأ، أنا أكتر واحد كنت قلقان عليك. كنت برضه خايف أموت وأنت بعيد ما تسامحنيش، ما كانش هيكون ليا وش أقف قدامك قدام ربنا. بس لما رجعت وشفت نجاحك اللي حققته بره مصر وجاي تكمل نجاح جوه مصر، عرفت إنك كنت قد كلمتك لما وقفت قصادي وقلت هعمل اللي أنا عاوزه. عشان كده لو ثروتك كلها راحت نتيجة لثقة زيادة، أنت تقدر ترجع ثروتك وتقدر تعمل غيرها كمان. أنت اللي عملت الثروة يا نوح، مش الثروة اللي عملتك."

تأثر نوح بحديث والده، لكن لم يعرف بماذا يجيب، فهو حقًا تائه، لا يعلم ماذا يفعل. ثوانٍ مضت، وهتف: "لأ يا حج، أنا مسامحك والله وعارف إنك كنت عاوز مصلحتي. محدش بيكون عاوز حد أحسن منه غير أب وابنه، أنا عارف ده. ربنا يطول في عمرك ويديك الصحة يارب." تحدث سامح قائلاً: "اللي حصل حصل يا نوح، المهم اللي جاي، أنت ناوي تعمل إيه؟

هم نوح بالحديث لكن قاطعه نوح الصغير وهو يأتي راكضًا من الغرفة، يمسك في يده علبة صاج، ثم وضعها في يد نوح قائلاً: "خد يا خالو، دي حصالتي بتاعتي. خدها كلها، أنا مش عاوزها ومش تخاف، دي بتاعتي مش بتاعت بابا وماما. أنا كنت بحوش عشان أجيب عروسة كبيرة لصفا، بس عادي، أنا مش زعلان." تأثر الجميع بحديث الطفل. مد نوح يده يحتضنه ويجلسه على قدمه قائلاً:

"شكرًا يا نوح، بس إحنا هنسيب الحصالة زي ما هي عشان نجيب عروسة لصفا وكمان نجيب عجلة لنوح، وأنا كمان هحوش معاك. ومن النهارده كمان." أخذ نوح من جيبه ورقة نقدية، ثم قام بثنيها عدة طبقات وقام بوضعها في العلبة الصاج قائلاً: "وليك كل يوم زيها، إيه رأيك؟ فرح نوح الصغير وقفز عن قدمه وهو يتمتم: "يعيش خالو نوح، يعيش خالو نوح." ابتسم الجميع على هذا الحديث. عاد نوح حديثه قائلاً: "استأذن أنا بقا، يلا يا موج." التفتت سما سريعًا:

"على فين يا نوح؟ هتروح فين؟ ما تيجي تقضي يومين في شقتي وأنا أقعد هنا مع ماما عشان تكون براحتك." ردت وفاء مؤيدة حديثها: "أيوه يا نوح، اعمل كده." رد نوح بحنو: "لأ يا ستي مش هعمل كده، أنا هاخد مراتي حبيبتي واقضي الليلة النهارده في أحلى فندق في مصر، ده الليلة فرحي يعني." همت وفاء بالحديث لكن قاطعها عبد العظيم: "خلاص يا وفاء، سيبه على راحته، هو عارف بيعمل إيه." "أيوه كده، سيبوني براحتي، بلاش تحسسوني إني عبء لو سمحت."

رد عليه: "لأ يا بني، متقولش كده، عبء إيه بس، ربنا يكرمك يا بني." *** في فندق الفور سيزونز الإسكندرية "سان ستيفانو" أفخم وأروع فنادق الإسكندرية، موجود داخل مجمع سان ستيفانو جراند بلازا على الكورنيش مباشرًا، يحيطه حدائق واسعة خضراء، يتميز بالعلو والفخامة، متعدد الغرف، يأتيه زوار خارج وداخل المدينة. دلف إلى الفندق وهو يمسك بيدها والسعادة تغمره من الداخل. وقفت في لحظة حتى هو نظر لها بغرابة. هتفت:

"ما بلاش يا نوح، هيكون غالي، وإحنا دلوقتي محتاجين الفلوس." "موج، أنا مش هقفل على نفسي، اللي بعمله طبيعي وكفاية أوي إني ما عملتش اللي يليق بيكي. ده حاجة بسيطة، وبعدين هو يوم وهننزل بكرة نشوف شقة إيجار. وبعدين النهارده كان يوم طويل، أول الساعة بقت ٤ الفجر، لازم نرتاح وأنا خلاص حجزت جناح من كام ساعة وزمانه جهز." أكمل السير إلى الداخل معًا. وقف أمام الاستقبال وهتف: "لو سمحت، فيه حجز باسم نوح عبد العظيم الباشا."

بدأ الرجل يبحث على الموقع ثوانٍ وهتف: "أيوه يا فندم، فيه جناح باسم حضرتك وكل حاجة جاهزة زي ما حضرتك أمرت. مع حضرتك شنط حد يطلعها؟ "لأ لأ، عاوز بس مفتاح الجناح والرقم وخلاص." أخرج له نسخة من المفتاح وأعطاها له، وتمنى لهم رحلة سعيدة. *** في الأعلى… قبل فتح باب الجناح، همس لها: "غمضي بقا عينك، وانسي كل حاجة. معتصم، الثروة، أهلي، أهلك وعمتك، عيشي معايا أنا وبس."

فعلت كما قال وأغلقت جفنها. قام بفتح الباب ثم انحنى بجسده، حملها بين يديه، ليحتضنها قلبه قبل صدره. شهقت بخفة حين وجدت نفسها معلقة في الهواء. أفسح المجال له حين فتح الباب أكثر بقدميه، تقدم خطوة تلو الأخرى… حتى استقر في منتصف الغرفة. اقترب منها بوجهه حتى شعرت بحرارة أنفاسه في عنقها، ليهمس وهو يقبلها قبلات متفرقة على سائر عنقها. "فتحي يا طماطم."

قامت بتفتيح عينيها، فوقع نظرها أولًا عليه؛ قربه الزائد، واختلاط أنفاسهما معًا، كأنهما أصبحا جسدًا واحدًا لا ينفصل. استدارت ببطء وهي ما تزال بين يديه، نحو الفراش الواسع المنثَر عليه الورد الوردي بطريقة شاعرية. كانت الشموع الصغيرة تضيء أرضية الغرفة، ومنامتها الستان معلقة بجانب منامته. التفتت نحو الشرفة، تستمع إلى صوت الموج العالي، الممتزج بصوت ميادة الحناوي…

"حبيت حبيت… نسيت أيامي نسيت… حسيت في عيونك آمالي… وأحلامي الجاية…" بهدوء شديد أنزلها من بين يديه، وكأنه يخشى أن يوقظ حلمًا ناعمًا. لامست قدماها الأرض، لكن يده ظلّت تحيط بخصرها كحارس لا يريد أن يترك مكانه. تلاقت العيون لحظة، فاصطدمت بنظراته الدافئة التي كانت تقول ما عجز اللسان عن البوح به. ابتسمت بخجل، بينما هو أزاح خصلة من شعرها المتساقط على وجهها ليتأمل ملامحها عن قرب.

جلسا معًا على طرف السرير، والورد المتناثر حولهما يفوح بعطر هادئ، فيما كانت أنغام ميادة الحناوي لا تزال تنسج خلفية حالمة للمكان، تغرقهما في لحظة لم يريدا لها أن تنتهي. همس بحنو طفيف: "عارفة، ما كنتش عارف إن دا كله هيحصل… بس كل اللي أعرفه إني كنت هوصلك بأي طريقة عشان تكوني معايا." ردت بكل خجل: "أنا مش عارفة كل ده حصل إزاي، وإزاي قدرت أسامحك و…" قاطعها قائلاً: "عشان حبيتينى ممكن؟

ابتسمت بخجل من حديثه الصريح، لكن قهقه هو بصوت عالٍ: "المرحلة دي تنسيها خالص، الطماطم أنا سايبها في التلاجة عند وفاء، مش في خدودك." خجلت أكثر، أراد أن يكسر حاجز الخوف بينهم، وقف وهو يقول: "طب تعالي نقف في البلكونة شوية." خرجت معه إلى الشرفة، والنسيم البحري يلامس وجهيهما بلطف. امتد البحر أمامهما، أمواجه تتمايل في انسجام مع صوت ميادة الحناوي القادم من الراديو القديم في أحد الأماكن على الشط.

وقفت مترددة بجانبه، فابتسم ليكسر صمتها قائلاً: "شوفي، البحر لما بيهدى بيشبه القلب لما يطمن." التفتت إليه وهي ما زالت تحتفظ بخجلها، فاقترب منها خطوة صغيرة، ثم همس بنبرة هادئة: "وجودك جنبي مخليني حاسس بالأمان." مد يده برفق كأنه يريد أن يطمئنها لا أكثر، فتلاقت نظراتهما في لحظة صادقة. لم يحتج الأمر إلى كلمات أخرى، فالصوت البعيد للأمواج أكمل ما عجزا عن قوله. *** نقطة التقاء الأحبة *** في صباح اليوم التالي…

وقفت سيارة سوداء أمام مبنى عالٍ. هبطت منها فتاة في منتصف العشرينات، ترتدي كنزة بحمالات رقيقة باللون الأبيض، وتنورة تصل إلى ركبتها باللون الأسود، وعلى رأسها كاب أسود بنفس لون الحذاء. وقفت أمام السيارة وهي تستمع لصوت إذاعة القرآن الكريم في الراديو السوبر ماركت وكانت سورة "الكهف". "إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا" هتفت بهدوء بعدما أخذت نفسًا عميق:

"صدق الله العظيم." دلت إلى المبنى، ثم وقفت أمام المصعد. جاء بعد ثوانٍ، صعدت وقامت بالضغط على زر الطابق السابع. ثانية تلي الأخرى، حتى وصلت إلى الطابق. خرجت واتجهت إلى أحد الشقق، قامت بوضع إصبعها على زر الجرس، لكن لم تبعد أصبعها. جاء صوت صراخ من الداخل بعد دقائق: "ماشي يا اللي على الباب، وريتك." فتح الباب بقوة وهو يتوعد. لم يقف أمام الباب لكن صُدم قائلاً: "لـــيـــلـــى؟؟؟ صاحت به بقوة قائلة:

"أيوه ليلى يا معتصم. أنت بجد عملت كده؟ خدت ثروة نوح يا معتصم؟ الراجل اللي أمنك على ماله وحياته واعتبرك أخ ليه، تقوم تعمل كده تخونه يا معتصم." زفر بضيق ودلف إلى الصالون. جلس على أحد المقاعد قائلاً: "أنتِ جاية من سويسرا لمصر عشان تقوليلي البوقين دول يا ليلى؟ ولجت وهي تضغط على أسنانها من أسلوبه، قائلة: "أنت من امته بارد كده يا معتصم؟ أنت يطلع منك كل ده؟ واقفًا عن مقعده، قائلاً:

"ليلى، أنت دلوقتي معايا، كل ثروة نوح كلها، يعني فلوس كتير أوي غير ثروتي. تعالي نتجوز بقا، أنتِ عارفة من زمان إن بحبك، واهو معايا فلوس كتير." في نفس اللحظة سقطت صفعة قوية على وجنته جعلت أركان المنزل بأكمله تهتز. نظر إليها بصدمة وأحمر وجهه. ضم يده بقوة على بعضها قائلاً: "امشي يا ليلى، امشي عشان لو فضلت أنا هموتك، يا ليلى هموتك." همست ساخرة: "يا خسارة وألف خسارة على اللي طلع أزبل من اليهود."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...