الفصل 22 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
21
كلمة
2,957
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

أخذ نفسًا عميقًا، وصوته أصبح مليئًا بالحنو. "كنتِ لازم تقوليلي ده من زمان يا موج، قولتي متأخر يا موج متأخر. دلوقتي في الحال ده، مقدرش أشيل ذنبك." تركت يده سريعًا، كأن صاعقًا كهربائيًا قد سرى في جسدها من أناملها حتى قدميها. ثم تقدم خطوة أخرى نحوها، والتقط كفيها بين يديه الغليظتين. همس بحنو: "صدقيني أنا مش عارف هعمل إيه، ومش عاوز أمرمطك معايا. أنا نفسي مش عارف هعمل إيه." ردت عليه ساخرة: "أنت شايف هتسبني فين؟

يعني هو ده المكان اللي هتطمن وأنا فيه. نوح أنا محستش بالأمان غير وأنا معاك. مش هقولك وأنا في بيتك، لأن ميفرقش معايا البيوت، لكن أنا حسيت بالأمان والاحتواء معاك أنت. خليني معاك، الزعل والهم والحزن لما يتقسم على اتنين أحسن ما يشيله واحد." نظر إليها بعمق والسعادة تغمره من الداخل. لم تقل له "بحبك" لكن حديثها يوحي بكل ذلك. رتب على كفيها بحنو، كان صامتًا لا يجيب، ينظر إليها فقط. "يلا بينا على المأذون."

كانت هذه الجملة الوحيدة التي نطق بها، ف لمعت عيناها كأن أمامها قطعة من الألماس، لا رجلًا. اغرورقت عيناها بالدموع، ولم يكن في الحسبان أن تكون هذه هي الخطة. كانت تظن أن معرفتها بنوح ستنتهي عند مغادرته منزله.

مر ثلاثون دقيقة عليها وهو ينتظرها بالخارج. ثوانٍ معدودة وكان يُفتح باب الغرفة، طلت عليه بردائها الأبيض البسيط. رداء عبارة عن بنطال أبيض واسع نوعًا ما، وكنزة بيضاء بنصف كم، تعلوها قميص نسائي أبيض من خامة الشيفون، وزينت كل ذلك بالسلسال الذي تركه لها نوح قبل مغادرته. ابتسم ابتسامة واسعة حتى أن أنيابه ظهرت بوضوح من اتساع الابتسامة. تقدم عدة خطوات بسيطة وهو يطالعها بعيون تتلألأ. وصل إليها وتمتم: "جميلة أوي."

ابتسمت بخجل وقالت: "وأنت كمان." قهقه عليها قائلًا: "وأنا إيه؟ أنا بهدومي دي من امبارح تقريبًا، ونزلت بيها ورجعت وهروح أكتب كتاب كمان، وكمان فلست خالص، جايلك على إيه ده كله تاخدي عريس من غير حاجة خالص." ردت بجملة كفيلة لكل الحديث: "كفاية إن العريس أنت يا نوح." "ياااه مش عاوز حاجة تاني من الدنيا كده." "نوح أنت إذا كده، فلوسك وحياتك وشقاك كله تقريبًا راح وأنت حاسك يعني... أكملت حديثها: "بارد صح؟

رد سريعًا: "مش قصدي والله العظيم." أومأ لها برأسه دلالة على أنه لم يسيء الفهم، وهمس: "كبري دماغك، خلينا في المهم، يلا على المأذون." ردت بحيرة: "يلا بس في حاجة عاوزة أقولها." عقد حاجبيه بغرابة وهتف: "قولي غيرتي رأيك ولا إيه؟ "لا والله، بس إيه رأيك لو تجيب المأذون ونروح عند أهلك، أكيد كان نفسهم يشوفوك عريس ولا إيه؟ رفع أنامله

يضعهم في خصلاته وقال بقلق: "مش عارف الصراحة يا موج، مش عارف ليه بقيت عادي مش مرتبط إني أروح كل يوم ولا أكلمهم كل يوم، بس ممكن علشان الغربة فاتعودت أكون لوحدي." لمست بحنو: "ده طبيعي يا نوح علشان كنت عايش لوحدك، بس الفترة الجاية لازم تكون قريب من أهلك دول نعمة كبيرة في حياتك، علشان ماتندمش بعد كده." "حاضر يلا بينا." *** في الجهة الأخرى.

في منزل سليمان كان واقفًا عند البار المنزلي، يحضر كأسين بصمت مريب، وكأن وراء كل حركة معنى لا يُقال. أمسك الكأس وضع بداخله الثلج، ثم قام بفتح زجاجة نبيذ أحمر، وضع داخل الكأسين، وأمسكه بيده بإحكام، ثم خطا خطوات هادئة نحو معتصم. أعطاه كأسه وهتف: "كنت متأكد إنك مش هتفضل كلب سيدك يا معتصم." رد عليه معتصم بعصبية وهو يلتقط الكأس: "ما تنقي ألفاظك يا سليمان، في إيه إحنا هنخيب ولا إيه؟

"لا يا عم روق أعصابك وخد كأسك كده وقولي هنقسم إمتى؟ وضع معتصم الكأس على الطاولة، ثم غمس إصبعه في قطع الثلج يحركها بهدوء، وكأنه يفتش في برودتها عن شيء غامض، وهتف ضاحكًا: "نقسم إيه يا حبيبي؟ "ثروة نوح الباشا." تعالت ضحكات معتصم عند سماعه حديث سليمان. وقف عن المقعد قائلًا: "لا يا حبيبي الثروة دي كلها بتاعتي أنا وبس بالشركات كمان. إحنا اللي بينا الشغل وبس، غير كده لا." أُعجب

سليمان بحديث معتصم وهتف: "أول مرة أعرف إنك ذكي. ظل نوح الباشا كان مغطي عليك تقريبًا كده." "بطل تبخ سم يا سليمان علشان مبيجيش معايا الدور ده. ماشي يا سُلم يلا تيكير يا بيبي عندي شغل." غادر معتصم وترك سليمان يفكر ماذا يفعل حتى يتخلص من كل من نوح ومعتصم في ضربة واحدة. *** في جهة أخرى. في منزل عبدالعظيم الباشا، دوى طرق على الباب. خرجت وفاء من المطبخ وهي تمسح يديها بطرف عباءتها البيتية،

وتقول بصوت مرتفع: "حاضر ياللي على الباب مالك متصربع كده ليه، هنطر ولا إيه؟ قامت بفتح الباب وجدت سما تقف وهى تحمل صفا الصغيرة ونوح الصغير بجانبها والسعادة تغمرها، وهتفت: "مفاجأة يا ماما مفاجأة." ردت الأم بحنو: "مالك يا قلب أمك في إيه؟ مفاجأة إيه؟ "نوح يا ماما، كلمني وقال إن موج افتكرت وكمان هو أقنعها بالجواز وهيا موافقة وقال هيجيب المأذون ويجي يكتب الكتاب في بيت الباشا هنا."

نظرت إليها الأم بصدمة وفرحة في آن واحد. قلبها يرفرف من السعادة. تقدمت تمسك ذراع ابنتها قائلة: "بالله عليكِ يا سما وحياة عيالك، نوح قالك أنه هيجي هنا بالله عليكِ." ابتسمت سما ابتسامة واسعة وهي ترى فرحة والدتها: "والله جاي يا ماما، يلا بقى نظبط البيت ونفتح الباب ونبل الشربات كمان." وما إن أنهت جملتها حتى انطلقتا إلى الداخل مسرعتين، تحملان الحماسة نفسها.

وضعت سما الصغيرة صفا على السرير برفق، بينما جلس نوح الصغير على طرفه يراقب بعينيه اللامعتين. في تلك اللحظة، ارتفع صوت وفاء بزغرودة عالية هزت جدران البيت، كأنها تعلن للحي أجمع قدوم الفرح. ثم شرعن جميعًا في ترتيب البيت بحيوية، وبدأوا في إعداد الشربات استعدادًا للحظة المنتظرة. *** كان يصف السيارة عند أقرب مول فاخر، وهى تنتظره بداخلها. عدا القليل من وقت وجدته جاء من بعيد، صعد إلى السيارة وهتف: "اتاخرت عليكِ؟ هزت

رأسها نافية ثم سألت بفضول: "نزلت تعمل إيه يا نوح؟ "ولا حاجة كنت ببص على حاجة بس." شغل السيارة ووضع يده على ناقل الحركة، فلفت انتباهها أنه لا يرتدي ساعته المعتادة. هتفت في حيرة: "ساعتك فين يا نوح؟ ظل تركيزه على الطريق دون الحديث، لكن أعادت سؤالها مرة أخرى: "ساعتك فين يا نوح؟! رد وهو ينظر أمامه: "بعتها يا موج، بعتها." "بعتها ليه؟

قام بصف السيارة في مكان بعيد بعيد عن الطريق، والتفت إليها قائلًا: "بعتها يا موج علشان نعرف نعيش. ساعة زي دي تمنها أكتر من ربع مليون جنيه ساعة رولكس، وأنا مش هروح الفيلا أقوله هات هدومي وحاجتي." ثم استطرد ساخرًا: "ده اللي ناقص أروح أمد له إيدي علشان آخد حاجة اللي هي أصلًا حقي. المأذون أكيد عاوز فلوس، مش همد إيدي لأهلي أكيد. إحنا نفسنا علشان نعرف ندبر ونعيش نأجر شقة على قدنا نشوف حاجة نحط فيها الفلوس تجيب لنا فلوس آخر الشهر أنا مش هقعد حاطط إيدي على خدي يا موج، أنا بحمد ربنا إني كنت لابس الساعة وإلا بجد مكنتش هعرف أنا هعمل إيه."

لا تعرف بماذا تجيب. أمس كان يمسك مال لا يحصى ولا يعد والآن يدبر للمعيشة. تمتمت قائلة: "هتفرج يا نوح، وهترجع أحسن من قبل كده." *** بعد مرور ساعة. كان قد وصل نوح إلى منزل عبدالعظيم الباشا. ترجل من السيارة وموج أيضًا. استمع إلى صوت الزغاريد والتصفيق من الجيران وأهالي الحي. ضحك نوح قائلًا: "كنت متوقع إن أمي تشهر الجوازة قبل ما أنا أجي."

وجد نوح باب المنزل مفتوح من أوله لآخره، موضوع عدة مقاعد للضيوف، إنارة موضوعة على المنزل من أوله لآخره. ابتسم نوح وضرب كف على كف، وجد سامح ووالده يخرجان من المنزل. هتف عبدالعظيم: "كده يا نوح متقولش غير من ساعة يا بني ملحقناش نخلص ولا نعمل حاجة تليق بقيمتك أنت والعروسة." ابتسم نوح بحب من حديث والده وتقدم إليه، ثم انحنى يُقبل يده بحب قائلًا: "كتر خيرك يا حج على اللي عملته، تعبتكم معايا والله."

ابتسم والد نوح بحب وهو يرتب على كتفيه بفخر. تقدم سامح من نوح وهتف: "يلا يا بو نسب دخل المدام جوه سما مستنياها علشان تجهز والمأذون على وصول." في الداخل. دلفت موج إلى الغرفة وجدت سما ووفاء في انتظارها والسعادة على وجههم. قامت وفاء بالزغاريد عند دخول موج، واقتربت تُعانقها بحرارة قائلة: "مبروك، ألف ألف مبروك يا حبيبتي." ابتسمت موج وردت عليها قائلة: "الله يبارك في حضرتك."

اقتربت سما وهي تقول بفرحة: "تعالي بقى أنا جبت لك فستان تحفة بس يارب ذوقي يعجبك وكمان أنا اللي هعملك الميكب أنا كنت خدت كورس ميكب قبل كده هبهرك هبهرك." في تلك اللحظة غمر قلب موج شعور بالسكينة، كأن الله جبر كسرها ومنحها عائلة جديدة تحتضنها وتملأ فراغها. وبعد ساعة كاملة.

أشارت عقارب الساعة إلى الحادية عشرة ليلًا، يقترب منتصف الليل، ومع ذلك ظل الشارع نابضًا بالحياة؛ ضحكات، أصوات، وخطوات متزاحمة، كأنه لا يزال عند الخامسة عصرًا. وقف نوح مع الأهالي وكان هذا أول مرة يندمج نوح معهم منذ مجيئه، فرح كثيرًا بالحديث معهم.

دقائق ولج سامح من الباب ومعه المأذون. في تلك انفتح باب الغرفة ببطء، وخرجت منه موج بخطوات هادئة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يفيض رقيًا، ينساب حولها برقة كنسمة صيف ليلية. كان مكياجها هادئًا، يبرز ملامحها الطبيعية بلا تكلف؛ لمعة خفيفة على عينيها، وابتسامة صغيرة على شفتيها، وكأنها تشرق نورًا أكثر مما تضع زينة. ابتسم نوح عند رؤيتها، هيئتها الجبارة التي تخطف الأنظار. تعالت الأصوات والتصفيق الحار.

جلس المأذون في منتصف الأريكة، وهتف: "فين وكيل العروسة؟ نظرت موج إلى نوح بإحراج أنها بمفردها ولا يوجد معها أحد، لكن أمسك يدها المرتعشة، واستمع لصوت عبدالعظيم يقول: "أنا يا شيخنا، أنا وكيل العروسة، ودي بطاقتي." تقدم سامح وهو يقول: "وأنا شاهد يا شيخنا." جاء شاب آخر، يقف في آخر المكان، يقول: "وأنا شاهد يا سيدنا الشيخ."

رفع نوح نظره إلى مصدر الصوت ووجد شاب ملامحه مألوفة عليه لكن لم يتعرف أكثر. وقف عن مقعده يحاول التعرف. سبقه سامح بالحديث قائلًا: "إيه يا باشا بتشبه ولا إيه؟ مش فاكر علي؟ علي اللي كنتوا بتزوغوا سوا علشان تحضروا حصة رسم في فصل تاني بدل حصة العلوم بتاعت أبلة منيرة." قهقه الجميع على الحديث، وفرح نوح كثيرًا ووقف يعانق صديقه بحب وفرحة أنه رآه بعد كل هذه السنوات.

هتف علي: "لا الباشا هيفتح إيه ولا إيه بقى، خلاص نسينا بقى نوح باشا." ابتسم نوح وهتف: "عيب يا أبو علي محدش ينسى أهله وناسه فينك يا علي؟ "كنت مسافر بقالي سنتين ولسه جاي يادوب حطيت الشنطة، وأمي قالت لي إنك رجعت وكمان بتتجوز قولت مين يشهد على العقد غير علي حبيب أخوه." تمتمت وفاء: "يلا يا ولاد اكتبوا الكتاب وبعدين قضّوها سلامات بقى، يلا يا شيخنا ابدأ." قام الشيخ بفتح الدفتر وتدوين كل شيء، جاء عند خانة المؤخر.

"هتكتب مؤخر كام يا عريس؟ تحدثت موج سريعًا: "مش عاوزة مؤخر يا شيخ." التفت نوح إليها قائلًا بتعجب: "ليه؟! "مش عاوزة يا نوح." رد عبدالعظيم: "ده حقك يا بنتي المهر والشبكة والمؤخر كل ده حقك." هتفت موج: "يا عمو أنا مش محتاجة حاجة." "خلاص يا جماعة، اكتب يا عم الشيخ، المؤخر ٢ مليون جنيه." ردت سريعًا: "نوح." "في إيه ناوية تطلقي ولا إيه؟ اهدي خلينا نخلص الجوازة يا جدعان عاوز أخش دنيا."

بدأ المأذون يتلو كلمات العقد، وصوته يملأ المنزل بهيبة الموقف. نوح، مد يده ليضعها في يد عبد العظيم، والعيون كلها تتعلق باللحظة. ومع كل كلمة كان المأذون ينطقها، كان نوح يرفع بصره إلى موج وكأنه يكتب معها حوارًا صامتًا، لا يسمعه سواهما. نظراته تقول الكثير... تردد، شوق، وغصة في القلب. حتى إذا وصل المأذون إلى ختام المجلس، ارتسمت ابتسامة مطمئنة على وجهه، وقال بصوته المميز: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." وفي تلك اللحظة، انفجرت الزغاريد تملأ المكان، كأنها إعلان رسمي ببدء فرحة العمر. الكل بدأ يبارك ويصافح ويبتسم، والقاعة امتلأت بالتهاني والضحكات. لكن وسط كل الأصوات العالية، عين نوح مازالت معلقة بعين موج، يقرأ فيها ما لا يُقال بالكلمات. اقترب منها ممسك يدها معلنًا عن حبه صريحًا لأول مرة: "بحبك." قاطعهم دخول أحمد الحرس الشخصي لدا نوح سابقًا، يقول: "نوح باشا."

تقدم نوح منه قائلًا بقلق: "أحمد؟ خير يا أحمد معتصم حصله حاجة؟ "لا يافندم، الباشا بخير، أصله... باعني... أنا آسف والله على اللي هقوله باعني... أخد العربية يا فندم." "........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...