الفصل 12 | من 35 فصل

رواية نوح الباشا "سفر كرياتور" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا الشرقاوي

المشاهدات
22
كلمة
2,423
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

نـــزلتــي لـــيــه يا مووج؟ انطقي، أي سبب خوفك من عمتك؟ أول مرة أشوفك كده. ..... انطقي يا موج. تفتَّت بكل ما تحمله من برود: -مفيش يا نوح. تحركت بعيدًا عنه. هو ما زال يقف مكانه. استدار لها وأمسكها بإحكام من يدها ورد بعصبية: -موج، أنتِ لحد دلوقتي مشوفتيش غضبي. تلاشي غضبي يا موج، علشان ساعتها هتزعلي. خليكِ في الحنية وبس. كانت تُحاول فك يدها من قبضة يده القوية وهي تُتمتم: -أنت مالك يا نوح؟

سبني في حالي بقا. روح شوف شغلك وحياتك، متعملش نفسك خايف عليا. ترك معصمها بدهشة من حديثها. وهي انشغلت في تدليك معصمها من قبضتهُ، هتف وهو يُطالعها بصدمة: -معملش نفسي خايف عليكِ؟ أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتي ولا إيه؟ -لا متجننتش، لكن خلاص بقا سبني في حالي. أقولك تعال نطلق وخلاص، كُل واحد يروح لحاله. ابتعد عنها وهو يستمع إلى حديثها الذي يُشعلل غضبه. أغمض عينيه وهو يُحاول تهدئة نفسه قبل أن يثور عليها

وتحرك إلى الباب وقال: -هسيبك دلوقتي، علشان لو جيت نحيتك صدقيني يا موج غضبي يحرقك ويحرقني. ولم تستمع إلا إلى صوت الباب وهو يغلقه بقوة. جلست أرضًا وهي لا تعلم لماذا فعلت هكذا؟ تثير غضبه لماذا؟ ليس له دخل، يريد فقط أن تكون مطمئنة. كُل شيء مُشوش بداخلها. في الأسفل، دلف إلى غرفة مكتبه، يحاول ضبط أنفاسه قبل أن يصعد إليها مرة أخرى ويُحطم رأسها على ما تفوهت به. جلس وهو يُفكر ماذا يفعل. ثم بعد حين تذكر ذلك اليوم المشئوم.

"عودة للماضي" -ما تنطق يا روح أمك، إحنا هـ نتحايل عليك ولا إيه؟ كان ذلك حديث نوح إلى شاب يقف أمامه في بداية الثلاثينات. الدماء تسيل من أنفه أثر ضربة نوح له. جرح في جبهته، الكدمات تظهر عليه كأنها لوحة فنية يرسمها صاحبها بكُل مزاج. -والله يا باشا معرفش حاجة. كُل اللي اعرفه، إن واحدة ست أدتني صورة بنت وقالتلي أخبطها بس كده. لكن هي مين؟ واشمعنا البنت؟ والله العظيم ما أعرف.

اقترب نوح وهو يقبض عليه من تلابيب ثوبه الذي لم يتبقَّ منه إلا القليل. كثير من القطع. رفع يده حتى يلكمه مرةً أخرى، لكن أمسك مُعتصم يده وهتف: -كفاية يا نوح، الولا هيموت في إيدك. سيبه أو سلمه، هو معندوش معلومات تانية خلاص. خد علقة مخدهاش حمار في مطلع. تركهُ نوح وهو يزفر بتعب وعصبية. جلس على المقعد وهو يقول:

-بُص ياض أنتَ، أنا ولا بلطجي ولا قطاع طرق، بس أعرف أجيب حقي. يعني مش خواجة. هسيبك تطلع من هنا واحمد ربك، وبوس إيدك وش وضهر إنها عايشة. غير كده كان زمانك في متر في متر والدبان الأزرق ميِعرفش لجثتك طريق. عرفت إن عندك عيال عاوز تربيهم، بلاش تبقى تربيتهم بفلوس حرام، علشان هتقعد تزرع تزرع وتسقي بحرام متفكرش إنك في الآخر هـ تحصد حلال. لا هـ تحصد حرام. خرجه يا معتصم، وطبعًا هو عارف لو اتكلم هيحصل إيه، يا رقبته يا رقبته برده.

بعد قليل دخل مُعتصم وهو ينظر إلى حال صديقه الذي تغير كثيرًا: -وبعدين يا نوح؟ طب ليه مشيته؟ وبعدين ليه مقصرتش المسافات وجبت عمتها وعرفت منها اللي أنت عاوزه؟ شبك أصابع يديه في بعضها ووضعها خلف رأسه وهو يأخذ نفسًا عميقًا ثم تنهد قائلًا:

-معرفش، صدقني معرفش. حابب أعرف كل حاجة منها يا مُعتصم. أنا مش عارف إيه اللي حصلي، حالي اتشقلب فجأة. بدأت أندم إني نزلت مصر. حاسس إني ببرظ حياتها في نفس الوقت حبيتها والله. وبرضه حابب أعرف كل حاجة منها وبراحة. أشفق على حاله وما وصل له ورتب على منكبيه، ثم شعر بالخجل مما سيقول. رد بتوتر: -نـــوح... هو أنت..... يعني قربت منها!!!؟ نظر إليه نوح سريعًا وهو يقول:

-لا واللهِ، مقربتش منها غير حضن وبوسة على رأسها وبس. أنا مش ندل للدرجة يا معتصم إني أقرب منها. آه مراتي وبموافقتها بس مقدرش آخدها كده. لما تفوق وتتأكد إنها بتحبني وعاوزة تكمل معايا، غير كده هرجع سويسرا، مقدرش أقعد هنا تاني. "عودة للحاضر"

فاق على صوت فتح الباب دون طرقه. علم أنها كان يعطيها ظهره وينظر إلى الزجاج الذي يظهر منه الحديقة الواسعة. أغمض عينيه بتعب مما يحدث معه. يعلم أنها سوف تعتذر وهو سوف يقبل الاعتذار وهكذا تنتهي الأمور. اقتربت وهي تحاول إخراج صوتها: -نــــوح.

استدار لها ووجهُ خالي من أي تعبيرات. يرسم الشدة والحزم على ملامحه. تاهت في ملامحه، غاضب، وجهه مصبوغ باللون الأحمر لكن هيئته جبارة. خصلات شعره الكثيفة التي يعشقها عندما يضع رأسه على فخذيها وتقوم بتدليك شعره. شفتاه التي تهبط على وجنتها تشعر بالحرارة والمشاعر. عينه التي لا يرى فيها غير الحنو. كان ينظر إليها وهو يعلم أنها تحدق به. هتف بكُل برود: -حضرتك هتفضلي تبصيلي كده وخلاص؟ خير يا مدام؟ في كلام تاني جاية تقوليله؟

ولا حابة أرن على المأذون؟ وقفت أمامه كالمُذنبة، تشعر بالخجل من حديثها معه. تمتم سريعًا: -نوح ممكن متزعلش مني، أنا بجد أسفة. -أسفة دي لما تدوسي على رجلي، لما توقعي عليا فنجان قهوة، مش تدوسي على قلبي يا مدام. -نوح، أنا مَكونتش أقصد، بس أنا كُنت متلخبطة من اللي حصل هناك وكمان لما روحنا عند أهلك. أنا بجد حاسة بلغبطة في كُل حاجة. حاسة إني كُنت حاجة وبقيت حاجة. أخذ نفسًا عميقًا. قلبه لا يُريد أن يقسى عليها، لكن ماذا يفعل؟

-خلاص يا موج، حصل خير. تقدري تتفضلي علشان عندي شغل. -لا لا شغل إيه بس؟ أنت هتيجي تقعد تكمل الحكاية. وقفنا عند بتاع الدهب. كانت تتحدث وهي يمسك كفها ويسير باتجاه الأريكة. لطيفة الملمس. جلست وما زالت تمسك بكفه. وهو واقف ينظر إليها بصمت. نظرت إليه بمعنى "اجلس". جلس بجانبها وهو يقول: -خير؟ عبثت وهي تقول: -لا لا. وش البرود دا مش لايق عليك. لو سمحت ارجع نوح... نوحــي أنا.

عقد حاجبيه وهو يستمع لهذه الكلمة للمرة الأولى "نوحــي أنا". لكن لم يُعقب حتى لا تشعر بالخجل. -طب ارجعي ورا كده حبة علشان آخد راحتي شوية. فعلت ما قاله. وهو اقترب وضع رأسه على ساقها. وضع هي يدها على خصلاته، لكنه هتف بتحذير: -هحكي لكن أنتِ كمان هتحكي، اتفقنا ولا أقوم؟ -لا لا احكي وأنا هحكي. -حاضر هحكي. بُصي يا ستِ. لما خرجت من عند بتاع الدهب بعد ما دلني على مكان الشغل... "عودة للماضي"

ركب نوح عربة مخصصة لنقل المواشي متجهة إلى الفيوم. وكانت تضج بأصوات الناس ورائحة القش والغبار. جلس في زاوية قريبة من مؤخرة العربة، يضم حقيبته الصغيرة إلى صدره كأنها أثمن ما يملك.

ألقى بنظره على الوجوه من حوله، فلاح يرتدي جلبابًا باهت اللون، امرأة مسنة تشد إلى صدرها قفّة مملوءة بما تيسّر، وأطفال يتشاجرون على كسرة خبز. كانت العربة تهتز مع كل حفرة في الطريق الترابي، والريح تدفع بالغبار إلى الداخل. كان ينظر إليهم وإلى نفسه بدهشة كأنهم في أحد الأفلام الذي يشاهدها. وفي تلك الفوضى، كان نوح يشعر بالغربة. غير أن في قلبه بصيصًا من نور يؤمن به. كانت ثقة بأنه سوف يصل هي من تقوده وليست قدميه.

قال في نفسه: "الفيوم ليست بعيدة... لعلها تكون بداية جديدة. لعلّي أجد هناك ما أبحث عنه أو طرف خيط جديد لأبدأ منه". بعد قليل، كانت العربة تقف أمام مزرعة المواشي. نزل نوح واقترب من أحد الأفراد الذين يقفون على الباب الكبير وهتف: -السلام عليكم، أنا نوح. قاطعه الرجل وهو يقول: -أهلاً نوح من طرف عم عبدالله بتاع الدهب. أجابه نوح سريعًا: -آه أنا نوح. أومأ له الرجل وسار ونوح بجانبه حتى وقف في آخر المزرعة وهو يقول:

-بص بقا يا عم نوح، عاوزين همتك مع الرجالة هتشيلوا كل شكاير العلف دي تنقلوها جوه، وهنشوفلك سكن مع الرجالة، هم معانا بقا. ألقى نوح الحقيبة على كتفه إحكامًا، ثم شدّ سيرها كأنه يثبت قلبه معها. كانت الشمس تعلو ببطء، تلمع على سنابل بعيدة وتصبغ الغبار بلون ذهبي خفيف. في الحظيرة، ترصت الشِّكائر كجدار خشن، وارتفع من المكان مزيج رائحة القش وحبوب الذرة المجروشة.

تقدّم نوح، وضع كفيه تحت أول شوال، جرّه باندفاعة حذرة، ثم رفعه إلى كتفه. غاص القماش الخشن في رقبته، فشدّ على أسنانه واتخذ خطوة ثابتة. كانت الأقدام تُحدث صوتًا على الأرض المبللة قريبًا من الساقية، والرجال يتناوبون الصعود والنزول كنبض واحد.

بعد انتهاء اليوم، كان نوح يشعر بالإرهاق والتعب. وجد نفسه يجلس في غرفة بها فراش حديد مثل فراش الزنزانة، حمام صغير للغاية، فرش رديء. وفوق هذا سوف يقاسمه شخص في هذه الغرفة لكنه في إجازة. وقف أمام المرآة ونظر إلى ملامح وجهه الباهتة، فهي لم تنعم بفراش للنوم منذ ليلتين. خلع عنه كنزته ولم ظهره بأنامله شعر بالألم. استدار قليلًا ليرى بعض الخدوش على ظهره. جلس أرضًا وانفجر في البكاء على حاله. "عودة للحاضر"

كان يسرد عليها ما حدث معه بالتفصيل. كانت تنظر إليه وهي تشعر بالألم على ما حدث معه؟ وكم عانى في حياته؟ من يرى هيئته، يظن أنه رجل أعمال منذ النشأة، وأنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب وليس أنه بدأ من تحت الصفر. عم الصمت عليهما وهو ينظر إلى عينها وما زال يضع رأسه على ساقيها. وهي تلاعب خصلاته. ابتسم لها ابتسامة باهتة وهو يظن أنه جرحه قد غلق، لكن فتح اليوم ونزف.

تنهد بعمق وأغلق جفونه. ثوانٍ وشعر بأناملها تسير على وجهه وتوقف على لحيته الخفيفة. تمتمت بهدوء: -نــــوح..... أنت كويس؟؟ فتح عينيه ببطء ورفع يده يمسك كفها يقربها من فاه ليقبلها بحنو: -أنا كويس، ماتقلقيش. حاول تغيير الحديث حتى يُغير الجو: -يلا الدور عليكِ، أحكيلي. -حاضر يا نوح، هحكيلك. لكن قاطعهم طرق الباب. اعتدل نوح في جلسته وسمح لها بالدخول. كانت كريمة مساعدة المنزل: -نوح بيه في حد بره بيسأل على حضرتك.

رد عليها نوح بغرابة، لأول مرة يأتي زائر لمنزله: -مين يا كريمة؟ -معرفش والله، دا باين عليه أجنبي عمال يرطن بالإنجليزية، مفهمتش منه غير مستر نوح مستر نوح. قهقهت موج على حديث كريمة وحمدت ربها أن جاء هذا الشخص حتى ينقذها من الحديث. استمعت نوح يقول لها: -هقوم أشوف مين على الباب. ثم استطرد بحذر: -ارجع تكوني مكانك، سامعه.

خرج نوح من المكتب وهو يهندم ملابسه وخصلاته التي أفسدتها له صغيرته. وقف أمام الباب، وجد شخصًا يقف يعطيه ظهره. -اتفضل يا فندم، نوح الباشا. التفت له الشخص وعلى وجهه ابتسامة خبيثة وهتف: -كيفك عـــزيـــزي نـــوح؟ ............................ في أحد المناطق الشعبية. كانت تجلس سيدة كهلة، لكن الخُبث والمكر يظهران عليها، مثل علامة الصلاة. تقول بكُل غل: -ملقتهاش بنت ال***. صاح بها ابنها بصوت عالٍ وقال: -يعني إيه ملقتهاش؟

وبعد ما خبطها راحت فين؟ أنا قولت هتمو*ت بعد الحادثة دي، لا وكمان ساعة ما شفتيها اختفت. عاملة زي عفريت العلبة في ثانية متلاقيهاش. بس هترجع مسيرها هترجع. -هترجع، لازم ترجع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...