في أحد الأحياء المتوسطة بالقاهرة، وفي العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم، والذي يفرض جوًا من الروحانيات الجميلة، كانت هناك فتاة منتقبة تسير باتجاه منزلها باعتدال، وهي منكّسة رأسها وكأنها تحصي خطواتها، حتى وصلت إلى بنايتها وصعدت حتى وصلت إلى إحدى الشقق وأخرجت مفتاحها ودلفت إلى الداخل وهي تقول: "السلام عليكم، أنا جيت يا مراة عمي."
لكنها لم تسمع سوى صوت خرفشة يصدر من صالة الشقة، وعندما تقدمت للداخل وجدت زوجة عمها، التي تعدت الخمسين من عمرها، تنحني أرضًا وهي تمسك بفرشاة وتقوم بحك سجادة ضخمة مليئة بالماء والصابون. "أمانة: كده برضه يا مراة عمي، مش قلتلك استنيني على ما أرجع وأنا هعملها." "نعمة وهي تلتقط أنفاسها: يا بنتي الدنيا صيام وأنتي بتبقي راجعة من الشغل تعبانة." "أمانة وهي تجذبها
لتعتدل وتنهض من انحنائها: قومي طيب، وأنا هغير وأصلي وأجي أكملها على طول." "نعمة: طب هدعكها على ما تصلي." "أمانة: يا نعمة هو حد بيجيلنا عشان السجاد يتوسخ، دول شوية تراب، وأنا هخليهالك فلة، روحي بس غيري هدومك دي أحسن تتعيّ وما تعرفيش تعمليلي الكحك." "نعمة ضاحكة: شوفي الجزمة... همها على بطنها." "أمانة وهي تتجه إلى غرفتها ضاحكة: يعني يرضيكي أعيد من غير الكحك والبسكوت." "نعمة وهي تذهب
هي الأخرى لتغيير ملابسها: لا يا حبيبتي ما يرضينيش... هعملهولك بكرة إن شاء الله." *** عند أذان المغرب، كانت أمانة قد انتهت من كل شيء، وجلست على مائدة صغيرة بجوار زوجة عمها لتناول الإفطار. "أمانة وهي تدلك كتفها: الله يسامحك يا نعمة، كتافي وقعت ومش لاقياها." "نعمة ضاحكة: ابقي اعملي لك غيرهم وأنا بعمل الكحك." "أمانة وهي تضيق عينيها: أنتي بترشيني." "نعمة: حاجة زي كده، وكلي يلا عشان هموت على كوباية شاي."
"أمانة: آه، وأنا... هشرب النسكافيه وهنزل بسرعة عشان هصلي العشاء والتراويح في المسجد... هتيجي معايا." "نعمة: مش قادرة يا بنتي، هصلي هنا." "أمانة: ماشي." *** انتهت أمانة من الصلاة وعادت سريعا بعد أن قامت بشراء مستلزمات السحور. وما أن دلفت من باب الشقة حتى سمعت صوت رجل، رقص له قلبها، وهو يتحدث مع نعمة بالداخل. لتضع ما بيدها على أقرب منضدة، وتطمئن على وضعية نقابها، ثم تلقي السلام بشوق هادئ.
"أمانة: السلام عليكم، حمد الله على السلامة يا نوح... إيه المفاجأة الحلوة دي." "نوح بنصف ابتسامة: أهلاً يا أمانة، تقبل الله، ماما قالتلي إنك بتصلي التراويح." "أمانة: تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، كل سنة وأنت طيب." "نوح: وأنتي طيبة." "نعمة بسعادة: لما الباب خبط فكرتك أنتي وما صدقتش لما لقيته قدامي." "نوح: أنا قلت أقضي الكام يوم اللي باقيين في رمضان وأعيد معاكي."
"نعمة: أحلى حاجة عملتها يا حبيبي، ما تتصوريش بعدك عامل فيا إيه، لولا أمانة الله يبارك لها كنت اتجننت من الوحدة." "نوح: ألف سلامة عليكي يا ماما، وانبسطي بقى يا ستي، أنا خلاص مش مسافر تاني." "نعمة وأمانة في نفس واحد: بجد." "نوح ضاحكًا: أيوه بجد... خلاص اتنقلت فرع القاهرة تاني والترقية كبيرة كمان." "نعمة بسعادة: ألف حمد وشكر ليك يا رب، أخيرًا يا ابني." "نوح: كل شيء بأوانه يا أم نوح." لتنهض أمانة وهي تقول:
"فطرت ولا أجهزلك فطار." "نوح: لا ولا حاجة خالص، أنا بس جيت أسلم عليكم وأتطمن على ماما وهمشي عشان عاوز أنام." "نعمة وهي تتلفت حولها: آه صحيح، هي فين شنطتك، وتمشي تروح فين." "نوح وهو ينظر بجانب عينيه باتجاه أمانة: أنا هنزل في أوتيل كده في وسط البلد على ما أظبط أموري." "نعمة بانزعاج: أوتيل... أوتيل إيه يا ابني اللي هتنزل فيه ده، وليه." "نوح ببعض التردد: أصل مش لوحدي يا ماما." "نعمة بفضول: معاك حد من زمايلك ولا إيه."
"نوح بتنهيدة قصيرة: لا... معايا مراتي." "نعمة شاهقة: إيه، أنت اتجوزت يا نوح." "نوح بتودد: ما تزعليش مني إني خبيت عليكي، بس الغربة كانت صعبة عليا أوي وأنا لوحدي، وأنتي عارفاني ما بعرفش أعمل لنفسي حتى كوباية شاي." "نعمة بلوم: تقوم تتجوز من غير ما تقول ولا حتى تديني خبر." "نوح بمداهنة: ما أنا بقولك أهو، حتى ما رضيتش أجيبها معايا لغاية أما أعرفك." "نعمة باستنكار: لأ فيك الخير يا ابن بطني." "نوح
وهو يقبل يدها: خلاص بقى يا ماما، قلبك أبيض." "نعمة: ومتجوزها من إمتى بقى على كده." "نوح وهو يحك رقبته من الخلف بحرج: من تلات سنين." لتضطرب نعمة على صدرها قائلة بحزن: "تلات سنين يا نوح... تلات سنين وأنت مش قايل لنا حاجة وسايبنا كده." "نوح ببعض الخجل: ظروفي جت كده يا ماما." "نعمة وهي تنهض غاضبة من مكانها: أنهي ظروف دي اللي بتتكلم عنها، ده أنت بتكلمني كل أسبوع، وكل مرة أقولك عامل إيه في الغربة...
تقوللي ماشية يا ماما، أصحابي ما بيسيبونيش. كنت بتكذب عليا طول المدة دي ليه يا ابني، ما قلتلناش ليه من ساعتها عشان خاطر حتى الغلبا... لتقطع نعمة حديثها وهي تنظر باتجاه أمانة، التي وإن كان نقابها يغطي وجهها، إلا أن دموعها قد بللته بشدة. لينخلع قلب نعمة عندما رأتها على تلك الحالة، لتلتفت إلى نوح مرة أخرى لتقول بنوع من الجمود والعتاب: "خلاص يا نوح، اللي حصل حصل يا ابني." "نوح وهو ينهض من مكانه وهو
يتحاشى النظر باتجاه أمانة: طب أنا همشي دلوقتي وهجيلك بكرة إن شاء الله أنا وهي عشان نفطر سوا وأعرفك عليه." "نعمة وهي على جمودها: إن شاء الله، مع السلامة." وبعد أن أغلق الباب وراءه، تتجه نعمة إلى أمانة لتأخذها بين أحضانها وهي تبكي قائلة: "حقك عليا يا بنتي، حقك عليا... أنا اللي غلطانة، ما كانش لازم أبدًا أعمّلك بيه من زمان من غير ما هو اللي يقول." "أمانة وهي تشهق بخفوت: مش أنتي بس اللي غلطتي يا مراة عمي...
أنا كمان غلطتي أكبر، بس النصيب، الحمد لله إنها جت على قد كده." لتتركها أمانة وتذهب إلى غرفتها لتخلع عنها نقابها وتقف أمام المرآة لتنظر إلى نفسها، لتجد ملامحها الجميلة التي حسدها عليها الكثيرون وهي غارقة في دموعها. لم ولن تصبح من حقه أبدًا. *** وعادت بذاكرتها إلى عشر سنوات مضت. *** "دخل نوح من باب الشقة وهو ينادي أمه: يا ماما، يا نعمة." "نعمة تخرج من المطبخ وهي تجفف يديها: إيه يا ابني، مالك عامل الهيصة دي كلها ليه."
"نوح: نجحت يا أم نوح وبقيت الباشمهندس نوح على سن ورمح." لتطلق نعمة زغرودة طويلة وهي تحتضن نوح بشدة قائلة: "أخيرًا... ألف مبروك يا حبيبي ألف ألف مبروك." "لتخرج أمانة من حجرتها بلهفة وهي تكاد تفتح عينيها من أثر النوم: خير يا جماعة هي نتيجة الثانوية طلعت ولا إيه." "نوح باستهزاء: ثانوية إيه يا فاشلة... أنا اللي نتيجتي طلعت ونجحت أخيرًا وأخدت البكالوريوس." "أمانة بسعادة: ألف مبروك يا نوح عقبال الشغل إن شاء الله." "نوح
بعلياء: ألف شركة تتمنى... ده أنا طالع التاني على الدفعة." "أمانة بتمني: عقبالي يا رب." "نوح باستهزاء: أنتي هتقارني نفسك بيا ولا إيه." "نعمة: بطل تكسير في مجاديفها كل شوية... أهي هي كمان نتيجتها يا النهاردة يا بكرة بالكتير وهتجيب مجموع يدخلها الكلية اللي هي عاوزاها." "نوح: أما نشوف، يمكن تكون السما هتمطر لنا شهادات."
لتدمع عينا أمانة، فدائمًا ما كان يتعامل معها بجفاء، ولكنها لا تستطيع الشكوى، ولمن تشكوه. فقد وعَت على الدنيا بأحضان عمها وزوجته، فلم تعرف أباها أو أمها. وكل ما علمته أن أباها قد طلق أمها وهي لم تكمل بعد عامها الثاني، وأخذها وذهب بها إلى منزل أخاه ووضعها بحجر نعمة لترعاها أثناء غيابه. فقد كان مهندسًا للبترول بنويبع، وبعد سفره وأثناء عمله سقط فوقه أنبوب ضخم تسبب بوفاته فورًا. لتدفع الشركة تعويضًا كبيرًا لأخيه وابنته ومعاشًا ليس بالضئيل لابنته. ليقوم عمها بوضع كل ما تقاضوه بحساب شخصي باسم أمانة تحت وصايته، وتكفل هو بكل احتياجاتها مع انقطاع أي خبر قد يكون خيرًا أو شرًا عن أمها.
لينمو شعور بالغيرة من نوح تجاه ابنة عمه التي استحوذت على اهتمام والديه لصغر سنها ويتمها، ولكنه لم يستوعب سوى أنها قد أخذت جزءًا من نصيبه فيهما. حتى مات عمها هو الآخر، وهي ما زالت في أول عام بالثانوية العامة. ولكن نعمة لم تجعلها تشعر باليتم للمرة الثانية، فاحتوتها وجعلت من كل منهما سندًا للأخرى.
وعند ظهور نتيجة أمانة، يتفاجأ الجميع بحصولها على ترتيب من العشر الأوائل، لتكرمها الوزارة والإعلام أيضًا عندما استضافتها إحدى البرامج بالتلفاز، لتفاجئ الجميع بارتدائها النقاب، والذي كانت تعارضه نعمة في البداية لصغر سنها، ولكنها بعد ذلك وافقتها عندما كانت تخاف عليها وقتما كانت ترى نظرات الإعجاب من الشباب والرجال. ورغم تهكم نوح الدائم عليها، إلا أنها كانت تقابل تهكمه بابتسامة من تحت نقابها عندما تتذكر قول زوجة عمها بأنها لن تكون إلا زوجة لنوح.
واستطاعت أمانة الدخول إلى كلية الهندسة مثلما نوح، الذي كان دائمًا ما ينظر إليها بتجاهل. ثم حدث أن جاء يوم، وهي بالعام الثاني بالجامعة، ليدخل نوح وهو يصيح كعادته على أمه ويقول: "أنتي فين يا نعمة." "نعمة من غرفتها: أنا في أوضتي يا نوح تعالى." ليدخل نوح مسرعًا إليها وهو يقول بسعادة: "أنا مسافر." لتزوي نعمة مابين حاجبيها باستغراب قائلة: "وعلى فين العزم إن شاء الله." "نوح بسعادة: دبي يا أم نوح...
دبي، الشركة رشحتني إني أتأقلم هنا." "نعمة ببهوت: تتأقلم، يعني هتفضل هناك على طول يا ابني." "نوح: دي فرصة ما تتعوضش يا ماما، خبرة وفلوس ومستقبل وكل حاجة، وبعدين كلها كام سنة وأرجع تاني." "نعمة: وهتقدر على الغربة يا ابني وأنت لوحدك، ياريتك يا أمانة كنتي مخلصة يا بنتي، كونتوا اتجوزتوا وأخدتها معاك." ليهتكم وجه نوح قائلاً: "أمانة مين دي اللي اتجوزها." "نعمة بغضب: وأنت تطول، جمال وأدب وأخلاق ودين، هتعوز إيه أكتر من كده."
"نوح يتهكم: جمال، فين ده." "نعمة بذهول: فين ده، لاهو أنت نسيت شكلها في السنتين دول، واللا دلوقتي اللي ماشاء الله كل ما تكبر كل ما تحلو زيادة." "نوح بجمود: بقولك إيه يا ماما شيلي الموضوع ده من دماغك خالص لو سمحتي، أنا يوم ما اتجوز مش هتجوز غير عن حب واكيد مش هتبقى أمانة." كانت أمانة في تلك اللحظة بخارج الغرفة تستمع إلى كل كلمة، لتنهال دموعها في صمت وتتجه إلى غرفتها لتختبئ بداخلها.
ويسافر نوح ويتركها مع أمه على مدار ثمان سنوات، انتهت فيهم أمانة من دراستها بتفوق لتلتحق بشركة مقاولات عملاقة يمتلكها والد إحدى زميلاتها، لتثبت كفاءتها في وقت قصير. *** "عودة." "أمانة وهي لازالت تنظر لصورتها بالمرآة: من زمان وأنتي عارفة إنه ما بيحبكيش ويمكن يكون كارهك كمان، زعلانة ليه بقى... انسيه وشيليه من قلبك وبصي لحياتك بقى... كفاية كده." ***
باليوم التالي، قبل أذان المغرب بساعة واحدة، كانت أمانة ترتدي نقابها وتقوم بتحضير بعض العصائر، في حين كانت نعمة تعد الطعام وهي متجهمة، لا تتحدث إلا اللمم. حتى قالت لها أمانة: "أنا غالية عندك." "نعمة باستغراب شديد: أنتي جاية تسأليني السؤال ده النهاردة يا أمانة." "أمانة: أنا مش بسألك، أنا بس بفكرك." "نعمة: بتفكريني بإيه يا بنتي." "أمانة: إني غالية يا مراة عمي، وعشان خاطري... بلاش ترخصيني." "نعمة
وقد فهمت مقصدها: عمري ما أقدر يا بنتي، ما عشت ولا كنت." "أمانة بصدق: ألف بعد الشر عنك، افرحي بجواز ابنك وباركيله وشيلي أي حاجة تانية من دماغك، وما تفكريش غير في سعادته وبس، وادعي ربنا إن مراته تطلع بنت حلال تحبيها وتحبك." لتومئ نعمة برأسها قائلة: "التسهيل على الله يا بنتي، ربنا يكتب لنا الخير من عنده." ليستمعوا إلى جرس الباب، لتذهب أمانة لاستقبالهم، وما أن فتحت الباب حتى لجمت الصدمة لسانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!