عندما تفتح أمانة الباب تجد أمامها فتاة ترتدي بنطالًا يكاد يكون طبقة جلد ملونة فوق جلدها، وبالأعلى سترة قصيرة. تضع وشاحًا صغيرًا يكاد يخفي نصف شعرها، وتضع الكثير من مستحضرات التجميل التي لا تتناسب مع الصيام والعبادة. تُشهق أمانة في تعجب وهي تقول: سهر!!! ليدخل نوح وهو يدفع سهر أمامه برفق قائلًا بتعجب: إيه ده! انتوا تعرفوا بعض؟ سهر: إنتي مين؟ أمانة: أنا المهندسة أمانة من شركة عبد الراضي. لتتجاهلها
سهر وهي توضح لنوح بسرعة: أيوه، قابلتها في الشركة اللي بشتغل فيها.. لما نزلت مصر السنة اللي فاتت عشان المشروع بتاعنا. يزوي نوح ما بين حاجبيه قائلًا: هو انتي بتشتغلي مع حاتم عبد الراضي؟ أمانة: أيوه. نوح باستخفاف: ووصلتيله إزاي ده؟ أمانة بهدوء: شركته أخدوا أوائل دفعتنا كلها، وكمان نيرة أخته تبقى صاحبتي. نوح بسخرية: امممم.. قلتلي.. صاحبتي. ليأتيهم صوت نعمة من الداخل: إنتوا عندكم إيه ده كله؟ ما تدخلوا.
ليدخل نوح إلى أمه وهو ممسك بيد سهر. التي ما إن رأت نعمة مظهرها إلا وحل عليها حالة من الصدمة الشديدة. ولكن نوح يذهب إليها ويحتضنها مقبلًا رأسها، ثم يجذب سهر لتقف أمامها وهو يقول: دي سهر مراتي يا ماما. ثم يوجه حديثه إلى سهر قائلًا: ودي بقى أعظم أم في الدنيا دي كلها يا سهر، عاوزك تعتبريها مامتك من هنا ورايح.
لتقع جملته على قلب أمانة كخنجر مغموس بالسم. فكم نهرها وهي لا تزال طفلة عندما كانت تنادي نعمة بأمي، فكان يصرخ بها ناهيًا إياها عن تكرارها، ويذكرها بأن أمها قد فرطت فيها وتركتها لهم دون أن تتذكرها يومًا واحدًا لسنوات طوال. لتفيق أمانة على صوت سهر وهي تقول بود مصطنع: طبعًا يا نوح.. مامتك زي مامتي بالظبط. لتقول نعمة بهدوء: أهلاً يا بنتي، اتفضلي.
ليجلس نوح مع سهر وأمه، بينما تذهب أمانة إلى المطبخ وتبدأ في وضع الطعام على مائدة الطعام. لتلتفت سهر إليها وهي تضع قدمًا على الأخرى وتقول باستعلاء: بس هو انتي برة وجوة كده على طول يا أمانة؟ أمانة: كده اللي هو إزاي يعني؟ سهر باستعلاء: يعني… بخيمتك دي. لتعتدل أمانة بوقفتها وهي تقول بهدوء شديد وكأنها تنتقي كلماتها حتى لا يخونها غضبها الداخلي: طالما إني موجودة مع حد مش محرم ليا ببقى كده يا مدام سهر. نوح بامتعاض:
إيه مدام دي، ما تتكلمي عدل. أمانة: كده أحسن يا ابن عمي، عشان مانشيلش الألقاب واتعود على كده وأغلط وأنا بتعامل معاها في الشغل. نوح: مش فاهم. أمانة: مدام سهر من يوم ما اشتغلنا سوا وهي بتحب تتعامل برسمية، فلساني اتعود أقولها يا مدام، مش هينفع دلوقتي أشيل الألقاب. نوح ببعض الغضب: يالا يا ماما، المغرب خلاص هيأذن. لتنهض نعمة وهي تراقب أمانة بحنو شديد حتى وصلت إلى جوارها لتقبلها على وجنتيها من فوق نقابها قائلة:
تسلم إيديكي يا أمانة… ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا يا بنتي. أمانة بامتنان: ولا منك يا رب يا مرات عمي. ليتحلقوا حول مائدة الطعام بانتظار آذان المغرب ليبدأوا إفطارهم. وبعد أن فرغوا من طعامهم واحتساء المشروبات، قامت أمانة بترتيب المكان وتنظيفه وجلي الصحون. ثم تركتهم لتتجه للمسجد لصلاة العشاء والتراويح. وبعد ذهابها: نوح: والأستاذة بتتأخر في شغلها ولا بترجع في معاده؟ نعمة ببعض الغضب:
الأستاذة طول عمرها عارفة حدودها والأصول كويس أوي، الدور والباقي عليك انت. نوح بدهشة: أنا.. وأنا عملت إيه؟ نعمة: حاططها في دماغك ليه، ليه دايما سامم بدنها في الرايحة والجاية، ليه دايما محسسها إنها قليلة وما تسواش، ليه مرخصها وهي غالية.. وغالية أوي كمان يا نوح. نوح باستخفاف: وهو أنا عملتلها إيه يخليكي زعلانة مني أوي كده عشانها؟ نعمة:
انت مش شايف نفسك بتتكلم معاها إزاي، طب يا أخي حتى لو هي وحشة، افتكرلها إنها هي اللي شايلاني السنين اللي فاتت دي كلها، كفاية إنها كانت بترفض كل عريس يتقدم لها لما تلاقي إنها هتبعد عني. نوح بدهشة: عريس! لأمانة؟ نعمة بسخط:
آه لأمانة، ومش عريس واحد، دول عرسان، وآخرهم حاتم عبد الراضي ذات نفسه اللي بيتمنى لها الرضا.. بس هي ترضى.. بس هي اللي ما وافقتش بحجة إنها ما تسيبنيش لوحدي، لدرجة إنه اتحايل عليها تاخدني معاها وهي اللي ما رضيتش. نوح ببعض الغضب: على إيه ده كله وليه يعني، دي مش باين منها حاجة حتى عينيها، اللي عاوز يتجوزها بقى هيتجوزها على أساس إيه؟ نعمة بفخر:
منهم من جيراننا اللي فاكرين حلاوتها وجمالها من قبل النقاب، ومنهم من زمايلها اللي حبوها على أدبها وأخلاقها وتدينها، أومال انت فاكر إيه؟ الراجل يوم ما يحب يتجوز ويفتح بيت بيدور على البنت المحترمة المتدينة اللي تراعيه ربنا وتصونه في غيابه زي وجوده. لتنهض سهر فجأة بعد متابعتها بصمت لحوار نوح مع أمه لتقول: مش يالا بينا يا نوح ولا إيه؟ نوح وهو مازال ينظر لأمه بتأمل شديد:
خلينا نستنى شوية يا سهر على ما أمانة ترجع، عشان مانسيبش ماما لوحدها. لتعود سهر للجلوس بامتعاض وهي تنظر بسخرية لكل منهما، بينما قال نوح لتغيير دفة الحديث: أنا عاوز أزور بابا الله يرحمه. نعمة: وماله، روح زوره واقرأ له الفاتحة، وقوله إنك اتجوزت، يمكن يتطمن عليك. نوح: هتيجي معايا؟ نعمة: لو عاوزني أجي معاك هاجي، أنا عمومًا بروح أزوره هو وعمك كل أول شهر عربي. نوح: مابتت تعبيش من المواصلات؟ نعمة:
لأ، مواصلات إيه، أمانة بتوديني بعربيتها. نوح بانبهار: هي جابت عربية؟ نعمة: يوووه من زمان، بقالها بتاع تلت سنين أهو. نوح: وعلى كده بتسوق كويس، وإلا سواقة حريمي؟ نعمة ضاحكة بفخر: لأاااا، حريمي مين، دي سواقة بريمو ماشاء الله عليها. تنظر نعمة إلى سهر وتقول: وانتي يا سهر، كنتي عايشة في دبي مع باباكي ومامتك واللا مين؟ سهر بفخر: لأ، لوحدي. نعمة بدهشة: طب وليه يا بنتي كده؟ سهر بعنجهية:
أنا مسئولة عن التعاقدات الجديدة في الشركة وعشان كده بتلاقيني في كل بلد شوية، وعشان شاطرة في شغلي وبقدر على اللي مافيش غيري يقدر عليه.. ماقدروش يخلوا حد يمسك نفس منصبي. لتومئ نعمة برأسها وتقول: وفين باباكي ومامتك؟ سهر: بابي عايش من سنين هو ومراته في اليونان ما بيخرجش منها، لكن مامي متجوزة وعايشة في فرنسا. نعمة وهي تحاول فهم خلفية زواج ابنها:
وعملتوا الفرح فين أومال، روحتوا اليونان لباباكي واللا فرنسا لمامتك، وإلا هما اللي جولكم دبي؟ سهر بسخرية: إحنا ماعندناش التعقيدات دي: أنا كلمتهم وبلغتهم إني هتجوز وباركولي وخلاص، ولما خدنا إجازة الهاني مون سافرنا لبابي أسبوع ولمامي أسبوع. نعمة وهي تومئ رأسها بحسرة وتنظر لابنها بعتاب: ربنا يهنيكم يا بنتي. ثم سألت نوح قائلة: وانتو هتفضلوا قاعدين في الأوتيل كده لحد إمتى؟ نوح:
ماهو مش هينفع أجي أقعد هنا وأمانة موجودة يا ماما. نعمة: وليه يا ابني، الشقة كبيرة وتساعنا كلنا. ليأتيهم صوت أمانة التي عادت من صلاتها وهي تقول: نوح عنده حق يا مرات عمي، السلام عليكم الأول. لتلتفت نعمة قائلة: وعليكم السلام، إيه بقى اللي انتي كمان بتقوليه ده؟ أمانة بهدوء وهي تضع بعض المشتروات من يدها: أنا ما بقيتش صغيرة يا مرات عمي، وإن الأوان إني أروح شقتي. نوح ببعض الغضب: وإنتي بقالك شقة من إمتى؟ أمانة بهدوء:
من سنتين. نوح: وهو ينفع إن بنت محترمة تقعد لوحدها؟ أمانة: مانا مش هبقى لوحدي. ليهب نوح غاضبًا ويقول بصوت عالٍ: أومال مين اللي هيبقى معاكي بقى إن شاء الله يا هانم يا محترمة، انطقي. لتحاول نعمة التحدث ولكن أمانة تشير إليها بالسكوت لتتكلم هي قائلة بصوت يشوبه الارتعاش من شدة انفعالها المكبوت: إنتوا اللي هتبقوا معايا يا نوح. لينظر إليها نوح بعدم فهم ويقول بامتعاض غاضب: إنتي هتجننيني. أمانة وهي تتنهد بشدة وهي
تحاول السيطرة على أعصابها: ماهو اللي انت ماتعرفوش إن شقتي تبقى الشقة اللي قصادنا على طول، عم إبراهيم لما طلع معاش قرر إنه يسافر بلده ويبيع الشقة، فأنا اشتريتها عشان أبقى جنب مرات عمي. فدلوقتي ممكن ترجعي بيت أبوك من الصبح وأنا هروح شقتي، ولو مرات عمي حبت تبقى معايا تنورني، حبت تفضل في شقتها.. برضه نفسها معايا ومتونسة بيها. سهر وكأنها قد ربحت اليانصيب: آه طبعًا تبقى معاكي، أكيد مش هتسيبيها لوحدك.
ليحتد وجه نوح بشدة وينظر إلى أمه ثم إلى أمانة قائلًا: الكلام ده ما اتقاليش ليه من زمان؟ أمانة وهي تحاول الذهاب من أمامه: احتمال مرات عمي نسيت أو ماحبتش تشغلك بأموري وهى عارفة إنك… لتصمت دون أن تكمل حديثها، ولكن سهر قالت: مايفرقش كتير يا حبيبي، دي حياتها الخاصة وأعتقد إنها مش هتفرق معاك كتير. ليتجه نوح إلى الباب ممسكًا سهر بيده وهو يقول:
إحنا هنمشي دلوقتي، وعلى ما نجيلكم بكرة إن شاء الله تكونوا اتفقتوا على اللي هتعملوه. ثم عاد مرة أخرى إلى أمه وهمس لها بشيء ما بأذنها جعلها تبتسم، ثم ذهب وتركهم. ما أن أغلق الباب ورائهم حتى خلعت أمانة نقابها وهي ترفرف بيديها أمام وجهها لتجلب بعض الهواء من شدة حرارة الجو. ثم أطلقت الشهادتين بخفوت وهي تجلس بجوار نعمة ثم قالت وهي تحاول الخروج من حالة الغضب التي تحوم حولهم:
أدي اليوم اللي وعدتيني تعمليلي فيه الكحك طار، عاجبك كده؟ لتضحك نعمة بشدة حتى دمعت عيناها ثم ضمت إليها أمانة وقبلت وجنتيها وقالت: ليكي عليا بكرة إن شاء الله أعملهولك. أمانة باعتراض: لأ يا ستي، بكرة ليلة وترية ومش هينفع. نعمة: هعملهولك بالنهار. أمانة باعتراض: يا سلااام، والحق أنا ألعب إمتى؟ نعمة بضحك: تلعبي.. يابت كبرى بقى. أمانة وهي تحتضن ذراع نعمة: دي الفرحة كلها في اللعب ده يا نعمة. ثم تشرد أمانة وهي تقول:
فاكرة عمي الله يرحمه، لما كان يقعد معاكي وإنتي بتعملي البسكوت ويدورلك المكنة، وكان يقعد يرصص لك الصاجات ويبص لك على الفرن كل شوية، كانت أحلى أيام عمري اللي لا يمكن أنساها أبدًا، وعشان كده بستنى افتكرها من السنة للسنة عشان أحس بريحته معانا. لتدمع عينا نعمة وهي تتذكر شريك عمرها، وعندما تلاحظ أمانة دموعها تنهض وهي تقول: قومي صلي العشاء يلا عشان أسحرك قبل ما أنام، وفكري هتباتي فين بكرة.. معايا واللا مع الناس التانيين.
لتقول نعمة باسمة: أقرر إيه بقى، مانوح قرر وأدانى الأوامر قبل ما يمشي. لتلتفت لها أمانة قائلة: آه صحيح... هو كان بيوشوشك بيقولك إيه وإنتي ابتسمتي بعده؟ نعمة: قالي ماتسيبيش أمانة عمي لوحدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!