نور برعب خبطت على باب الأوضة: بابا، ماما، افتحوا كدا! محدش رد. صرخت: كينان أنت جوه؟ رد عليا! لما موصلنيش رد، أعصابي سابت ونزلت على الأرض قدام الباب وأنا ببكي. فضلت أعيط بحسرة وخوف، محدش فتحلي. تخيلت كل ضربة صغيرة قد إيه هيكون ليها أثر عظيم على قلبه الرهيف. بصيت للسقف وحسيت بالدموع تنحدر جنب وداني لرقبتي. وبالرغم من شعورها المزعج مقدرتش أوقف، بالعكس دي زادت غزارة وحرارة.
لما لساني تحرك لمناجاة ربي، بقهرو تعب كلمت ربنا وصوتي كان بيتخلله بعض الشهقات بين الكلمة والتانية من كتر حسرتي، ومع كدا كملت دعاء وأنا قلبي مليان رجاء ورهبة وأمل، لأنه الوحيد اللي عالم واللي قادر. يا ربي، يارب أنا عارفة إني غلطت، عارفة إني أستاهل الموت حرق شنق. بس كينان ابني ملوش ذنب. ملوش ذنب فدا كله، أبداً.
يارب أنا جيتلك وإيدي فاضية، تايهة مش عارفة أعمل إيه، فمتردهاش لتوهتها تاني. يارب أنا تبت. تبت وحرمت، حرمت ومعنتش عايزة حاجة غير إني أشوف ابني مبسوط. يارب خد من صحتي وسعادتي ورزقي واديه. أنا معنتش قادرة أشوفه بالمنظر ده، معدش فيا طاقة لكله ده. أنت الوحيد اللي حاسس باللي في قلبي وعالم بتعبي، أنت الوحيد. متردش إيدي يا رب، متردش دعائي يا رب. واستغفرت كتير بصوت مبهم.
حسيت بالباب بيتفتح من ورايا. قمت بدوخة من كتر العياط والكلام. ولما اتفتح شفت كينان ورا بابا. كان في إيد ماما وهي نازلة فيه ضرب. جريت عليه شديته من بين إيدها وداريته في حضني: عملك إيه علشان تضربيه كدا؟ فاطمة بجشع ولهاث من الضرب: قولي معملش إيه؟ الحيوان جاي يدور في دولابي أنا وأبوكي ولما قفشناه لقيناه بيسأل عن شهادة ميلاده! اترعبت وحاوطته أكتر: ودا مش مبرر علشان تضربيه كدا! فاطمة بسخرية: هتستريحي يعني لما يكتشف رخصك؟
قولت بغضب: انتوا اللي بترخصوا نفسكم في نظري كل شوية! محمد: اتكلمي عدل بدل ما آجي أكمل عليكوا ضرب انتوا الاتنين! نغزة في قلبي شلت نطقي شوية، مش عارفة ليه، لربما خوف أو غضب. فسألت كينان براحة قدامهم: ليه يا حبيبي عملت كدا؟
كينان بانهيار: يـ يا نور، ف فية واحد صاحبي قال قالى إن شهادة الميلاد دي، بيبقى مكتوب فيها اسمي ورقمي وأبويا وأمي. بليل اتفرجت على فيلم كرتون كان فيه ولد قدي عايش مع ناس مش أهله، مكنش يعرف. فأنا خوفت أوي يا نور، لأنكوا طولت بتعملوا زي أهل الولد. كنت عايز أطمن. فاطمة ضربت بإيدها على رجليها: شوفتي؟ ربنا يخلصني منكوا!
حسيت برعشة في جسمه. في اللحظة دي مقدرتش أبعده عن حضني، فضلت أحضنه مش عارفة قد إيه بالظبط، بس مكنتش عايزة أبعده. ولما فقت لقيتهم قدامي، بصتلهم بنظرة كلها ازدراء وحقد، عيني كانت حرقاني من كتر ما فتحتها. مسكته في إيدي لأوضتي وبدأت ألم حاجتي. كينان: نور بتعملي إيه؟ آخر ذرة تماسك عندي كانت خلصت، ولم يبق منها سوى صوت رخيم: هنمشي من هنا، لم حاجتك يلا! كينان: هنروح فين بس؟
قولت بلخبطة: أنا شايلة قرشين على جنب، هنقضي بيهم الليلة في أي مكان على ما نشوف هنروح فين. كينان كرمش وشه وفضل قاعد لأنه خاف على نور. سابت الشنطة بتعب وقالت بحدة: كينان مش ناقصة هبل، مش هسمع رأيك المرادي، أنا أكبر منك وعارفة أنا بعمل إيه. كفاية لحد هنا، كفاية معنتش قادرة أتحمل! كور إيده بتردد، وكنت بحط آخر قطعة في الشنطة. مكنش عندنا هدوم كتير عموما. صوت فاطمة من قدام الباب: بتعملي إيه يا نور؟
نور: هيريحكم مني خالص، مش ده اللي انتوا عايزينه؟ فاطمة بسخرية: هتروحي فين؟ نور: هروح في أي خرابة المهم مقعدش هنا دقيقة كمان، أنا مش هفضل مستحملة القرف ده طول عمري مع إنكم عايزين تفضلوا كدا الباقي من عمركم! فاطمة: لقيتي حب جديد يعني؟ عايزة تخطي راس الولد في التراب! أنتي مش بتحرمي؟ أول مرة مقدرش أرد، مش من صعوبة الرد لا، من قرف الحوار. مسكت إيد كينان وبعتها عن طريقي.
محمد مسك إيدها بخشونة: لو خرجتي برا الباب دلوقتي، لا أحنا أهلك ولا نعرفك. ضحكت بسخرية، معرفش منين كنت جايبة كل الشجاعة دي. وقولت برفعة حاجب: بجد؟ ما أنا طول عمري عايشة في الهم ده. تستاهل الشكر. هتكون وفرت عليا تعب قلب مش أكتر! وشلت إيدي بالقوة ومشيت. واحد، اتنين، تلاتة. آخر خطوة وأكون خرجت برا القفص. مينفعش أرجع دلوقتي. وصلنا المحطة، وكانت القاهرة. حجزنا في فندق صغير على ما يفرجها ربنا.
صاحب الفندق كان بيبصلي نظرات مش كويسة بس أنا اضطريت أكبر دماغي، لأن الوقت كان اتأخر. وأول ما دخلت الأوضة، ربطت الباب. واترميت على السرير وأنا سامعة صوت العصافير بتخبط على الإزاز. كينان: مش هنصلي الفجر؟ سمعت دقة من دقات قلبي، وابتسمت غصب عني بالرغم من اليوم الكارثي ده. جميل يكون فيه نسخة صغيرة منك، بتضحك وبتفكر وبتتحرك قدامك، كأنك بتشوف نفسك في مرايا. نور بتعب نزلت لمستواه: فكرتني، أنت بقيت شاطر أوي. كينان: دا رأيك؟
نور بإبتسامة كانت لسه هتجاوب، لكن لفت نظرها حاجة في ركن الأوضة. عيونها وسعت وقالت بتهتهة: او.. ولحظة يا كينان، هـ هي دي كـ كاميرا!!؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!