بعد أن خرج هاشم من البيت، استفردت خديجة بنورة وانهالت عليها بالأسئلة المحرجة والكلام غير الموزون من امرأة راشدة. أما أختها خولة، فرغم صغر سنها، فهي متزنة وعاقلة. ولولا إلحاح أختها بالمجيء، لما قدمت من الأساس، لأنها تعلم جيدًا أن الوقت غير مناسب للضيافة. كما أنها تعلم بأفعال أختها المخزية، وحرصت أن تكون معها حتى لا تقوم بالمشاكل.
بالكاد تملصت نورة من أسئلة خديجة بأعجوبة، متظاهرة بتجهيز طاولة الغذاء. ونادت على صابر من وراء باب المنزل، فعلم هاشم بندائها أن الغذاء جاهز.
أقبل الجميع على طاولة الغداء، بعد ترحيب زوجي الأختين عثمان وناصر بنورة العروس. نال مذاق الأكل إعجاب جميع الحضور، الذين أثنوا على نورة من طريقة طبخها الشهي، باستثناء خديجة التي اعتبرته مالحًا ويصعب هضمه. فلم تبدِ نورة لها أي اعتبار، بل أحضرت لها لبنًا وقدمته لها مع الخبز، ونصحتها بشربه كي لا تظل بطنها خاوية طيلة اليوم.
في كل مرة تحاول خديجة إذلال نورة أو إنقاصها من قيمتها أمام الجميع، يكون لها هاشم بالمرصاد. حتى نورة ترد عليها بحكمة وفطنة لتتصدى لأسلوبها وطريقتها المستفزة. الحكيمر اليوم الأول على ما يرام، إلا أن الشيخ لم يكن مرتاحًا. فأمسك ببناته على انفراد وأوصاهما أن لا يعملا مشاكل مع العروس وأن يعاملاها كأختهما الثالثة، ولكن أذن سمعت وأذن لم تسمع.
في اليوم الموالي، تعمدت خديجة إخراج حاجيات زوجة هاشم الأولى المتوفية، المخبأة في القبو. ثم جمعتها ووضعتها على الطاولة أمام الجالسين في الغرفة. صعق هاشم عندما رأى أغراض زوجته السابقة أمامه، فانقبض صدره. ربما تذكر زوجته، فمهما كان، فهي كانت حبيبته الأولى وأم ابنه، وله عشرة طيبة منها لا تُنسى. فصرخ في وجه أخته خديجة: "ما الذي دهاك؟ وما أنت فاعلة بهذه الأغراض؟ "انظر يا أخي، هل تتذكر هذا الفستان الذي كانت تلبسه المرحومة؟
" زادتها بهاء. "كم كانت أنيقة وجميلة المظهر، وشهمة وابنة أصول، رحمة الله عليها." قامت نورة من جلستها وذهبت فورًا نحو غرفتها وأغلقت عليها الباب. "أيعقل يا خديجة أنك لم تظهري لك هذه الأغراض إلا بعد زواجي وأمام عروسي؟ أين كنتِ قبلًا؟ أم لك غرض ثانٍ من تصرفك الطائش هذا؟ وهل ستغارين من امرأة متوفية؟ زوجتك هذه!
غضب هاشم من تصرف أخته خديجة ولحق بنورة إلى غرفتهما. وكما توقع الأمر، وجدها تبكي بصمت. وعندما رأته داخلًا عليها، مسحت دموعها ولم تظهر استياءها أمامه. أما خولة وعثمان، زوج خديجة، فلم يدعا أي كلام ليوبخاها به. وأمر عثمان زوجته بجمع أغراض المرحومة وأن تخفيه أو ترميه أو أي كان، المهم لا تجعله يظهر أمام نورة مرة ثانية. وهددها أن تدع أفعالها الغبية هذه جانبًا، وإلا سيتركها ويرحل فورًا بدونها إلى قريته.
ردت عليهما خديجة أنها مغتاضة من نورة، لأنه لا يعلم لها أصلًا ولا فصلًا، كيف لها أن تكون عروسة أخيه بين ليلة وضحاها دون مشورتها؟ فهي تعتبر نفسها بمثابة والدته، بما أنها الأخت الكبرى، وعليه أن يبدي بموافقتها قبل أن يتزوج بها. قالت خولة: "وما دخلك أنت؟ هل أنت من ستتزوجين بها أم أخوك؟ قالت خديجة: "أرى هناك سر بالموضوع، وخاصة بعد سماعي لصابر بعض الكلام الغامض قبل أن يبتلع لسانه، وأفهم عنه بقية الموضوع."
قالت خولة: "أنت مصيبة يا خديجة، وليس لك أي عمل غير خوضك في الأمور التي لا تعنيك. استغفر الله وأتوب إليه." قال عثمان: "وهل ضغطي العالي ما وراءه إلا أختك هذه ومشاكلها؟ سأذهب إلى الخارج كي أتنفس قليلًا." كانت نورة تتجنب خديجة كلما صادفتها أمامها، فهي أصبحت ضيفة المنزل وخديجة صاحبتها. ولكن كانت تفضل الجلوس مع خولة والحديث معها على انفراد، مما زاد غيرة خديجة منهما.
وفي ذاك المساء، أخبر هاشم نورة واختيه أنه ذاهب مع عثمان وناصر للصيد، وقد لا يعودوا حتى غد مساء. لم تحب نورة فكرة مبيت زوجها بعيدًا عنها، خاصة أنها ليست مرتاحة في بيتها تلك الآونة. ولكنه أقنعها أنه لا يتأخر عن يوم فقط، ورحلوا بعربة ناصر بعدما وفروا طلبات وحاجيات المنزل. وما إن صافوا الطريق، حتى قدم أخ عثمان بعد رحيلهم بقليل إلى منزل هاشم باحثًا عن أخيه الذي يحتاجه في أمر ضروري، على حسب قوله للشيخ. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!