الفصل 19 | من 23 فصل

رواية نورة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
21
كلمة
859
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

حاول الشيخ أن يقنع هاشم بالتخلي عن الوساوس التي سيطرت على عقله، وأكد له أن نورة بريئة من كل الاتهامات التي لُفقت لها. اقترح عليه أن يأخذاها إلى طبيب المدينة ويعيدا كشفها من جديد، وسيبين له اليوم بالتحديد الذي حملت فيه، وبهذا سيعلم هل هي خائنة فعلاً كما يصفها أم بريئة. كي يطلب منها السماح ويعيدها إلى جناحه ويحتويها كزوج وليس ثائر. ما إن سمع هاشم الكلام حتى أصبح وحشًا كاسرًا.

قال: دعني يا أبي وشأني، فأنا لهذه اللحظة اشتعل غضبًا وأحترق من الداخل. دعني، ربما الأيام تطفئ جمرتي. قال الشيخ: سأدعك يا ولدي لتهدأ أيامًا، ثم نقوم بفعل ما أمرتك به. تمر الأيام وخديجة تسيء أكثر لنورة، وهي المسكينة صابرة على أفعالها وموكلة أمرها لمولاها، حتى استجابت دعوة المظلوم على الظالم. ذات نهار، يوم كانت تحمل خديجة دلوان مملوءتين من مياه البئر، فتعثرت قدمها والتوى كاحلها وسقطت سقطة لا يحمد عقباها.

كانت نورة حينها تطبخ لصابر الأكلة التي يحبها، فسمعت صراخًا وبكاء أحدهم، ولكن الصوت كان تقريبًا بعيدًا ولم يتبين صاحبه من هو، حتى تتبعته فوجدت خديجة مكبوبة على وجهها، غارقة في المياه والدلوان مرتميان بعيدًا عنها. أدركت أنها سقطت ولم تستطع النهوض بمفردها. هرعت إليها تجري، وهي ناسية كل ما فعلته بها سابقًا. فلو كان قلبها قاسيًا أسودًا لما شمّت بها فقط وانصرفت عنها بعدها، ولكنها ركضت نحوها لتساعدها.

قالت نورة: خديجة، هل زلقت قدمك؟ حاولي أن تنهضي. قالت خديجة: ألم شديد بكاحلي، لا أستطيع حراك قدمي ولا حتى يدي اليمنى. آآآه. يا ربي رحماك. قالت نورة: لا عليك، حاولي من جديد. قومي بالتمسك بي قدر ما تستطيعين، وسأمسك بك جيدًا حتى تقفين، ولو على قدمك التي لا تؤلمك.

بعد محاولات متكررة، استطاعت نورة رغم تعبها وضعفها أن تمسك بكل قوتها خديجة كي لا تسقط منها مرة أخرى، وأخذتها إلى الغرفة. حتى عاد الشيخ من السوق، فأحضر بعدها طبيبًا مختصًا إلى المنزل ليكشف مصابها، فاخبرهم أن خديجة قدمها اليسرى مكسورة ويدها اليمنى أيضًا كسرت إثر قوة السقطة التي حاولت تجنبها بكلتا يديها. حينها على الفور، أجرى الشيخ عربة وأخذ خديجة إلى المدينة كي تقوم بجبس يدها ورجلها.

كانت خديجة لا تقوم من سريرها إلا بعناء تام، ولا حتى قيامها بأخذ لقمة واحدة إلى فمها دون أن تسكب نصفه عليها، لأنها ليست معتادة على الأكل بيدها اليسرى. فمن كان الوحيد الذي يساعدها في عجزها هي نورة ولا غيرها. كانت خديجة مع الأيام أصبحت تشفق على نورة، فهي واضحة التعب. ورغم تقيؤها المستمر وضعفها، فهي تقوم بخدمتها وخدمة حاجيات كل البيت. قالت خديجة لنورة: لما تفعلين معي كل ذلك وأنا لم أتلق منك إلا كل سوء وشر.

أجابت نورة: أنا لا أحمل ضغينة لأي أحد، حتى لمن قسى علي ذات يوم. كل ما أفعله سأدع الأيام تقربه مني زلفًا أو تبعده عني بعد السماء والأرض. لا غير. وأنت يا خديجة، أخطأتِ بتصرفاتك نحوي كثيرًا منذ أول رأيتك لي. ولا أخفيك كم عانيت بسببك، ولكن محنتك هذه قد تفتح عينيك وتجعلك تدركين ما الذي أجرمته في حقي، وتظهر أمامك الحقيقة ما بين الصواب والخطأ الذي نلته منك كل هذه المدة.

طأطأت رأسها خديجة ولم تخرج من فمها كلمة، التي كان لا يخرج إلا سُمًّا قبلًا. التي كانت أمام نورة تلبسها ثيابًا نظيفة. وفي مرة، أقبلت نورة على خديجة وهي تحمل لها الغذاء، وجدتها تبكي بصمت بكاءً مريرًا. قالت نورة: ماذا بك يا خديجة؟ عاودك الوجع لقدمك مرة أخرى؟ قالت خديجة: لا، ليس ذلك. بل تذكرت أشياء تؤلمني أخفيها بصدري من سنين.

قالت نورة: لا بأس عليك يا خديجة، كلنا مررنا بأسوأ الحالات. ولكن علينا أن ننسى ونستمر، هذه هي سنة الحياة. أن لا نقف عند أول محنة، بل نعديها ونقول الحمد لله. قالت خديجة: ولكن يا نورة، قلبي ما زال يؤلمني لهذه اللحظة ولم أستطع نسيان ذاك اليوم. قالت نورة: أي يوم يا خديجة؟

أنصتي لي، أنا قابعة هنا أمامك لا حراك، وعليك أن تفضفضي لي كل ما يؤلمك ومخبأ في صدرك. ربما ببوحك ستهدأ روحك قليلًا وتخففين بعضًا من وجعك، ولربما التي تكلمك الآن تصبح من عدوتك اللدودة إلى صديقتك الودودة. ضحكت خديجة وضحكت معها نورة، وأرسلت خديجة تحكي قصة وجعها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...