أخذ هاشم من الممرضة النتائج وطلب منها أن توضح له كم أسبوعًا بالضبط لدى الجنين. فأخبرته بالتقريب أربعة أسابيع، قرابة أكثر من شهر بقليل. هنا تنفس هاشم الصعداء، وظهرت الحقيقة أمامه أخيرًا. أما نورة، فكانت تمسك نفسها بالقوة عن البكاء، فهي في نفسها في تلك اللحظة أُهينت كرامتها شر إهانة. عاد هاشم إلى المنزل وهو متجهم الوجه، وبيده ورقة نتيجة الفحص. قال له والده: "مرحبًا يا بني، ما الذي أصابك وأين هي نورة؟
قال: "نورة لم تتخل عن شرطها بطلبها العودة إلى عمتها." "وكيف ألبي لها طلبها؟ وقبل كل شيء، ما هي النتيجة؟ أراك متجهم الوجه؟! "كل هذا الوقت يا والدي، قمت بظلم نورة بأبشع التصرفات مني. هي بريئة، والتوأم من صلبي." يأخذ يبكي هاشم من كثرة اختلاطه للمشاعر، فرحة مع ندم كبير بخسارة نورة على يديه. قال الشيخ مبارك: "يابني، توأم! الحمد لله على كرمه وعطائه."
"لابأس عليك يا بني، كل هذا سيمر، وعليك بالصبر قليلاً حتى تهدأ نورة وترتاح من كل الأسى الذي مرت به، ونعيدها إلى دارها ثانية." "ذكرت لك يا هاشم سابقًا أن زوجتك بريئة، ولكن أنت، الشيطان تملكك. نورة منذ رأيتها أول مرة علمت أنها طيبة القلب وطاهرة من كل قبح. ولا يمكن لنظرتي بالشخص أن تخطئ، وخطأها الوحيد السابق لا يحكم عليها للأبد أنها سيئة."
بعد مرور الأيام، أصبح المنزل خاويًا لا يطاق من سكونه وهدوئه، وكأنه منزل لا تدب فيه الحياة. فصابر بين الفين والآخر يذكر نورة، وتعتريه نوبة بكاء بالكاد تنتهي حتى تعود نوبة أخرى. حتى هاشم أيضًا أصبح هزيلاً، لا يشتهي الأكل، وشارد طول الوقت.
عندما رأى الشيخ أنه سيخسر عائلته الصغيرة، ذهب خلسة إلى نورة وحكى لها كل ما يعانيه ابنه، وخاصة صابر الذي دخل في اكتئاب مزمن، ولا ينام حتى في الليل، يهلوس بوالدته ويذكر دائمًا اسمك معها. فطر قلب نورة على صابر ووالده، ولكن نفسيتها ما زالت تعبة ومجروحة مما مرت به سابقًا.
فاستسمحت الشيخ، وقبلت رأسه احترامًا له، وأعربت أن مجيئه على عينها ورأسها، ولكن طلبت منه أن يمهلها بعضًا من الوقت لكي تنسى قليلاً، وبعدها يفعل الله ما يشاء. احترم الشيخ ردها، وانتظر حتى مرت أيام أخرى بلياليها، وطلب من هاشم أن يحاول مرة أخرى، وعليه المطالبة بأن تغفر له سوء ظنه بها، وهو يكاد على يقين أنها ستسامحه، أقل شيء من أجل صابر الذي تحبه من قلبها.
وقال له: "إن وافقت على العودة، فلا يجب العودة على الفور، بل عليهما إحياء ما خسراناه مع بعضهما البعض في المنزل الآخر بمفردهما حتى يعودا كما كانا وأفضل." وبالفعل، ذهب هاشم لنورة طالبًا السماح والمغفرة منها، وأخذ معه هدية لا تخطر على البال، ربما بها قد يروق قلبها وتقبل بالعودة معه. "قبل ردك يا نورة، عليك أن تفتحي هذه الهدية. إن لم تنل إعجابك فسوف أخرج من هنا دون عودة، أعدك بذلك."
نظرت نورة مطولًا إلى هاشم، وارتعب جسمها أنها ستفقده حقًا بعنادها. ثم فتحت الهدية، واندشت بما فيها. كان ثوب العرس! "أيعقل حقًا حتى الآن لم تنسي ذاك اليوم الذي أفصحت لك عن مناي؟ "وكيف أنسى وهي أمنيتك، التي بعدم تحقيقها أفسدت بهجتك يوم عرسنا. ربما هو شؤم بعدم ارتدائك له، وبسببه حدث لنا كل ما حدث، لا أعلم، ربما ذاك السبب أو ربما لا، ليس هو يا هاشم من كان السبب، بل قلة الثقة مابيننا، والقدر كذلك له دور في ذلك."
"وما جوابك يا نورة؟ هل من فرصة أخرى لنا على الحلوة والمرة؟ بعد صمت قليل، نهضت نورة من أمام هاشم. "قال: أها، إلى أين يا نورة؟ قالت: "انتظرني حتى أرتدي ثوب العرس، فاليوم يوم زفافي بك، وسأنسى زيجتي بك السابقة." خرجت نورة مع هاشم وهي مرتدية الثوب الذي طالما حلمت به، على زغاريد عمتها وبناتها، وعادا معًا إلى منزلهما ليقضيا أحلى الأيام مع بعضهما البعض.
وبعد مرور الأشهر، رُزقت نورة بالتوأمين عاصي وعصام، وكانت الفرحة الكبرى لجميع أفراد الأسرة. وأثناء ولادتها، قام هاشم بجلب أخته خديجة وزوجها عثمان على طلب من نورة. وعند حضورهما، قدمت لهما أمنية مستحيلة التصديق.
حيث نورة، باتفاق مع زوجها، منحت ابنها عاصي، وهو لحمة طرية، إلى خديجة كي تقر عينها به وتربيه كابنها، لأنه هو فعلاً من دمها ولحمها، من ابن أخيها الذي يحبها ويتألم من أجلها، لأنها حتى الآن لم تذق طعم الأمومة التي أتعبتها أكثر في حياتها. استقبلت خديجة وعثمان الصبي بدموع الفرحة التي لم تخطر في بالهما قط حدوث أمر كهذا. فاحتضنت الصبي إلى صدرها كأنها ولدته هي للتو من بطنها.
قام الشيخ بوليمة كبيرة بمناسبة هلول حفيديه للحياة، وعزم فيها كل الأهل والأحباب، حتى والد نورة وإخوتها حضروا اليوم السعيد الذي أرّخ بتاريخ العائلة كله. تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!