طلع النهار على أبطالنا. نور عملت فطار لها ولأحمد، وكانوا بيتكلموا. أحمد بيقول لها: "عمري ما كنت أتخيل إن أسعد العمري بالطيبه دي، أو إن ممكن يقضي يوم كامل في بيتنا. معقول المحافظ في بيتنا! اتكلم كتير ومش لاقي رد من نور. "مالك يا نور؟ ساكته ليه؟ "أبدا، تفتكر هيفتكر الكشك بتاع أم محمد، ولا مشاغله هتنسيه؟ "اللي زي أسعد العمري مش بيرجع في وعده أبداً." "ممكن بس ممكن ينسى، مش يخلف. صعب عليا الست اللي اتعشمت."
أما عند أسعد العمري، أول ما دخل مكتبه، طلب من سكرتيره حمدي ييجي عنده المكتب بسرعة. دخل حمدي وأسعد بيشرب قهوته. "خير حضرتك، طلبتني؟ "الكشك بتاع أم محمد راح وركب ولا لسه؟ وعاوز رئيس مجلس المدينة النهاردة عندي، وكمان مسؤول الصرف الصحي هناك يتغير. وده يتعمل معاه اللازم، يتحول لتحقيق النهاردة. وكل شبكة الصرف هنا تتظبط. ممنوع بلاعة مفتوحة أو أي أذى للبلد دي أو غيرها. مفهوم؟
"بس حضرتك، أنا اتشغلت امبارح في ضرب النار علينا ومدتش أوامر لا بكشك ولا بغيره. هشوف حضرتك هيجهز امتى." أسعد قام من على مكتبه وزعق لحمدي: "هو ضرب النار ده حجة ولا إيه؟ النهاردة وقبل الظهر يتركب الكشك وكل اللي طلبته يجهز، ولا لو كبرت تروح بيتك يا حمدي يا صاوي. اللي مش قد الشغل معايا يروح أحسن." "آسف حضرتك، حالاً كله يكون تمام."
أسعد وهو بيشرب القهوة افتكر نور وإزاي قهوتها جميلة. أتمنى تاني يشرب من إيدها قهوة بجد. القهوة بعد قهوتها متتشربش. ده حتى لسه ما أكلش ومش عاوز حاجة تدخل تاني وتخرج طعم أكلها من بوقه. "يالهوي يا أسعد، اتجنت باين. لا أنا أشتغل أحسن من الجنان ده." كل ما يحاول يشغل نفسه في الشغل، يلاقي نور في باله. سيطرت عليه امتى وإزاي؟ قرر إنه بس شخصيتها عجبته أكيد ومش أكتر.
نور في الحضانه بتدرس للولاد وبتضحك وتهزر معاهم. وصوت ضحكها وضحك الأطفال جايب من على السلم. دخل أسعد وبيتفرج عليهم وفرحان، ليه مش عارف. نور انتبهت لوجوده. "أهلاً وسهلاً، اتفضل حضرتك." دخل ومش لاقي كرسي يناسبه. ضحك وقال لنور: "إيه يابنتي مش عاملين حساب الناس الكبيرة؟ كله كده أطفال وبس. أمال انتي بتقعدي هنا إزاي؟ نور بكل فخر: "عادي." وقعدت على كرسي الأطفال. أسعد ضحك جامد. "يابنتي كبرتي انتي على الحاجات دي، قومي قومي."
مش عارف ليه مد إيده ليها يقومها. نور قامت لوحدها وهو اتكسف. نور سألت: "خير حضرتك هنا ليها؟ "مش عاوزاني أجي؟ "لا، بس استغربت ومتوقعتش." "جيت أعرفك إن أم محمد جاله الكشك لها وفيه بقالة كمان علشان متتعبش وتروح تجيب خضار وتسيب ولادها. وكمان حمدي هيشوف لو ينفع لها معاش. وحبيت أعرفك، معدش في مشاكل صرف صحي ورئيس المدينة اتشال تماماً. وأي مخالفة تاني بتحقيق رسمي. أي أوامر تاني يا ست نور؟ "ليها؟ "إيه اللي ليها؟ "عملت كده ليه؟
علشان إحنا عرفنا حضرتك؟ طب وباقي البلد اللي ناسها ساكتين؟ إيه العمل معاهم؟ أنت تعرف إنك هتتحاسب عليا قدام ربنا، وإن منصب المحافظ ده ممكن يكون سبب دخولك جنة أو نار." "آه عارف يا ست نور هانم، وبحاول على قد ما أقدر أروح لربنا خفيف الحمل، وأنا لسه ماسك جديد وربنا يقدرنا بقى." "شكراً إنك مخيبتش ظني فيك." "الشكر ليكي إنك ظنيتي فيا الخير، وكمان لما جيت أظلم وقفتيني."
"على العموم، أنا سعيدة بمعرفة شخص زي حضرتك، إنسان قبل ما يكون مسؤول في الدولة. ومش عارفة أشكرك إزاي." "عادي. أنا أقولك أنا كلمت أحمد وعزمت نفسي عندكوا على الأكل. أصلي جعان ومش عارف آكل بعد أكلك الصراحة. وأحمد قال: 'نور كده هتتغر عليا'. بس أنا قلت: 'حقك تتغري برضه'." نور ابتسمت: "عنيا، بس كده. بس أحمد مش في البيت أصلاً."
"من غير يعني ومن غير أصل. تعالي نروح سوى عند صاحبة والدتك. معرفش ليه جاي على بالي أشوفها. واهو كده أبقى شفت ناسك أو أصحابك زي ما بتقول." نور سابت الولاد لزميلتها في الحضانه ونزلت مع أسعد، اللي اتفاجأت إنه جاي بعربيته الخاصة ومن غير حرس. أسعد لنور: "اتفضلي." وشاور على العربية تركب معاه. "لا مش مستاهلة، تعالى نمشي. ولا مش حابب تمشي في البلد علشان الإزعاج؟ "لا أبداً، بس تعب عليكي."
"أنا بحب المشي. وسوري مينفعش نركب سوى، بس ممكن نمشي سوى. اتفضل." مشوا سوى وأسعد كل مدى بينبهر بنور، اللي تقريباً عواجيز البلد أصحابها. بتسلم وتهزر مع الكل. نور شخص محبوب وعنده شعبية جامد. "إيه يا ست نور، انتي هتنزلي الانتخابات امتى؟ "اتريق قوي، بس لو مكنتش المحافظ بس." "كنتي هتعملي إيه؟ "كنت هتريق عليك طبعاً، وأخليك تعرف مين هي نور." أسعد وقف مرة واحدة وبص لها وقال: "أنا فعلاً نفسي أعرف مين هي نور."
نور ارتبكت من نظرة أسعد لها، ومن طريقة كلامه وصوته الهادي معاها. أسعد بيتحول تمام قدام نور، من شخص شديد وقاسي لحد حنية الدنيا كلها فيه. وصلوا عند الخالة عزة، وهي فرحت بيهم أوي أوي، وبالذات بأسعد. قلبها حبه كده من أول مرة. ودعت إنه يكون نصيب نور وعوض ربنا ليها عن اللي شافته وعن حزنها اللي عزة حاسة بيه دايماً مهما نور خبته بضحك وهزار، بس عزة شيفاه. وليه لأ وهي تعتبر أمها التانية. "عزة، عشرية زي نور."
أسعد اتكلم مع عزة كتير. ونور سابتهم ودخلت جوه. أسعد عينيه بتدور على نور. وعزة واخده بالها وابتسمت.
"قالت: بتسقي الورد بتاعها، أصلها بتكون عندي كتير فجابت ورد هنا كمان. نور مكان تروح لازم يكون الورد موجود. عارف نور أهم وردة في حياتي من طفولتها وكنت بحسها قلبي وبنتي اللي مخلفاتها. نور سند للكل وعمرها ما لقت لها سند غير أحمد. ربنا يخليه لها. عمال يقلبي يأجل فرحه عشانها، نفسه يفرح بيها هي كمان، بس أنا حاسة إنه قريب هتفرح." "سعد: تفرح بيها إزاي يعني؟ مش نور متجوزة برضه؟ "عزة: بأسف." وقبل ما تتكلم خرجت نور. "سكتت
عزة وردت نور: أيوه متجوزة حضرتك." "أسعد: آسف إني سألت، بس اعتقدت إنك آنسة." "نور: لا حضرتك أنا مدام. وعلى فكرة أحمد جه بره أهو." دخل أحمد ورحب بأسعد كتير وقال لها: "أنا كنت واثق المرة دي إنك هتنفذ وعدك، ياريت راهنت نور كان زماني كسبت. مرة خسرتها." أسعد وهو بيبص لنور: "ليه هي مكنتش متوقعة إني هوفى بوعدي لام محمد ولا أي حاجة؟ "أحمد: حس إنه عك الدنيا. لا أبداً، بس قالت أكيد مش النهاردة."
أسعد وشه اتغير ومحدش عارف السبب إيه. ياترى علشان كلام أحمد، ولا لأنه عرف إن نور متجوزة وكمان سمع منها هي. سلم على عزة ومشي مع وعد إنه هيكرر الزيارة. "مشي وهو سرحان. ارتحت كده، رحت لـ عزة علشان تعرف كتير عن نور. ياريت اللي عرفته يخليك تبعد. أهي متجوزة، عاوز إيه أكتر من كده؟ بس رد لنفسه: نور مجرد شخص بيحترمه مش أكتر." "اتحجج إنه جاله تليفون شغل ومشي، حتى مرحش عندهم البيت أو مقدرش يروح ويبان عليه إنه زعلان."
أسعد روح من عندها وراح قبر مراته وابنه. بكى هناك كتير أوي. أسعد عمر عيونه مدمعت غير من يوم ابنه ومراته ما ماتوا، خصوصاً إنه كان المقصود وهما اللي ماتوا. أسعد رجع بزكرياته. فلاش باك. افتكر أمه وهي بتعمل الغداء وجايبه له صور عرايس علشان يختار منهم عروسة. "أسعد: إيه ده يا أمي؟ بس صور إيه الجو ده؟ "بسّامة: مريم عروسة حلوة وبنت ناس طيبين وهتصونك، جميلة وطيبة، وأهم حاجة بالها طويل هتتحملك وتتحمل إن لها ضرة وشريك فيك."
"أسعد: ضرة مرة واحدة؟ ودي فين بقى؟ قمة الشغل يا أسعد. أنا أمك وندمت إني شجعتك تدخل شرطة. أه مش كده. الرحمة حلوة، كله شغل شغل، مفيش راحة ولا إيه؟ أنا يابني نفسي أطمن عليك وأشيل ولادك بقى. انت اهو تلاتين سنة هتستنى إيه تاني؟ بس اسمع كلام أمك. والخميس الجاي نروح نشوفها ونشرب قهوة هناك، يمكن يكون قان الأوان بقى." وفعلاً بعد زن من الحاجة سميرة، ولدت أسعد. وطبعاً هي زي كل أمهاتنا الغالين لما بيحطوا حاجة في دماغهم بتكمل.
أسعد بيفتكر ويبكي، إزاي ما خدش باله من النعمة اللي كانت معاه. "مريم كانت نعمة كبيرة وهو مسنهاش. مريم ورقتها وطيبة قلبها. مريم اللي طول الخطوبة مزعلتوش مرة ولا قالت مش بتسأل ولا بتخرجني زي باقي البنات. مريم وجمالها. وإذًا الوقت عدى معاها بسرعة. أربع سنين فترة جوازه بيها عدوا حلم. اتخطفط منه أخدها الموت هي وابنه يامن. يا قلب أبوك، فراقك قاتلني أوي. ياريت مت ولا شلتك بإيدي دفنتك."
أسعد بيبكي وبيفتكر لما مريم كانت تطلب منه إجازة يقضيها مع يامن اللي بيسأل عليه دايماً. أسعد ندم. ولو رجع الزمن بيه، كان قسم وقته بين شغله وبيته. بس إزاي؟ والبلد كانت في ثورة وأزمة بجد، وهو كان بيأدي واجبه. بس برضه بيلوم نفسه لأن الإرهابيين قتلوهم انتقام منه هو.
أسعد مش مسامح نفسه ولا هيسمحها أبداً. ابنه الغالي ضاع بسبب شغله، ومراته مريم. أه محبهاش، بس مكرهاش أبداً. أه كان جواز تقليدي مش فاكر حتى تفاصيله، لأنه كان مجرد استقرار مش أكتر، ويمكن من زن أمه بس وافق. بس مريم شخص مميز وقدر يتعود على وجودها، على حبها الواضح له، واهتمامها بكل تفاصيل حياته. فضل باقي اليوم بين قبر مريم ويامن، يبكي لحد ما نام من كتر التعب.
وفجأة ظهرت نور. خرجت من طاقة نور ومدت إيدها وشدته من على حافة جبل كان هيقع. نور كانت نجاته من الموت. صحي على إيدها ماسكه جامد وبتشده وبتقول: "لأ مش هتقع." صحي وكان بعد نص الليل. استغفر وودع مريم ويامن ومشي مهموم وزعلان من إنه بيفكر في نور. "دي أكيد خيانة. أيوه خيانة لذكرى مريم اللي عاهدها. أبداً محد يكون مكانها. وكمان خيانة لمبادئه. دي واحدة متجوزة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!