اسعد ركب عربيته وماشي بيها بيلف ومش عارف رايح فين ولا جاي منين. لحد ما شاف يافطة مكتوب عليها "صدقة جارية". لفتت نظره ووقفته. "قادم الكلمة... ياترى لو عمل صدقة جارية لـ مريم ويامن روحهم هترتاح؟ "هل هو شعور الذنب اللي حاسه دايماً هيقل؟ روح ونام من التفكير يعمل إيه. ليه ما أخذش قرار يبيع الأرض اللي ورثها عن أبوه، وبثمنها ممكن يعمل صدقة جارية ليهم؟ صبح راح الشغل وقال لحمدي، مدير مكتبه:
"كلم الراجل اللي كان عاوز يشتري الأرض وخد معاد منه، واسأل الأسعار اللي ماشية كام دلوقتي وعرفني." فضل كل تفكيره بين هيعمل إيه بالفلوس. وهو ميعرفش فعلاً هيعمل إيه. لكن فجأة نور ظهرت في تفكيره. هي هتعرف تعمل إيه؟ أو ممكن تساعده في فكرة كويسة؟ أقنع نفسه هيتصل بأحمد يستأذن يروح ليها، وياريت نور تكون موجودة. أخذ معاد فعلاً وراح وهو بيقول:
"أيوه مش رايح عشان أشوفها، لا بس هطلب تساعدني أعرف إيه هي الصدقة الجارية اللي تفيد مريم." راح عندهم بعد الشغل. وأحمد استقبله بحرارة. يمكن لأن أحمد فعلاً حبه وحسه ممكن يكون صديق له. أما نور لسه مخرجتش. وعيونه بتدور عليها. "ياترى إيه منعها؟ معقول مش عاوزة تشوفني؟ طب أمشي؟ محتار فعلاً." وقام فجأة وقال لأحمد: "معلش، همشي وأجي وقت تاني." "نعم؟ تمشي إيه دي؟ نور تقتلني فيها. أنت محجوز هنا على ما نور تخلص." "تخلص إيه بس؟
هي مشغولة في حاجة مهمة. أجي وقت تاني." "لا، قربت تخلص. عشر دقايق بس." قعد أسعد. وفكره عندها. فعلاً عشر دقايق ونادت نور على أحمد: "أسعد، اتفضلوا. السفره جاهزة. يلا بينا." أسعد انبهر بالأكل الجميل وشكله المنظم. وبيقول لها: "ليه كده؟ تبعتي نفسك كل ده؟ "محبش أكون مديونة. وعدتك بمحشي وبط ولازم أوفي." "لما أحمد قال بتسأل تيجي امتى، أنا اللي حددت المعاد علشان نتغدى سوا. يلا، مش عاوزة كلام. الأكل يخلص كله."
فعلاً اتغدوا. وتقريباً أسعد كان نفسه مفتوحة بطريقة هو نفسه مستغربها. بعد الأكل أسعد قال لها: "كنت طالب مساعدتك، ممكن؟ "مساعدتي أنا؟ خير؟ اتفضل قول." "بصي يا ستي، أنا مريم مراتي ويامن ابني ماتوا من كام سنة. ماتوا بدالي أنا." كان بيتكلم وحابس الدموع في عينيه بالعافية. بس نور شايفاها. دي كمان قلبها بيتقطع علشانه. خصوصاً لما أحمد سأله: "إزاي ماتوا؟ "ماتوا إزاي؟ " كرر الكلمة كام مرة. لدرجة أحمد اعتذر عن سؤالها.
"عادي يا أحمد، بتتأسف ليه؟ بص، مريم مراتي كانت بتحب عربيتي أوي. وبتقول إنها عجباها وبتحب تركب فيها. حتى كنت بسيبها لها وأركب عربية الشغل. وبعدين خطر في بالي أجيب لها واحدة. فكرت الأول أدي دي لها وأشتري لنفسي. خفت تزعل وتقول أخد الجديده. فرحت اشتريت عربية جديدة زي بتاعتي بالظبط وأديتها لـ مريم تخرج بيها وتروح النادي وكده."
"وفي اليوم الأسود ده، كنت أنا من مدة شغال في مكافحة الإرهاب. وكنت عدو كبير للجماعات المتطرفة. كنت بنزل المهمة أجيب الخلية دي يعنى أجيبها. اشتغلت كتير، وكنت بفرح لما أقبض على أعداء البلد. وبحلم باليوم اللي مصر هتطهر من أمثالهم. لكن للأسف كانوا قرروا اغتيالي وحطوا عبوة ناسفة في العربية. بس بدل ما تكون عربيتي، كانت للأسف عربية مريم. وكان معاها يامن رايح التدريب."
هنا، وغصب عنه، دموعه نزلت. لأنه اتذكر الموقف لما جه وشاف الانفجار ولم أشلائهم. دموع أحمد نزلت وهو بيهدي أسعد. أما نور، فشلال دموع نزل منها. "كنت مفكرة حزنه كبير. اتاري في اللي حزنه أشد." أحمد حاول يلطف الجو وقال: "أسعد، تعالى أقف معايا وأنا بغسل المواعين. أصل عليا الدور المرة دي. وأنت كمان تعالى نختبرك في الشاي." مسح أسعد دموعه وقال: "الحمد لله أنه شاي. بس أصل لو أكل هتروحوا المستشفى."
الكل حاول يضحك، لكن للأسف مقدروش. أسعد عمل الشاي. وأحمد حاول يغسل المواعين. هو مكنش عاوز، بس أهو يغير موضوع. هو فتحه وكان غلط فتحه. أصل نور مدخلتش المطبخ. لا، دخلت ركن الصلاة. وصّلت ركعتين وطلبت من ربنا يصبر أسعد ويلهمه الصواب. وكمان يصبرها ويقدرها تساعد أسعد اللي فعلاً صعبان عليه. بعد ما صلت، دخل أحمد لها. وبصوت واطي: "والله ما كان قصدي أبداً. إزاي أسأل سؤال غبي زي ده؟ تفتكري أنه زعل؟
"معتقدش. أسعد أعقل من كده. ويمكن كان محتاج حد يسمعه. بس المهم، إحنا هنساعده فعلاً." "من امتى وإحنا بنرفض حد طلب مساعدتن؟ "خلاص. على البركة." خرجت نور لـ أسعد وسألته: "حدودك كام؟ وإيه اللي في دماغك؟
"أنا عموماً معنديش فلوس كتير في البنك العادي يعني. كنت بسيب كل الفلوس لـ مريم الله يرحمها. كنت مفكر إني كده بعوضها غيابي في الشغل. هشوف فيه كام. والعربية بتاعتي كرهتها. هبيعها. أصلها مركونة من يومها. واللي معايا جبتها بعد فترة. وفيها الأرض ورثي من أبوي. هقابل المشترى النهارده. هي مكانها كويس جداً ومساحة كبيرة أوي. كان حلم مريم إني أبيع نصها وأبني برج كبير على النص التاني. وبكده يكون عندي دخل كويس جداً وآخد إجازة أو أسيب الشرطة. بس أنا مكنتش بقبل أبداً الاقتراح ده. ويمكن المرات الوحيدة اللي زعلنا فيها كان لما تفتح الموضوع ده. كانت خايفة عليا أستشهد وأسيبها هي وابني. لكن الواقع، استشهدت هي. يا ريت حققت حلمها. يا ريت."
نور سكتت شوية وقالت: "أنا بقى عرفت هنعمل إيه. وكمان هتحقق حلمها. صح متأخر، بس مستفدتش بيه في الدنيا. تستفاد بيه في الآخرة." "أنت هتبيع نص الأرض بس وتبني على النص التاني ملجأ للأيتام. إيه رأيك في الفكرة دي؟ كنت عاوز تعمل صدقة جارية ليهم. اهو طول ما الملجأ موجود هما بيستفادوا منه. وده استثمار مع ربنا. يسعدك ويتحسب لهم. قلت إيه؟
"كمان عاوزه فيه جزء للطفل اليتيم المعاق. أو لو طفل زي ده أمه ماتت. استحالة مرات أبوه تكون أم له. إحنا هتكون له أم وأب وسند. وشوف أنت هنسعد كام طفل." كانت بتتكلم بحماس واضح. وأسعد وأحمد اتحمسوا للفكرة. "كان عندي حق لما جيت لكِ. عمري ما كان يخطر ببالي فكرة بالعظمة دي. خلاص، هروح لـ حمدي وأشوف خلص مع المشتري بكام." "نعم؟ وهو حضرتك معتمد على حمدي يبيع لك أرضك؟
"أه. مفيش فيا دماغ لكده ولا حيل للمناهضة. وهو هيجيب أعلى سعر للمتر." "طب عندك علم بكام تقريباً المتر هناك؟ "لا. ولا سألت ولا رحت الأرض من زمان." "اه. طب مبدئياً كده، تطلع من هنا تكلم معارفك. وأنت بحكم شغلك في الشرطة سنين وكمان منصبك دلوقتي، هتعرف السعر الحقيقي كام. وقبل ما تقابل المشتري ده تكون عرفت كام السعر. مستبعدش على حمدي يبيعك للمشتري أصلاً ويقسم معاه. أصل حضرتك اللي زي حمدي ده ملوش أمان." "معقول؟ طب إزاي؟
لاء، لاء، معتقدش. وبعدين إنتِ شفتيه مرة واحدة، إزاي حكمتي عليه بكده؟ "مرة اه، بس كان بيظلم ويتباهى على الغلابة بمنصبه. واللي يظلم يعمل أي حاجة. واهو السؤال مش هيخسرك حاجة. اسأل بس. وبكرة هتقول نور قالت." يمشي أسعد. وفعلاً سأل طول الطريق أكتر من حد. وأصحابه قاموا بالواجب وكلموا سماسرة ومشترين. وقبل الليل ما ييجي، كان عنده أسعار تقريباً قريبة لبعض. بس فوق توقعه جداً.
السعر كان أكبر من تخيله. لو ما باعش الأرض دي ومريم عايشة. صح، كان فلوسه كلها تحت أمرها وكانت طلباتها مجابة. بس ياريت لما تقابله يوم القيامة هتكون مسامحاه ومش زعلانة منه. فاق من شروده على جرس الباب. كان حمدي. دخل وعرفه بالحاج سعيد الشيخ اللي هيشتري منه الأرض. وبعد رغي كتير من حمدي والحج سعيد، قال الحج سعر أقل من نص السعر اللي سمعه من المشتري اللي قال عليه صاحبه مجدي. وأسعد ساكت. وحمدي كل ما أسعد يسكت، يقول للحج:
"لا، كده بعيد. ارفع حبة." فيرفع فعلاً كام ألف. وحوارات. وأسعد فاهم وساكت. وأخيراً اتكلم: "آسف يا حج. السعر مش مقبول. لأنه النص بالظبط. أنا سألت وسعر المتر كذا. وأنت جاي تستخف بيا. فتفضل انزل. مع السلامة." رد الحج سعيد: "طب نرفع شوية ونقسم البلد نصين وكده." "يا رجال بتظلم، بتسرق. من أسعد العمري ملايين. انزل على السلام بدل ما تنزل من البلكونة." نزل السعيد وحمدي ورا بعض.
"والسعيد ده اللي بتقول عليه ميعرفش تمن الأرض. منك لله. ضيعت البيعة مني بطمعك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!