الفصل 1 | من 7 فصل

رواية نصف الجمال الفصل الأول 1 - بقلم ولاء عمر

المشاهدات
19
كلمة
1,355
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

سارة، قومي يلا ورانا خبيز. فركت عيني وأنا بحاول أفوق ورديت عليها: حاضر يا أمي، هصلي الفجر وأجي. على طول متعوقيش. حاضر. صليت وطلعت وراها عند الفرن. بنت بسيطة عايشة في قرية أبسط، مع أمها الست الكبيرة وأبوها الراجل العجوز. بنت كان عندها أحلام كثيرة، منهم اللي اندفن ومنهم اللي اتنسى مع مرور الوقت. مرت أخوكي باينها مهتعديش الموضوع. يا أمي خلاص عاد، سيبك منها، هنقعد على طول بنتخانق كدا؟

يا بنتي مينفعش أسكت، سكتت كثير زمان، بس دلوقتي لو سكتت هيجوا عليكي وعلى حقك. مشاكل مبتخلص بين أمي ومرات إخواتي، الطرف الفايز كان دائمًا هما طول ما أبوي مش شايف اللي حاصل، ودا لأن أمي تبقى مرات أبوهم اللي اتجوزتهم. وأنا عيال إخواتي في منهم أكبر مني ومتجوزين. بس هما مابيحبونيش! اتربيت بعيد عنهم لأنهم كانوا بينفروا مني، يعني ما فيش حد في حياتي غير أمي وأبوي وواحد من عيال إخواتي سنه قريب مني.

بنت ملامحها بسيطة، سمراء، متوسطة الطول، شعرها أسود، اتعرضت كثير للتنمر على شكلها وعلى لون بشرتها. اتنهدت بيني وبين نفسي وبقول من جوايا "البنت دي أنا". المنبوذة، المكروهة، اللي كله بيتجنبها، اللي بقت انطوائية ومقفولة، يومها عبارة عن إنها بتصحى من النوم تصلي وتساعد أمها وتفطر أبوها وبس. يا نوح بالله عليك كفاية كدا وتعالى نروح للدكتور، حابب وضعك كدا؟! بصيت ليها وأنا خلاص جبت آخري من زنهم:

أمي، معلش الله لا يسيئك سيبيني في حالي. يا ولدي يعني هعيش الباقي من عمري اتحسر عليك وعلى أخوك؟ مش بإيدي والله، والله ما بإيدي، أنا مش قادر أعمل حاجة وهو بعيد عني؛ يا أمي إزاي أروح مكان من غيره؟ دا أنا ما كنتش بخطي خطوة غير معاه! يا ولدي الموت علينا حق. صعب عليا والله، والله صعب. انهارت ودموعي خانتني للمرة الخمستلاف وأنا بعيط في حضنها:

ما قادرش والله، دا مات بين إيديا، دا أنا كنت ماشي معاه، ما كانش تعبان والله، كان كويس، كان بيضحك ويهزر معايا، فجأة كدا يسيبني؟! طبطبت عليا وصوتها كان مهزوز وهي بتتكلم باين فيه العياط، قالت: الموت علينا حق، اللهم لا اعتراض، بقى لك سنتين ونصف على دا الحال، سنتين ونصف موقف حياتك، رافض تقعد مع حد ولا حتى تتعالج. مش عايز أكمل أصلًا وهو مش معايا. وهتفضل موقف حياتك كدا؟ لا علاج راضي تتعالج، ولا حتى تقعد مع حد!

حتى شغلك اللي كان روحك فيه! من غيره؟ لو كل واحد هيموت له عزيز هيوقف حياته كان زمان الناس كلها حياتها واقفة، ما كانش حد حاول ولا كانت الدنيا ماشية، يا ولدي إحنا عمرنا ما بنتخطى ولا ننسى. إحنا بنتعايش، صعب على الأم تفارق ضناها، دي بتبقى زي كسرة الظهر، وكمان الأب، بيبقى لازم الاثنين يكملوا، كان صعب عليا بس فوقت علشانكم، تقوم تقع أنت؟! كدا يا نوح؟! يلا يا أبوي، هراجع معاك السور اللي حفظتهم. ضحك وبانت

التجاعيد اللي على وشه: ربنا يبارك في عمرك يا سارة ويعوضك يا بنتي عن تعبك معانا وعن اللي شوفتيه. حضنته وأنا بابوس رأسه وبقوله: ربنا يديمك ليا ويبارك فيك يارب يا حبيبي. سبحان من له الدوام يا سارة يا بنيتي، تعالي بس أسمع لك عشان بعدها هفاتحك في موضوع. سمعت فعلًا الجزئية اللي المفروض كنت أسمعها، وقعدت كعادتي أسأله في تفسير الآيات اللي بتوقف قدامي. مالك عاد؟ هو أنا مش لسة من كام يوم مفسر لك الآيات دي؟

بس ما قولتليش سبب نزولها زيّ كل مرة! حاضر يا سارة هانم. قعد يوضح لي ودا لأنه ما شاء الله عنده علم واسع بتفسير الآيات، أبوي لما كانت صحته مساعداه كان بيروح في الجامع ويشرح وناس كثير كانت بتستناه، لكن من كام سنة وهو زاد تعبه. اللي واخد عقلك يتهنى، سرحتي مني في إيه؟ لأ أبدًا، كنت بفكر إن مين كان هيساعدني في حفظ القرآن ومعرفته لو ما كنتش بتك؟ آه يا بكاشة. ضحكت أنا وهو وبعدها بص ليا وقال بهدوء:

بصي يا بنيتي يعني سبحان من له الدوام، وأنا عارف إني مش دايم لك، وعمر اللي راح ما هيكون قد اللي جاي، فأنا عايز أتطمن عليكي. الكلام ما طمنيش، أنا خفت أكثر فقلت بخوف: مالك يا أبوي؟ أنت تعبان طيب؟!! طبطب على إيدي وهو بيقول: غصب عني بس أنا مش حمل إني أشوف إخواتك بيذلوكي من بعدي ولا إني أشوف واحد منهم دايس لك على طرف وأنا عارف وواعي وفاهم لدماغ كل واحد فيهم.

عينيا بتدمع لوحدها وبترتعش من كلامه، أنا ليا مين غيره هو وأمي بعد ربنا؟ يعني حتى لو عزيز أخوي ومراته وعياله بيحبوني، فهو واحد وسط أربعة بيكرهوني، هو الطيب اللي بينهم، يعني طبيعي أخاف. أنا ما شوفتش منهم حلو وأنا صغيرة وكانوا بيكرهوني. مش عشان شكلي بس، لأ؛ كان علشان أبوي بيحبني وبيدلعني إكمني أصغرهم وجيت على كبر، بنت أبوها في السبعين وأمها في الخمسين من عمرها. أنا وافقت على جوازك من نوح واد خالك. رددت الاسم وراه بصدمة:

نوح؟!! أيوه نوح يا سارة. بس ليه؟ وإشمعنا هو؟! ما أنا كل ما بيتقدم لي عريس بترفضه! نصيبك أوافق على دا. ليه يا أبوي؟ ليه أوافق على واحد قعيد؟ ساعديه يفوق يا سارة، خليكي سبب في إنه يجاهد نفسه ويتعالج. ليه؟! ليه يا أبوي؟ لسة قاعد زي ما أنت؟ معلش يا أبوي ما أنا ما بمشيش. طلعت بنبرة تريقة، رد عليا: بس مش دا اللي كنت أقصده يا نوح بيه، خد الورق دا اطمن على حسابات البضاعة وراجعها.

خدت منه الورق وحطيته على الترابيزة جنبي، شد هو كرسي وقعد جنبي، بدون أي مقدمات دخل في الكلام على طول: لسة برضه ما عايز تتعالج؟ صدقني ما قادرش. يا ولدي والله ما ينفع كدا، سنتين وأنت على دا الحال. رديت بيأس واستسلام للأمر الواقع: عادي ما بقتش فارقة. لأ، دي فارقة ونصف كمان؛ كأنك عايز تفضل مستسلم ومسلم للأمر الواقع، وأنا ما أقبلش بحاجة زي كده. يا أبوي.

بلا يا أبوي بلا زفت، هتتعالج يعني هتتعالج، وأنا شوفت مركز علشان تروح تأخذ جلسات العلاج الطبيعي بتاعك. رديت برفض قاطع: لأ. زعق بصوت عالي: هتروح يعني هتروح، مانيش حمل خسارتك أنت كمان. هدى شوية وسكت وأنا كمان سكت، أنا مش عايز أتعالج، جوايا إحساس بالخيانة وإني إزاي هكمل حياتي عادي وهو مش موجود، دا كان خلي! رجع اتكلم تاني: وخطوبتك على بنت عمتك هتكون الأسبوع الجاي. خرجت عن شعوري: هاه، وإيه كمان يا أبوي؟!! أنتم فجأة قررتم؟

وأنا مش موافق. لأ، هتوافق يعني هتوافق يا نوح، أنا أعطيت لجوز عمتك كلمة، عايز توقعها؟ ليه؟ ليه بجد تدبسوها في واحد عاجز ما بيمشيش؟ ليه أظلم واحدة معايا ما لهاش أي ذنب؟ مش هتفوق غير لما تحس إن في حد مسؤول منك، لو سيبتك كدا يبقى الله يعوض علينا فيك. رد قاطع طلع منه: وأنا عطيت لجوز عمتك قرار، إيه هنرجع فيه؟ حاولت أهدى بكل الطرق؛ فرديت عليه وأنا بنهي الكلام: منا لوقتها يحلها ربنا يا أبوي. أنا طالع أنا، تصبح على خير.

وأنت من أهل الخير. طلع وسابني، سابني مع دماغي وأفكاري اللي أنا لسة بخاف منها، ما بقتش حمل إني أرجع ليها تاني، دا أنا كنت ما صدقت دماغي هديت. شديت الكرسي بتاعي ناحية المكتب بتاعي ومسكت البرواز اللي فيه صورة بتجمعنا، اتنهدت وأنا جوايا حزن كبير وبدأت أتكلم: بس أنا لسة مش مستوعب ولا مصدق إنك سبتني، إزاي بجد؟!

لحد دلوقتي أنا مستنيك تطل عليا بهزارك وضحكتك، لسة مستنيك ترجع تقعد معايا ونسهر مع بعض من تاني. دا إحنا توأم، من يوم ما اتولدنا وأنا إيدي في إيدك، مسنود عليك وأنت مسنود عليا، أسيبك وأغفل عنك دقايق أرجع ألاقيهم بيعزوني فيك؟ طب إزاي؟! إزاي وأنا لسة سايبك! إزاي وأنت ما كنتش تعبان، إزاي سبتني؟!

صحتي خانتني من يومها ورجليا ما شالتنيش. من يومها وأنا حياتي واقفة، لا أنا بقيت أنا ولا الحياة رجعت بألوانها من تاني. لسة مستنيك ترجع. نبرة صوتي بقت أضعف وكل الذكريات ملازماني، من وإحنا صغيرين لحد ما فارقني، ما زالت كل ذكرى في دماغي بتتعاد وكأنها لسة من دقائق. سندت نفسي ومسكت في رافعة فوق السرير بإيديا وقعدت على السرير. مش عايز أظلم بنت عمتي كمان معايا، أنا واحد حياتي واقفة؛ ليه تتدبس فيا؟ ليه أشيل حد همي.

يا أمي أنا مش موافقة. في إيه عاد؛ هو إيه يعيبه؟ قال يعني ما عرفاش يا أمي؟! لو قدرتي تكوني سبب وتأخدي بيده تقدري تكسبيه عمرك كله، نوح دا أنا اللي مربياه هو وأخوه الله يرحمه، جدع وشهم وقلبه مليان حنية تساع الكل، هو بس من ساعة ما فارقه نادر وهو ما اتحملش ومن الصدمة جاله شلل، سمعت مرات خالك قالت إن اسمه شلل هيستيري. رديت بعدم فهم وغرابة للاسم، أنا مش أول مرة أسمعه، بس أنا فعلًا مش فاهمة يعني إيه: يعني إيه؟

الدكتور ساعتها قالهم إنه جاله من الصدمة، وقال إن في ناس كثير من قوة الصدمة اللي بيتعرضوا لها بيحصلهم كدا وأكثر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...