الفصل 1 | من 6 فصل

رواية نسم بقلب عاشق الفصل الأول 1 - بقلم ولاء محمود

المشاهدات
19
كلمة
2,560
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

كان الطفل يبكي بشدة بجانب والدته المُمددة على أحد أسرّة بالمشفى العام. صبي ذو سبع سنوات، مشتت الهيئة بالاً وجسداً. يرى والدته بتلك الحالة، لا يملك من أمره شيئاً سوى أن يدعو الله ليل نهار أن يمنّ عليها بالشفاء، فقد أرهقته الدنيا بما يكفي، لم تترك له مجالاً للخيار. والده توفي بحادث أثناء مجيئه من عمله ذات مساء بليلة ممطرة، وهروب مرتكب الحادث حتى أنه لم يعوّضه بشيء مادي يستطيع به علاج والدته. فمن أين له المال يا ترى؟

يشدد من قبضته على يد والدته، يرجوها ألا تتركه وتذهب هي الأخرى. فجأة، يُفتح باب الغرفة ويدلف منه رجل يرتدي معطفاً أبيض بيده سماعة طبية، فعلم أنه الطبيب. أسرع يهرول ناحيته، يترجاه أن يُلقي نظرة على والدته، يرى ما بها أو يُطمئن قلبه عليها. ليردف الصبي قائلاً:

"من فضلك يا دكتور شوف أمي هي تعبانة أوي وأنا مش عايزها تمشي زي بابا. اديها دوا بس وهي تخف، وأنا أوعدك هشتغل كتير عشان أقدر أجيب فلوس وأديها لحضرتك زي بابا كان بيشتغل كتير ويجبلنا فلوس." انخفض الطبيب حتى أصبح بمستوى الفتى وربت على كتفيه قائلاً: "اطمن يا حبيبي ماما هتخف وهتبقى زي الفل. بس انت بطّل عياط، مش انت ولد جدع برضو وبطل كبير." يومئ الطفل برأسه عدة مرات دلالة على موافقته على تلك العبارة، مردفاً: "أيوه."

ثم كفكف عبراته بكفه الصغيرة وأردف قائلاً: "خلاص هبطّل عياط أهو، بس شوف ماما." انتصب الطبيب عائداً لوضعه الطبيعي متجهاً إلى فراش والدته يفحصها، وقد قرأ تقرير حالتها من قبل، فنظر بأسف. لم يستطع التحدث بعدها.

بينما تلك الفتاة ترى كل ما حدث، وعند ملاحظتها لتلك النظرة الصادرة من الطبيب والدها، هرولت مسرعة لذلك الصبي. ما إن اقتربت منه حتى وكزته بخفة برسغه فانتبه لها. ثم بعدها تسللت يداها الصغيرة إلى رأس ذلك الصبي وأخذت تفرك أصابعها بحركات مسرعة خصلات شعره، ثم أردفت له بابتسامة قائلة: "اطمن بابا قالك كده. ربنا هيشفيها إن شاء الله." *** بمنزل "مصطفى نيازي" الطبيب. أردفت نسم بعبث وحزن اعتلى ملامحها، قائلة:

"بابا، هو والدة الطفل ده اللي كشفت عليها حالتها صعبة أوي مش كده؟ تمتم والدها بحزن عند تذكره مشهد الفتى وبكاءه وتعلقه بوالدته. حينما سأل أحد من التمريض عن أهل الصبي، أجابوه بأن أحداً من الجيران جاءوا به ووالدته إلى تلك المشفى بعد ازدياد حالة والدته سوءاً وبعد إصابتها بالإغماء، فعلم أن لا أهل له وأدرك حينها أنه سيفعل ما بوسعه لإنقاذها.

"بصي يا نسم، أمه حالتها كانسر متأخرة. أنا مش عارف إيه خلاها تتأخر في العلاج. رغم أنها لو كانت اكتشفت من بدري أو اهتمت كان يمكن مبقاش وضعها بقى كده، بس أعتقد بسبب ظروفهم المادية فهي أهملت في نفسها." ثم أطلق تنهيدة أسى على حال الطفل قائلاً: "مامته في المرحلة الأخيرة وللأسف نسبة الشفاء في المرحلة دي تكاد تكون منعدمة. بس أنا هحاول أعمل كل اللي ربنا يقدرني عليه." لتُمسك نسم بيد والدها ترجوه بإخلاص قائلة:

"بابا لو سمحت عشان خاطري حاول بكل اللي تقدر عليه، الولد صعب عليا جداً." أومأ والدها بموافقة، ثم استطرد قائلاً وقد تبدلت ملامحه من الحزن إلى الرضى بعض الشئ حينما تذكر فعل ابنته: "بس انتي عجبتيني يا نسم إنك أول ملاحظتي حزني وإني مش عارف أتكلم أقوله إيه، جريتي على الولد وهونتي عليه رغم إنك صغيرة." فصغيرته بعمر الثانية عشر عاماً. احتواها بحضنه ممسداً على رأسها بحنان وحب واستطرد قائلاً:

"بتفكريني بوالدتك الله يرحمها. كانت تفهمني من نظرة عيني من قبل ما أتكلم حتى. الله يرحمها زرعت فيكي إنتي وأخوكِ مبادئ وقيم أنا لوحدي كنت استحالة أقدر أزرعها فيكم. ربنا يخليكم ليا يا بنتي." "ويخليك لينا يا بابا." "صح، فين أخوكي؟ مش شايفه يعني؟ ضحكت نسم مردفة بسعادة: "قال لي إنه عنده ماتش مهم في النادي يا بابا، الدوري باين. ادعيله بقى، وادعيلنا معاه كمان إنه لما يرجع يسامحنا إننا محضرناش وشجعناه."

لتتعالى ضحكاتهما، أب وابنته، في جو أسري دافئ ينقصهم أهم شيء تكامل الأسرة بوجود والدتهم والتي فاضت روحها إلى بارئها منذ عام مضى. *** استقام "عمّار" بشموخ فرحاً بفوزه بميدالية أفضل لاعب كرة قدم، كما أن فرقته قد نالت كأس الدوري النهائي.

ليلتف حوله أصدقاؤه، حملوه بسعادة جميعهم، رافعين إياه بأيديهم، أرجحوه بقوة إلى السماء حريصين على سلامة صديقهم. أما هو، فوسط سعادته المفرطة عندما ارتفع ذلك الارتفاع، شعر أنه لامس السماء. فاجتاحته رغبة قوية برؤية والدته، دوماً كانت تصحبه بمبارياته، كما أنها حرصت على ألا تفوت مبارياته الهامة. علم وقتها أنه فقد داعمه وصديقة روحه. متمسكاً برباطة جأشه، تجتاحه رغبة عارمة بالبكاء الآن. أردف قائلاً:

"الله يرحمك يا أمي، وحشتيني أوي." *** أما عند عودته إلى منزله. أدار مقبض الباب بعد فتحه. وجد الظلام يخيم على المكان، يملأه بالسكون والكآبة. فبدر إلى ذهنه أن والده إما بالمشفى في هذا الوقت المتأخر برفقة أخته، أو أن كليهما عادا إلى المنزل منذ بضع وقت وذهبا بسبات عميق. "مبروك يا مارو.. الكأس واحسن لاعب أخويا حبيبي."

هتفت بها "نسم" بعد أن تفاجأ عمّار بإضاءة مصابيح المنزل فجأة، وتلك البالونات المنتشرة بكل أرجاء المنزل، ومفرقعات القصاصات الورقية التي صوّبتها أخته إلى وجهه. اختلط صوت ضحكاتهم سوياً. فقطع "مصطفى" تلك اللحظة قائلاً: "اعذرنا يا عمّار يا حبيبي ملحقناش نعدي عليك، بس أنا كلمت صاحبك وبمجرد ما بلغني خبر فوزكم، حبيت أنا ونسم نعمل لك احتفال بسيط."

ليحاوط عمّار، صاحب الخمسة عشر ربيعاً، ذراعيه محتضناً والده وأخته بسعادة عارمة، ممتناً اهتمام والده وأخته بيوم هام كتلك بحياته وعدم نسيانه قائلاً: "ربنا يخليكم ليا." *** أجرى مكالمة هامة إلى تلك الممرضة بالمشفى العام مطمئناً على حالة والدة الطفل. تهللت أسارير "ريهام" الممرضة حينما لاحظت على هاتفها اتصاله. إنه دكتور "مصطفى نيازي". اكتسحت علامات الدهشة ملامحها حين أردفت تردد بهمهمات: "هو لحق يتصل؟ أنا مش مصدقة نفسي."

أجابت على الهاتف مسرعة: "أيوه يا دكتور، ازي حضرتك؟ لـ يخبرها بما أراده على الفور: "الحالة عاملة إيه دلوقتي يا ريهام؟ "زي ماهي يا دكتور، مش بتتحسن، بتسوء أكتر." أردف مصطفى بحزن، فتوقعاته بشأن حالتها تحدث بالفعل: "ابنها عامل إيه؟ لسة معاها ولا حد خده؟ أجابت ريهام مسرعة: "لا يا دكتور، معاها وزي ماهو عمال يعيط." نطق بتلك الكلمة بثقل على قلبه: "تمام." ثم أغلق الاتصال. لـ تردف ريهام بحنق عليه: "هو ماله ده؟

مفيش عنده حاجة اسمها سلام." ثم أردفت باستهزاء: "حِكَم." أغلقت هاتفها لـ تحيد ببصرها بالفراغ، ارتسمت ابتسامة بإحدى جانبي ثغرها قائلة: "أهو أول اتصال ومش هيبقى الأخير. دي فرصتك يا ريهام، متضيعهاش من إيدك أبداً." شردت حين تذكرت ما حدث منذ عدة ساعات. قبل مغادرته المشفى، أخبر عامل الاستقبال أنه سيتصل بالهاتف يطمئن على الحالة التي أتت معها طفل. وهي سمعت ما دار من حوار بينهم. هتفت دون تفكير بلا تردد:

"أنا اللي هتابع الحالة يادكتور، شفت بليل لغاية ٦ الصبح، هكتب لحضرتك رقمي، فأي وقت اتصل وأنا هرد على حضرتك على طول." *** حرصت نسم على الذهاب يومياً مع والدها إلى المستشفى. تحمل صندوقاً مخصصاً للطعام به العديد من الأطعمة المتنوعة يحتوي على خبز الجبن والمربى وعصير اللبن بالشيكولاتة. دلفت إلى غرفة والدته مردفة له: "عامل إيه النهارده؟ جبتلك معايا فطار." أخذ الطفل صندوق الطعام، قام بفتحه وأخذ العصير قائلاً لها:

"أنا مبحبش عصير الشيكولاتة ده." تصفع يدها على جبينها قائلة بمشاكسة: "أوبس، مكنتش أعرف. أنا جبتهولك عشان بحبه، خلاص هاته أنا هشربه." بعد مرور القليل من الأيام. جاءه ذلك الاتصال يخبره أحدهم به بوفاة الحالة التي تابعها دوماً باهتمام. هرول مسرعاً إلى المستشفى، تبعته نسم بعد إلحاح منها. دلف إلى الغرفة وجد الصبي يصرخ قائلاً: "لأ، متاخدوش ماما هي كمان، سيبوها." بعدها خفت صوته شيئاً فشيئاً إلى أن سكن تماماً مغشياً عليه. ***

تبنى حالته دكتور مصطفى بعد علمه بأن لا أقارب له، أيضاً طفل بعمره هزيل هكذا. صدمته بفقد والديه، بحاجة لمن يعتني به ويشد أزره في تلك المرحلة من حياته. أخذه إلى منزله، اعتنى به كثيراً. أصبح الصبي مشرقاً عن ذي قبل، بدأ بالتعود على نسم وأخيها عمّار وأحب دكتور مصطفى جداً. ***

أتى ذلك الوقت والذي من المفترض به التخلي عن الطفل. حين لاحظ أخيها "عمّار" عدم مفارقة أخته للطفل، أخذ يفكر ماذا إن أصبح الطفل بعمره، وكانت أخته تكبره بخمس أعوام فقط. ماذا سيكون الوضع بعد ذلك؟ رفض بشدة بقاء الصبي معهم بالمنزل معللاً ذلك بأنه ماذا إن أصبح شاباً؟ ماذا عن وجوده بنفس المنزل مع نسم؟ أردف لوالده:

"مينفعش طبعاً يا بابا يفضل معانا على طول، والأحسن إنه من دلوقتي يروح أي دار أيتام بدل ما يرتبط بينا أكتر من كده وساعتها هيكون أصعب علينا وعليه إننا نوديه أي مكان." *** اصطحب أولاده برفقة الصبي بنزهة، بعدها أخبرهم بقراره الأخير. "يامن." فرمقه الصبي نظرة بريئة. أردف مصطفى قائلاً: "إحنا شوفنالك مكان جميل فيه أولاد كتير من سنك وهيلعبوا معاك زي نسم كده بالظبط وهنيجي نزورك كل يوم."

ما إن أنهى عبارته، أجهش الطفل بالبكاء متمسكاً بيد نسم مردفاً: "لأ، أنا عايز نسم معايا، مش هي صديقتي، هي مش هتسيبني." لتردف بعدها نسم بحزن دفين: "هجيلك كل يوم يا يامن، متخافش، ده وعد صدقني." قاموا بتركه بإحدى دور الأيتام بعد أن أوصى عليه دكتور مصطفى بمعاملته جيداً. هتفت نسم ببكاء تُخبئ وجهها بين راحتي يديها: "أنا أهو سمعت كلامكم ومعملتش حاجة.. بس.. هو هيوحشني أوي."

مسد والدها على شعرها مشدداً من احتضانه إياها قائلاً بقليل من التماسك، حيث أن أكثر ما يؤثر به دموع ابنته: "معلش حبيبتي، إحنا هنزوره كل يوم." ****** بعد مرور خمسة عشر عاماً. دلف إلى المشفى بخطى ثقيلة. ذلك المكان شهد معاناته مع والدته، ومعها من تقيد قلبه بعشقها. يقف بعيداً متوارياً بعض الشئ عن الأنظار. قد عاد لتوّه من الخارج بعد استكمال دراسته. عاد باحثاً عنها هي فقط.

طلّت هي بذلك البالطو الأبيض، بيدها سماعة طبية، وتلك النظارة التي ترتديها لتصبح هيئتها مكتملة، هيئة طبيبة حقاً. أما عن تلك الابتسامة التي ترسمها دوماً على ملامحها، أبعد مرور ذلك الوقت لم تتخل عنها حقاً؟ اشتاقها، أراد أن يهرول إليها محتضناً إياها، يخبرها بشيء واحد فقط وهو "أنه لن يتخلى عنها مهما تطلب الأمر من تضحية". أيعقل أن يتخلى عنها بعد إيجاده لها وتحمله مشقة وعناء البحث عنها طيلة الخمسة عشر عاماً الماضية؟

بعد تأكده من وجودها هنا، هتفت الممرضة: "آه، الدكتورة نسم بنت الدكتور نيازي الله يرحمه." ليردد اسمها بذهنه: "أكيد هي، مفيش غيرها، هي واحدة بس. نسم مصطفى نيازي." ليقطع شروده ذلك الصوت هاتفاً له: "يلا بقى يا يامن، هتفضل واقف مكانك كده وأنا مستنيك كل ده في العربية."

أما هي، عندما سمعت شخصاً ينطق بذلك الاسم، تجمدت مكانها، لم تستطع الحراك إلى أن التفتت إلى مصدر الصوت لتجد شابين مغادرين المشفى، لمحتهم من ظهورهم. لـ تبتسم بسخرية على حالها مرددة بأسف: "هو أنا كل ما أسمع اسمه أفتكره هو!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...