بعد أن قرر إلغاء سفره والبقاء بجانبها يعتني بها. أو يرد لها دينًا قديمًا غفلت عنه هي… ولكن ما عند الله باق. تعجبت نبيلة من ولدها كثيرًا، فها هو أصبح شابًا وأصبحت تصرفاته تربكها. لتردف له ممازحة: "متقوليش يعني ألغيت سفرك ليه يا يامن؟ ابتسم لها تلك الابتسامة التي تعرفها هي… يبتسمها فقط في المصائب أو إن كان في نيته شيء لا يريد إخبار أحد به. قائلاً: "أنا قولت مقدرش على بعد بلبلة حبيبتي وهو أنا لحقت أشبع منك عشان أسافر…!!
لترمقه والدته بنظرة تعجب يشوبها الفضول قائلة: "بقولك إيه أنت هتضحك عليا يعني امبارح كنت تقدر على بعدي عادي؟ صامتًا لا يستطيع الإفصاح عما يدور بذهنه. أمسك بيد والدته وقبلها بدفء. مسحت على رأسه بحنان، فهي كوالدته دومًا تسميه ولدها الأكبر. أيضًا ربته صغيرًا كان عمره ثماني سنوات. قائلة له: "لا سيبك من الكلام ده.. الموضوع فيه واحدة…" ثم أشارت إلى موضع قلبه تستطرد عبارتها:
"ومش أي واحدة دي ساكنة هنا ومن زمان وأنا معرفش عنها حاجة." ليقاطعهم والده حين سمع تلك العبارة: "طيب مش هناكل بقى نفطر بس وكملوا رغي." مكثوا جميعهم إلى مائدة الطعام يتناوبون الأحاديث المختلفة. بينما مكث هو، أحمد، والدهم ينظر إلى يامن بألم، مقررًا بنفسه الإفصاح عن كل شيء قريبًا له. *** انتهت مدة عطلتها المرضية لتقرر الذهاب إلى المشفى والعودة إلى عملها من جديد.
جلست إلى أقرب مقعد قابلها. ما زالت قدماها تؤلمها ولكنها في المجمل تحسنت تحسنًا ملحوظًا. لتهرول إليها صديقتها المُحببة "نهى" قائلة بسعادة: "حبيبتي حمد الله ع السلامة. إيه اللي نزلك دلوقتي مش كنتي ريحي كام يوم تاني…" لتقاطعها نسم: "لا انتي عارفة أصلًا أنا جو البيت ده بيخنقني إزاي.. بس قريب هقولها إننا نبيع الفيلا وكل واحد ياخد حقه في الميراث وخلاص.. وأروح أسكن في مكان تاني." لتُخبرها صديقتها بأريحية:
"تمام ده اللي المفروض كنتي عملتيه من أول ما عمك توفى الله يرحمه." لتردف نسم بحزن: "الله يرحمه كل حاجة بتيجي في وقتها." بعد القليل من الوقت دلفت إليها صديقتها محملة إليها الباقات من الورد. قائلة: "خدي يا ستي شوفي المرضى بتوعك جايبين لك إيه." تلفتت إليها نسم مردفة: "وريني." لـ يأسرها روعة تلك الزهرات الخلابة وتلاحظ تلك القنينة من العصير الخاص المفضل لها "الشيكولاتة بالحليب". فـ تبتسم لا إراديًا قائلة:
"أشوفه بس.. طيب هو عرف منين إن ده نوعي المفضل من المشروبات… حتى حمدي ما يعرفش. يوم ما طلبته مرة منه قالي هو انتي طفلة يابنتي إيه اللي بتشربيه ده!! … ومن ساعتها مبقتش بطلبه تاني." لـ تأخذ ذلك الكارت الذي خُطَّت عليه تلك العبارات بأناقة: "حمدًا لله على سلامتك رائعتي." تتجه لصديقتها مُردفة بخجل حيث احمرت وجنتاها: "طيب يابنتي أنا رائعة بالنسبة لحد؟ لتردف صديقتها بممازحة: "أبدًا مين قال كدة." لتقوم نسم بـ
لكزها بخفة برسغها قائلة: "بس أنا بالنسباله هو رائعة." *** دلف يامن إلى منزله بعد عودته من المشفى ورؤيته بعينيه سعادتها بتلك الهدية الخاصة التي أهداها بها. لـ يوقفه صوت والده قائلاً له بحدّة: "كنت فين يايامن؟ ليتمتم الآخر بارتباك وكأنه ارتكب جرمًا ما: "كنت بره شوية." فيستطرد والده قائلاً: "طيب تعالي معايا نروح الشركة سوا منها تدرب على الشغل فيها وأتكلم معاك شوية." أومأ الآخر بموافقة متجهاً ليبدل ثيابه:
"حاضر اطلع أغيّر هدومي وأجي وراك على طول." **** أمّا نسم قررت شيئًا فعليًا فعليها التخلص فعليًا من تلك العقربة بحياتها التي تُدعى ريهام. والتي ابتليت بها بعد وفاة والدتها. تتذكر ذلك اليوم جيدًا حينما دلف إليها والدها قائلاً: "نسم إيه رأيك أجيب لك واحدة تعتني بيكي انتي وأخوكِ وتفضل معانا على طول وتحبك وتهتم بكل متطلباتك." لـ ترفض بشدة فيعيد طلبه عليها بصيغة أخرى قائلاً:
"طيب عارفة طنط ريهام دي بتحبك جدًا وقالت لي إنها نفسها يبقى عندها بنوتة زيك وهتبقى مبسوطة لو قضت عمرها معاكي." لتنفرج أسارير تلك الطفلة ذات الثانية عشر عامًا. تومئ بالموافقة. وتشرد بذكرى أخرى قبيل وفاة والدها العام الماضي. وهو على فراش الموت قائلاً: "أوعي تفتكري إني نسيت أمك أنا حبيتها وهفضل أحبها لحد ما أقابل وجه ربي الكريم وربنا يجمعني بيها في آخرتها." تستطرد عباراته متنهدًا بوهن شديد قائلاً:
"عارف إنك طول الوقت زعلانة إني إزاي قدرت أعمل كده وأتجوز.. صدقيني أنا عملت كده لما لقيتها بتتعامل معاكي كويس وهي اللي قالت لي إني لازم أكون محتاج واحدة في حياتي تاخد بالها منكم وعشان كده اتجوزها… بس عمرها ما قدرت تاخد مكان في قلبي أو حتى عمري ما قربت منها أو حبيتها زي والدتك بس عمري ما عاملتها وحش.. ربنا يسامحني لو كنت قصرت في حقكم." لتردف له نسم وسط بكائها: "حبيبي ربنا يخليك لنا انت كنت نعم الأب."
لتفيق من تلك الذكرى. على مشاجرة ريهام مع إحدى الخادمات. لتردف لها نسم: "عاوزاكي شوية." تقبع على المقعد وتقبع الأخرى قبالتها. لتردف نسم بتريث منتقية عبارتها: "أنا بقول كفاية بقى علينا كده مش هنفضل طول الوقت عايشين سوا كل واحد لازم يشوف حاله… إحنا لازم نبيع الفيلا وكل واحد ياخد حقه ويتصرف فيه زي ما هو عاوز." اتسعت حدقتاها من تفاجئها بعبارات نسم ومن هول ما حل بها من صدمة لتردف قائلة:
"ومين قالك إني عاوزة أمشي أو أبيع الفيلا أنا عاوزة أفضل هنا." لتردف نسم قائلة باستغراب: "هنا إزاي ما الفلوس اللي هتاخديها تقدري تعملي بيها حاجة." لتردف الأخرى مفصحة عن نيتها أخيرًا: "ومين قالك إني عاوزة أبيعها انتي عارفة لو بعناها فلوسي اللي هتطلع منها مش هتجيب لي فيلا وانتي كمان مش هتقعدي في فيلا كده وأنا مش هنزل من مستوايا مش هسيب الهنا ده كله وأسيب الفيلا وأخد شقة." لينفجر غيظ نسم قائلة:
"بقولك إيه أنا كان ممكن أقولك ده حق أبويا وأخويا وانتي ملكيش حاجة… وأبيع برضه." لتردف الأخرى بثقة: "لا يادكتورة متعصبيش نفسك كده.. الكلام ده تقوليه لحد غيري أنا كنت متجوزة مصطفى أبوكي ومات وأنا على ذمته.. يعني أي حاجة بتاعته ليا فيها زيي زيّك." لتشتعل نسم بغضبها تصطبغ وجنتاها بالاحمرار تشعر وكأنها تشتعل داخليًا فتتركها وترحل. لـ تردف ريهام ببرود يشوبه الانفعال الحارق قائلة: "وقريب كله هيبقى ليا أنا وبس." ***
في شركة "أحمد الدسوقي"... "بص يايامن في حاجة لازم أقولك عليها." هتف بها "الدسوقي" ناويًا إخباره بكل ما يعلم. ليردف يامن بحيرة: "اتفضل.. بس بخصوص إيه؟ ليرمقه أحمد بثقة قائلاً: "نسم اللي أنت ألغيت سفرك عشانها." ليبتلع ريقه وقد علم أن الموضوع بغاية الأهمية. فأنصت جيدًا.
"لما رحنا الدار يومها ونبيلة قررت تتبناك أنت من دون كل الأطفال اللي في الدار، ولما رحنا بعدها عشان نخلص الإجراءات، عرفنا كل حاجة عنك، إنك يتيم وجيت الدار من لما كان عندك ٧ سنين.. ولما قررنا نتبناك كان بعد ما قضيت سنة في الدار، المهم عرفنا إن في دكتور جه وسابك هنا وبيزورك من فترة للتانية هو وبنته.. بس قبل ما تمشي من الدار أنت قررت تعرف نسم واللي كنت مرتبط بيها أوي الفترة دي كصديقتك إنك هتمشي وتروح لك المكان الجديد
اللي هتتنقل له، مكنش عندنا تفاصيل عن الدكتور "مصطفى" الله يرحمه، وبعد إلحاح مني على مسؤول الدار عرفت مكان شغله وروحت له أنا وأنت لما طلبت مني كده وديتك. وبعدها قولت لك اخرج العب بره شوية وأنا هاجيلك، دكتور مصطفى وقتها طلب مني طلب غريب وهو إن بنته في وقت دراسة ووقتها مضغوط بين نادي ومذاكرة وهو مش عاوز حاجة تعطلها عن مذاكرتها. وطلب مني أبطل أجيبك المستشفى تاني وأنت تشوف حالك وتسيبها تركز في حالها ومتشغلهاش. وإحنا
خارجين من المستشفى قولت لك احفظ اسم المستشفى كويس واعرف شكلها، والظاهر إنك مقصرتش في طلبي، أنا طلبت منك كده عشان عملت حساب اللحظة دي الوقت اللي هتسأل تاني عنهم. يبقى في خيط يعرف يوصلك ليها."
تجهّم وجهه هل لذلك السبب شعر دوماً بالفراغ.. والانطواء. لم يستطع أن يكون صداقات حتى مع الصبية مثله. لم يستطع؛ افتقد دوماً لتلك المهارات. أمّا هي فقط استطاعت بكل بساطة أن تجعله صديقًا لها رفيقًا، هوّنت عليه الكثير من الصعاب حتى بات يتذكرها بأحلامه بعد أن فشل برؤيتها في واقعه. *** "بقولك إيه اتصرف أنا تعبت، أنا مش كل حاجة أتصرف فيها لوحدي قولتلك مشكلتنا كلها فيها هي..؟ " هتفت بها ريهام بغضب وصوت أشبه بصراخ.
ليردف لها حمدي: "خلاص يبقى أفتحها في موضوع جوازنا ونخلص طالما معرفناش نخلص منها خلاص خليها.. بس تدينا كل حاجة بإرادتها." تمتمت بابتسامة خبيثة قائلة: "تمام وهو ده اللي أنا عاوزاه." أمّا "نسم" عزمت قرارها بأن تخطو خطواتها القادمة للصواب ليس عليها قبول كافة الأشياء. قد يكون لإحساسنا وقلوبنا رأي آخر.
لم ترَ من "حمدي" شيئًا سيئًا، أيضًا لم ترَ منه الخير. أما بعد الحادث شعرت ببرودة كلماته لم يطمئن عليها حتى عندما أعلمته بالحادث أخبرها أنه بعمل هام ولن يتفرغ ذلك الوقت. حتى أن ذلك الغريب الذي لم تره مرة أخرى اهتم بشأنها تألم لحالها كثيرًا. ترى هل باتت تفتقده أو تفتقد عباراته الباردة تلك أم مشاكساتها له. للحظة ودت لو تراه أمامها الآن.
ليقطع شرودها تلك الطرقات على باب الغرفة. وتلتفت. لتتفاجأ به أمامها هل هذا حلم أم واقع. هل شعر بها وأتى حقًا إليها. هل هذا ما يسمى بـ تخاطر الأرواح. أمّا عنه بعد كل ما سمعه من والده علم أنها لم تهمل تلك الصداقة بمقدورها. وبعد سماعه تنطق باسمه بالمشفى. ربما تفتقده هي الأخرى. علم حينئذٍ أن عليه الذهاب إليها. كم تمنى لو كان بمقدوره معانقتها عند رؤيتها ولكن هيهات لما يتمنى.
أمّا نسم أسندت يديها على المكتب لتستقيم وتلقي عليه التحية فما زالت قدماها ليست على ما يرام بعد. لتردف ببهجة وترحيب: "أهلاً أستاذ فاعل خير." أبتسم لها ثم طأطأ رأسه على مشاكساتها تلك قائلاً: "إزيك يادكتورة نسم عاملة إيه دلوقتي." لتردف قائلة: "أنا بخير اتفضل اقعد." تبادلا أطراف الحديث قليلًا إلى أن استأذنته بوجود بضع الحالات التي تحتاج للفحص. أذن لها ثم غادر.
انتهت تلك الفحوصات وأعدت أشياءها للمغادرة. لتنصدم بوجود "حمدي" يقف أمامها قائلاً: "جيت لك أطمّن عليكي وبالمرة نتغدى سوا بره عاوز أكلمك في موضوعنا." لتردف له بحيرة وتساؤل: "موضوعنا إيه." ليجيبها بقلة صبر: "خطوبتنا يعني وكده." فتسلل إليها الشعور بالارتياح قائلة: "ياريت بجد أنا اللي كنت عاوزة أكلمك بخصوص موضوعنا فعلاً." جلسا سوياً بمطعم. ليردف لها: "نسم إحنا لحد إمتى هنفضل مخطوبين كده؟ مش لازم يجيلنا وقت ونتجوز ولا إيه؟
أطرقت رأسها منه بحيرة فكيف ستخبره بما أرادت وهو يفاجئها بذلك الطلب. وعندما طالت لحظات الصمت قطع هو الصمت السائد بينهم قائلاً: "عايزين نحدد ميعاد كتب الكتاب والفرح." ما زالت مُطرقة رأسها وكأن العبارات التي أعدتها سابقًا قد تبخرت الآن. قام بدق يده على المائدة بحدة قليلاً أخافتها وتفاجأت كذلك ليردف إليها بنبرة حادة قائلاً: "يابت مش بكلمك ماترفعي راسك وردي عليا في إيه؟ فرفعت رأسها ورمقته بنظرة هاربة مشتتة
تتخللها الحيرة قائلة: "بص ياحمدي أنا كنت جاية عشان أقولك حاجة تانية خالص.. انت شخص كويس ومحترم بس أنا من وقت ما اتخطبنا لغاية دلوقتي مش قادرة أحبك أو أتقبلك، لما اتخطبنا كان بناءً على ترشيح بابا ليك قالي إنك كويس ومع الوقت هناخد على بعض، بس للأسف داخلين أهو في سنتين وأنا مخدتش عليك، فأنا أتمنى إنك تكمل حياتك مع حد كويس وأكيد مش هيكون أنا، آسفة مش هقدر أكمل معاك."
أنهت كلماتها وخلعت خاتمه الذي ترتديه واضعةً إياه أمامه على المائدة وهمّت أن تغادر المكان ولكن قبل ذلك هبّ هو منتفضاً بحدة قائلاً بصوت أجش: "انتي متأكدة من اللي بتقوليه ده." أنهى عباراته حيث كانت عيناه متسعتين من شدة غضبه. شعرت كأن نيران غضبه ستندلع لتصيبها وتتركها رمادًا. لتردف له بريبة من ردة فعله: "انت بتعمل كده ليه." أردف حمدي بغيظ قابضًا على خاتمه الذي خلعته للتو من إصبعها قائلاً:
"لأ أنا لسه معملتش بس اتأكدي إن اللي جاي وهعمله مش هيعجبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!