مرت ليالٍ عديدة منذ ذلك اليوم المشؤوم، أيام وصلت لأسابيع حتى باتت تُحسب بالشهور. واليوم ها هو قد مر على هرب أيان من حفل زفافه سبعة أشهر وثلاثة عشر يومًا. تبدلت الحياة كثيرًا، بات التعامل أكثر حرصًا بين عائلة أبو النصر والصباغ، كل منهم لا يريد أن يخسر الآخر، لكن فعلة أيان جعلت هناك غصة في المنتصف. بعض الضيق يوجد في قلوبهم، بعض الضيق فقط. لكن عنها، كان الحال مختلف. لم تعد كما السابق، كانت قوية، باتت كالصخر.
كانت ضاحكة، الآن إن تبسمت فهذا عيد. لقد كسرها ذلك العابث ببساطة، هرب غير واعٍ لنتيجة الفعلة فيما بعد، غير مهتم بما سيطالها من همسات ولمزات من المحيطين بها والبعدين. الكل يتساءل: لم هرب العريس؟ والبعض، الحاقدين فقط عليها، أخذوا يلقون كلمات هنا وهناك ليتأكدوا من أنها ستصل لها، كأنها ربما لا تعجبه. مسترجلة، أو... هناك أخرى في حياته، والأسوأ ربما أخلاقها سيئة. رأت كثيرًا، بسببه رأت الجحيم.
لكنها نيرة، لذا قابلت كل ذلك بوجه من صخر، ومشاعر لامبالية. بل أحيانًا كانت تطلق نظرات مميتة، فاستطاعت أن تسكت الألسن على الأقل في حضرتها. ولم تكن هذه سوى نيرة الصباغ، الزوجة المتروكة القوية. *** أعلنت مضيفة عن وصول الطائرة القادمة من نيويورك أخيرًا وصولها على الأراضي المصرية بسلام. دقائق بعد إعلانها، بدأت تخرج الناس من الباب تباعًا. بينهم كان هو.
يرتدي بنطالًا من خامة الجينز شبابي، قميصًا أبيض تاركًا أول ثلاث أزرار منه مفتوحين. شعره الغزير مصفف بفوضى فوق رأسه، فأعطاه مظهر العابث بامتياز. كانت ترتسم على شفتيه تلك البسمة الدائمة، الساخرة، المستهزئة. لا تعلم أصلها، لكنها بالكاد تُرى على نصف جانب وجهه ولا تُرى على الجانب الآخر. بسمة غريبة كصاحبها. نزع نظارته الشمسية ورمق المكان حوله بسعادة، فقد اشتاق حقًا لأرض مصر حيث ينتمي، حيث مهما هرب وراح وطاح عاد لها.
وجد عدة أنظار من الفتيات تنظر له بافتتان، فغمز لهن بعبث وقد اتسعت بسمته الواثقة. بالأخير، حمل حقيبته على كتف واحد واتجه نحو الخارج. فهناك حربًا بانتظاره. ولم يكن هذا سوى أيان أبو النصر، الزوج العابث الهارب. *** بالمقر الرئيسي لشركات أبو النصر، كان يجلس عمران أبو النصر مع صديقه إبراهيم الصباغ. يتحاوران فيما بينهما بين الصفقة الأخيرة التي دخلاها سويًا متشاركين.
فرغم ضيقهم من ما حدث، وعلى الرغم أيضًا أنهم لم يجعلوه عائقًا أمام صداقتهم، جعلوا أيضًا العمل خارج حساباتهم. قطع تحاوراتهما الباب الذي انفتح فجأة وصوت أيان العالي الذي أردف بمشاغبة: "Hallo da" لكن توقفت باقي العبارات بحلقه عندما وقعت عيناه على إبراهيم، حيث لم يتوقع أن تحدث مواجهة بينهم بتلك السرعة. تجمدت ملامحه وارتبك داخليًا قليلًا. هتفت السكرتيرة التي أتت خلفه تهمس له بشفقة عليه، وقد كانت تعلم جيدًا ما حدث بين
العائلتين بالفترة الماضية: "عمالة أقولك مينفعش تدخل وأنت ولا سامعني" نهض عمران عن مقعده، عمران الذي سعد بعودة ابنه لكنه أخفى تلك المشاعر سريعًا بجوف قلبه وهو يظهر الغضب الحقيقي على ملامحه عندما تذكر فعلته الحقيرة. اقترب منه بينما يصيح بحدة: "إنت ليك عين تجيلي هنا وتهزر كمان بعد عملتك السودة ياحيوان" ارتبك أيان ولم يعرف بماذا يجيب، أو يبرر خصوصًا في حضور إبراهيم.
إبراهيم الذي تشعر أن شرارات الغضب باتت تخرج من أذنيه لكثرتها. أيان وهو يحاول ألا يظهر ارتباكه ويظهر بالمخطئ: "أنا مقصدش كل اللي حصل دا، بس أنا مقدرتش أكمل يابابا وأتجوزها" عمران مقاطعًا إياه: "إنت بالفعل متجوزها يا أيان، ولا نسيت ياباشا؟ وهل ينسى! حاول أن يوقف مهزلة كتب الكتاب منذ البداية ولكنه لم يستطع. هناك شيء بداخله منعه من فعل ذلك، شيئًا لا يعلمه حتى اللحظة ويستنكره بقوة. ولكنه لن يعترف بهذا بتاتًا، بل قال بضيق:
"إنتوا اللي أجبرتوني" وأخيرًا خرج صوت إبراهيم، الذي كتم غضبه وهتف بصوت يملؤه الكبرياء: "وادينا هنصلح غلطتنا يا أيان باشا، نيرة مش معيبة عشان حد يتجبر عليها" قاطعه أيان بإحراج: "طبعًا يا عمي، نيرة ألف واحد يتمناها وأنا... فقاطعه إبراهيم وهو بداخله يشعر بجدل منتظر أن يرى ملامح أيان بعد أن ينطق بكلماته تلك: "وأنت هتطلقها بأسرع وقت لأن نيرة دلوقتي في حكم المخطوبة ومستنيين طلاقها عشان نعلن عن الخطوبة رسمي" ماذا؟
هل ما سمعه حقيقًا بحق الله! مخطوبة! بتلك السرعة، ماذا كيف يعني مخطوبة وهي على ذمته مازالت زوجته؟ كان عمران وإبراهيم يرون تقلب حالته تلك ببسمات استمتاع وخبث. يعرفون جيدًا ما يدور بداخله وسعدون بذلك. أكمل إبراهيم بخبث أشد: "وفي اللحظة اللي إنت واقف معايا فيها دي، هي قاعدة مع خطيبها في الكافيه المفضل بتاعكم.. فاكره؟ صاح الآخر بجنون: "مخطوبة إزاي يعني، مين اداها الحق تعمل حاجة زي كدا؟ هتف إبراهيم:
"إنت اديتها الحق دا يوم هروبك من الفرح وكسرها قدام الناس يا أيان.. من اليوم دا وهي اعتبرت نفسها متحوزة عيل مش راجل ولازم تتخلص منه بأسرع وقت" لم ينتظر ليسمع أكثر، بل تركهم وتوجه بخطوات مجنونة نحو ذلك الكافيه ليرى تلك الفتاة ويلقنها درسًا محترمًا. يا لسخرية الأمر.. ينظر لها الآن كأنها المذنبة وهو البريء كالذئب من دم يوسف!! *** بإحدى الكافيهات الراقية، كانت تجلس نيرة على طاولة ما وأمامها أنس.
الذي تجمع بينه وبين عائلتها علاقة صداقة طفيفة نظرًا لمستواهم المتقارب والأعمال المشتركة بينهم. كان أنس منذ زمن يلتصق بها كالعلقة وابتعد قليلًا بعد كتب كتابها. لكن بعد تلك الفعلة وهروب أيان ومعرفته بأن نيرة لن تعود له مجددًا، بات يقترب منها مجددًا وطلب منها الزواج بعد طلاقها. وهي عندًا في أيان الذي تعلم جيد العلم مدى كراهيته لأنس، وافقت!
وها هي تجلس أمامه الآن يتحدث هو في مواضيع شتى لعله يستحوذ على انتباهها وهي تظهر الاهتمام بينما بداخلها تكاد تنفجر فيه صراخًا. فهو منذ الساعة يتحدث بلا توقف وقد أصاب رأسها بالصداع الحقيقي. تأففت وهي تبعد أنظارها عنه، فحاول أن يلفت انتباهها بحديثه المعسول: "أنا مش مصدق أخيرًا إنك بقيتي خطيبتي، أنا مستني الأيام تعدي بفارغ الصبر وتطلقي عشان أتجوزك يا نيرة، أنا بحبك أوي.. من زمان وأنا بحبك"
عينيه اللامعة بوميض الحب ومشاعره الظاهرة على ظهر قلب لم يحن عليها أن تكسرها كم انكسرت هي. لذا أرغمت لسانها على الحديث بنبرة حرجة، خجلة قليلًا: "وأنا كمان... شعرت بيدين توضعان على ظهر مقعدها وصوت تعرفه تمام المعرفة يقول بغضب نازح: "وإنتي كمان إيه يامراتي العزيزة؟!!!! توقف الوقت عند هذا الحد، لم يمر.. حتى دقات قلبها توقفت معه.
التفتت برأسها ببطء للخلف فوجدته يستند بيداه على رأس مقعدها، يبتسم بسمة تعلمها جيدًا، بسمة غضب حارق يحاول أن يسيطر عليه. وهل يفعل! هل يستطيع الرجل أن يهدأ وهو يرى زوجته مع رجل يعلم تمام العلم عشقه المجنون لها، ولسخرية الأمر يتداعى بأنه خطيبها! نطقت اسمه بصعوبة: "أيان" أردف بعبارته المشهورة التي يقولها لأي حد يناديه: "عيون أيان" كادت تضعف وهي تراه رغم غضبه يرسل لها نظرة ناعسة من عينيه الجذابة.
لكنها سرعان ما تذكرت من يكون ومازال فعل، فسارعت بلملمة شتات حالها وتعثرة مشاعرها. رسمت الجمود على ملامحها وهي تردف ساخرة: "أخيرًا رجع العريس الهارب" كانت سخرية مريرة، يشعر هو بها، لكنه قرر الآن تجاهل أمر الحديث حول ما حدث والتكلم في ما يحدث الآن. لذا.. نظر لذلك الذي ينظر له بضيق وأردف: "أنا آسف إني جيت وقطعت القعدة اللطيفة دي يا خطيب مرات" أنس مصححًا: "طليقها، هتبقى طليقه" رفع إحدى حاجبيه ساخرًا:
"إنت جايب التأكيد دا منين" كاد أنس يرد، لكنها سبقته: "مني.. جايبه مني يا أيان" تابعت قولها بنهوضها عن المقعد وهي تتابع ببرود تعلم أنه يستفزه: "بما إنك جيت فمفيش داعي لتأجيل الطلاق، أحسن إحنا مستعجلين جدًا على الخطوبة و.. آها.." أطلقت آه متآوهة جراء إمساكه لرسغها مرة واحدة بقوة موجعة. حاولت أن تبعد يداه عنها بينما تردف بألم: "أيان إنت بتوجعني، سيبني" هتف هازئًا: "وجع إنتِ لسه شفتي وجع، دا أنا هقطع رقبتك بس استنى"
نظر لأنس وهو مازال يمسك برسغها بقوة تزداد شدة تدريجيًا: "إنت يازفت.. اللي هقوله دلوقتي مش هكرره تاني ولو متسمعش رد فعلي مش هيعجبك" اقترب منه جاعلًا عينيه بعينيه.. ينظر له بشراسة كأسد ينظر لفريسته التي تحاول أخذ شيئًا ملكه و: "لو فكرت بس تقرب منها تاني.. تمشي بس من طريق هي ماشية فيه مش هرحمك سامع؟ وديني ما هرحمك وهوريك جنان أيان أبو النصر كيف شكله"
ثم سحب حقيبتها الموضوعة على الطاولة وسحبها أيضًا خلفه متوجها بها نحو خارج الكافيه، بينما جلس أنس على مقعده وهو يشعر بالهزيمة. فلم يتوقع أن يكون أيان شرسًا هكذا، فقد ظن أنه سيطلقها سريعًا، لا أن يأتي شرسًا هكذا وغاضب. بالناحية الأخرى، أمام الكافيه، فتح أيان باب سيارته وألقاها على مقعدها بعنف وهو يردف صائحًا بعصبية:
"اركبي ياهانم، اركبي يامحترمة، يامخطوبة، بقيت اختفي شهرين أرجع ألاقيكي مخطوبة، اومال لو اختفيت سنة هرجع ألاقيكي إيه؟ مخلفة عيلين! شهرين! هل السبع أشهر في حسباته بشهرين فقط!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!