ركـب هو الآخر على مقعده، وما إن فعل وأغلق باب السيارة خلفه حتى تفاجأ بتلك التي اندفعت نحوه فجأة جالسة فوقه. تضربه وتصرخ فيه كالمجنونة، بل وراحت تشد خصلات شعره الغالية أيضًا. "لا! عند هذا الحد وكفى، لن أقبل المساس بخصلات شعري، لن أجعلها "تفرّغ" غلها في غاليَّ." أحكم قبضته عليها جيدًا، وأعادها لمكانها وهو يردف بضيق: _يخربيتك! فرهدتيني. جايبة كل القوة دي منين يا مفترية؟ تفتّت بشراسة وهي تحاول أن تهجم عليه من جديد:
_أنت لسه شوفت حاجة! إزاي تتجرأ وتسحبني زي الجاموسة كده وراك وتحرجني قدام خطيبي؟ "خطيبي! كل ما تفعله لاجل مظهرها أمام خطيبها، وهو الذي ظن أنها تنتقم لأجل هروبه. إذن سيرة الهروب لم تأتِ بعد. الآن هي مشغولة بشيء آخر، والذي أغضبه أن ذلك الشيء الآخر هو خطيبها. سيرته تعصبه، تفور دماؤه. أحكم قبضته على كتفيها فتألمت، بينما ينطق هو محذرًا بغضب: _كلمة "خطيبي" دي تنسيها خالص، بدل ما أنسيهالك أنا بطريقتي، سامعة؟ _لا مش سامعة!
هو خطيبي وأنا هتطلقني وأنا هتجوزه و... "ماذا؟ أتُرى نيرانًا تحترق بعينيه أم أنه يخيل لها ذلك؟ أمسك خصلات شعرها بيديه وراح يرجها من خلالها أمامًا وخلفًا، كما نرج زجاجة العصير المعلبة قبل فتحها، وهو يصيح فيها: _لو جبتي سيرة الطلاق والخطوبة تاني هولّع فيكي وفيه، سامعة؟ ردي عليا، سامعة! أردف بصوت مختنق نتيجة لمسكته تلك بحدة وتحدي: _لا مش سامعة يا أيان، وسيبني كده. أنا مش شوال بطاطس في إيدك. أردف بنفي:
_مش هسيبك غير لما تقولي حقي برقبتي، وإني مش هتقربي من الـ... ده تاني. وقبل أن يتابع حديثه بتهديد، تنفض نفسها بقوة من بين يديه وتبتعد عن أسره. ضبطت خصلات شعرها ثم رفعت يدها أمامه محذرة: _اسمع يا بتاع أنت، أنت ملكش دخل في حياتي وملكش حق تقولي أعمل إيه ومعملش إيه، أنت مش وصي عليا. رفع حاجبيه ساخرًا: _والله؟ نظر لإصبعها الذي يوجد به خاتم زواجها: _مش وصي عليكي! ده حتى الدليل في صباعك أهو! دليل إنك مراتي يا نيرة، سامعة؟
مراتي. قال آخر عبارة بشراسة وتابع: _مراتي وملكي، مش من حقك حد تاني يقرب منك. تنفّت هازئة: _من إمتى الكلام ده إن شاء الله؟ قال مراتي قال! أنا مش مرات حد ولا ملك حد، الكلام ده كان زمان. أردف بعند: _ودلوقتي؟ كان زمان وهيمشي دلوقتي، وكنتي وما زلتي مراتي. نيرة بحدة: _مش مراتك، سامع؟ مش مراتك. أنا مبعتبرش نفسي مراتك. أردف بعنف وهو يمسكها من ياقة ملابسها ويقربها منه: _لكن معتبرة الـ... ده خطيبك صح؟ نيرة:
_أيوه خطيبي وهيبقى جوزي كمان. صاح بجنون: _في أحلامك! مش هيحصل غير على جثتي. الـ... ده ولا هيطول منك ضفر طول ما أنا عايش. ابتعدت يداه عنها واستكانت في جلستها وهي تقول باستنكار ساخر: _ولما حضرتك النار والعة فيك أوي كده وغيران ومعتبرني مراتك وملكية خاصة.. هربت ليه؟ وواجهته. أخيرًا فعلت. ولكنه لم يجد ردًا، لا يوجد رد على أي أسئلتها، عن لما هرب، عن لما يراها الآن زوجته وملكه، عن لما الآن يشعر بالغيرة. لم يجد أي رد.
لكنه متأكد من شيء واحد، منذ أن علم بأمر خطبتها وهناك نيران تُقاد في صدره، وفوران يسيطر على رأسه. كيف مخطوبة بحق الله! كيف وهي على ذمته؟ أجنوا أم أنه هو الذي جن؟ علمت أنه لا يملك أي ردود على أسئلتها، لذا قالت بجمود وهي تبتسم بوجع تجاهد لإخفائه: _روّحني يا أيان، بليز روّحني. نظر لها وأومأ بنعم بدون حديث، ضاغطًا على مكابح السيارة ليغادر ذلك المقهى نهائيًا. ***
مر وقت طويل وهو يقود السيارة دون حديث من قابلته أو قابلها هي. كانت تنظر هي من نافذة الغرفة بشرود، وقد سيطر الجمود على ملامحها، وقد نجحت أخيرًا في أن تسيطر على كامل مشاعرها بعد لحظات الجنون التي أصابتها بعد مقابلته فجأة. وهو.. بات أهدأ، أو يظهر ذلك. فحكاية الخطبة لم ولن تمر بتلك السهولة أبدًا. تلك اللحظة، وهو ينظر لجمود ملامحها، وحزن عينيها الذي لا يستطيع أحد أن يقرأها غيره، وجد نفسه يقول بتأسف حقيقي:
_نيرة، أنا آسف. عارف إني وجعتك ومش عارف عقلي كان فين وأنا بعمل كده، بس صدقيني كان غصب عني. حسيت إن الوقت بيضيق عليا ولازم أتصرف. قاطعته ببسمة متألمة: _سنة كاملة بعد كتب الكتاب، مقدرتش فيها تحس إنك مش عايزني وحسيت بكده يوم الفرح يا أيان؟ يوم الفرح والكل مستنينا تحت وأنا لابسة فستان فرحي! يوم الفرح اللي قعدت أحلم بيه سنين، يوم الفرح اكتشفت إنك مش عايزني ومش هتقدر تستحملني، قبل ساعة من الزفة يا أيان!
عدى عليك سنة كاملة، وسنين قبلها كنت تقدر فيها تلغي حكاية كتب الكتاب أصلًا وجاي دلوقتي تقولي إنك حسيت إن الوقت ضاق بيك؟ أردف بصدق وهو ينظر لملامحها المتألمة التي تجاهد لتبدو متماسكة: _كان فيه حاجة بتمنعني إني أبعد أو أقول لأ، كان فيه حاجة جوايا عايزاني أقرب منك، حاجة مبعدتش غير لما لقيت الوقت فات وإني قربت أعيش حياة أنا مش هكون قدها. ارجوكي قدري موقفي، طول عمرك بتقدري موقفي. نيرة بصلابة وهي تنظر من شرفة السيارة:
_سامحتك أو لا مش هيفرق. اللي فات مات. تسأل بتوجس وهو ينظر لها: _يعني إيه؟ التفتت تنظر له: _يعني لو عايز تكفر عن غلطتك، طلقني من سكات. أنت كده كده كنت عايز تطلقني ومش هتقدر على جواز ومسؤولية.. دلوقتي إيه اللي غيرك؟ سأل بشراسة: _وأنتِ عايزة تطلقي ليه؟ عشان سي... بتاعك ده صح؟ بسخرية أجابت:
_وإيه اللي يخليني متطلقش من واحد فضحني بمعنى الكلمة وخلى سيرتي على كل لسان.. إيه يا أيان، أنت مفكرني لـ الدرجة دي معنديش كرامة لدرجة إني أفضل على ذمتك حتى بعد كل اللي عملته؟ صاح بعصبية: _معندكيش كرامة ولا دي حجة عشان تروحي لـ سي... منذ بداية مقابلته وهي ترى جنونه كلما جاءت سيرة "انس". فقررت بداخلها استغلال سيرته لإغضابه أكثر فأكثر، لعله يحترق حيًا ويشعر بنصف ما شعرت به بسببه. ولذا هتفت بلامبالاة مصطنعة:
_ده شيء ميخصكش، هروح لـ "انس" ولا مروحش ده شيء أنت ملكش دخل فيه، المهم تطلقني. _والله؟ صمت ثم تابع وهو يرمقها بعيون متحدية: _طيب طلاق مش هطلق يا نيرة، على جثتي الكلام ده يحصل.. إلا لما يجيلي مزاج بكده. ثم رفع إصبعه في وجهها محذرًا: _ويكون في علمك لو عرفت إنك كلمتيه، بس كلمتيه، هشلفط وشك الحلو ده. ثم أوقف السيارة فجأة و: _اتفضلي انزلي، وصلنا.
قالها وقد صف سيارته أمام منزلها. نظرت له مطولًا وهبطت. قبل أن تغلق الباب هتف بنبرة جادة قلما ما يتحدث بها: _بس خلي بالك.. كلامنا لسه مخلصش ومش هيخلص. لم يترك لها مجالًا للرد بل غادر بسيارته من أمامها. تأوهت بألم وهي تهمس بينما تراقب مغادرة سيارته: _ليه رجعت يا أيان؟ ليه؟ كنت قربت أخف منك خلاص. وهل يُشفي المرء من علته! ***
فتح باب منزله ودخل بارهاق بادٍ على ملامحه. كان الهدوء يسيطر على المكان فظن أن لا أحد هنا. والده بالعمل ووالدته بالنادي مثلًا وشقيقه... وقبل أن يتابع وجد من يقفز عليه كالقنفذ صارخًا: _اياااان عاااا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!