انتهت حفلة الخطبة فجلس على مقربة منها يتبادل معها بعض الحديث. فما بقى من الوقت إلا أيام قليلة لإتمام الزواج. فركت كفيها بتوتر لتتحدث بخفوت: كيف عرفت مقاس خاتمي؟ كأنه صُمم خصيصًا لي! أردف بصدق قائلًا: لقد رأيتك فيه عندما نظرت إليه. بلعت ريقها بصعوبة واشتد خجلها لتجيب: إنه جميل حقًا. تبسم في ود ليتحدث ببعض الغزل الصريح: لم أجد أجمل منكِ رحيقي. حاولت التهرب لتتحدث بحيرة: لماذا لم تحضر أحدًا معك من عائلتك؟
تغيرت معالم وجهه للحزن الأليم ليجيب بعد صمت طال: لا يوجد لدي عائلة. لقد توفى أبي وأمي منذ كنت صغيرًا. شعرت بغصة ألم تسكن روحها لتسأله باهتمام: وأين أخواتك؟ هل رُبيت وحيدًا؟ شعر بالألم يمزق قلبه فأغمض عينيه بحزن لعله يستجمع شتاته ليجيب بعد مدة: لا أدري إن كان لدي إخوة أو لا. لقد رُبيت في ملجأ وهناك أخبروني أنني يتيم وأنني كنت صغيرًا جدًا لا أعي شيئًا عندما أتيت إليهم. حاولت أن تخفف ما قد سببته لتتحدث بصدق:
أعتذر لكوني جعلتك تتذكر هذه الأشياء المؤلمة. أردف بجدية: وهذا حقك. لقد كنت سأخبرك من غير سؤال. لم تعد تتمالك أعصابها أمامه فاستأذنت بالذهاب إلى خيمتها وبداخلها ألم على ما قد عاناه. بعد محاولته في إفاقتها شعر بتحرك جفنيها قليلًا ليهزها بهدوء حتى فاقت. فتنفس بقوة قائلًا بعتاب: لماذا تقلقينى عليكِ دائمًا يا مريم؟ أخبرتك مرارًا أن تتمالكي أعصابك، هذا خطر على صحتك. ابتسمت بحب ثم أردفت بأسف:
أعتذر حقًا يا فراس. لقد كانت صدمةٌ بالنسبة لي. ضمها بحنان خوفًا من قد يصيبها مكروه ليجيب بصدق: إني أخاف عليكِ من نسمات الهواء يا صغيرة، فارحمي قلبي قليلاً. قبلت كفه بحب قائلة: لم أشعر بفقدان أبي وأمي بوجودك يا فراس، فكنت لي كلاهما. لكن ما يؤلم قلبي الآن هو عابد، كيف عاش وكيف تربى؟ أريد أن أراه لكي يهدأ قلبي. فراس بجدية ولهفة:
سنذهب إليه في الغد لنكون بجواره. بزفاف سيقام خلال أيام. لقد سألت على مكانه وجلبت العنوان، لكن السفر سيطول ثلاثة أيام عن طريق البحر. لتجيب: إنني مشتاقة إليه، هيا دعنا نجهز أمتعتنا للسفر. تبسم ضاحكًا: هيا أيتها المجنونة. لمع القمر في السماء ليشهد بداية ليل دافئ على قلوب العاشقين. اقترب عابد منه ليجده شاردًا بعيدًا تزين الابتسامة ملامحه. ليجلس جواره قائلًا: هل الأمر صعب يا أنس؟ التفت إليه قائلًا بحيرة:
الحب صعب يا رفيقي، والأفضل ألا نقع فيه أبدًا. لكنه روح الحياة، كيف لنا أن نعيش بدونه؟ عابد بسكون مريب: وما الذي يزعجك إذا؟ تحدث بنبرة بها بعض الألم: لم يكلف أبي وأمي نفسهم للاهتمام بي. لقد تحدثت معهم وأخبرتهم بأمر الخطبة ليجيب والدي بانشغالاتهم الدائمة. لقد فضلوا المال عني يا رفيقي. وتلك مريم تقول إنني تقدمت لها من أجل الشفقة لأنني أنقذتها من موقفٍ يومًا ما، لكني أحببتها ومن المؤلم حقًا أنني أشعر بفتورها اتجاهي.
تحدث عابد بحب: أنتم في بداية الطريق، لا تقلق، ستكون الأمور على ما يرام. أنا هنا بجوارك عندما تحتاجني، سأكون معك. جهزوا حقائبهم للسفر وأتموا أوراقهم لتبحر رحلتهم في الصباح الباكر. كانت المياه تتغنج بلونها الأزرق اللامع وسلطت الشمس أشعتها الذهبية على الرمال حتى صدح صوت بقرب موعد الرحلة. أمسك بيديها جيدًا حتى ركبت على متن السفينة لتبدأ رحلتهم التي ستغير حياة فراس إلى ما تمنى. تحدثت مريم بإعجاب:
التطلع إلى زرقاوية المياه أمر خلاب جدًا، أشعر أنها ستكون رحلة ممتعة حقًا. تبسم فراس على عقل طفلته: ستكون ممتعة بوجودك. لكن سيكون أنس هناك، تعاملي معه بلطف وحاولي أن تفكري فيه قليلًا واتركي ذلك الخوف الذي يسكنك. خفق قلبها عند سماع اسمه لتجيب بخفوت: أجل يا فراس، سأفكر. لكن دعني أنام قليلًا الآن. ضمها إلى صدره بحنان حتى غفت ليبتسم في هدوء قائلًا بلهفة: متى اللقاء يا شقيق روحي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!