الفصل 8 | من 10 فصل

رواية نيران عشقك السرمدي الفصل الثامن 8 - بقلم خلود بكري

المشاهدات
40
كلمة
1,532
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

بعد مرور ثلاثة أيام، وصلت السفينة إلى وجهتها أخيرًا. ترجل عابد بلهفة إلى حيثُ مكانهم ليستقبله الشيخ في رحب واشتياق قائلًا: لقد افتقدتكم كثيرًا، أحمد الله على سلامتكم. عابد بود: سلمك الله أيها الشيخ الطيب. جذبهم لداخل الخيمة ليرتاحوا قليلًا من عناء السفر، فجلس معهم لتبادل الحديث عن أحوالهم، ليردف عابد بشوقٍ يسكنه: كيف حال رحيق؟ أجاب صفوان بامتنان: بخير يا ولدي، ستأتي الآن هي وشقيقتها.

ذهب أنس لحاجته للنوم فقد عانى من هواء البحر، وترك عابد يتحدث معه حتى أتت الفتيات يجلسن جوار أبيهن. ليتحدث عابد قائلًا: كيف حالك يا رحيق؟ أجابته بهدوء يصاحبه بعض الخجل: إنني بخير، أشكر الله على سلامتك. تبسم في ود، حتى وجه حديثه لتلك الفتاة: كيف حالك؟ هذه أول مرة أراكِ بها. ابتسمت في صفو لتجيب: الحمد لربي، أنا عيناء شقيقة رحيق الصغرى. أخبرني والدي ورحيق عنك كثيرًا، لقد تشرفنا بك صهري. ابتسم أثر كلامها الطيب:

لقد زدتُ شرفًا بكم. لكني أريد منك شيئًا وأتمنى أن لا ترفضه. أشار لها بالموافقة لتستكمل باقي حديثها: لا تأخذ رحيق مني، لا يوجد لي أحدًا سواه. تحدث صفوان يعنف ابنته: كفى حديث يا عيناء، ليس وقت هذا الحديث. ليتكلم عابد بجد صادق: اتركيها تحكي ما تريد، هذا حقها، وأنا أعدكِ أن لا أحرمك منها، لا تقلقي. ما تريدينه أنتِ ورحيق سأفعله بكل ود. ابتسم الشيخ صفوان على حسن اختياره، ليردف بإعجاب صريح:

حقًا أنك رجل بكل معاني الكلمة، لن أندم على اختيارك لابنتي يومًا ما. هيا اذهب لترتاح قليلًا لأجل حفل المساء.

ذهبت الفتيات يجهزون ثيابهم لحفلة الخطبة، فارتدت رحيق ثوبًا من اللون الأحمر القاتم، ورفعت عنها ذلك الوشاح لتبرز معالم وجهها كالبدر في ليلة التمام. كان يزين وجهها بعض من النمش الذي أعطى لها رونقًا جذاب، كانت مثل فراشة لامعة زينت ألوانها بطبيعة خلقها الله بها، ففضلت أن تظهر بدون أي زينة وبرضا تام. خرجت مع شقيقتها إلى المكان المنشود لإقامة الحفل. وضعت عيناء الوشاح عليها نظرًا لوجود الرجال، محدثة لها بهدوء:

أنتِ تعلمين قواعدنا، لن ترفعي الوشاح إلا ليلة الزفاف. ابتسمت رحيق بهدوء: أجل يا صغيرتي، أعلم جيدًا. التفت فتيات قبيلتها يهنئونها بحب، فهي محبوبة بين النساء. دلف أبوها إلى الخيمة التي تخص النساء ليضع خاتم الخطبة في يديها، فهلل الجميع في فرح داعين الله لها أن يتم لها تلك الزيجة المباركة.

النبش في الذكريات كالجرح الذي كان قد التأم وفتح من جديد. اعتصر الحزن معالم وجهها، وخفقت نبضات قلبها بألم عندما أخبرها فراس أنه سيسافر إلى منزلهم القديم لضرورة جلب بعض الأوراق الهامة التي يحتاجها لعمله، فأردفت بحزن: أخاف عليك أن يصيبك مكروه، البيت مهجور منذ زمن. مسد على رأسها يطمئنها بهدوء: لا تخافي، سوف آخذ معي فريقًا مختصًا. هناك سر عليّ أن أجده، لعلنا نجد شيئًا يدلنا على ما فقدناه.

وافقته والقلق يلازمها، فظلت تدعو الله أن يعود سالمًا.

في منزل قفل منذ سنوات، غطى التراب معلمه بوحشة قاتلة. رفع كفيه بسكون ليدفع الباب، ففُتح على مصراعيه. أخذه الحنين لتلك الغرفة التي تملأ صوت ضحكاتهم ولهوهم فيها. تذكر أخيه الذي خطف منذ زمن، ومن حسرة والديه انقلبوا بالسيارة في حادث أليم، فقدوا فيه الحياة. كان فراس يكبر أخاه الأصغر بثلاث سنوات، ويكبر مريم بخمس سنوات. أخذها وذهب إلى مكان آخر، فلم يستطع العيش في هذا البيت بعد فراقهم. أخذ يبحث في أرجاء المنزل على صورة لأخيه. دلف لغرفة المكتب يقلب أدراجها ليجد ورقة سطرت بها كلمات جعلت قلبه يرجف، أحقًا ما وجد؟

جلب الأوراق وجميع الصور أمامه ليذهب مسرعًا إلى ذلك العنوان، وبداخله أمل أنه سيجد ما يبحث عنه. دقات خافتة طرقها بسكون، لتفتح عجوز ارتسم الشيب على ملامحها بإتقان. ليتحدث بهدوء عكس ما بداخله: السلام عليكم يا أمي، كيف حالك؟ ارتعشت يداها بإعياء واضح لتجيب: وعليكم السلام يا ولدي، تفضل. دخل فراس البيت وجلس مقابل لها ليتحدث بجد: أريد مساعدتك يا أمي في أمرًا. وأعطى لها الصورة قائلًا بأمل يسكن قلبه: هل تعرفين ذاك الصغير؟

دققت بها عدة مرات في محاولة مستميتة للتذكر، لتجيب بأسف: لم أتذكر شيئًا يا والدي، هل أخبرتني ما قصة هذا الطفل، لعلي أتذكر شيئًا. أجابه بهدوء والألم يعتصر قلبه: هذا أخي، فقدناه في عمر الثلاث سنوات وأبحث عنه منذ دهرًا ولم أجده. ربطت العجوز عليه في حنان وألم صادق: لا تيأس يا ولدي، ستجده إن أراد الله. تبسم بهدوء ليقف مودعًا لها قائلًا بشكر: شكرًا لكِ يا أمي، هل تحتاجين شيئًا؟ أوقفته قائلة بتذكر:

اصبر يا ولدي، لقد تذكرت شيئًا منذ زمن. جاء طفل صغير هاربًا من امرأة تضربه بقسوة، فأخذته امرأة بجوارنا وظلت تسأله هل هذه تكون أمك، فكان يهز رأسه بالرفض. وعندما رأته تلك السيدة معنا فر هاربًا، فأيقن أنه مفقود من أهله. ولجهلنا ذهبنا وأوضعناه بالملجأ. سأخبرك مكان الملجأ، لعلك تجد شيئًا يوصلك إليه هناك. شكرها مرارًا وأخذ العنوان ورحل.

بعد دقائق وصل، فدلف إليه يبحث عن مسؤول هذا الملجأ، فوجده رجلًا خالط الشيب رأسه. ليطرح عليه السلام وبداخله إصرار أنه لن يعود إلا ومعه الحقيقة كاملة. نظر الرجل للصورة التي أمامه بدقة، ليخرج من درج مكتبه صورة تشبهها كثيرًا، ليردف بتبسم قائلًا: هذا الطفل الذي جاء صغيرًا وكبر وترعرع بهذا الملجأ، إنه من أفضل من مر على ملجأنا يا ولدي. تشنج جسده بفرح ليجيب بتوتر ولهفة: وأين هو الآن؟ هل تغير اسمه؟ كان يسمى مراد.

أجابه الرجل بجدية: لقد أطلقنا عليه اسم عابد. سكنت الصدمة معالم وجهه ليردد بخفوت: عابد؟ ليسترسل حديثه بلهفة قائلًا: وأين هو الآن؟ أجابه الرجل في ثقة: لقد كبر، أتمم دراسته وأصبح تاجرًا مشهورًا الآن يسافر عبر البحر للعمل. لقد أثر فينا كثيرًا لشدة الخير الذي كان به، لكنه يأتي لزيارتنا عندما يكون هنا في مصر. علت الدهشة وجهه وسكنت الصدمة قلبه، ليهلل بفرح: شكرًا أيها الرجل الطيب، لن أنسى معروفك أبدًا.

وركض مسرعًا إلى أخته ليزف إليها الخبر، ويكاد يجن من الفرحة. ذهب مسرعًا يقود السيارة بجنون، حتى أنه تفادى الكثير من الحوادث ليصل بعد عدة ساعات للمنزل يطرق على بابه بلهفة. ركضت مريم نحو الباب ودقات قلبها يسكنها القلق، لتفتح بهدوء فدلف فراس يصيح بقوة: لقد وجدته يا مريم، لن تصدقي من هو. ارتجف جسدها قليلًا لتتحدث بهمس قلق: من هو يا فراس؟ ما عدت أتمالك أعصابي. تحدث صادقًا:

كنت أعلم أنه هو منذ أن رأيته، أتعجب من القدر، لقد كان أمامنا ولم نتعرف عليه! أنصتت إليه والدمع يسيل على خديها، ليستكمل قائلًا بصدمة ألجمتها: إنه عابد يا مريم. تطلعت له بصدمة لتردد قبل أن تسقط مغشيًا عليها: عابد يكون أخي؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...