الفصل 1 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل الأول 1 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
18
كلمة
1,416
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

نهض سعد من فراشه بعد منتصف الليل، وهو يرتعد خوفًا من تلك الرؤية التي رآها. حاول أن ينادي على أحد أولاده ليستغيث به، كالذي يقاوم الغرق في بحر الظلمات ويبحث عن أي قارب نجاة. بدا وكأنه فقد النطق، وخارت قواه، وبدأ يتصبب العرق من جبينه. "يا إلهي! أي حلم هذا؟ وأي رؤية ليلية التي جعلت رجلاً قويًا مثل سعد يصرخ صامتًا هكذا؟ خرج من الغرفة متجهًا ناحية المطبخ ليشرب قليلاً من الماء، فقد أصاب ريقه جفافًا من هول ما قد رأى.

عاد من المطبخ وهو ينظر ناحية باب الشقة يظن أن أحدًا ما سيهاجمه بالأسلحة، فجرى إلى فراشه. "ما هذا الذعر الذي أصابه رغم قوة شخصيته وصلابة قلبه الذي لا يخشى شيئًا؟ هل ينتابه كل هذا الخوف بسبب رؤية ليلية قد تكون كابوسًا مثل الذي يتعرض له الملايين من البشر يوميًا فيوقظهم من نومهم مذعورين؟

بدأ ينظر إلى الجدران ويدقق النظر في السقف، وينظر في ساعته يستعجل خروج الصباح ليروي تلك الرؤية على أولاده، أملًا في أن يستريح بعد ما يروي لهم عن تفاصيلها. لم يكن خوفه من الرؤى والأحلام وليد اللحظة، ولكن رأى منذ سنين أن جدران بيته تتهدم، وفي الصباح ماتت زوجته، مما جعله يظن أن وفاته قد اقتربت وهي تفسير رؤيته تلك الليلة، وهذا ما يجعله خائفًا من تأويلها.

لم يستطع النوم حتى الصباح، وهو يتحرك كثيرًا بين غرفة نومه والصالة، حتى استيقظت ابنته راندا. فرآها متجهة ناحية المطبخ لتحضر الإفطار لها ولأفراد الأسرة قبل نزولها الجامعة، فخرج مسرعًا إليها وكأنه وجد سفينة النجاة التي يفضفض لها ما رأى. "صباح الخير يا راندا يا بنتي." "صباح الخير يا بابا، معقولة جاي تحضر معايا الفطار؟ "فطار إيه بس يا راندا، ده أنا صاحي من امبارح والله." "ليه يا بابا؟ وإيه اللي مطير النوم من عينك كده؟

"شفت حلم فظيع يا راندا، حلم مخوفني جدًا جدًا." "يا ساتر يا رب! حلم إيه ده؟ "شفت عصابة مسلحة بالسكاكين والمطاوي، وكلهم متلمتين، دخلوا البيت بتاعنا وأنا واقف باتفرج عليهم، وبدأوا ينحتوا حيطان البيت بتاعنا، والحيطان بتنزف دم، وأنا مذهول، إزاي حيطان من الطوب والإسمنت بتنزف الدم ده كله، والعصابة إيديها متلطخة بالدم، قمت مفزوع والله." "أكيد كابوس يا بابا، حيطان إيه اللي هتجيب دم دي."

"خايف يا راندا خايف، أنا أحلامي مش بتنزل الأرض، هو انتي مش فاكرة الحلم اللي حكيته لك يوم وفاة أمك الله يرحمها؟ "الله يرحمها." "يومها شفت كل حيطان البيت بتوقع، وصحيت زي كده مفزوع، وسمعت صرختك وزعيق أخوكي عصام لما أمك ماتت." "متشغلش بالك بس انت يا بابا بالأحلام والكلام ده، علشان ميخليش مزاجك يبقى متكدر اليوم كله." "حاضر يا راندا."

ترك سعد لها المطبخ وخرج ينتظر الإفطار في الصالة وهو يراقب الجدران كالطفل الخائف من شبح الظلام. ترك لها المطبخ وهو مشفق عليها، مشفق على حرمانها من طفولتها، مشفق على عدم تمتعها بما تتمتع به قريناتها من الفتيات اللاتي ينعمن بوجود الأم التي تحمل عنها كل ما تعانيه الآن. خرجت راندا من مطبخها إلى غرف إخوتها تطرق عليهم الأبواب تباعًا لتوقظهم من نومهم، ليلحق كل ذي عمل عمله، وكل ذي مدرسة مدرسته.

كان يراقبها وبداخله خوف عليها من الأيام، خوف من الأسى الذي قد تلقاه لو مات أبوها. خرج الرائد عصام الابن الأكبر من غرفته وهو يرتدي البدلة العسكرية، ويمسك حقيبته بيده، ووضعها على الأرض بجوار المائدة واتخذ مكانه عليها، فرآه سعد بالملابس العسكرية. "إيه يا عصام يا ابني، هو انت مسافر ولا إيه؟ "أيوه يا بابا، الإجازة خلصت، والتمام بتاعي النهاردة." "خلصت إزاي ده انتي مكملتش 3 أيام."

"3 أيام إيه بس يا بابا، أنا ليا أكتر من أسبوع هنا." "لا حول ولا قوة إلا بالله، الأيام مفيهاش بركة خالص." "آه والله يا بابا، الأسبوع بقى يمر في ساعة." "ما تطلب نقلك في الهايكستب هنا يا عصام، خليك قريب مننا." "ما الإسماعيلية مش بعيدة بردو يا بابا وفي النهاية كله جيش." "والله ندمت ندم عمري إني دخلتك الكلية الحربية." "والله أنا مش هنسالك الجميل ده أبداً يا بابا."

أحضرت راندا أطباق الطعام، وجلست سمر الطالبة بالثانوية العامة، وكذلك رائف الطالب بالإعدادية على المائدة. "إيه يا سي رائف، مال عيونك حمرا كده؟ "أصله صاحي الليل كله ع الفيسبوك يا بابا؟ "الله يقطع الفيسبوك، ده اختراع زفت؟ "وانتي مالك انتي أسهر ع الفيس ولا مش أسهر؟ "عيب يا ولد، أختك عايزة مصلحتك." "ما تركز هي في الثانوي بتاعتها وتطلعني من دماغها يا بابا." "والله انتوا ما عندكوا دم كلكم، ربنا يبارك لي فيكي يا راندا."

"ويخليك لينا يا بابا." "واحنا يا بابا، ملناش نصيب في الدعوة ولا إيه؟ "بدعي لكوا كلكم يا سمر والله، بس راندا دي اللي شايلة البيت كله." "فعلاً يا بابا، مش عارفين بعد ما تتجوز هنعمل إيه." "ما انت هتتجوز قبلها يا سي عصام، ومراتك هتعيش معانا هنا." "دي حاجة في علم الغيب يا والدي." لم يتوقفوا عن تبادل الحديث كعادتهم، حتى خرجوا تباعًا، وانطلق سعد إلى المحكمة يراوده ذلك الحلم المخيف الذي يحتل جزءًا من تفكيره منذ ساعات.

حاول سعد كثيرًا أن يقنع راندا كي توافق على الاستعانة بخادمة في منزلهم، تساعدها في أمور البيت، كي تلتفت هي الأخرى لمذاكرتها، ولتأخذ قسطًا من الراحة باقي يومها، وأن تدخر لصحتها ذلك المجهود البدني الخارق الذي تقوم به. لكن راندا كانت تأبى فكرة الخادمة، ترفض أن تعكف امرأة غريبة في بيتهم عند غياب الجميع وانشغالهم بأعمالهم أو مدارسهم.

كانت راندا قد تقمصت شخصية الزوجة لأبيها، والأم لأشقائها بما فيهم شقيقها الأكبر عصام، ولا تستطع أن تتراجع عن ذلك الدور أبدًا مهما تكبدت من مشاق. وسرعان ما تراجع سعد عن ذلك الاقتراح الذي كان يطرحه دائمًا أمامها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...