جلسة في المحكمة لم تكن القضية الموكل بها سعد قضية عادية كغيرها، ولكنها قضية معقدة. ولولا ذلك لتركها لأي من المحامين الشباب بمكتبه ليطلب فيها التأجيل. ولكن خطورتها اضطرته للذهاب بنفسه إلى هناك، وجلس في الصف الأول بالقاعة ينتظر هيئة المحكمة. أسند رأسه برفق على المقعد خلفه، وغرق في نوم عميق كان يتربص به، حتى تاه عن كل الحضور. دخل رئيس الجلسة يرافقه عضو النيابة وعضوا اليمين واليسار،
ونادى الحاجب: "محكمة". ووقف كل من بالقاعة إلا سعد الغارق في نومه، لم يلتفت إليهم. "يا أستاذ سعد! يا متر! يا سعد بيه! الكل ينادي عليه، وسعد في عالم آخر، حتى طرق القاضي المنصة طرقات شديدة بالمطرقة، جعلته ينهض مفزوعًا يتلفت خلفه.
وكان قد رأى في نومه هجمات شرسة من العصابات الملثمة تخترق منزله ثانية، وتنحت الجدران، وكل جدار ينزف تحته بركة من الدماء تغرق المنزل، فأيقظته طرقات المنصة، وكأنها أصوات اقتحام العصابة المسلحة لمنزله. "أنا آسف يا فندم. راحت عليا نومة." "ولا يهمك يا أستاذ سعد، كان الله بالعون. اتفضلوا يا جماعة." جلس القاضي، وجلس الحضور، ولم يأتِ سعد من مسرح الأحداث حتى الآن، فعقله يسترجع مشهد الرؤية بأكمله.
كان سعد على درجة عالية من الاستعداد لمناقشة المحكمة في القضية الموكل بها، ولكن حالته النفسية التي أرهقتها تلك الرؤية المخيفة، لم تجعل في نفسه القدرة على الاستمرار. وطلب التأجيل لسوء الظروف النفسية للمحامي، فاستجابت له المحكمة وأجلت الدعوى. لم يكن سعد خائفًا من الرؤية نفسها، ولكنه يخشى ترجمتها على أرض الواقع. لا يدري ما الرسالة التي تحملها تلك الرؤية المخيفة.
فإذا كان سقوط الجدران من سنوات، كان تفسيره سريعًا وماتت على إثره زوجته وأم أولاده، التي كانت هي بالفعل جدران البيت بأكمله. كانت جداره الذي يسنده، ويسكن بالركون إليه في المصائب والملمات. كانت الجدار القوي لكل ابن من أبنائه، تقرأ الشكوى في عينيه وتجيبه قبل أن يتفوه بها، تخفف عنهم ما يلاقوه، وتسهر دوما على راحتهم، وترفع عن والدهم ما قد يثقل كاهله من مشكلاتهم اليومية.
وفي تلك الليلة التي رأى فيها جدران البيت تتهدم، أصبح على وفاة زوجته وصراخ أولاده. خرج إلى المقهى الملاصق للمحكمة يبحث عن رفاقه، صادق وموسي، المحاميين الأقرب إليه، ليبعثر أمامهم ذلك الهم القابع في صدره لا يفارقه، ليبحثوا معه عن حل لذلك اللغز المحير. التقى بهم وأخبرهم باقتحام بيته في أصعب رؤية ليلية رآها في منامه، وطعن الجدران ونزيفها ببحور من الدم أغرقت منزله.
أخبرهم بملاحقة عصابة ذلك الحلم الغامض له، حتى اتبعوه في المحكمة ليواصلوا طعناتهم لجدران البيت في غفوة عابرة، نام فيها داخل قاعة المحكمة. لم يجد من رفاقه سوى السخرية من تلك الأمور. "إيه اللي بتقوله ده يا سعد، يا عم انت محامي كبير، عيب كده والله." "هو إيه اللي عيب يا صادق، والله أنا صادق في كل كلمة حكيتها." "هو يقصد عيب إنك تخاف من مجرد عصابة جوة الحلم يا سعد." "أنا غلطان اللي حكيت لكم، والله لأقوم أمشي."
"استنى بس، هتمشي وانت زعلان كده، إحنا بنكلمك بجد والله." "يا جماعة انتوا مش متخيلين تفسير الحلم ده ممكن يكون إيه؟ "هيكون تفسيره إيه يعني؟ "مش بعيد يكون تفسيره إني هموت قريب، زي ما ماتت مراتي." "ربنا يمتعك بالصحة وطولة العمر، متقولش كده، والموت والحياة بتوع ربنا." "ونعم بالله، بس أنا حلمت إن حيطان بيتي وقعت، ومراتي ماتت يومها، يبقى مين تاني الحيطة اللي فاضلة في البيت غيري؟ "وانت خايف من الموت يا سعد؟
"والله ما خايف من الموت يا موسي، أنا خايف على ولادي يا جماعة، خايف على ولادي، انتوا مش متخيلين حياتنا عاملة إزاي." بدأت عينا سعد تغرورق بالدموع وهو يحكي لهم عن مأساة أسرته بعد وفاة زوجته.
"انتوا مش متخيلين يا جماعة راندا بنتي ممكن يحصل لها إيه لو أنا مت، دي اتحرمت من أمها واتحرمت من طفولتها، واتحرمت من التمتع بأجمل فترة في حياتها، بقت لإخواتها أم وأخت وكل حاجة، وبالنسبة لي أنا بنتي ومراتي وروحي وكل حاجة، هتتدمر يا جماعة لو أنا مت، هتعمل إيه بعدي؟ ، هتعمل إيه؟ ، رائف هيعمل إيه؟ ، سمر هتعمل إيه؟ ، حتى عصام الكبير."
انفجر سعد في البكاء، وقام من جوارهم وأسرع ناحية سيارته داخل حرم المحكمة، وفتح الباب وركب حتى ينطلق، ولكن لحق به موسي وصادق، وركبا معه في سيارته، وأرغمه صادق على ترك محرك القيادة، وركب مكانه وقاد له سيارته. لم يستطع سعد التوقف عن البكاء داخل السيارة، وبجواره موسي يربت على كتفه، يحاول تهدئته، وصادق يقود السيارة ببطء، ليستكمل معه الحوار. "أنا عندي اقتراح يريحك يا سعد." "اقتراح إيه ده؟
"إحنا نروح للدكتور رفعت نصر إمام مسجد البراء بن مالك في الحتة بتاعتنا، ده راجل قوي في التفسير، ومعاه دكتوراه في علم النفس بجانب علومه الشرعية." "نروح لأي حد يا صادق يا أخويا، نروح لأي حد." كان الحظ حليفهم آنذاك، فقد كان الدكتور رفعت نصر لا يزال بالمسجد واستقبلهم وأنصت لرواية سعد عن الحلم الذي يلاحقه، فابتسم له الدكتور رفعت نصر قائلاً:
"والله يا متر مش عارف أقولك إيه، بس كل اللي أقدر أقوله لك، إنه مش شرط الحلم يعنيك انت، أو يقصدك انت، ممكن يكون الحلم يقصد البلد كلها، زي العمليات الإرهابية اللي بتتعرض لها كل فترة دي." "يعني إيه يا دكتور رفعت؟! "يعني يا أستاذ صادق، إن البيت ده ممكن يشير للبلد كلها، يشير لمصر، والملثمين دول الإرهابيين، والجدران دي تشير للشعب اللي دمه بينزف كل يوم من العمليات الإرهابية."
"مش مقتنع يا دكتور رفعت، هو أنا حلمي يتفسر ليه بالبلد كلها ليه، هو أنا حاكم الدولة، ولا مسئول فيها، الحلم اللي فسره سيدنا يوسف إن البلد كلها هتمر بسنين عجاف، ده شافه الملك يومها، وأنا مش الملك، بيتي هو بيتي، وحيطان بيتي هي أنا، والنزيف ده معناه بيتي." "متفسرش من خلال خوفك يا أستاذ سعد، وأنا متأكد من تأويلي." "وأنا مع احترامي لتأويل حضرتك مش مقتنع غير باللي حاسه جوايا."
"أنا آسف يا دكتور رفعت، بس سعد تعبان شوية ومتوتر، ميقصدش حاجة." "ولا يهمك يا أستاذ صادق، ربنا يكون في عونه." انصرف الثلاثة عن المسجد، وعاد سعد إلى بيته، ودخل غرفته لينام قليلاً حتى عودة أولاده من مدارسهم والجامعة، وغرق في نوم عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!