الفصل 15 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
23
كلمة
2,201
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

بات سعد ليلته و هو في قمة الفرح لضمانه العيش في أمان، وقد منع أولاده من الذهاب إلي أماكن الخطر. وما كان عليه إلا أن يبحث عن عذر قهري يقدمه عصام للقيادة العامة حتى تسمح له بالاستقالة دون اعتباره شخصًا متخاذلًا يحاول الهروب من مواجهة العناصر الإرهابية في سيناء.

وفي الصباح، ذهب سعد إلى صديقه استشاري المخ والأعصاب المشهور، وحصل منه على أشعة وتحاليل لشخص مصاب بالزهايمر، وحصل منه على شهادة وتشخيص يفيد بأنه مصاب بالزهايمر. ووضع كل تلك الأوراق في مظروف، وعرف من صديقه أعراض الإصابة بالزهايمر، وطريقة تعامل المصابين، وكيف يتعامل الأبناء مع الأب المصاب.

كانت ساعات الصباح عصيبة على عصام، لا يعرف كيف يواجه قادته وزملائه وهو يقدم استقالته في أهم مرحلة تمر عليه منذ التحاقه بالقوات المسلحة. كيف ينظر في أعينهم بالقوة التي اعتاد النظر بها، كيف يصافحهم مصافحة الوداع، ومنهم من يشد الأجزاء ويستعد للرحيل إلى أرض المعركة، يحملون أرواحهم على كفوفهم ليستقبلوا تلك اللحظات بصدورهم العارية.

حضر سعد إلى البيت يزف البشرى لعصام، وقدم له أوراقًا وشهادات من طبيب مشهور تفيد بأن والده مصاب بالزهايمر ولا بد من الاعتناء به. وبما أن عصام هو الابن الأكبر، وباقي الأبناء لازالوا طلابًا في المدارس والجامعات، فلا بد أن يتفرغ عصام لرعاية والده حتى يتماثل للشفاء، وتلك الحالة من حالات الزهايمر قد تستغرق أكثر من سنة حتى يتماثل المريض للشفاء. «بعد الشر عنك يا بابا، ليه الفال ده بس؟

«الفال ده أحسن من اللي انت رايح له يا عصام، دلوقتي هكتب لك صيغة للاستقالة تبرز أنك شخص ستضحي بمستقبلك وشغلك اللي بتحبه عشان تتفرغ لرعاية والدك، ومش هتعدي شهر بالظبط بعد الاستقالة وهتلاقي نفسك مدير أمن شركة بترول كبيرة وبمرتب ضخم كمان.» «ربنا يستر يا بابا، ربنا يستر. هو حضرتك متوقع إني هفرح بالبترول بعد استقالتي من الجيش! «أنا عارفك زعلان، بس إن شاء الله مع الأيام هتنسى، هي الحياة كده يا بني.»

قابل عصام اللواء عبدالمجيد وهو في حالة نفسية يرثى لها، كان مرتبكًا من ذلك الموقف الذي اضطره والده للوقوع فيه. ولكن اللواء عبدالمجيد ظن أن حالة القلق التي تنتاب عصام الآن هي من الخوف والرعب على صحة والده التي شرحها في تقرير الاستقالة مرفقة بشهادات الطبيب الشهير. لم يكن يحلم عصام لحظة أن تكون الظروف مواتية بهذا الشكل لتجعله بالفعل بطلًا في نظر اللواء عبدالمجيد.

«تمالك نفسك يا عصام يا بني، الحمد لله إن المرض مش عضوي، وإن جسمه سليم وبيعتمد على نفسه.» «إزاي بس يا سيادة اللواء، ده بابا مش عارف حد فينا، بابا تايه يا سيادة اللواء، أنا مش متخيل إن واحد من عظماء القانون في مصر يحصل له كده، ده بابا من العقليات المعدودة يا فندم.»

«قول الحمد لله يا بني إنكم حواليه وجنبه، وإن ربنا أكرمه بابن صالح زيك، هيضحي بمستقبله وشغله عشان يفضل جنبه ويكون سنده في مرضه، أنت مثال للتضحية والفداء يا عصام وأنا فخور بيك يا بني، عمر نظرتي فيك ما خابت أبدًا.»

نزلت تلك الكلمات على قلب عصام كالصاعقة، كادت أن تمزقه، جعلته يرتجف، يحتقر نفسه، كيف يصل إلى هذا المستوى من الأخلاق، كيف يكذب على قائده حتى يستعطفه وهو يرى فيه القدوة لزملائه. لم يستطع عصام تحمل الموقف، فانفجر في البكاء، وارتمى في حضن اللواء عبدالمجيد وكأنه يمسح في جسده ذلك الذنب الذي ارتكبه في حق قياداته وحق زملائه، بل في حق نفسه وواجبه في المقام الأول.

كان سعد يشعر بالفخر بينه وبين نفسه، لأنه استطاع أن يحمي ولده من ذلك الخطر المحقق، بل يشعر بالرضا لأنه كسب تلك المعركة وعرف أن مكانته في قلب عصام أكبر من واجبه الذي تعلق به طيلة الفترة الماضية منذ تخرجه وحتى تلك اللحظات. ظن أنه قادر على النوم مطمئنًا، والعودة إلى عمله الذي تعطل عنه منذ اللحظة الأولى لتلك الرؤية المفزعة التي هددته.

نام ليلته وهو مبتسم لحياة جديدة لا خوف فيها، وأولاده حوله ينام كل واحد منهم في غرفته، وللوطن رجال يحمونه، يزودون عنه، يدفعون عنه ذلك الخطر المدقع، لكن ليس شرطًا أن يكون عصام من بينهم. نام سعد لتخرج له الأحلام ألسنتها لتسخر منه وتزيده رعبًا على رعب، فكانت الرؤية تلك المرة أكثر رعبًا من ذي قبل.

رأى في نومه أنه قادم من عمله، وهو يتكلم في هاتفه المحمول، وقد حقق مبلغًا ماليًا ضخمًا من قضية قد ربحها اليوم في ساحات القضاء، وكانت ضحكاته عالية، فدخل البيت ولم يجد أحدًا من أولاده، والبيت مقلوب، لا شيء في مكانه، وكانت صيحات راندا في غرفتها عالية تستغيث، وصرخات رائف في غرفته ينادي على والده، وسمر تبكي بشدة في غرفتها وهي تقول: "أنقذني يا عصام".

جرى سعد إلى غرفة راندا، فوجدها تلتحف بطانيتها وتلتصق بالجدار المجاور لفراشها، وباقي جدران الغرفة تنزف الدماء فتغرق الغرفة. «حصل إيه يا راندا، بتصرخي ليه يا بابا، وايه الدم ده كله؟ «دول عصابة يا بابا عصابة، قتلوا كل الحيطان، الحيطان بتصرخ يا بابا.» «حيطان إيه يا بابا اللي بتصرخ، دم مين ده، وفين العصابة دي؟ «في أوضة رائف يا بابا، في أوضة رائف.»

جرى سعد ناحية غرفة رائف، فوجده معلقًا في سقف الغرفة، والدماء تملأ الفراش، وتغرق الأرضية، والجدران تنزف من كل ناحية، وتبدو آثار الطعنات في منتصفها. «الحقني يا بابا، نزلني يا بابا، الحقني يا بابا، يا باباااااااااااا.» «حصل إيه يا رائف، قول لي يا بني حصل إيه مالك بتصرخ كده.» «الحقني يا بابا، ناس لابسين أقنعة بيدبحوا حيطان البيت.» «فين دول يا رائف، فينهم يا بابا؟ «مشيوا يا بابا، راحوا أوضة سمر.»

جرى سعد إلى غرفة سمر، واقتحم الغرفة، فوجد الملثمين يمسكون سمر بين أيديهم ويتقاذفونها بينهم، وهي تصرخ تنادي على عصام. «يا عصام، الحقني يا عصام، أنا أختك حبيبتك يا عصام.» «سيبوها يا مجرمين، سيبوها، سيبوها يا مجرمين، سيبوها.» قام أحدهم بطرد سعد من الغرفة وأغلق الباب خلفه، فوجد سعد نفسه في الصالة، يتلفت حوله يبحث عن منقذ، وأخذ يصرخ ينادي على عصام.

نظر سعد إلى ركن الصالة فوجد عصام جالسًا يضع قدمًا فوق قدم أمام التلفاز، ويشاهد مسرحية "العيال كبرت"، ويتناول قطعًا من الكيك، وأمامه عصير البرتقال، وهو يضحك بصوت عال. «إلحق يا عصام يا ابني، إلحق أختك سمر بين إيدين العصابة.» «عارف يا بابا عارف، متخافش عليها هيسيبوها زي رائف وراندا.» «يا ابني قوم انقذ أختك من إيديهم.» «حاضر يا بابا هقوم هقوم، بس أخلص الكيك ده، وهشرب كوباية العصير، وهقوم أبهدلهم.»

«عصير إيه وكيك إيه يا عصام، يا بني أختك بتصرخ.» نظر سعد خلفه ناحية الغرفة، فتهدمت جدران البيت وانهار على الجميع، وتعالت الصرخات، وسقط سعد مغشيًا عليه. وما إن انتهت الرؤية حتى قام سعد من نومه صارخًا، وصدره يعلو ويهبط، وهو يتلفت حوله، ويردد كلمات بصوت عال. «ولادي، ولادي، البيت، يا عصام، يا عصااام، يا رانداااا، ياولااااااااد.»

دخل عصام وإخوته إلى الغرفة وهم مفزوعون من صرخات أبيهم التي دوت في أركان البيت، واقتحموا عليه الغرفة ودخلوا عليه، واحتضنه عصام وهو يهدئه. «مالك يا بابا مالك؟ «انت فين، وفين اخواتك يا عصام؟ «احنا أهو يا بابا، موجودين حواليك.» طاف سعد ببصره في الغرفة، لينظر في وجوه أولاده، وهو يدمع، ففتح ذراعيه مشيرًا إليهم بالاقتراب منه ليحتضنهم وهو يبكي، ثم نظر إلى عصام.

«اخواتك أمانة في رقبتك ليوم الدين يا عصام، اياك تتخلي عنهم لحظة واحدة.» «ليه بتقول كده بس يا بابا، ده أنا أفديهم بروحي.» «يا خوفي تسيبهم يصرخوا وتتفرج على التلفزيون.» «ياااااااااااه يا بابا، حضرتك بتشك في درجة حبي ليهم.» «سامحني يا ابني، شفتك في الحلم سايق البرود واخواتك بيصرخوا.» «يا بابا ده عصام استقال من شغله لما شافنا مخضوضين عليه.» «أتمنى يا بنتي يكون خوفه عليكم قد خوفي بالظبط.»

«تخيل يا بابا، أنا كنت رافض استقيل من شغلي عشان أضحي بروحي ودمي وعمري فداء بلد بحالها وشعب بحاله، شعب فيه الكويس والوحش، فيه الصالح والطالح، فيه الملتزم والعربيد، فيه النشيط والكسول، فيه اللي قلبه ع البلد واللي مش فارقة معاه. تخيل كنت رايح أموت في سبيل كل الفصائل والأديان والألوان، وجاي دلوقتي تشك في مدى خوفي على اخواتي.»

كان عصام متألمًا من ذلك الشك الذي سكن قلب أبيه حول مدى حبه لأشقائه الصغار، تصديقًا لرؤية ليلية قد تكون أضغاث أحلام يهاجمه بها عقله الباطن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...