وصل زملاء عصام من الإسماعيلية إلى إحدى المناطق العسكرية برفح. كان من بينهم الرائد عبد الرحمن علام، الذي نزل من السيارة ليصافح الأفراد الواقفين بنقطة التفتيش القريبة من الوحدة العسكرية. أدى له الجنود التحية العسكرية. كان أحد الجنود يمسك هاتفه المحمول ويدير ظهره لزملائه. لم يلتفت إلى الرائد عبد الرحمن الذي نظر إليه بحدة. كيف ينشغل عن كمين في منطقة غاية في الخطورة ويستخدم الهاتف المحمول أثناء الخدمة؟
تقدم نحوه ليوبخه على فعلته. وما إن وصل إليه حتى سمعه يبكي أثناء حواره الهاتفي قائلاً:
"يا أمي وأنا هعمل له إيه بس، هعمل له إيه. حرام والله أشيل كل هموم الدنيا فوق راسي، وإخواتي الكبار عندك ومش عايزين يتحركوا. حرام والله. أنا كلمت القائد بتاعي وقال لي هجيب إذن بيومين إجازة ولسه مردش عليا. والله صعبان عليا يا أمي، ونفسي أنزل وأوديه لدكتور واتنين وتلاتة وخمسة. نفسي أقعد جنبه في البيت، تحت رجليه، لكن الجيش يا أمي الجيش، هعمل إيه أنا. يا ريت إخواتي الكبار ماتوا من زمان كنت بقيت وحيد وما كنتش دخلت الجيش،
لكن وجودهم ده خلاني أتجند، وهما سايبين أبوهم متمرمط في مرضه. إلهي يمرمطهم ربنا هما و حريمهم. حاضر يا أمي حاضر، والله هخلص الخدمة وأدخل له مكتبه تاني أفكره بالإجازة. حاضر، والله ما ليا بركة إلا انتوا، حاضر يا أمي حاضر، سلام أنا قبل ما حد يشوفني بتكلم في التليفون أدخل فيها الحبس، سلام."
أنهى المجند مكالمته الهاتفية، وأدار ظهره فرأى الرائد عبد الرحمن علام يقف ينظر إليه. تلعثم الشاب، ونظر نظرات للرائد يحاول أن يتماسك. "مين حضرتك يا فندم؟ "كمان ليك عين وبتسألني أنا مين؟ "سيادتك غريب عن المنطقة، ومن حقي أسألك حضرتك مين." "عارف يا ابني انت، أنا كنت جاي أقولك انتبه لخدمتك وسيب التليفون ده، لكن بعد اللي سمعته من المكالمة دي، أنا هدخل دلوقتي للمقدم علاء، وهكلمه ينزلك أسبوع إجازة."
"بتتكلم جد يا سيادة الرائد؟ "تعالي معايا." "تمام يا فندم."
ركب الرائد عبد الرحمن علام السيارة، ومعه المجند، واتجهوا ناحية مكتب المقدم علاء. عرف منه أنه من جنوب الصعيد، ووالده مريض، ولديه أخوين غير أشقاء أكبر منه، يتجاهلان مرض والدهم، وينشغلان بحياتهم مع زوجاتهم وأولادهم. وهو وأخته الوحيدين البارين بوالده، رغم أنه أصغر من إخوته بأكثر من عشرين سنة. وأخته طالبة بالفرقة الرابعة في كلية التجارة، وهي شقيقته وتعتني بوالدها أثناء وجودها بالبيت، ولكنها الآن في دراستها.
نجح الرائد عبد الرحمن في الحصول على إجازة أسبوع لذلك المجند الصعيدي، كي يستطيع عرض والده على طبيب لتوقيع الكشف الطبي عليه، والتخفيف عن والدته أسبوعًا من الأسي. عاد المجند إلى خدمته ليقف بين زملائه وسهر معهم وهو في قمة سعادته، لحصوله على أسبوع إجازة، يبدأ من صباح الغد، يستطيع من خلاله إراحة والدته، والتخفيف عن والده، وسد العجز الذي أصابهم بعد سفر شقيقته إلى جامعتها.
اتصل بوالدته وأدخل السرور إلى قلبها وأخبرها بحصوله على إذن بإجازة أسبوع كامل، بعد ما أرسل الله له ذلك الرائد كهدية تنقذه من حيرته. وفي الصباح، تحركت السيارة التي تنقله مع رفاقه الحاصلين على إجازة في نفس التوقيت، لتخرج بهم بعيدًا عن المنطقة العسكرية، حتى يصلوا إلى مواقف سيارات الأجرة ليبدأوا رحلة العودة إلى بلادهم.
كانوا يتبادلون الأغاني والضحكات، يضع كل واحد منهم حلمه في رأسه، منهم من يفكر في لحظة وصوله كيف سيحتضن والدته، ومنهم من يفكر في تلك الفتاة التي أخبرته أمه أنها اختارتها له ليتقدم لخطبتها قبل سفره. وآخر يفكر في الترتيب لفرح شقيقه الأكبر الذي صمم على تأجيل ليلة الزفاف حتى توافق أقرب إجازة له. وذلك المجند المسكين الذي يحلم بتلك اللحظة التي يحمل فيها والده بين يديه، ويضعه في سيارة الأجرة الواقفة أمام البيت، لتنطلق بهم إلى
طبيب الباطنة، ليوقع الكشف الطبي عليه، ثم يعود فيجلب له الدواء من الصيدلية، ويقيم جواره، يساعده على الاستحمام كل صباح، ويطعمه الأكل في فمه في كل وجبة، ويعينه على أداء الصلاة وقت كل فريضة، ويسنده ليمشي في شوارع القرية فتجري الدماء الراكدة في عروقه. تلك هي كل أحلامه منذ حصوله على إذن الإجازة.
وبين كل تلك الضحكات والغمزات واللمزات، بين كل تلك الأغنيات، وفي عز تلك الأفكار والخواطر التي طرأت على أذهانهم، كانت الأقدار تنتظرهم هناك في أول مداخل المنطقة العسكرية، بانفجار عبوة ناسفة في السيارة، وإطلاق كثيف للنيران عليها من كل اتجاه، حتى اشتعلت فيها النيران، لتجعل من الضحكات صرخات، واللمزات اعوجاج وتشوهات، والأغنيات تأوهات، والأفكار المتواردة دماءً تنزف، وأجساد تتمدد، وأحشاء تخرج من البطون، ولحوم تتمزق، وعظام تتفحم، وطعنات في قلوب أهاليهم الذين ينتظرونهم.
أي أفراح تلك التي تنتظرهم، بل أي ثكالي هؤلاء اللاتي ينتظرن الحصول على ذلك اللقب. إلى أي ألوان البشر تنتمي تلك القلوب المجرمة التي لا تعرف الرحمة إليها سبيلا، بل أي عقول تلك التي تفكر في إراقة دماء من يفكرون في إسعاد عوائلهم.
إلى هذا الحد من اللامبالاة بالدماء وصلت طبيعتنا البشرية، بل أي شياطين تلك التي استطاعت أن تغوي أولئك الشباب بارتكاب تلك الأفعال الإجرامية البشعة، التي تمزق أحشاء كل من يسمع عنها، لا من يراها، فمن يراها لا يري السعادة في حياته أبدًا. فليرتدي العريس ثيابًا سوداء حزنًا على شقيقه المفقود، ولتحترق تلك الأم التي وعدت ابنها بأن تخطب في تلك الإجازة، ولتمت حسرة أم المجند المسكين ابن الزوج المريض.
كان الخبر قاسيًا على تلك العائلات التي قهرها الخبر، لتقتحم الأحزان حياتهم، ولتقيم في بيوتهم أبد الدهر، لا تفارقهم حتى يفارقوا الحياة خلف فلذات أكبادهم التي رحلت بدم بارد. كان الخبر كالصاعقة على الرائد عبد الرحمن علام، الذي سقط مغشيًا عليه من الخبر، لم يتحمل الحزن على مجند قابله لأول مرة في حياته، وعرف حكايته، لم يتحمل التفكير في أسرته المكلومة التي تنتظره ليخلصها من الشقاء لأسبوع واحد فقط.
كاد أن يحمل سلاحه ويجري في صحراء سيناء يبحث عن أولئك المجرمين لينتقم لذلك المجند ورفاقه الثلاثة عشر الذين ماتوا بلا جرم اقترفته أيديهم.
على مائدة الإفطار، يجتمع سعد بأسرته، يتناولون الطعام وهم في أحسن حالاتهم، إلا عصام الذي يبدو سارحًا، غير راضٍ عن الحالة التي وصل إليها بعد أن كان من الضباط المشهود لهم بالكفاءة، ويتنبأ له الجميع بمستقبل أفضل في الحياة العسكرية، لكنه الآن يكسب رضا والده على حساب واجبه، وعمله، ومستقبله.
كان سعد يراقبه، يحاول الوصول إلى حل يرضيه، يعوضه عن ما خسره، يحاول أن يلفت انتباهه دوما أنه يراقب صمته، لكن عصام في وادٍ آخر غير أوديتهم، حتى وصل به الأمر ليخرج تليفونه المحمول من جيبه ويتصفح حسابه على الفيسبوك، لعله يؤنسه بضعة دقائق في يومه الطويل كيوم العاطلين.
لم يكن يتخيل أن تقع عينه على ذلك المنشور المؤلم الذي نشره زميله الرائد عبد الرحمن علام، يحكي فيه عن واقعة استشهاد أربعة عشر جنديًا في رفح، بالقرب من وحدته العسكرية، التي وصل إليها بالأمس. كان عصام يقرأ ذلك المنشور وهو يبكي بصوت مسموع وشفتيه ترتعشان، وأعاد القراءة حتى يستطيع والده سماعه، فيعرف ما سبب بكائه.
"استشهاد أربعة عشر جنديًا من أبناء القوات المسلحة في رفح، على بعد أمتار من تلك الوحدة العسكرية التي وصلت إليها بالأمس، في حادثة مروعة يندي لها الجبين، فقد انفجرت عبوة ناسفة في السيارة التي تحملهم إلى موقف الأقاليم، وهم في طريق العودة إلى بلادهم، ليقضوا سبعة أيام إجازة بين أسرهم المشتاقة إليهم، ومن بينهم جندي من جنوب الصعيد، قد طلب تصريحًا بإجازة أسبوع حتى يعرض والده المريض على الطبيب، وقد هاجمته الأمراض ورقد على
الفراش، رأيته بالأمس يبكي في اتصال هاتفي بوالدته حزنًا على والده، وقد ساعدته في الحصول على تلك الإجازة، ليحمل والده بين ذراعيه ويعين والدته على مداواته، ولكن المجرمين لا يعرفون سوى الدم، لا يهمهم سوى القتل، لا أدري ما الفائدة التي تعود عليهم بحرمان رجل مريض وسيدة مسنة من ولدهم العون المعين لهم بعد الله عز وجل، في جنة الخلد إخوتي الصغار، وأقسم برب العزة أني لن أترك ثأركم حتى ألحق بكم."
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، في حد يقرأ حاجة زي دي ع الصبح يا عصام؟ "دول شباب ماتوا يا بابا، ماتوا في رفح، في نفس الوحدة اللي أنا كنت رايحها." "أحمدك يا رب، أحمدك يا رب، يعني كنت أنا صح لما منعتك من السفر؟ انفجر عصام في البكاء، وقام من مكانه وهو يصرخ في والده:
"حرمتني من واجبي، وشباب زي الورد بيموتوا، شفت المجند كان نازل إجازة ليه، ليه يموت، إيه ذنبه، إيه ذنبه، حراااااااااااام، حرام حرام، حرام أفضل جنبك زي الولاية هنا." "قدرهم إنهم يموتوا يا عصام، وقدرك إنّي أنقذك من الموت، أنا أسعد واحد في الدنيا النهاردة." "أسعد واحد عشان في 14 بريء اتقتلوا، عشان بلد بتضيع كل يوم." "في ستين داهية الـ 14، في ستين ألف داهية البلد، أهم حاجة عندي انتوا، انتوا وبس."
ترك سعد مائدة الطعام، واتجه غاضبًا إلى مكتبه، وعصام واقف مكتوف الأيدي، ينظر لراندا وسمر الصامتتين تنظران إليه، ورائف الذي يبكي بدون أن يصدر صوتًا. فتح عصام التلفزيون وشاهد كل المحطات الفضائية التي تعرض نتائج العملية الإرهابية.
فأخرج هاتفه المحمول واتصل بصديقه الرائد عبد الرحمن علام ليعرف منه تفاصيل الواقعة، فوجده في حالة من الغضب، يبكي ألمًا وحزنًا على ذلك الجندي الذي سافر لأجل والده، وكان عبد الرحمن يتمنى أن يرافق جنازته إلى بلده، ليقدم ما يستطيع تقديمه لتلك الأسرة، وإن كانت أموال الدنيا وشبابها لا تعوض أظافر فقيدهم. لكن الواجب في رفح يحتم عليه عدم ترك موقعه حتى تنفيذ أول عملية لهم ضد أولئك المجرمين في أوكارهم.
"ممكن أطلب منك طلب يا عصام." "اتفضل يا عبد الرحمن، أنا تحت أمرك طبعًا." "تقدر تحضر جنازة المجند ده." "طبعًا ابعت لي عنوانه بالكامل، وأنا هركب أول طيارة على الصعيد، وهتابع تشييع الجثمان." "مش تشييع الجثمان وبس يا عصام، أنا أقصد إنك تفضل أطول فترة ممكنة مع أسرته." "ولا تشغل بالك يا عبد الرحمن، أنا مستعد أفضل معاهم العمر كله، عشان أكفر عن الذنب اللي ارتكبته في حق نفسي واستقالتي في الوقت الحرج ده."
"انت ربنا يكون في عونك يا عصام ويشفي والدك يا رب، انت في واجب بردو." بكى عصام من ذلك العذر الوهمي الذي ذكره عبد الرحمن له، فوالده يتمتع بصحة جيدة، والوطن العزيز هو الذي يعاني من وعكة صحية الآن، لكنه ضحى بواجبه تجاه الوطن المريض، ليظل بجوار والده الصحيح السليم.
سافر عصام إلى الصعيد، وحضر تشييع الجثمان في حضور الآلاف من الجماهير الغاضبة، يبكي بكاء من يشعر بالذنب، وكأنه هو المتسبب في موت ذلك الشاب، وكأنه شارك في قتله يوم أن تقدم باستقالته لقادته في تلك اللحظة الحاسمة التي تم استدعاؤه ليقوم بواجبه فيها. كان المشهد مهيبًا، يتهافت الشباب على الصندوق لينالوا شرف حمله، يبكي الصغار والكبار، تردد الناس محاسنه.
ظن عصام أن الناس تبكي عليه لبشاعة قتله، أو لصغر سنه وقت رحيله، لم يكن يدري أنه ذو باع كبير بين الناس، كادت تصعقه تلك الكلمات التي تتردد على مختلف الألسنة. "سلام يا عمار، مع السلامة يا غالي يا ولد الغالي، سلام يا زينة الشباب." "في ذمة الله يا صاحبي، والله ما بضحك إلا في ونسك، ولا برتاح لحد غيرك."
"الأمر لله يا عمار، يا اللي عمرك ما تتأخر على مريض ولا محتاج مساعدة، مين يجيب الدقيق لعمك صلاح، ومين اللي يصلح ماسورة المية الرئيسية اللي دايما ضاربة، ومين اللي هيلم الشاب وينضفوا البلد في الأعياد، ويعمل للدنيا روح يا ولدي، ومين اللي هيشيل أبوك بعدك يا عمار، الأمر لله يا عمااااااااار."
بكى عصام، حتى ظن الناس أنه أحد زملاء الشهيد عمار، بكى وهو يردد في نفسه أن قرية بأكملها ماتت باستشهاد ذلك الشاب، كيف يقوم بكل تلك الأدوار، ويأتي شرذمة من المجرمين ويقتلوه بدون ذنب، ليت القاتلون يحضرون تشييع جثمانه الآن ليروا بأنفسهم من قتلوا، بل يأتوا ليروا ما اقترفت أيديهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!