في منتصف الليل و نفس الرؤية تهاجم سعد، والعصابة الملثمة تقتحم الغرفة، وتطعن الجدران بالخناجر، وتتساقط الدماء فتغرق المكان. سعد ينهض من مكانه يحاول منعهم، وهو يسمع أنين الجدران تتوجع من الألم. اللصوص لا زالوا ملثمين لا يعرفهم، لا يستطيع الاقتراب منهم. يحاول مسح الدماء من على الجدران بيده، لكنها تصرخ في وجهه، وهو أعجز من أن يمنع عنها ذلك الألم. حتى قام من نومه مفزوعا، وصدره يعلو ويهبط.
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبعدين في الحلم ده. مستحيل يكون مجرد حلم، دي حقيقة، دي مصيبة هتيجي تصيبني، أيوة مصيبة. بس أنا سامع صوت حد بيتوجع، أكيد مش أنا اللي هموت. أيوة ده أكيد مش أنا اللي هموت، دول إرهابيين فعلاً، الإرهاب بيهدد أولادي، أيوة الإرهاب بيهدد أولادي. رائف في مدرسته قنبلة، وسمر عايزة تروح رحلة لجبل الطور في سيناء. أيوة دول رايحين للإرهاب بنفسهم. لا لا مش هيحصل أبداً، مفيش حد من ولادي هيروح للإرهاب برجله، مستحيل يحصل، مستحيل يروحوا، على جثتي، على جثتي."
كان الأمر قد بلغ أشده في فجر اليوم التالي، واستدعى اللواء عبدالمجيد كافة الضباط، وقرأ عليهم إشارة القيادة العامة. وقد وقع الاختيار على عدد من الضباط للانتقال إلى رفح للمشاركة في عمليات تمشيط المناطق هناك، وكان من بينهم الرائد عصام، والسفر في غضون ثلاثة أيام. "أنا عن نفسي جاهز للسفر من هنا يا فندم." "لا يا عصام لازم تاخدوا الكام يوم دول مع أهاليكم وتعرفوهم إنكم اتنقلتوا لأماكن تانية." "تمام يا فندم اللي تشوفه حضرتك."
"معلش يا فندم ممكن سؤال؟ "اتفضل يا ماجد اسأل." "هي ليه القيادة العامة ما اعتمدتش على الضباط اللي في سيناء في محاربة الإرهاب اللي هناك، خصوصاً إنهم أدري بشعابها؟
"العناصر الموجودة هناك مرتبطة بأعمال مختلفة، وظاهرة الإرهاب دي حاجة مفاجأة، والجيش في سيناء بيتعامل معاها بطريقة ممنهجة، لكن القرار الأخير بيعتمد على تشكيل فريق مكتمل تكون مهمته الأساسية مواجهة العناصر دي، وهيتم تدريبه في وقت قياسي، ويستلموا المهمة كاملة ويكونوا مسؤولين عنها بشكل رسمي." "تمام يا فندم فهمت." "حد ليه أسئلة تانية؟ "شكراً يا فندم." "بالتوفيق يا رجالة."
انصرف الجميع من أمام مكتب اللواء عبدالمجيد، وهم يفكرون في الأمر الذي تم إسناده عليهم. هل سينجحون؟ هل سيعودون للتل الكبير ثانية؟ هل سيدفنون في سيناء وهم في ريعان الشباب؟ يا ترى من سيعود منهم ليكلل حياته بالزواج، ومن سيرحل عن الحياة؟ لماذا أصر اللواء عبدالمجيد على بقائهم الأيام القليلة المقبلة بين أهاليهم قبل السفر إلى رفح؟ هل هي زيارة الوداع بالنسبة لهم؟ هل هو اللقاء الأخير؟ ماذا تخفي الأحداث يا ترى؟
موسي وصادق المحاميان يجلسان في ركن بعيد داخل النقابة، وأمامهما الشاي، وهما يتبادلان أطراف الحديث. وسعد قادم ناحيتهم وهو شاحب الوجه، فألقى بالحقيبة أمامهم وجلس دون أن يلقي السلام. "جري إيه يا سعد، مالك على الصبح، خسرت القضية ولا إيه؟ "قضية إيه يا موسي بس؟ هو الواحد فيه دماغ للقضايا أساساً." "مفيكش دماغ إزاي، متهزرش ده انت واخد 5 مليون جنيه مقدم أتعاب في القضية دي."
"خايف يا صادق خايف، الحلم ده مش مفارقني، خايف يكون تفسيره في عيل من عيالي." "يا دي النيلة عليك وعلى أحلامك، يا راجل حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده." "يا جماعة افهموني أرجوكم، الحلم ده معايا في كل ليلة، وبقيت أشوفه في عيالي." "تشوفه في عيالك إزاي يعني؟ "مش الشيخ رفعت قال لي ممكن يكون مرتبط بعملية إرهابية في البلد." "أيوة فعلاً قال لك كده."
"طب امبارح في مدرسة رائف ابني كان فيه اشتباه في جسم غريب، والبنت سمر بنتي عايزة تروح رحلة لسيناء، يعني واحد الإرهاب جاله لحد عنده، والتانية عايزة تروح للإرهاب برجليها." "طب امنع البنت من رحلة سيناء يا س" وجه صادق يتغير ويشحب قليلاً وينظر لسعد وهو يتصبب عرقاً. تذكر كلام الدكتور رفعت أن تفسير الرؤيا قد يتحقق في أحد أبناء سعد ويتعرض للقتل بأيادي الإرهاب. "لازم تمنع البنت من الرحلة دي يا سعد، لازم تمنعها."
"مالك يا صادق حصل إيه؟! "إيه يا صادق بقيت كلك عرق كده ليه؟! "مفيش حاجة، بس الدنيا مشاكل في سيناء والبنت مينفعش تروح رحلة هناك دلوقتي." "بس هي في جبل الطور وفي دير سانت كاترين، بعيد من الإرهاب يعني." "والله لو هتروح شرم الشيخ، بلاش الرحلة دي." "مالك يا صادق، حصل إيه فهمني، إيه قال لك الشيخ رفعت من ورايا؟ "قال لي خليه ياخد باله من ولاده، يبعدهم من أماكن الخطر."
سعد يرفع حقيبته ويسرع الخطى ناحية سيارته وهو في قمة الانزعاج. ركب السيارة وانطلق متجهاً إلى مدرسة رائف، قلبه ينبض بسرعة لم يعهدها من قبل، ووجهه يشحب خائفاً من المصير المجهول، وعيناه تدمعان لا تدري ما الذي ينتظرها. لم يكن يتخيل يوماً أن يظل هكذا في مثل ذلك الموقف الذي يرى فيه الخطر قادماً صوب أولاده دون أن يعرف مصدره، ومن الهدف بين أولاده.
منذ أن ماتت زوجته، وهو يراها في راندا وعصام تارة، وفي سمر ورائف تارة أخرى. يرى فيهم الحياة التي تستحق أن يحياها، بل يرى فيه الرسالة التي يحيا لأجلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!