الفصل 9 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل التاسع 9 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
20
كلمة
1,432
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

خرجت راندا من الجامعة و هي تبحث عن زياد لتخبره رأي والدها. بعد الفضفضة، رأت زياد قادمًا من بعيد ناحيتها، يبحث عنها هو الآخر. "زياد عايز أقولك على حاجة." "وأنا عايز أقولك على حاجة كمان." "بس أنا عايزة أقولك حاجة مهمة جدًا يا زياد." "أنا جايب لك خبر هايل، ولازم أقوله لك." "خبر إيه ده يا زياد؟! "أنا امبارح حكيت لبابا عن موضوعنا، وسألني هي بنت مين؟ قلت له إنك بنت المحامي الكبير سعد الباهي. راح فرح جدًا

وأخدني بالحضن وقال لي: ده محامي العيلة من زمان." كادت راندا أن تطير من السعادة وهي تسمع منه تلك الكلمات، وكأن العقبات قد أُزيلت من أمامها، وأن ما خاف منه والدها قد ذاب مع فضفضة زياد لوالده. "وقلت له إيه بعدها يا زياد؟ "قلت له عايز أخطبها في أقرب وقت، وبعد التخرج نتجوز." "واتفق؟ "ده رحب جدًا بالموضوع، وقال لي: أكيد سعد هيفرح جدًا جدًا بالموضوع ده." "أنا حكيت لبابا امبارح عنك، بس معرفتش أقول له مين أو ابن مين."

"بابا هيكلمه وهتشوفي وهنيجي نزوركم إن شاء الله." "أحلى خبر سمعته في حياتي، ده أنا كنت مترددة موت أكلمك في الموضوع ده إزاي. واضح إننا مكتوب لنا نمشي في طريق سهل مفيهوش كلاكيع من بتاعت السينما." ضحكت راندا حتى بدت نواجزها، وابتسم قلبها قبل أن تنفرج الابتسامة على شفتيها.

راندا هي زوجة سعد وأخته وابنته وصاحبته التي كبرت فجأة لتحمل عنه كل همومه. هي تلك القطعة التي يخشى عليها غبار الحياة، يحبها لأسباب لا حصر لها، ولأنه رجل ذو خبرة بالحياة، يعرف جيدًا أنها رومانسية بالفطرة، تخضع لعاطفتها حتى ترفض السير وراء عقلها. فاتفق معها على إخباره بحالتها العاطفية مرارًا وتكرارًا، ولأنها لم تكن أسيرة الحب وقتها، كانت تخاطب أباها بقوة عقلها وهي تنفي وجود العشق في حياتها.

وعندما شعرت بمتابعة زياد لها، لم تكن تحبه، ولا حاجة لأن تخبر أباها بأمر عابر مثل تلك المتابعة من شاب ذي خلق رفيع من بين شباب دفعتها. وعندما اقترب منها سعد يعرض عليها المساعدة، لم تكن في حاجة لأن تخبر أباها بأن زميلًا لها ساعدها في أمر ما. وعندما تطور الأمر ليصبح صداقة وطيدة، لم ترَ أن الصداقة شيئًا يخيف أباها فتخبره به.

حتى أشار لها بالحب، وأخبرها بوضع أسرته المالي، وعمله معهم وقدرته على الزواج بعد التخرج، ووجدت نفسها تستجيب لذلك الحب، بل تبادله نفس الشعور، لم تجد أنه من الأهمية بمكان أن تخبر أباها بما آلت إليه حياتها وقد سقطت في الحب دون أن تدري. لم تكن تعلم راندا أن أباها يهتم بأدق التفاصيل في حياتها، حتى لو كانت تحمل بداخلها شعورًا لزياد من طرفها فقط، دون أن يدري هو الآخر بما تكن له.

ولولا خبرة أبيها وفراسته، لما قرأ في عينيها ذلك التغير العاطفي الذي طرأ عليها. راندا التي كانت تظن أنها لن تحب رجلًا في حياتها كما تحب أباها، وجدت نفسها تخفي عن أبيها أن شابًا تربع في قلبها على حين غفلة من عقلها، فملك عليها روحها ونفسها، وأضحى الضيف الدائم على أحلامها.

وها هي الآن تعد الساعات المتبقية على انتهاء دراستها في الجامعة، كي ترتبط بالشاب الذي اختاره القلب، ورضي عنه العقل، ولن يرفضه أبوها بعد ما يعرف من هو ومن أسرته. طارت سعد عائدة إلى البيت لتزف لأبيها البشرى التي أثلجت صدرها بعد أن وقعت على مسامعها، وتبين لها أن زياد صادق فيما يقول وقد أخبر والده قبل أن تطلب منه راندا.

دخل عصام البيت واستقبله سعد بالأحضان فرحًا وسرورًا بعودته، لا يعلم أنه قادم لإعداد نفسه للذهاب إلى هناك، إلى رفح، إلى مسرح الأحداث، إلى ما يترقبه سعد خائفًا، إلى مواجهة الإرهاب. سعد الذي عاش السنين الماضية سعيدًا فخورًا بالتحاق ولده بالكلية الحربية، وعمله ضابطًا بالجيش المصري، بل يسعد بنجاحاته المتكررة ويحتفل بكل ترقية يحصل عليها من قياداتها.

لم يكن سعد ليخشى على عصام الذي أثبت جدارته في منطقة التل الكبير بالإسماعيلية، وأصبح قريبًا من القاهرة حيث أبيه وأشقائه. سعد الذي ينتظر منذ سنين أن يعلن له عصام عن نيته بإتمام الزفاف من خطيبته، كي يرى بعينيه أحفاده من ولده الأكبر. سعد الذي يخطط لمستقبل عصام، يرسم السبل إلى تأمينه ليرقى رقيا ليس لها مكان إلا في خيال أبيه. سعد ينتظر الآن الخبر الذي لم يكن يتوقعه في حياته أبدًا، ومتى يتلقى ذلك الخبر المقلق؟

بعد ما رأى رؤيته بهلاك أحد أبنائه. "حمد لله على السلامة يا عصام يا ابني نورت البيت." "الله يسلمك يا بابا." "إيه الإجازة المفاجأة دي؟ "دي مش إجازة يا بابا." "أومال إيه؟ زيارة ولا مأمورية؟! "أنا نزلت يومين كده قبل ما أسافر رفح." "رفح!! انت رايح سيناء يا عصام؟ "في إشارة جات من القيادة العامة بترشيح عدد من الظباط للالتحاق بعمليات مكافحة الإرهاب في رفح، فترة مؤقتة كده وهنرجع." "وانت وافقت؟

"مفيش حاجة اسمها وافقت يا بابا، دي أوامر لازم تتنفذ، وفي واجب لازم نقوم بيه." "بس أنا مش موافق على نقلك رفح يا عصام." "مش موافق إزاي يا بابا؟ ده مش بإرادتنا." "لو هيجبروك على السفر لرفح يا عصام قدم استقالتك، وأنا أجيب لك شغل في أفخم مكان." "أستقيل؟ أستقيل إزاي يا بابا؟ وليه؟ "علشان تبقى في الأمان. انت مش عارف هيحصل لك إيه لو سافرت هناك؟

"بس أنا عارف إني هتعرض لأي حادث في أي لحظة من يوم ما دخلت الجيش، وحضرتك عارف كده." "يبقى تسيب الجيش وأنا هتصرف لك في الشغل ومتقلقش." "مش حكاية شغل يا بابا، بس أنا مش هسامح نفسي طول حياتي لو هربت من المسؤولية في وقت عصيب زي ده." "ده ما اسمهوش هروب من المسؤولية يا عصام، ده حفاظًا على الحياة، انت متعرفش إيه اللي مستخبي لك في رفح، الناس بتتهاجم في الأكمنة، وفي الوحدات."

"علشان كده لازم نروح نساند زمايلنا في تطهير سيناء من العناصر المجرمة دي يا بابا." "وأنا قلت مش هتسافر رفح يا عصام." نهض سعد من مكانه وهو يتوقد شررًا، وترك عصام حائرًا لا يعرف كيف يرضي والده ويدخل الطمأنينة إلى قلبه، دون أن يتخلى عن شرف مهنته، دون أن يهرب من المسؤولية التي أُلقيت على عاتقه، دون أن يترك واجبه المنوط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...