نادى سعد على سمر، وانفرد بها في غرفة مكتبه ليخبرها بقراره الأخير حول الرحلة، وكانت تنتظره بشغف ولكنها تخشى الحديث إليه في ذلك الوقت وهي تراه خائفا يترقب الحادث المجهول. سعد: أنا مش موافق ع الرحلة يا سمر. سمر: ليه كده يا بابا؟ سعد: لأن سيناء منطقة محفوفة بالمخاطر يا سمر، انتي عارفة يا بابا إن الإرهاب شادد حيله هناك الفترة دي. سمر: بس الإرهاب في رفح والعريش يا بابا، في شمال سيناء، مش في جنوب سيناء خالص.
سعد: سيناء كلها خطر يا سمر. سمر: بس الفصل كله رايح يا بابا. غضب سعد وثار، وأخذ يضرب بيده على المكتب وهو يرتعد ووجهه شاحب. سعد: هو ده اللي أنا كنت خايف منه، أيوة هو.. هو ده تفسير الحلم. سمر: حلم إيه يا بابا؟ مش فاهمة حاجة على فكرة. سعد: الأحلام اللي بتجيني ليها كام يوم، إن حد في أولادي هيموت، أيوة ده تفسيره. سمر: بجد مش فاهمة حضرتك.
سعد: أنا رحت لواحد شيخ يا سمر، وقال لي إن في حد في أولادك هيموت في عمل إرهابي، واهو الحلم بدأ يتفسر، لو رحتي جنوب سيناء هيحصل عمل إرهابي وهيصيبك مكروه يا سمر. سمر تحزن لما تسمع. سمر: وحضرتك تصدق إن الشيخ بيتدخل في علم ربنا. سعد: الراجل مقالش الكلام ده بالظبط يا سمر، بس بجد يا بابا كل الأحلام دي معناها إن حد في ولادي هيتعرض لخطر شديد، وأنا مش هسمح لك تروحي للإرهاب برجلك، مستحيل يحصل مستحيل.
سمر: حرام عليك يا بابا، الفصل كله هيروح، كل صاحباتي فرحانين، وأهلهم سمحولهم بالرحلة، اشمعن أنا.. اشمعن أنا. سعد: لأني شفت الخطر بعيني في الحلم يا سمر، مش هسيبك تضيعي مني. سمر تنفجر في البكاء وتقف. تستعد للخروج وهي تتكلم. سمر: كنت حاسة إنك هترفض، من يوم ما ماتت ماما الله يرحمها، وحضرتك مش بتهتم غير براندا وبس، وكإني مش بنتك. سعد: إيه يا بنت الكلام ده؟
سمر: دي الحقيقة يا بابا، لو راندا هي اللي عايزة تروح الرحلة كنت هتخليها تروح، بعد إذن حضرتك. خرجت سمر من غرفة المكتب مسرعة تبكي، وخرج أبوها خلفها يحاول إيقافها. سعد: سمر سمر سمر.. وقفي يا بابا.. يا سمر.
أغلقت سمر غرفتها، لتنفرد بأحزانها، تعيد ذكرى وفاة أمها، تبكي بحرقة لأنها الطالبة الوحيدة التي ستتخلف عن رحلة طور سيناء. هي تتمنى بداخلها أن تذهب إلى هناك، لتشارك الأصدقاء متعة السفر ومشاهدة تلك الأماكن التاريخية، لكن والدها يرفض بشدة. لم يمنع الباب المغلق شيطانها من الدخول إليها، والجلوس يسار أذنها، يخبرها أن سعد يكرهها قبل وفاة أمها وبعد الوفاة.
يعرض عليها تلك المشاهد التي مرت عندما ضحك سعد لابنته راندا ولم يبتسم لسمر، واطرائه الدائم على راندا وتجاهله سمر. عرض الشيطان في جلسته على سمر تلك اللحظة التي طلبت فيها راندا الإذن للخروج إلى حفل عيد ميلاد صديقتها، فرافقها بسيارتها لشراء الهدية، ثم عاد معها للمنزل لتنتظر ساعة حتى الخروج، وعاد يرافقها بسيارته حتى عيد ميلاد رغم انشغاله بمراجعة أعماله.
انتفخت أوداج سمر، وقررت الانتحار، فلا طاقة لها بالحياة مع أب يكرهها، يمنعها من كل ما تحب، ويفضل شقيقتها عليها. ظل سعد يطرق الباب، وينادي على سمر، علها تفتح له حتى بكى. ما تلك الرؤية الليلية التي قلبت حياة سعد رأسا على عقب؟
حتى وأصبح يخشي على أولاده الخروج من البيت، يخشي عليهم الخروج إلى المدارس والرحلات، حتى الابن الأكبر والذي فرح بتخرجه في الكلية الحربية منذ سنوات، يطلب منه الآن أن يرفض قرار نقله من التل الكبير بالإسماعيلية إلى رفح بسيناء. ما تلك الرؤية التي جعلت ابنته على شفا حفرة من الانتحار؟ بل جعلته يبكي بكاء الرضيع على فقد أمه؟
فتحت سمر الباب بعد معاناة من المناداة.. ودخل سعد على ابنته رغم غضبه الشديد من مباغتة عصام له بقرار نقله إلى رفح، ورغم كل ما ألم به من هموم جراء ذلك الحلم المريب.. إلا أنه لا ينسى سمر الحزينة في غرفتها.
تقدم سعد ناحيتها بخطوات رقيقة ثابتة، ينظر إليها بعين ممتلئة بحنان الدنيا، وربت على كتفها بكفته اليمنى المحاطة بالرفق والعناية الأبوية المشفقة على الأقرب رحماً. وجلس بجوارها بالقرب من أذنها اليمنى، حتى فر الشيطان هارباً من الجهة اليسرى، وعادت سمر لاتزانها بعيداً عن كل تلك الهواجس الشيطانية التي كانت تخضع لها منذ قليل. سعد: مالك حبيب بابا؟ سمر: مليش يا بابا. سعد: انتي زعلانة مني؟
سمر: لا أبداً يا بابا، أنا عمري ما أزعل من حضرتك. سعد: بس انتي زعلانة علشان أنا رفضت إنك تروحي جبل الطور. سمر: حضرتك مش متخيل يا بابا أنا نفسي أروح هناك قد إيه. سعد: بابا.. أنا هسألك سؤال وانتي صاحبة القرار. سمر: سؤال إيه؟
سعد: لو في المدرسة اشترطوا عليكي إنك تحطي بابا جوة الفرن في البيت مقابل إنك تروحي الرحلة، وهيخلوكي تستمتعي أسبوع كامل في الرحلة، بس بشرط إن بابا يتلسوع على مدار الأسبوع ده في البيت، هل هتوافقي يا سمر تحطيني في الفرن؟ سمر: مستحيل طبعاً يا بابا، في داهية الرحلة، سلامتك عندي بالدنيا.
سعد: والله يا سمر لو رحتي طور سيناء، هتسيبيني هنا في نار لحد ما تيجي، لا هعرف أنام ولا أشتغل ولا آكل ولا أشرب، وهصحي على كوابيس، ومش بعيد تلاقيني هناك ماشي وراكي بعربيتي أحرسك. سمر: يا لهوي يا بابا، وليه كل ده.
سعد: يا بنتي أنا شفت حلم من يومين هيموتني، تفسيره إن فينا حد هيتعرض للقتل في عملية إرهابية، وتاني يوم انتي طلبتي تروحي سيناء، وأخوكي الصغير شاف حالة اشتباه في قنبلة، وأخوكي الكبير دلوقتي جاي يقول لي إنه رايح رفح علشان مكافحة الإرهاب، يعني الخطر بيقرب مني يا سمر، نفسي أطمن عليكم يا بنتي، هموت من الرعب والله. سمر: أطمن يا بابا، مش عايزاها رحلة سيناء دي. سعد: لازم تقوليها عن رضا يا بابا وإنتي مقتنعة.
سمر: مقتنعة يا بابا، حضرتك عندي بالدنيا. سعد: وأنا أوعدك إننا نروح رحلة مع بعض في الإجازة ولازم تكون أحسن من بتاعت المدرسة. سمر: ربنا يخليك ليا يا بابا. احتضن سعد ابنته بعينين دامعتين، ورأسه تفكر في زوجته، التي رحلت لتتركه وحيداً يعاني الخوف على الأولاد، يشعر بالعجز عن حمايتهم، تطارده الأحلام، وترهقه الحقائق، ويترقب المجهول، ويخشي مصيبة قادمة، ولا يعرف مصدرها حتى يعد لها عدتها.
خرج سعد هادئ النفس، تاركاً سمر أفضل مما كانت، تسأل نفسها عما جال بخاطرها منذ قليل، كيف استطاعت أن تتصور للحظة واحدة أن سعد يكرهها؟ ويفضل إخوتها عليها؟ لا بد أن نعي جيداً أن ما يجول بخاطرنا لحظات الغضب.. يتلاشى تماماً عند عودتنا للصواب، وما هو إلا هواجس، حتى لا نلقي بأرواحنا في حفر الهلاك ونحن مسلوبي الإدارة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!