كانت راندا تقرأ والدموع تنهمر على خديها، وسمر تفتح عينيها دون أن تبكي أو تصدر صوتًا، ورائف يصرخ، والبكاء والنحيب يعلو من صدور الجميع. فألقت راندا الورقة من يدها وارتمت في حضن والدها صارخة. "عصااااااااام، عصااااااااااااام، عصام فين يا بابا؟ أنا لسة مكلماه فون." سعد ينظر للغرفة وتقع عيناه على عيني عصام، ويعيد النظر لأولاده، فيجد سمر تغيب عن الوعي وهي واقفة، وتسقط على الأرض مغشيًا عليها. فيخرج عصام من الغرفة مسرعًا.
"ليه كده يا بابا، ليه؟ ليه؟ حرام عليك اللي بتعمله فيهم ده حرام حرام." "آآآآء سمر، سمر، سمر." قام عصام بمحاولة إفاقة سمر، فارتمت عليه راندا وارتمى عليه رائف يحتضنانه. وانحنى سعد يدفعه عن سمر بقوة غاضبة. "أوعى تشيل إيدك عن بنتي، أنت بتكرهنا؟ أنا هفوقها بنفسي، ابعد عنا يا آخي فارقنا." راندا ورائف يمسكان في عصام، وسعد ينحني على الأرض ويرفع سمر بين يديه ويضعها على الأريكة ويضغط على عصب أنفها.
"سمر.. سمر.. قومي يا بابا، قومي يا سمر، عصام لسة موجود بيننا أهو، يا سمر." فتحت سمر عينيها فوقعت على أبيها، فناداها عصام، فنظرت إليه دامعة ومدت يديها ناحيته تفتح ذراعيها، فبكى عصام بحرقة واندفع ناحيتها يحتضنها. "خضتينا عليكي يا سمر." "كنت هموت يا عصام، كنت هموت، الحمد لله إنك بخير."
"أخوكم عايز يروح يحارب الإرهاب في سيناء، وسايب لنا جواب نقراه بعد استشهاده، علشان يروح سيناء تنفجر فيه عبوة ناسفة وييجي لنا ملفوف في العلم." "أرجوك يا بابا، بلاش الكلام ده قدامهم." "بص يا ولد انت، أنا بعمل كل ده من باب الخوف عليك، أنا بشتاق لك بمجرد ما تمشي من هنا، وأنا عارفك في أمان في التل الكبير. أنت كتبت جواب نقراه بعد استشهادك، وشفت بعينك رد فعل أخواتك، تخيل لو أنت استشهدت فعلاً، كان هيبقى شكلنا إزاي؟
الحمد لله إنك موجود وأنقذت أختك، آدي إخواتك جنبك، وأنت وضميرك." مشي سعد تاركًا المنزل لأولاده وهو ينظر لراندا بعينين تحدثانها أن تبذل كل طاقتها لمنعه من السفر إلى رفح. "خليك فاكر يا عصام قبل ما تاخد قرار السفر، إن أختك داخلة على خطوبة، وطبعًا لو سعادتك سافرت وسبتنا في النار دي، لا هتتم خطوبة، ولا العيال هيعرفوا يذاكروا، ولا أي لحظة سعادة هنعرف نعيشها بعد النهاردة."
لم يشعر سعد بنفسه وهو يقود سيارته، لا يعرف إلى أين يذهب الآن، لمن يفضفض. قد نسي أنه اتصل بصديقيه موسى وصادق لينتظرانه في المقهى الذي يقضيان فيه سهراتهم اليومية. لم يدر أنه وصل إلى مقابر العائلة، ووقف على قبر زوجته يبكي متحسرًا، خائفًا، يكلمها وينتظرها ترد عليه.
"يا ريتني أنا اللي تحت يا وردة، وأنتي اللي معاهم، مش قادر أسيطر عليهم، مش قادر أطعمهم السعادة، حاسس إنهم افتقدوا الأم والأب بموتك. بتستعجلي الرحيل ليه يا وردة، ليه؟
ليه تسيبينا وإنتي عارفة إنك هتسيبي خمس يتامى، ولدين وبنتين وأنا الخامس. الواد الكبير اللي عملناه ظابط أد الدنيا، عايز يحسرنا عليه، واخداه الوطنية وهيموتني بحسرتي. زوريه يا وردة في المنام أرجوكي، ما كل الأمهات بتزور ولادها وتنصحهم، ليه تسيبي كل حاجة ومش عايزة تقدمي حاجة؟
تعالي له يا وردة أرجوكي، قوليله أبوك خايف عليك، فهميه يا وردة إني مش بصغره ولا بحب أفرض رأيي عليه، قوليله زي زمان إن كل آرائي في صالحه، يعني هو علشان ينفذ أوامر قياداته يعصي أمري أنا؟ علشان يريح نفسه يتعبني ويتعب أخواته؟ البنات كانوا هيموتوا بمجرد ما قرأوا الرسالة وهما عارفين إنه في إجازة، فما بالك يا وردة لو مات فعلاً؟
ما تردي عليا يا وردة، عمرك ما سبتيني أكلم نفسي بالشكل ده. ردي يا بنت الناس ردي، ردي يا وردة، ارحمني يا رب، ارحمني يا رب، يا رب ارحمني، ارحمني، ارحمني." انفجر سعد في البكاء، وجثى على ركبتيه وتعفر بالتراب، حتى كاد أن يصاب بالجنون. لم ينقذه سوى اتصال موسى به، وترددت على مسامعه كلمات أنشودة "قمر قمر سيدنا النبي قمر" والتي خصصها نغمة لرنين هاتفه. "أيوة يا موسى." "إنت فين يا عم انت؟
"أنا جاي لكم في الطريق يا موسى قربت عليكم اهو." أغلق سعد هاتفه وخرج من المقابر وركب سيارته وانطلق إلى رفاقه وهو معفر بالتراب، وكان البؤس على وجهه كمن ضاقت به سبل الحياة. وجلس بينهم وهو مكفهر، لا يجيب على تساؤلاتهم عن سبب وصوله لتلك الحالة. "ليا عندك طلب غريب يا صادق." "طلب إيه ده إن شاء الله؟ "عايز منك حتة حشيش بس تتسبب في دخول صاحبها السجن." "حشيش! وسجن! ودي عايزها ليه دي؟ "عايزها ضروري يا صادق، يا ريت تتصرف لي."
"وأنا هتصرف لك منين يا سعد؟ "يعني إنت هتغلب في حتة حشيش يا صادق؟ "طيب عايزها في إيه؟ "عايزها في مسألة حياة أو موت." "يا سلام! حتة حشيش في مسألة حياة أو موت؟ "أيوة وما تسألش أكتر من كده."
بدأ الشيطان يعرض على سعد أفكاره التي لا تنفذ كي يمنع عصام من السفر لرفح، واقترح عليه أن يضع له قطعة من نبات الحشيش المخدر بين ملابسه، تعرضه للمحاكمة، فيكون مصيره الحبس لفترة قصيرة، أو حتى التجريد من الرتب العسكرية أو الوقف عن العمل، وكل هذا تضحية سهلة مقابل منعه من النقل إلى رفح. إلى هذا الحد وصل الخوف بالرجل الرشيد، أن يلفق لابنه قضية كتلك القضية حتى يحميه من تنفيذ القرار. عاد سعد
إلى بيته وهو يسأل نفسه: ماذا لو لم يخترق ذلك الحلم حياته، ولم ير في منامه جدران بيته تنزف دماء إثر طعنات عصابة ملثمة؟ ماذا لو لم يكن تفسير تلك الرؤيا هو قتل أحد أبنائه في عملية إرهابية؟ هل كان سيعترض على ذهاب ولده إلى رفح؟ هل كان سيمنع سمر من الاشتراك في رحلة سانت كاترين؟ هل كان سيمنع رائف من الذهاب إلى المدرسة؟ هل كل هذا لا يهمه، والأمان هو الحل الأمثل لهم؟
وهل تلك القرارات التعسفية التي يتخذها في تعاملاته معهم قادرة على حمايتهم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!