الفصل 12 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
21
كلمة
1,283
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

أول خبر هو إن عصام هيرفض السفر لرفح مهما كانت العواقب، والقائد بتاعه وعده إنه هيتصرف. نهض سعد من مكانه وهو مثار لا يعرف كيف يفرح أو يصدق، أو يسألها من أين لها بالمعلومة. "وانتي عرفتي ازاي يا راندا؟ "أنا اتصلت بيه علشان أحكي له الخبر التاني، وقال لي انه برة وطلب مني أقول لحضرتك انه خلاص هيرفض قرار النقل لرفح." "دايما أخبارك بتريح قلبي يا راندا، حتي الأخبار الخاصة بأخواتك." "مش هتسألني عن الخبر التاني يا بابا؟

"بعد الخبر ده يا راندا أنا مستعد استقبل أي حاجة حتي لو مش حلوة." "الخبر التاني إن زياد كلم باباه من نفسه امبارح، واتضح انه يعرفك، وهييجوا يطلبوني من حضرتك بشكل رسمي." كانت الفرحة عارمة تهز كيان سعد الذي احتضن ابنته راندا ودار بها حول نفسه، فقد اطمأن عليها بعد ما صدقها ذلك الشخص الذي عرفته.

"انتي مش متخيلة أنا كنت خايف أد ايه من الشاب ده يكون بيلعب أوعايز يتسلي بيكي يا راندا، كنت خايف عليكي تعيشي قصة وهمية في عمرك الصغير ده." "وأنا أخدت بنصيحتك يا بابا، وقبل ما أطلب منه أي حاجة، لقيته هو اللي بيبشرني بكده." "قولي له يشرفونا في أي لحظة، وسيبي له رقم تليفوني."

لم يكمل سعد ساعة واحدة سعيدًا بخبر رفض عصام السفر لرفح إرضاءً لوالده، وفكر قليلًا بينه وبين نفسه بذكاء المحامي، وتساءل لمَ لا يكون عصام مضطرًا للكذب عليه، بل ما الذي جعله يطلب من راندا أن تخبره بقرار عدوله عن السفر إلى سيناء؟ هل كان عصام خائفًا من مواجهته حتى لا يظهر ذلك في عينيه فيكشفه سعد ويعرف أنه يكذب عليهم؟ أم أنه طلب من راندا حتى تذيل القلق من رأسه ثم يقدم هو على تنفيذ قرار النقل.

دخل سعد مسرعًا إلى غرفة عصام، ليبحث عن خطاب القيادة العامة للقوات المسلحة الآمر بنقله إلى رفح، هل هو اقتراح؟ أم قرار واجب التنفيذ؟ وجد سعد حقيبة عصام بالغرفة، ففتحها وقام بتفتيشها تفتيشًا دقيقًا، وكانت ملامحه تميل إلى الحدة، فوجد تلك الورقة المكتوبة بخط يده، وفيها اعتذار لوالده عن موقفه الذي اتخذه بينه وبين نفسه، يعتذر له عن إصراره على السفر إلى رفح، تلك الكلمات التي سطرها على لسان شهيد رحل عن الحياة.

بكى سعد بحرقة، وانفجر في البكاء وأخذ يصرخ وهو يردد كلمات بصوت جهوري. "مش هتسافر يا عصام، مش هتسافر، والله ما هسيبك تروح مهما كلفني الموضوع ده." فتح عصام الغرفة فوجد والده منكباً على الحقيبة وهو يمسك بين يديه الرسالة ويجثو على ركبتيه باكيًا، فانقبض صدره، وعلم أن والده قرأ الرسالة، فأراد أن يتكلم ولكن الكلمات لم تسعفه، وتلثم، وانعقد لسانه، وذابت منه الكلمات. "بابا! "أهلاً أهلاً بسيادة الرائد الشهيد الكداب."

"حصل إيه يا بابا؟ "انت بتخطط يا عصام، بتبعت لي أختك تقول لي انك هترفض النقل، وانت سايب لي رسالة لما بعد استشهادك، فاكرني راجل أهبل، فاكرني عبيط، فاكرني هحترم أوضتك ومش هدخلها علشان أدور على أمانك." "كان نفسي أسيبك مطمن يا بابا." "وأنا مش هطمن طول ما انت في الجيش يا عصام." "تقصد ايه حضرتك؟ "انت هتستقيل من الجيش، لو ليك معاش مبكر اطلع معاش، ملكش استقيل، ملكش استقالة اهرب، أي بديل عن وجودك في الجيش."

"بس انت يا بابا كده بتضيع مستقبلي." "وجودك في الجيش هيضيع حياتنا، هيعيشنا في رعب، أقسم بالله ما هتفضل في الجيش لحظة." "ازاي يعني يا بابا، حرام عليك والله، أنا مستحيل أتخلي عن واجبي." "وأنا ممكن أعمل أي تصرف يحميك من نفسك يا عصام." "أرجوك يا بابا، متخلنيش بين نارين، متخيرنيش بينك وبين واجبي، والله المفروض تفرح لي مش تعمل فيا اللي بتعمله ده."

"هو أنا عملت فيك ايه، أنا عايز أحميك، عايز أحمي اخواتك من الشعور لحظة أنهم هيفتقدوك، يا بني أنا شفت حلم فظيع، وتفسيره الوحيد إن حد من ولادي هيموت في عملية ارهابية، وانت رايح للارهاب برجليك علشان تخلي تفسيره حقيقة، عايز تموتني بحسرتي ليه يا ابني." "بس ده واجبي يا بابا." "طاب استني لحظة هنا وعايزك تتفرج ع المشهد ده، وتخيل انك مت لا قدر الله." خرج سعد من الغرفة ينادي بصوت عالٍ على أولاده، ويخرج عصام خلفه.

"يا راندا، يا رائف، يا سمر، يا ولاد، يا راندا، سمر، لو سمحت يا عصام خليك في الأوضة، مش عايزهم يشوفوك هنا." دخل عصام إلى الغرفة مغلوبًا على أمره، ووقف سعد في منتصف الصالة ينادي على أولاده باكيًا وهو يلوح بالورقة في يده حتى خرج إلى الصالة "راندا وسمر ورائف". "حصل ايه يا بابا؟ "خدي اقري الرسالة دي يا راندا، اقريها بصوت عالي علشان اخواتك يسمعوها." فتحت راندا الرسالة، ووقف رائف وسمر ينظران إليها، وعصام يراقبهم من بعيد.

"والدي العزيز، وأستاذي في تلك الحياة، أنا لم أكتب إليك الآن لأعتذر لك عن مخالفتي لرأيك و تصميمي على اللحاق بزملائي في رفح، فقد تعلمت منك ألا أعتذر عن قرار صائب اتخذته أبدا، ولكني يا أبي كنت أعلم مدى خوفك على حياتي، ولم تفكر لحظة واحدة أن موتي في سبيل الله أعظم من حياة ستنتهي لا محالة، وأنت لا تبخل عليَّ بتلك النهاية التي يتمناها كل مؤمن، كم كنت أتمنى أن أحتضنك وأودعك وأنت تعلم تمامًا أني ذاهب إلى مصيري، لأموت في

أقاصي البلاد، لأفدي بلادي بروحي ودمائي، وأفديها بأجمل شيء لي في الوجود، وهي تلك اللحظات التي أقضيها معك، لا تعاتبني في حزنك يا ولدي، وعش سعيدًا يا من قدمت للبلاد روحًا ترخص من نفسها فداءً لأمنها وسلامتها، ابنك و صديقك وأخيك الصغير عصام."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...