عادت من الاختبار النهائي للثانوية العامة لتجد جمعا غفيرا أمام باب منزلها، لتتوجّس خيفة وهي تهرع باتجاه منزلها وصورة والدتها المريضة منذ فترة لا تفارق خيالها. دَلفت إلى المنزل لتتجمد وهي تتلقى الخبر الذي ربما توقعته بداخلها ولكنها كانت تكذّب إحساسها. ضمة خاوية تلو الأخرى وكلمات عزاء فارغة حتى وصلت للغرفة الفارغة.
ذهبت والدتها دون وداع. ذهبت بهدوء كما عاشت طوال حياتها. ذهبت الفرحة الوحيدة بحياتها، وذهب الحضن الدافئ وظل الخواء يحيط بها من كل جانب. خواء زاد بعدما تزوج والدها بعد وفاة والدته بأسبوعين. ثم تكتشف بعد ذلك أنه تزوج بها قبل وفاة والدتها تحديدا بعد مرض والدتها والحجة: يحتاج لأنثى بحياته. وهل لها أن تعترض؟
عاشت عبئًا بمنزل هو منزلها. غير مرحب بها، تُعامل كالجارية ولا تستطيع النطق، فها هو والدها يتغاضى عن كل ما يحدث أمامه فقط لأجل عيون زوجته. كانت المصادمة الأولى والتي أخرجتها من صمتها للمرة الأولى منذ قدمت زوجة أبيها للمنزل منذ سنوات هي عندما أوشكت على تحقيق حلمها لتجدها تريد تحطيم حلمها بل وحياتها كلها. "بقولك إيه يا رتيل، ماظنش إن فيه لازمة للجامعة بعد كده، البنت مالهاش إلا بيت جوزها والآه يا حاج؟
قالت زوجة والدها لترمقها بعدم فهم، ليتنحنح والدها وهو يقول بتلعثم: "هو... يعني... اللي تشوفيه يا حاجة." رمقته بصدمة قبل أن تنهض قائلة: "هو إيه اللي تشوفيه يا حاجة؟ هو حضرتكم موافق على الكلام ده يا بابا؟ عايزني أسيب كليتي؟ ارتبك والدها وهو ينقل بصره بين ابنته التي ترمقه بخيبة أمل وبين زوجته التي ترمقه بتحدٍ أن يرفض ما تقوله، ليختار الصمت. لتقول زوجة والدها بانتصار:
"المصاريف زايدة والكلية ما منهاش فايدة، آخرتك هتتجوزي وتقعدي في البيت. يبقى ليه المصاريف؟ وكمان فيه عريس متقدملك واحنا موافقين." "جواز إيه وبتاع إيه؟ ومين قالك إني عايزة أتزوج؟ أنا هخلص الكلية وأشتغل. وخلاص مابقاش إلا سنة واحدة وأتخرج. وبعدين مصاريف إيه اللي زايدة؟ ما أنا بصرف على الكلية من فلوسي ومحدش فيكم بيدفعلي حاجة." لترمق والدها بخيبة أمل وهي تتابع:
"فلوسي اللي سابتهالي ماما الله يرحمها. فاكراها يا بابا ولا نسيتها زي ما نسيتني؟ اشتعلت زوجة والدها غضبًا من ذِكر الأخرى أمامها وصمت زوجها والحزن الذي بدا على ملامحه، لتنهض بغضب: "جواز وهتتجوزي وكلية مش هتروحي تاني، وأما نشوف هتكسري كلامي إزاي يا رتيل." قالتها وغادرت، تاركة إياها ترمق والدها بخيبة تزداد يومًا بعد يوم، قبل أن تذهب لغرفتها وهي تتفكر ماذا تفعل؟ وهل يمكن أن ترغمها زوجة والدها على الزواج؟
هل يمكن أن تكره الفتاة المنزل الذي نشأت فيه؟ تساءلت نغم وهي تهرب للمطبخ تتشاغل بعمل أي شيء حتى لا تواجه والدها. فهي حتى عندما تركت المنزل ظلت تخشاه وتكره تواجده بالمنزل. فرّت دمعة من عينيها وهي تتذكر معاملته لها وتعمده إهانتها دوما أمام الجميع، حتى أمام زوجها. تنهيدة عميقة وإغماض عينين تبعه غوص في ذكريات جميلة جمعتها بزوج لا مثيل له، لترتسم ابتسامة على شفتيها كعادتها كلما فكرت فيه. "نغومة."
عضت على شفتيها وهي تشيح بوجهها عنه بخجل، لتصلها ضحكته الخافتة قبل أن يهمس لها: "انتي مكسوفة مني يا نغم؟ ينفع يعني تتكسفي في ليلة مفترجة زي دي؟ ضحكة خافتة فلتت منها، ليحيط وجهها بكفيه وهو يقول: "وأخيرا بقيتي ليا. حاسس إن هيجرالي حاجة من الفرحة." رمقته بذهول وهي تقول: "للدرجة دي بتحبني يا حسام؟ تنهيدة طويلة فلتت منه قبل أن يرمقها بحب وهو يقول:
"وأكتر يا قلب حسام. انتي مش متخيلة كنت حاطط إيدي على قلبي إزاي وأنا مستني رد عمي. كنت خايف أوي ميوافقش." غمامة حزن ظلت عينيها وهي تفكر... (لا تقلق يا ابن عمي، كان سيوافق حتما طالما سيقبض الثمن ويستريح مني) لاحظ تغيّر نظراتها ليخرجها من أفكارها بقبلة خفيفة لشفتيها، لتشهق وهي تعود للخلف، فيضحك عاليًا وهو يغمزها: "مخضوضة من بوسة، أمال هتعملي إيه في اللي جاي؟ أغمضت عينيها حياءً وهي تهتف بلوم محبب: "حسام! "نعم؟
أجابها ببراءة وهي ينظر إليها بمكر، لتقول بخجل: "مكنتش أعرف إنك قليل الأدب كده." ضحك عاليًا وهو يحيطها بذراعيه قائلاً: "لو البوسة عندك قلة أدب معناه إني هتعب معاكي كتير أوي النهاردة." أغمضت عينيها بخجل والخوف يعود لها من شيء مجهول لا تعرف عنه شيئًا، لتدفن رأسها بصدره وهي تقول: "بس بقى يا حسام عشان خاطري." ضحك مرة أخرى وهو يهمس لها: "خلاص نبطل النظري ونخش على العملي." "نغم! انتي واقفة كده ليه يابنتي؟
أخرجها من ذكرياتها صوت والدتها المندهش، لترمقها بحزن سكن عينيها منذ فارقها حبيبها، قبل أن تقول: "كنت بشطّب المطبخ يا ماما." رمقتها والدتها بتعاطف، فهي تعلم أنها تهرب من ملاقاة والدها الذي يعنّفها كلما رآها، لتربت على كتفها بحنو وهي تقول: "روحي ارتاحي بقى يا حبيبتي، خلاص معدش فيه حاجة تعمليها." أومأت بصمت وهي تتجه لغرفتها تدعو الله ألا تقابل والدها حتى لا تسمع منه مر الحديث.
"أنا آسف يا آنسة تاج، بس البنك حجز كل ممتلكات والدك ومنهم الفيلا دي ولازم تخلوها في خلال يومين." قالها محامي والدها بأسف، لتخفض نظرها للحظات قبل أن ترفع رأسها بعنفوان كعادتها وهي تقول: "حضرتك مالكش ذنب يا عمو، هي الظروف اللي جت كده. عمومًا الحمد لله إن لينا مكان نروح فيه أنا وماما وعمتو."
وفكرت أن منزل جدها القديم، ولو أنه لا يرقى لمنزلهم الحالي، إلا أنه أفضل من لا شيء، خاصة أمام الظروف الحالية التي تضطرهم للرضا بأي شيء مهما كان. ذهبت لعملها مع خطيبها الذي وقف بجوارها الفترة الماضية بعد وفاة والدها المفاجئ واكتشافها الديون المتراكمة عليه بعد خسارته أكبر صفقة وضع بها كل ماله مع المال الذي اقترضه من البنك، لتجد مساعدتها تبلغها أن شادي يريدها بمكتبه حالما تصل.
شعرت بالدهشة أنه في العمل ولم يمر عليها لاصطحابها كما اعتاد، ولكنها أوعزت ذلك لأنه لم يكن لديه العلم أنها ستأتي للعمل هذا اليوم، مرغمة نفسها على التعامل مع الواقع حولها بعد الصدمة التي تلقّتها. لتعقد حاجبيها وهي تتجه لمكتبه القريب وهي تفكر: "لو مش عارف إني جايه النهاردة، امال طلباني أروحله أول ما أجي إزاي؟!
نفضت رأسها وهي تدلف إلى المكتب بعدما سمعت صوته يسمح لها بالدخول، لترسم ابتسامة على شفتيها وهي تقابله، لتنمحي ابتسامتها وهي تراه يتحاشى النظر لها ولا ينهض لاستقبالها كعادته. "فيه حاجة يا شادي؟ "اقعدي يا تاج." جلست وهي ترمقه بتوجس تنتظر ما سيقوله، فحتما هناك شيء خاطئ تشعر به داخلها. "مالك يا شادي؟ فيه حاجة مضايقاك؟ سألته تريد إجابة، فالتوتر الذي تشعر به بلغ أشده ولم يعد لديها قدرة للانتظار.
"الحقيقة يا تاج أنا مش عارف أبدأ كلامي إزاي." اعتدلت تاج وهي تشعر أن كرامتها ستبعثر. ابتسمت بدبلوماسية تخفي ما يموج داخلها من مشاعر وتوتر وهي تقول: "قول على طول يا شادي، صدقني مش هلومك على أي حاجة." أغمض عينيه للحظات قبل أن يقول بتوتر: "بابا مش عايزك بالشركة." أومأت ببطء وهي تقول بخفوت: "فهمت." "أنا حاولت معاه بس هو خايف اللي حصل لباباكي يأثر على الشغل و... حاول التبرير لتقاطعه بإشارة من يدها وهي
تقول رافعة رأسها بإباء: "مفيش مشكلة يا شادي، الحقيقة إني كنت جايه النهاردة عشان أسيب الشغل. إحنا هننقل من البيت زي ما أنت عارف وهيبقى صعب عليا آجي كل يوم لحد هنا، وواحد صاحب بابا شافلي شغل قريب للبيت هناك." لتبتسم مخفية قهرها وهي تتابع: "طمّن باباك وقوله الشركة مش هيحصلها حاجة خالص." لتنهض مشيرة له عندما حاول التحدث، وهي تتابع: "وطمّن مامتك كمان، أنا عارفة إنها ما تقبلتنيش أبدا فانا هريحها من وجودي خالص."
خلعت المحبس من إصبعها وهي تضعه على المكتب قائلة: "كان نفسي أقولك هنفضل أصدقاء، بس أظن إن خطيبتك مش هترضى بده." الذهول الذي ارتسم على وجهه جعلها تبتسم بحزن وهي تقول: "ماهو أكيد مامتك مش هتسيبك من غير واحدة تكون على مزاجها المرة دي." اتجهت لباب المكتب ليلحق بها شادي وهو يقول بتهور: "أنا مستعد أهرب معاكي ونبعد عنهم ونتجوز يا تاج." نفضت ذراعها من يده وهي ترفع رأسها بإباء قائلة:
"أنا مش عار عشان حد يهرب عشاني ويتجوزني غصب عن أهله." لتكمل بسخرية: "وبعدين انت مش هتقدر تعيش من غير ملايين بابا يا شادي، والآه؟ تركته وخرجت متجهة لمكتبها تجمع متعلقاتها قبل أن تخرج مغادرة الشركة بأكملها تحت أنظار العاملين المتعاطفة معها. "وبعدين يا خالتي السنة هتبدأ وانتي ولا حس ولا خبر، إيه ما عرفتيش تأثري على أبو الشباب عشان يجوزني السنيورة والآه؟ تساءل عباس مسبغًا السخرية على كلماته حتى يثير غيظها، ليتحقق
له ما أراده وهي تقول: "الراجل موافق، البت اللي معصلجة شوية، بس ماتقلقش عندي تخطيط كده أنما إيه، هيضمن إنها ماتفتح بؤها (فمها) وتوافق غصب عنها." رمقها بلهفة وهو يقول: "الحقيني بيه." لوت شفتيها بنزق وهي تقول: "متستعجلش على إيه يا وله؟ قال يعني ست الحسن والجمال! امال لو ما كنتش سمرا ومصدية كنت عملت إيه؟ ضحك قائلاً: "القلب وما يريد بقى يا خالتي، وبعدين السمار نص الجمال."
"طب يا خويا ياللا مانت شبه القرد، هتاخد إيه غير قردة زيك." قالتها غير واعية لمن تستمع لهما وقلبها يؤلمها نظرة الناس لها وأولهم زوجة والدها! طالما سمعت هذا الحديث عن شكلها حتى فقدت كل ثقتها بنفسها، على الرغم أن والدتها دومًا كانت تبثّها ثقتها كلما سألتها: "هو أنا ليه مش شكلك يا ماما؟ ليه مش بيضا وحلوة زيك؟ لتخبرها أنها مثل الشوكولاتة الشهية تشتهيها العين ويتلذذ بمذاقها اللسان وتؤثر على باقي الحواس بذوبانها في الفم!
أغمضت عينيها ودمعة تفلت من بين جفنيها المطبقين بقوة وهي تستدير لتدخل غرفتها مرة أخرى قبل أن تسمع المزيد من الإهانات، لتتجمد على صوت عباس وهو يقول: "قوليلي بقى يا خالتي هتجبري السنيورة إزاي إنها تتجوزني وهي رافضة زي ما بتقولي؟ "هخليك تقضي معاها ليلة يا وله، وبعدها عمرها ما هتقدر تقول لأ. ده انت هتستر عليها من الفضيحة. هو فيه حد بيعمل خير في الزمن ده! ضحكاتهم كانت كخناجر تطعن بقلبها وعقلها يدور مما سمعته!
هل هذه نهايتها؟ هل تكون نهايتها على يد عباس؟ عباس الذي طالما أذاقها ألوان العذاب منذ تزوجت خالته بوالدها، لتكره كليهما وتتمنى اليوم الذي تتحرر فيه من قيدهما، ليخططا هما لهدم كل ما فعلته طوال سنوات بل وانتهاكها أيضًا تحت سقف منزلها! انتفضت ثائرة وهي تجمع أغراض بسيطة لها مع بعض النقود القليلة المتبقية من إرثها من والدتها والذي قارب على النفاذ، وتتسلل هاربة من المنزل على غفلة منهما، عازمة على عدم العودة مهما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!