الفصل 1 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
25
كلمة
6,871
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد.

التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه هو!

انتقلت عيني فريال على منيرة تتمعنها بمعالم وجه تقذف الرعب في الأبدان حتى لو كان ذلك ينافي طبيعتها الناعمة. لكن في تلك اللحظة تبدلت وكأنها أصبحت امرأة أخرى متشبعة بالشر والجبروت. وفي عقلها يتردد شيء واحد ألا وهو: "واقفة على قرار وكلمة واحدة منك أنك تردني لعصمتك".

عقد جلال عينيه متعجبًا وقد استشعرته حواسه أن القادم لن يكون خير عندما رأى البسمة المتهكمة فوق ثغر زوجته. التي تحركت بخطى متريثة باتجاه منيرة وخرج صوتها أخيرًا متحدثة تقول: "لساتك إيه؟ فهمت منيرة مقصدها فرمقتها بتحدي وأجابتها بشدة: "لساتني في حكم مرته يافريال." اتسعت عيني فريال متصنعة الدهشة وهي مازالت تحافظ على بسمتها المزيفة لتجيبها في خفوت مريب: "امممم وياترى چاية ليه دلوك؟

التفتت منيرة برأسها نحو جلال الذي يقف يتابعهم بأعين مشتعلة وينتظر ليسمع حديث زوجته ويراقب ردة فعلها. ازدردت ريقها بتوتر وحزن وهي تتمتم دون أن تحيد بنظرها عنه: "چاية عشان اطلب السماح واخليه يردني." ثارت فريال وتأججت نيران قلبها وهي تراها تتودد له بنظراتها أمامها وتستسمحه ظنًا منها أنه قد يعود لها ثانية. قبضت فريال على فكها بقسوة وأدارت وجهها باتجاهها لترغمها على النظر لها صائحة بها: "بصيلي إهنه وأنتي بتتكلمي."

تألمت منيرة بصوت مكتوم وبحركة قوية دفعت يد فريال عنها صائحة بها بعصبية ووقاحة: "أنتي متستحقيش چلال ومبتحبهوش.. لو كنتي مكفياه زين مكنش راح بص برا ولا اتچوزني."

خرجت فريال عن طور ثباتها المزيف بعد تلك الكلمات العبثية والوقحة. وها هي تسحب الغطاء عن مخالبها الشرسة مرتدية ثوبًا جديدًا غير مألوف عليها. بحركة مباغتة كانت ترفع يدها في الهواء وتهوى بها بكل عنف فوق وجنة منيرة. ودون أن تمنحها الثانية لاستيعاب الصفعة التي تلقتها للتو كانت تجذبها من شعرها صارخة بها وهي بيدها الأخرى تقبض على فكها تعتصره:

"هو أنتي فاكرة روحك ست لا وبتقفي قصادي وبتقارني روحك بيا كيف الستات، أنا قادرة دلوك احطك تحت رچلي بس هبقى بنزل من قيمتي قصاد شيء مفكر روحه حاچة وبيقول على نفسه ست." ارتفعت صراخ منيرة متألمة من هجوم فريال عليها. بتلك اللحظة فاق جلال وتدخل بسرعة متذكرًا أنه بمقر عمله وجميع الرجال والعمال بالخارج. لم يكن عليه السكوت من بداية الحوار وهو يعرف أن نهايته لن تكون مرضية. صرخ بهم بصوته الرجولي الجهوري:

"اكتمي حسك أنتي وهي، اقسم برب العزة لو نفس واحدة طلع لاقطع نفسها واصل، نسيتوا روحكم قصادي ولا إيه." استقرت نظراته الملتهبة على فريال التي كانت تطالعه بالمثل وهتف بلهجة آمرة مرعبة: "همليها وبعدي يدك عنها يافريال."

رفعت حاجبها بحدة وغضب لكنها امتثلت لأوامره رغمًا عنها بعد لهجته ونظرته. وكانت من الداخل تتوعد له. أما هو فقد مال برأسه نحو منيرة وطالعها بأعين مميتة أرعبتها ودون تردد كان يقبض على ذراعها هاتفًا بصوت يبدو هادئًا لكنه ملتهب بنيران الوعيد والسخط: "أنا مش هحاسبك على اللي قولتيه ولا چيتك إهنه بكل بچاحة وأنتي بتقولي لساتني مرتك وهعديها، بس اقسم بالله لو شوفت خلقتك تاني يامنيرة مش هرحمك." سكت للحظة ثم

تابع بنبرة منذرة حقيقية: "تطلعي من المعرض ومش عاوز اشوف وشك تاني واصل، انسى كل حاچة وأنك كنتي مرتي في يوم وده لمصلحتك، فاهمة ولا لا؟ أنهى حديثه بعبارته الأخيرة الصارخة التي نفضتها في أرضها وقتلت معها الأمل الأخير في صدرها بأن يعود لها. فانهمرت دموعها فوق وجنتيها. ودون وعي بتصرف نابع من خوفها منه كانت تهز رأسها له بالموافقة كردًا على آخر كلماته مؤكدة أنها استوعبت تحذيره القاسي.

ترك ذراعها دافعًا إياه وهو يهتف لها بغضب مشيرًا لها بعيناه ويده على الباب: "يلا اتكلي على الله يابت الناس." ألقت منيرة نظرة أخيرة منكسرة وعاجزة على جلال قبل أن ترمق فريال بعكسها تمامًا كل شر وبغض. وفي الأخير تحركت باتجاه الباب في خطوات مسرعة مغادرة.

رغم مشاعر الرضا والفرحة في نفس فريال بعدما شهدت بعينها على ردة فعل زوجها، إلا أنها حافظت على معالم الانزعاج والجفاء فوق وجهها بسبب صراخه عليها أمام تلك النكرة ومحادثتها بهذا الأسلوب البشع. وأيضًا الوضع الذي رأتهم عليه منذ قليل كان يزيد من اتقاد جحيم غيرتها. رأته يطالعها بنفس التعابير الغاضبة الذي كان عليها للتو فبادلته إياها ودون التفوه بكلمة استدارت وهمت بالرحيل وتركه. لكنه أوقفها بصوت رجولي خشن: "رايحة وين؟ ردت

على مضض دون أن تلتفت له: "راچعة البيت." جلال بغلظة وصوت محتقن من فرط الغيظ: "استنيني في العربية." أجابته بكِبر وخنق مبدية عن رفضها: "أنا هروح لحالي." هتف بعصبية وصوت أربكها: "فريــال." مازالت لا تنظر له وتوليه ظهرها لكنها رغمًا عنها خضعت لأمره وأظهرت تأففًا عاليًا بخنق قبل أن تندفع لخارج الغرفة متجهة لسيارته بالخارج. استدار هو واتجه نحو المكتب ليجذب مفاتيحه لكن استوقفه صوت أحد العمال بالمعرض الذي دخل عليه الغرفة

وهو يهتف بفضول وقلق: "معلم چلال.. هو في حد چراله حاچة؟ لم يعيره اهتمام وراح يدس هاتفه بجيب جلبابه ويلتقط مفاتيحه بيده ليستدير ويهم بالرحيل. لكن نفس الصوت أوقفه. وكان هذه المرة ينوي أن يناله نصيبًا من الأذى: "اصل كان في صوت صريخ وقولت أسألك واطمن." صرخ به جلال بصوت جهوري نفضه بأرضه وملأ المكان كله: "وأنت مالك أنت تخليك في شغلك وبس أنت وكل اللي برا، يلا غور شوف مصالحك."

أنهى عبارته واندفع كالشعلة الملتهبة للخارج وسط نظرات الجميع الفضولية والقلقة منه. وهم يتبادلون النظرات فيما بينهم بحيرة. ***

خرجت آسيا من غرفتها وهي ترتدي عباءتها السوداء الفضفاضة وفوق شعرها حجابها من اللون الأبيض وبيدها حقيبتها المتوسطة. قادت خطواتها المتريثة باتجاه الطابق الأرضي فوق الدرج وهي تتلفت حولها خشية من أن يلمحها أحد. هي تدرك جيدًا عواقب ما تفعله إذا علم زوجها لكنها مضطرة لفعله. انتهت من الدرج وبينما كانت باتجاه الباب لترحل أوقفها صوت إخلاص هاتفة بغلظة: "رايحة وين؟

توقفت آسيا وأغلقت عيناها مصدرة تأففًا منخفضًا يدل على خنقها وقلقها فمن كانت تحاول الهرب منها أمسكت بها. أخذت نفسًا عميقًا واستدارت بجسدها نحو إخلاص تطالعها بقوة وبسمة صفراء: "مشوار سريع وراچعة." رفعت إخلاص حاجبها وهي تسألها: "مشوار إيه اللي على الصبح ده؟! اختفى اللطف المزيف فوق قسمات وجه آسيا حيث ردت عليها بحدة: "وهو أنا من ميتا بديكي تقرير بمواعيد خروچي ورايحة وين ياحماتي!! سكتت ثم تابعت بغضب:

"طالما چوزي عارف وماخدة الأذن منه محدش له الحق يتدخل فيا." أنهت عبارتها واستدارت مندفعة لخارج المنزل وهي تعرف أن ينتظرها طوفان عند عودتها. إخلاص لن تتريث في الاتصال بابنها وإخباره بخروجها المفاجيء.

وصلت للشارع العام واوقفت سيارة أجرة خاصة لتستقل بها وتطلب منه الاتجاه بعنوان محدد أملته عليه. وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية ضخمة. فأخرجت النقود من حقيبتها واعطت السائق حقه ثم نزلت من السيارة ووقفت بالشارع أمام البناية ترفع نظرها لأعلى تقيس ارتفاعها الشاهق وهي تدعي ربها أن يكون بالداخل مصعد كهربائي وإلا لن تستطيع الصعود للطابق السادس على قدميها وهي تحمل طفلها بداخلها.

تحركت لداخل البناية ووقفت تتلفت حولها بحثًا عن مصعد فسقط نظرها عليه في آخر مدخل البناية. لتتنهد الصعداء براحة وتتجه نحوه لتدخل وتضغط على زر الطابق السادس. وانتظرت للحظات طويلة وحدها داخله وهو يصعد بها لأعلى حتى توقف أخيرًا أمام الطابق المطلوب. كان الطابق يحتوى على ثلاث شقق. فتلفتت حولها تقرأ رقم الشقة المدوّن فوق الباب وعندما قرأت رقم 18 اتجهت نحوها ووقفت ترفع يدها لتطرق الباب لكنها وجدت الباب يندفع للداخل بمجرد طرقها عليه. ضيقت عينيها باستغراب تتساءل لماذا الباب مفتوح. وقفت للحظة مترددة قبل أن تدفعه

اكثر ببطء وهي تدخل صائحة: "خلود أنتي چوا.. خلود!!

لم تحصل على رد منها فتنفست الصعداء لتبث الشجاعة لصدرها وقررت الدخول والبحث عنها. فتحركت بخطواتها المترددة نحو الصالة وكانت فارغة والمنزل كان هادئًا تمامًا فظنت أنه لا يوجد أحد. وللحظة كانت ستتراجع خشية من أن يكون فخ نصبته لها حتى تأذيها. لكنها توقفت على أثر صوت آهات ضعيفة منبعثة من أحد الغرف. تتبعت الصوت بسرعة حتى وصلت للغرفة وفتحت الباب ودخلت لتتسمر بأرضها مندهشة عندما سقط نظرها على خلود وهي نائمة فوق الأرض وحالتها مزرية وسط آهاتها المتوجعة. اقتربت

آسيا منها بزعر وهي تهتف: "خلود إيه اللي عمل فيكي إكده؟! التفتت لها خلود برأسها وكانت الصدمة أكبر لآسيا عندما رأت وجهها المتورم والكدمات التي أسفل عينيها وبجوار ثغرها ترسم لوحة مأسوية عن العنف والتعذيب الذي تتلقاه بذلك المنزل. أسرعت آسيا نحوها وجثث على الأرض بجوارها تساعدها في النهوض والجلوس متمتمة لها: "قومي وريحي جسمك على السرير.. قومي معايا يلا."

استقامت خلود بصعوبة من على الأرض بمساعدة آسيا وتسطحت فوق الفراش وهي تطلق تأوهات متألمة. ثم نظرت لآسيا بعينان دامعة وعاجزة تتوسلها هاتفة: "متهملنيش يا آسيا أبوس يدك ساعديني وانچديني." طالت نظرات آسيا المشفقة وهي تتأمل حالة وجهها وجسدها وشعرها البشعة. مهما وصل العداء الذي بينهم لكنها ليست عديمة الرحمة لهذه الدرجة حتى تشمت في وضع كهذا. خرج صوت آسيا المنخفض وهي تسألها: "چوزك اللي عمل فيكي إكده؟

هزت خلود رأسها بالإيجاب ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها متمتمة في ضعف: "دي مش أول مرة.. بس أنا تعبت معدتش متحملة وحاولت اموت نفسي واخلص من اللي أنا فيه بس مكنتش بعرف وكل مرة كان بيكشفني." لوت آسيا فمها بأسى وسألتها بلطف: "وهو بيعمل إكده ليه؟! رفعت خلود كتفيها لأعلى مجيبة بصوت مبحوح وباكي: "معرفش يمكن بيعاقبني عشان دبسته واتچوزني غصب ويمكن هو بيستمتع وهو بيعذبني إكده."

لم تجب آسيا واكتفت بنظرتها المشفقة. أما خلود فتابعت وقد انهارت في البكاء أكثر: "في واحدة يعرفها وعلى علاقة بيها وكل يوم بيچيبها إهنه يا آسيا وبيقضى الليل كله معاها في البيت معايا وبسمع صوتهم طول الليل وهما مع بعض، أنا مكنتش اتخيل واصل أن يكون بيكرهني إكده بعد ما ضحك عليا وخسرت ناسي وكل حاچة عشانه." مازال الصمت مهيمنًا على آسيا حتى أكملت خلود وهي تمسك بيد آسيا تتشبث بها بقوة وتهتف متوسلة ببكاء:

"ساعديني يا آسيا أبوس يدك.. أنا عارفة أني اذيتك ومليش الحق اطلب منك المساعدة وأنتي عندك حق بس أنا بدفع تمن ذنوبي أهو وربنا بياخدلك حقك مني." آسيا بصوت قوي: "هساعدك كيف يعني ياخلود.. واللي بيعمل فيكي إكده چوزك مش حد غريب حتى وأنتي بعضمة لساتك قايلة أنك خسرتي ناسك، وابوكي معدش موجود وعلي مستحيل يبص في وشك تاني لا هو ولا چدي، هعملك إيه أنا وحدي!! انفجرت في البكاء بشدة متمتمة بانكسار وعجز:

"اعملي أي حاچة أنتي هتقدري كيف ما قدرتي تلبسيني في جوازتي منه وتفضحيني قصاد الكل أكيد هتلاقي حل وتساعديني بيه." جذبت آسيا يدها من قبضة خلود بعنف هاتفة بنظرة مميتة وبهجة صارمة: "لا أنا ملبستكيش في حاچة، أنتي اللي بدأتي معايا حرب منتيش قدها، وأنا مضربتكيش على يدك وقولتلك حبيه واغلطي معاه واحملي منه كمان واديكي شوفتي طلع راچل **** كيف." أماءت خلود برأسها في خنوع تام وهي تترجاها باكية:

"أنا آسفة وعارفة أني غلطانة واللي حُصل حُصل، لكن دلوك أنا بطلب منك تساعديني، صدقيني لو فضلت مكملة معاه هموت ومش هتحمل يا آسيا، انتي شايفة حالتي كيف أبوس يدك اقفي چاري ومتسبنيش." سكنت آسيا أمام نظرات خلود المتوسلة وهنها الصعب وهي تترجاها كأنها طوق النجاة الوحيد لها للبقاء على قيد الحياة والخروج من ذلك الوحل القذر الذي تلطخت به. لان قلبها ولم يطاوعها لتركها تتعذب كالحيوانات التي بلا صاحب هكذا.

طال صمتها وسط التلهف الظاهر في عيني خلود من انتظار الأجابة منها. وبينما كانت على وشك الرد اقتحم الغرفة ودخل سمير الذي تسمر وهو يرمق آسيا مندهشًا ويهتف بحدة: "إنتي بتعملي إيه إهنه؟ استقامت آسيا واقفة والتفتت بجسدها كاملًا نحوه بينما خلود فقد التصقت بآسيا خلفها تلوذ إليها من بطش زوجها وهي ترتجف وتبكي بخوف. تمعنت آسيا هيئة سمير المبعثرة بقرف وبلحظة تحولت معالمها من اللطف للشراسة والجبروت لتجيبه بحدة:

"چيت اطمن على بت عمي." يضحك سمير ساخرًا متمتمًا: "بت عمك!!! .. أنتي بلسانك اللي بتقولي إكده بعد اللي عملته فيكي." ابتسمت آسيا بأعين مشتعلة وهي تهمس: "لو مكنتش شوفتك وشوفت اللي عامله فيها مكنتش هقول إكده لاني مكنتش هصدق أن لسا في الدنيا في ناس عايزة الحرق بجاز و*** وحلال فيها." التهبت نظرات سمير الذي تقدم نحو آسيا بخطواته وهو يهتف بلهجة تهديدية:

"لمي لسانك ومتخبطيش في الحديت معايا عشان متندميش.. أنتي لساتك متعرفنيش زين." ابتسمت آسيا باستهزاء وهي تجيبه بفظاظة: "لا عارفاك وعارفة أخرك إنك تمد يدك وتتفالح على الحريم بس، بس أنت اللي متعرفش أخرى لسا." جز سمير على أسنانه بغيظ وهتف محاولًا تمالك أعصابه: "اطلعي برا يا آسيا قبل ما اندمك أن رچلك عتبت بيتي."

التفتت برأسها نحو خلود التي أرسلت لها إشارات بعيناها تطلب منها الرحيل خشية من أن يأذيها حقًا. ورغم الرعب المستحوذ عليها في نظراتها إلا أنها كانت تطلب منها الرحيل. فعادت آسيا برأسها نحوه مجددًا وهتفت محذرة إياه بغضب: "اوعاك تمد يدك عليها فاهم ولا لا."

مال ثغره للجانب في سخرية من تحذيرها له ظنًا منها أنه سيخضع لها فورًا ويفعل. وعلى عكس المتوقع ضحك باستفزاز وهو يمد يده خلف ظهر آسيا يجذب خلود من خلفها بعنف ويضمها لصدره متمتمًا في صوت مريب وهو يلثم شعرها: "وهو أنا أقدر امد يدي عليها دي مرتي الغالية حبيبتي."

رأت آسيا خلود وهي ترتجف بين ذراعيه وتبكي بصمت مغلقة عيناها بقوة من فرط الخوف. بينما هو فكان يضغط على ذراعها بقسوة كإشارة لما ينتظرها فور رحيل ابنة عمها. فحزنت عليها بشدة وربما أول مرة تصيبها تلك المشاعر نحوها. لكن ليس بيدها شيء الآن لتفعله لها وبقائها ماهو إلا فقط مجرد تأجيل قصير لجلسة إعدامها. فأخذت نفسًا عميقًا بشجن وأخبرتها بنظراتها أنها لن تتركها وستعود مجددًا. ألقت نظرة نارية على سمير أخيرًا قبل أن تبتعد وتقود خطواتها لخارج المنزل بأكمله. تسير في طريق العودة لمنزلها.

دفعها سمير بعيدًا عن ذراعيه بنفور فسقطت فوق الفراش وهي تبكي بشدة وترتجف برعب. ثم وجدته يقبض عليها يجذبها من شعرها ويصفعها فوق وجنتيها بعنف صارخًا بصوت رجولي مخيف: "بتتصلي ببت عمك وبتچبيها بيتي.. فاكرة هتقدر تحميكي مني يعني." ارتفع صراخ خلود بين يديه وهي تتوسله بضعف: "ابوس يدك ياسمير هملني ومتمدش يدك عليا أنا معدتش متحملة." صاح بقسوة وعدم رحمة وهو يقبض على فكها:

"هو أنتي لساتك شوفتي حاچة.. مش كفاية ادبست فيكي وحياتي ادمرت بسببك أنتي وبت عمك دي." كانت تنتفض بعنف وهي تصرخ بهستيريا تحاول الفرار من بطشه: "أنا آسفة أول وآخر مرة مش هكلمها تاني والله.. بس هملني ومتعمليش حاچة." أجابها بنظرة شيطانية تحمل الوعيد الحقيقي: "لا أنا عايزك تكلميها وتحذريها وتقوليلها أنها لو فكرت تچرب منك ولا تعمل حاچة وقتها هي حرة في اللي هيحصلها."

هزت خلود رأسها بالموافقة وهي تذرف الدموع الحارقة بصمت ومازالت ترتجف أسفله. حتى ابتعد عنها واستقام واقفًا ليجذب هاتفها ويقول بغضب: "بس دلوك عقابًا ليكي مفيش تلفون واصل وهتفضلي إكده من غير تلفون ولو عقلك وزك بس أنك تطلعي ولا تاخدي التلفون وتكلمي حد تبقي فتحتي طاقة جهنم على روحك." رمقته بعيناها المنكسرة ووجهها الغارق بدموعها دون أن تجيب وتابعته وهو يأخذ هاتفها ويغادر ويتركها. فتدفن وجهها في الفراش وتنهار باكية بعنف. ***

اتجهت منى بخطواتها البطيئة تجاه باب المنزل لتفتح للطارق. وعندما جذبت الباب وفتحت وجدت بشار أمامها فابتسم لها بود وتمتم: "كيفك يامنى؟ أفسحت له الطريق للعبور وهي تبادله الابتسامة هامسة: "زينة الحمدلله يابشار.. ادخل اتفضل." تنحنح ودخل وهو يتلفت برأسه حوله باحثًا عن شخص بعينه ثم سألها بتعجب: "امال عمتي وين؟ أجابته منى بعبوس وهي تشير بعيناها نحو غرفة أمها:

"في اوضتها كيف ما هي مفيش تحسن يابشار ومهما نعملها مبتطلعش من الحالة اللي فيها دي، حتى أبوك كان إهنه امبارح." تنهد الصعداء بحزن وتحرك بخطواته تجاه غرفتها. وكانت منى تلحق به. فتحت هي الباب ودخلت أولًا تقول لأمها: "بشار إهنه ياما؟ اعتدلت فتحية في جلستها ونظرت نحو الباب تتطلع لابن أخيها بابتسامة عريضة وتردف بترحيب دافيء: "تعالي ياولدي.. تعالي يابشار اتوحشتك ياواد."

لمعت عيني بشار واتسع ثغره ببسمته وهو يقترب من عمته ليعانقها مقبلًا رأسها بحنو متمتمًا: "وأنتي كمان ياعمتي.. عاملة إيه دلوك؟ أماءت برأسها مجيبة عن سؤاله في وجه بدأ يظهر عليه العبوس مجددًا والأسى: "نحمد ربنا." صدح صوت منى وهي تسأل بشار بلباقة: "تشرب إيه يابشار؟ أجابها بالرفض المهذب: "شكرًا يامنى مش عاوز حاچة." اتسعت عيني فتحية بقوة وراحت ترمق بشار بقوة هاتفة وهي توجه حديثها لابنتها:

"مش عاوز كيف يعني.. روحي يابت اعمليله عصير الليمون اللي بيحبه وهاتيله معاه من البسبوسة اللي عملتها." مال ثغر بشار للجانب في بسمة مندهشة وهو يقول مداعبًا: "بسبوسة مرة واحدة ومن يدك كمان ياتوحا.. طب ما أنتي زي الفل أهو امال بيضحكوا علينا عاد ولا إيه بناتك وبيقلقونا عليكي." ابتسمت له فتحية بدفء وراحت تمسح فوق وجنته ولحيته هامسة بوجع:

"الحزن في القلب ياولدي، ولغاية دلوك لساتني مش قادرة اصدق موت أخوي، ابراهيم ده كان حتة من قلبي وراحت مني." بشار بحزن محاولًا مواساتها: "ربنا يرحمه ادعيله هو محتاچ الدعاء اكتر من البكا والنواح عليه ياعمتي." ظهر النقم والغضب في عيناها وهي تسأله: "لسا مفيش خبر عن منصور!! .. عمران كان عندي من يومين بس مدنيش عقاد نافع." هز بشار رأسه بالنفي مجيبًا عليها بغلظة: "لسا بس مسيرنا نعتر فيه مش هيفضل هربان العمر كله."

هيمن الصمت بينهم للحظات طويلة حتى عادت فتحية تتحدث مجددًا وهذه المرة عادت اشراقة وجهها وهي تسأله باهتمام: "أخبار خطيبتك إيه؟ .. عاملين مع بعض إيه ومبسوط ولا." تنهد بشار الصعداء مطولًا ورد على عمته برزانة جميلة: "كويسين الحمدلله ياعمتي.. هي بت حلال وتستاهل مني كل خير." لمعت عيناها بسعادة وراحة ثم استطردت تسأله في مداعبة لطيفة: "بتكلمها ولا لا اوعاك تكون مطنشها احسن البت تطفش منك." انطلقت منه ضحكة

رجولية جذابة ثم هتف بود: "لا بكلمها اطمني ياتوحا." تبادلته الضحكة البسيطة لكنهم انتفضوا مفزوعين على أثر صراخ منى التي كانت تقول بهلع: "ياما الح رحاب ياما." قفز قلب فتحية من صدرها وبلحظة كانت تثب من الفراش وتهرول للخارج باتجاه غرفة ابنتها ولحق بها بشار المزعور. لكنها وقفت أمام غرفة رحاب ولم يتمكن من الدخول وهتف من الخارج بصوت قلق: "عمتي رحاب زينة؟ سمع صوت فتحية تستغيث به برعب: "تعالي يابشار تعالي بسرعة."

لم يتريث للحظة بعد سماع عبارة عمته واندفع للداخل متلهفًا فرآها ملقية على الأرض وفاقدة لوعيها. أسرع نحوها وجثى أمامها يحاول إفاقتها وهو يسأل بخوف حقيقي يلمع في مقلتيه: "إيه اللي حصلها؟! ردت منى بزعر وعينان دامعة: "معرفش أنا دخلت عليها لقيتها إكده." بدأت فتحية في البكاء الشديد خوفًا على ابنتها. أما بشار فحملها بين ذراعيه ووضعها فوق الفراش برفق ثم ابتعد خطوتين للخلف وراح يخرج هاتفه يقول باضطراب شديد:

"أنا هتصل بالدكتور." جلست فتحية بجوارها من جهة والجهة الأخرى كانت منى وهم يحاولون إفاقتها. وبشار يقف أمام النافذة يوليهم ظهره والهاتف فوق أذنه يجري اتصال بالطبيب يستمع للرنين وينتظر الرد. لكنه التفت برأسه حين سمع عبارة منى المتلهفة: "فاقت يابشار فاقت." أنزل الهاتف من فوق أذنه وثبت نظراته المرتعدة والدافئة عليها. يتابعها وهي تفتح عينيها ببطء وتعتدل في جلستها متمتمة بضعف: "إيه اللي حصل ياما."

ضمتها فتحية لصدرها بقوة تهتف وسط بكائها وهي تشكر ربها: "الحمدلله يارب.. إيه اللي حُصلك يابتي اغمى عليكي إكده ليه؟ كانت ستهم بالإجابة لكنها انتبهت لذلك الجسد الرجولي القوي الذي يقف أمام فراشها. وحين رفعت رأسها جيدًا ورأت بشار ارتبكت بشدة وظهر احمرار وجنتيها. تلعثمت وانعقد لسانها فزحزحت نظرها بسرعة بعيدًا عنه خجلًا واجابت على أمها بصوت خافت: "معرفش ياما دوخت ومحستش بروحي." صاحت بها فتحية منزعجة

وهي تعنفها بغضب من خوفها: "ما لازم تدوخي ما أنتي مبتاكليش كيف الخلق أكل يسند ويرم العضم، عاچبك اللي حُصلك ده يعني." ثم رفعت نظرها لمنى وقالت بحدة: "قومي يامنى هاتيلها وكل وعصير عشان تقدر تسند طولها."

نهضت شقيقتها الصغرى واتجهت للخارج مسرعة نحو المطبخ لكي تقوم بتحضير الطعام لها. أما بشار فكان يتأملها بأعين محبة وقلقة. لكنه لم يسمح لنفسه ولا تلك المشاعر المحرمة بالاستحواذ عليه أكثر خصوصًا وأن كلاهما الآن مرتبطان وفرصة اجتماعهما مستحيلة. تنحنح واقفًا وتمتم بصوت رجولي أجش: "حمدلله على السلامة يارحاب." ردت عليه بخفوت واستحياء ملحوظ وهي تشيح بنظرها للجانب الآخر: "الله يسلمك." استرسل هو موجهًا حديثه لعمته وهو يودعها:

"أنا همشي ياعمتي عاوزة مني حاچة." ردت فتحية بالرفض في حنو جميل: "لا ياولدي عاوزة سلامتك وابقى سلملي على أبوك وعمران." أماء لها بالموافقة وهو يبتسم في لطف قبل أن يستدير ويغادر الغرفة ومنها المنزل بأكملها. أما رحاب فعبس وجهها بيأس وحزن فور رحيله وظلت ساكنة في فراشها كالصنم بجوار أمها دون حركة ولا كلمة. *** داخل منزل خليل صفوان.......

كانت فريال تسرع في خطواتها شبه ركضًا باتجاه الدرج وتصعد بسرعة دون اكتراث لصوت جلال من خلفها وهو يأمرها بالتوقف. لكنها لم تهتم وتابعت صعودها بغضب شديد أصبح يستحوذ عليه هو أيضًا بسبب تجاهلها له. بتلك الأثناء كانت جليلة تجلس بصالة المنزل بالأسفل ورأت حالة الثوران والاستياء المستحوذة على ابنها وزوجته فغضنت حاجبيها بحيرة لكنها ظلت مكانها وفضلت عدم التدخل الآن ولاحقًا تسأله ماذا حدث معهم!

فتحت فريال الباب ودفعته بعنف لتدخل ثائرة لغرفتها ووقفت بمنتصف الغرفة وهي تجوب بضع خطوات يمينًا ويسارًا عاقدة ذراعيها بخصرها ووجهها عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة. دماؤها تغلي في عروقها من فرط السخط والغيرة وعقلها لا يتوقف عن تذكر لحظة دخولها عليهم وهي ممسكة بيده بحميمية وقريبة منه بقدر خطير. ربما لو تأخرت قليلًا كنت ستدخل وستجدها تعانقه وبين ذراعيه. دخل جلال خلفها بعدما وصل وأغلق الباب ثم اندفع نحوها يصيح منفعلًا:

"أنا مش بنده عليكي." لم تبالي بصياحه ولا غضبه حيث استدارت له ورمقته شزرًا وهي تقول بغيرة حارقة تعيد عبارة منيرة بسخرية: "لساتني في حكم مرتك ياچلال.. كنت خدتها معاك على الشقة بالمرة كمان طالما لساتها مرتك." أظلمت عينيه بشكل مخيف وصاح بها في صوت رجولي هادر بعدما فهم تلميحها القبيح: "فــريـال.. چرا إيه لمي لسانك واقفلي خشمك ده." لم تكترث وظلت ثابتة أمامه كالصخر تطالعه بشموخ وقوة وتكمل صياحها الغاضب ونظراتها تشتعل أمامه:

"اسكت ليه ماهو أنا عاد ممكفيكش وعشان إكده اتچوزت عليك." رفع جلال يده لشعره يمسح عليه نزولًا لوجهه وهو يتأفف بعصبية محاولًا تمالك انفعالاته القاسية ورد عليها بهدوء متصنع: "بلاش الكلام الفارغ ده واعقلي ياست البنات." استرسلت فريال بصياح مرتفع: "مش هعقل ياچلال أنتوا جننتوني خلاص، ده أنا كان ناقص ادخل الاقيكم بتحبوا في بعض وماخدها في حضنك، كنت رديتها، مردتيهاش ليه!

فقد أعصابه ولم يتمكن من البقاء ساكنًا وهادئًا أكثر من ذلك أمام كلماتها السخيفة التي تثبت أنها ليست واعية لما تتفوه به وصرخ بها بصوت نفضها بأرضها: "فريال اقسم بالله كلمة كمان وهتزعلي مني صُح وقتها، مش كفاية الفضايح اللي عملتوها ليا في المعرض قصاد الخلق والرچالة كله." رفعت يدها تشير على نفسها تحديدًا عند صدرها بسبابتها صائحة بصدمة وغضب: "فضايح!! .. أنا اللي عملتلك فضايح!

.. خليك فاكر زين أن أنت اللي اديتها وش وخليتها تتچرأ إكده عليك وتعمل فضايح في شغلك مش أنا يامعلم چلال." لم تترك له فرصة ليجيبها حيث استرسلت حديثها بشراسة جديدة عليها وهي تقترب منه أكثر وتقف أمامه مباشرة تهتف بنبرة منذرة:

"أنا معدتش فريال القديمة ياچلال اللي هتسكت مغلوبة على أمرها وتاخد عيالها وتهمل البيت وتمشي تروح على بيت ناسها عشان خاطر خرابة بيوت، ده بيتي وبيت عيالي وأنت چوزي ومش هسمح لمخلوق يخرب عليا ويفرقني عن عيالي وچوزي، محدش يقدر يدوسلي على طرف من إهنه ورايح ولا حتى أنت، احذر مني ياچلال وصدقني المرة دي مفيهاش سماح وهاخد عيالي ومش هتعرفلي طريق واصل."

توقفت عن الحديث للحظة وراحت تتفحص ملامحه ترى تأثير ما قالته على وجهه وكما توقعت بالضبط كان يحدقها مذهولًا دون أن يتفوه ببنت شفة. تراجعت خطوة للخلف وهي تنظر له بكل عنجهية وتابعت بلهجة محذرة: "اوعاك تفكر لسانك يخاطبها تاني لمجرد كلام بس ولا حتى بالنظرات، أنا المرة دي چبتها من شعرها بس المرة الچاية هتشوف بعينك الفضايح على حق يا أبو معاذ."

أنهت أخيرًا وصلة تحذيراتها وتنبيهاتها الجادة عليه، وتركته مكانه متسمرًا بذهول لتذهب للحمام حتى تبدل ملابسها وتأخذ حمامًا دافيء. فاق من صدمته على صوت صفع باب الحمام فراح يحدق به بعدم استيعاب محاولًا تصديق أن ما حدث للتو كان حقيقة وليس مجرد تخيلات عبثية. هل تلك المرأة غريبة الأطوار كانت حقًا فريال زوجته؟!!

.. حتمًا هذه تحولات مؤقتة نابعة من هورمونات الحمل وستعود لطبيعتها قريبًا، أو ربما أخذت بعض النصائح من شقيقته كيف تصبح مثلها وهي الآن تنفذ النصائح! تحرك واقترب من الفراش ليجلس فوقه ويدفن وجهه بين راحتي كفيه وهو يزفر بقوة ويمسح على وجهه ولحيته بعنف في خنق. ليرفع رأسه بعد لحظات طويلة نسبيًا بعدما أعاد في عقله كلماتها التهديدية له وطريقتها الغريبة ليقول بقلق: "أن شاء الله يكون ده برنامچ الكاميرا الخفية." ***

داخل منزل ابراهيم الصاوي....... علقت إخلاص نظرها على باب المنزل فور دخول ابنها منه. ألقى عمران السلام على أمه وقاد خطواته باتجاه الدرج قاصدًا غرفته بالأعلى لكن أوقفه صوتها القوي وهي تسأله بعين شيطانية: "مرتك وين؟ غضن عمران حاجبيه بتعجب والتفت بجسده نحوها ليجيب بغلظة: "كيف وين يعني.. هي مش قاعدة في اوضتها فوق؟!! ابتسمت إخلاص بسخرية وهبت واقفة من مقعدها لتتقدم نحو ابنها وتقول بغل:

"مرتك طلعت من الصبح ووقفت قصادي بعين قوية وتقولي أنا چوزي عارف ومحدش له حكم عليا." تقوست ملامح وجه عمران وظهر الغضب البسيط في نظراته وهو يهتف: "طلعت راحت وين؟ إخلاص باستهزاء: "إذا كان أنت مش عارف مرتك راحت وين هعرف أنا كيف! أظلمت عيني عمران وظهرت شرارات الجموح المخيف. ثم رفع كفيه يمسح على شعره نزولًا لوجهه ولحيته ويهتف بعصبية مجيبًا على عبارة أمه المثيرة للأعصاب:

"أنتي عاوزة إيه يعني دلوك ياما.. عاوزاني أطلقها عشان ترتاحي؟! لمعت عين إخلاص بوميض شيطاني وقالت بتمنى: "ياريت ياولدي.. أنا من البداية مكنتش راضية عن الچوازة دي من أساسه ولا البت دي تنفع ليك ولا تليق بيك.. ياريتك تسمع كلامي وتتچوز." صاح عمران منفعلًا: "بزيادة عاد ياما.. مش عاوزاك تفتحي الموضوع ده تاني واصل.. ده بدل ما تفرحي أن مرتي حامل وقريب هتشيلي ولدي عاوزاني اطلقها!

ألقت بقنبلتها الأخيرة وهي مدركة تمامًا مقدار الدمار الذي ستحدثه خلفها وأنها ربما ستشهد على التحول الحقيقي لابنها: "افرح لما يكون ولدي متچوز واحدة ممشيها على كلمته مش هي اللي ممشياه وملبساه العمة وبتطلع وتدخل على هواها وهو حتى مش عارف راحت وين.. ولدي المعلم عمران الصاوي اللي كل بيهابه مرته سيقاه وراها." اكفهرت معالم وجه عمران ورأت بشائر لطوفان مرعب في عيناه. بينما عمران فحاول تمالك أعصابه أمام أمه وقال بصوت

محتقن وخافت لكنه مرعب: "معلم إيه عاد ياحچة إخلاص بعد اللي قولتيه هو أنتي خليتي فيها معلم ولا غيره.. ما أنا راچل **** ومرتي سيقاني وراها كيف الحريم مش هو ده قصدك." سكنت إخلاص للحظة وهي تلوي فمها بضيق من نفسها ثم ردت محاولة تصحيح كلماتها القاسية: "قطع لسان اللي يقول عليك إكده ياولدي ده أنت راچل وسيد الرچال كلهم.. أنا بس مش عچباني مرتك ولا راضية عن چوازك وعاوزالك واحدة تليق بيك ياحبيبي."

رقمها عمران بطرف عينيه في سخرية وانزعاج شديد قبل أن يتركها دون أن يتفوه ببنت شفة ويصعد المقعد قاصدًا غرفته وهو يشتعل بنيران الغضب وداخله يتوعد لزوجته بعقاب عسير. فما لم تنله أمه سيكون من نصيبها هي. ***

كان عمران كجمرة من النيران المتأججة يجلس على مقعد عريض وكبير بالغرفة ويحاول الاتصال بزوجته لكنها لا تجيب على اتصالاته. مما ساعد على تفاقم الموقف الناري وزاد من جموحه الداخلى تجاهها. وبالطبع كان هناك دور لأمه في توتر الأجواء وزرع الغضب الهادر في ثناياه.

هب واقفًا من مقعده وهو يمسح على شعره نزولًا لوجهه مصدرًا تأففًا قوي وزفيرًا ناري. وعيناه عالقة على الهاتف الذي يستمر في الرنين دون إجابه منها وكأنها تتعمد أن تثير جنونه أكثر لتزيد من فرصة حصولها على باقة جيدة من الانفجارات القاتلة عند عودتها. بدأت معالم وجهه تتبدل للأسوء وأظلمت عينيه بشكل مريب. لكن كل هذا لم يكن سوى مجرد بداية صغيرة وما قادم سيكون حقًا مرعب.

ارتفع رنين هاتفه برقم مجهول وظن أنها زوجته فراح يجيب ثائرًا عليها لكن أتاه صوت رجولي يهتف بغلظة: "كيفك يامعلم عمران." رفع حاجبه متعجبًا وأجابه بهدوء يتنافى مع وضعه الحالي: "مين؟ هدر الطرف الآخر بكل ثقة ولهجة تحذيرية تظهر الغضب والوعيد الحقيقي:

"مرتك كانت في بيتي ولسا يدوبك ماشية، انا متصل أقولك بس عقلها وأمسك لچام مرتك زين وخليها تبعد واصل عن خلود وملهاش صالح بيها عشان لو شفتها بتحوم حوالين مرتي تاني مش هيحصل طيب يامعلم."

لم يمهل عمران الوقت ليجيب عليه حيث أنهى كلامه واغلق الاتصال. فراح عمران يحدق في شاشة الهاتف مذهولًا وهو يشتعل وكانت تعابير وجهه بالضبط كبركان تفوح حممه البركانية على سطحه. أخذ يلفظ السباب والألفاظ النابية ناعتًا بها ذلك الوغد على تجرأه بتهديده بزوجته وعبارته الشيطانية المتعمد بها إثارة جنونه وهو يخبره بأنها كانت في منزله. يبدو أن اليوم لا يحالف حظ آسيا على الإطلاق وستشهد على نهار كاحل تمامًا كظلام ليلة بلا نجوم أو قمر حتى.

عاود الاتصال بها مجددًا ومن سوء حظها أنها أجابت هذه المرة، فقد ظلت تحدق في شاشة الهاتف بتردد تخشى أن تجيبه دون أن يكون لديها سبب مقنع تفسر به خروجها. فهو بالتأكيد عاد للمنزل ولم يجدها. رغم أنها كانت تنوي العودة قبله لكن الظروف لم تحالفها وتقف منذ وقت بالشارع تنتظر سيارة أجرة ولا يوجد! بمجرد أن فتحت الاتصال وجدت قنبلة انفجرت بها وهو يصرخ: "أنتي فين؟!

انتفض قلبها وارتبكت بشدة وبلحظة واحدة نسيت كل ما كانت مستعدة لقوله في الكذب عليه فردت متلعثمة: "كـ..كنت بشتري كام حاچة من السوق وراچعة ياعمران." جز على أسنانه محاولًا التحكم بزمام انفعالاته وهو يسمع كذبها عليه وصرخ بعصبية مخيفة: "أنا سألتك أنتي فين دلوك وعايز رد من غير كذب."

تلفتت حولها وهي تتمنى من الله أن يبعث لها سيارة لتستقل بها وتذهب من هنا. لكن الشارع كان فارغًا تمامًا وبالنهاية اضطرت أن تخبره بمكانها الحقيقي موضحة أنها لا تجد سيارات أجرة. وما ثار حيرتها أنه لم يسألها عن سبب ذهابها لذلك المكان بل بصوت بدا لها هادئًا قليلًا لكن مرعب يشير إلى الطوفان القادم بعده وبالأخص نبرة الوعيد التي كان يتحدث بها: "خليكي عندك أنا چايلك."

كانت ستجيب معترضة لكن صك سمعها صوت صافرة انتهاء المكالمة فانزلت الهاتف من فوق أذنها وهي تحدق به مندهشة وبثناياها توتر حقيقي. عقلها يطرح أسئلة كثيرة لكن كلها تدور في حلقة واحدة دون العثور على إجابة لها. أثرت أخيرًا البقاء كما أمرها وانتظار جحيمها. ***

توقف بلال بسيارته تحديدًا أمام أحد المحلات الكبيرة القريبة من منزل خليل صفوان. ونزل متجهًا للمحل لشراء بعض الأشياء وبينما اقترب وكان على وشك الدخول أوقفه صوت طفيف منبعث من الشارع الجانبي المجاور للمحل حيث يقطن منزل خليل. وعندما دقق سمعه تعرف على صاحب الصوت وكان على يتحدث في الهاتف ولم يسمع سوى عبارة واحدة يقول فيها: "طيب يابوي متقلقش أنا چاي دلوك."

تحرك بلال بسرعة ليستطيع رؤيته فوجده يستقل بسيارته وينطلق متجهًا لأبيه. فعاد بلال مسرعًا لسيارته يستقل هو أيضًا بها ويلحق به متعقبًا إياه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...