شعورها وكأن الطريق لا ينتهي، كان نابعًا من اضطرابها الملحوظ. رغم أنها لم تشعر به أثناء قدومها، لكن الآن وهي معه وفي طريقهما للمنزل، كان الوقت يمر ببطء شديد. تستمر في اختلاس النظرات السريعة، محاولة اختراق عقله ومعرفة ما يدور بداخله وما سبب سكونه المريب هذا. هو لم يتفوه بكلمة منذ أن استقلت السيارة، وهذا لا يزيد من فضولها إلا الارتباك. لكنها حاولت الثبات كعادتها، وكأنها لا تبالي بحالته المخيفة. وراحت تسأله بصوت خافت:
"أنت ساكت إكده ليه؟ تجاهل سؤالها كأنه لم يسمعها، ولم يرفع نظره عن الطريق أمامه للحظة واحدة، مما جعلها تلوي فمها بضيق من تجاهله لها. وعادت تهتف بنبرة أكثر وضوحًا هذه المرة: "عمران أنا بكلمك!! التفت لها هذه المرة، ورمقها بأعين بثت التوتر في صدرها، جعلت من تعابير وجهها التي كانت متشبعة بالثقة تتخبط وسط انفعالات توترها المختلفة. ونبرته المتوعدة وهو يقول:
"وأنا سامعك.. يستحسن مسمعش حسك واصل لغاية ما نوصل، وفي البيت لينا حساب ووقتها هعرف ارد عليكي زين." ابتلعت في جوفها أي كلمة أخرى كانت تنوي قولها بعد عباراته، وامتثلت الصمت كما أمرها. فهذا ليس الوقت ولا المكان المناسب لجدالهما. دقائق أخرى مرت في صمت مريب بينهم حتى وصلوا للمنزل. وسبقته هي بالخروج من السيارة والإسراع للداخل، وكان هو يلحق بها. لكن أوقفها صوت إخلاص وهي تبتسم بسخرية وتردف بحقد:
"على أخر الزمن بقى عندينا حريم بتطلع وتدخل على هواها من غير علم ولا أذن جوزها، وكمان بتكدب وتقول أنا جوزي عارف." صرت آسيا على أسنانها بغيظ، واستدارت نحو إخلاص تطالعها بنارية هاتفة: "الكدب ده صح يتقالي لما اكدب على حد ليه حكم عليا.. لكن أنتي ملكيش حق يا حجة إخلاص." خرج صوت عمران من خلفها وهو يصيح بها منفعلًا بحدة: "لمي لسانك وردي زين وبأدب." لمعت عيني إخلاص بنصر، وراحت تنظر لابنها وهي تبتسم بخزي وتقول:
"شايف بترد عليا كيف؟ أنا مش قولتلك يا ولدي دي هملت ومعدتش بتعمل حساب لحد." اشتعلت عيني آسيا وهي تحدق بإخلاص في وعيد. ثم سمعتها وهي تهمس بضيق: "وفوق ده كله رايح تجيب منها عيل يا ولدي. آه ياني." يبدو أن عمران لم يسمع كلمات أمه. حيث وجه حديثه الغاضب لزوجته يقول: "يلا قصادي على فوق."
ألقت نظرة أخيرة حاقدة على حماتها قبل أن تندفع ثائرة باتجاه الدرج، تصعد للطابق الثاني وهي كجمرة من النيران. بينما عمران فهم بالصعود خلفها، لكن أوقفته إخلاص وهي تمسك بذراعه متمتمة بخوف واهتمام مزيفين: "براحة عليها يا ولدي، متنساش أنها حامل بردك."
ربت عمران على كفها بلطف وهو يهز رأسه بالموافقة، ثم أزاحه من فوق ذراعه واتجه للأعلى حيث غرفته. فور دخوله رأى آسيا وهي تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا، وتأفف بقوة في عصبية شديدة. وتحولت فجأة لأخرى بعد أن كانت منذ قليل في السيارة مطيعة وخائفة. عادت لطبيعتها الشريرة والشرسة وهي تنظر له بقوة وتهتف: "قالتلك إيه؟ خليتك توصل للحالة دي، أمك قالت إيه يا عمران وولعت الدنيا." هتف بنبرة تحذيرية: "وطي حسك وأنتي بتكلميني."
صرخت بانفعال شديد، متعمدة رفع نبرتها أكثر، غير مبالية لتحذيره: "أمك اللي كانت من يومين بتتوعدلي وتقولي أنها هتخليك تطلقني وتجوزك لبت عمتك. وليه تستني؟ ما يمكن تجوزها لك وأنا لساتني مرتك. بس حط في دماغك زين يا معلم، أنا مش أختك اللي هتسكت وتسيب بيتها. كيف ما قدرت أعملها قبل كده وكنت هقتلك لو فكرت تعملها يا عمران أنت وهي. هاخد روحكم."
أثارت جنونه بعد أن كان ينوي الجدال معها بهدوء قليلًا، مراعاة منه أنها حامل. لكنها لن تترك يومها يمر مر الكرام. حيث اقترب منها وقبض على ذراعها بعنف، يهتف بصوت أشبه بفحيح الأفعى المرعب: "وتستني ليه لما أتجوز عليكي؟ طالما لساتك مندمتيش على اللي عملتيه معايا رغم أني نسيته وعندك استعداد تكرريه. يلا وريني هتعمليه كيف؟ بس خليكي فاكرة أن اللي قصادك مش عمران القديم اللي هيسامح ويعدي الموضوع."
شعرت أن الدموع تسير في طريقها لعينيها، فردت عليه بغضب: "أنا مش هقعد في بيت واحد مع أمك. يا أما نرجع القاهرة يا تتشتريلي شقة هنا بعيد عن البيت ده." ابتسم لها بسخرية ورد بقسوة أصابت أعماق قلبها: "مفيش رجوع القاهرة ولا في بيوت، وهتقعدي هنا ورجلك فوق رقبتك. ولو حسك طلع وفتحتِ موضوع البيت ده تاني، أنتي حرة." ترك ذراعها وقال بأعين لا تحمل أي حنو أو شفقة:
"وممنوع الخروج من البيت لغاية ما تتعلمي تردي باحترام على أمي وعليا، وتعملي حساب لجوزك اللي بتطلعي وتدخلي من غير علمه." ثم استطرد بعد لحظة من متابعته لتعابير وجهه الملتهبة وعينيها اللامعة بالعبرات: "ولو عرفت أنك بس اتواصلتي، مجرد تواصل، مع خلود يا آسيا، مش هعمل حساب لأي حاجة بينا وهتشوفي اللي عمرك ما شوفتيه مني. روحتك بيت الـ**** ده النهاردة عشان تشوفي بت عمك ومن غير إذني. خلصت رصيدك عندي وهعديهالك بمزاجي."
استدار بعدما أنهى عباراته واتجه لخارج الغرفة ليتركها. لكنه بعد أن تمسك بمقبض الباب وجذبه عليه ليفتحه، توقف والتفت لها وقال بجفاء: "احمدي ربك أنك حامل في ولدي، وهو اللي منعني عنك. لولاه كنتي شوفتي أنا هعمل فيكي إيه على روحتك بيت الـ*** ده وكدبك عليا."
انهارت قواها وسقطت دموعها المتحجرة فوق وجنتيها دون أن تجيب عليه بكلمة. كانت أذنها تتلقى السهوم المسمومة التي تخرج من بين شفتيه دون رحمة، لتصيب وجدانها بلا هوادة. وتستمر عبارته الأخيرة في التردد على مسامعها كالشريط الذي يعيد نفسه، وهو يخبرها أن لولا ابنه لكان فعل وسوى بها. وسؤال واحد تطرحه على عقلها: ماذا كان سيفعل لي لولا حملي؟ هل أصبح لا يهتم لأمري لهذه الدرجة التي تجعله مستعدًا لفعل أي شيء لي!
توقف بلال بسيارته مضطرًا بسبب إشارة المرور، وكانت سيارة "علي" متخفية بين السيارات أمامه وبالكاد يراها بصعوبة. ثوانٍ معدودة وانفتحت الإشارة، وبدأت السيارات كلها بالانطلاق. ولسوء حظ بلال أن السيارة التي كانت أمامه يبدو أنها عطلت، وكان صاحبها يحاول التحرك لكن دون فائدة. فـتأفف بلال بخنق، وبسرعة حاول الانحراف على الجانب للمرور. وخلال ذلك الوقت، كانت سيارة "علي" اختفت من أمامه وفقد أثرها. فراح يضرب المقود
بيده بقوة وهو يصرخ بعصبية: "اووووف." ارتفع صوت رنين هاتفه الصاخب، وتجاهله. لكن الرنين استمر في أزعاجه أكثر، بجذب الهاتف ورد منفعلًا دون أن يتفقد اسم المتصل أولًا: "خير؟! اتسعت عيني حور بفزع من صياحه بها، وراحت تغضن حاجبيها وهي تجيبه بضيق بسيط: "إيه يا بلال؟ بتزعقلي كده ليه؟
هدأت حدة ملامحه فور سماعه للصوت الأنثوي الذي يحفظه عن ظهر قلب. وبسرعة رفع سماعة الهاتف عن أذنه وهو يمسح على وجهه متأففًا، وفي ظرف ثوانٍ حدث كل هذا قبل أن يعود بالهاتف لأذنه ويجيب عليه بحنو يختلف كليًا عن نبرته منذ قليل: "آسف يا حبيبتي، مأخدتش بالي إنه انتي.. أصل كان في رقم قارفني فرديت على التليفون أول ما رن وافتكرته هو."
صك سمعها كلمة "حبيبتي" التي يلفظها لأول مرة وهو ينعتها بحبيبته، فتوردت وجنتاها بخجل، وارتفعت البسمة السعيدة لثغرها وهي ترد متنحنحة باستحياء: "احم.. طيب أنت فين بقى؟ أنا ليا وقت طويل مستنياك، زهقت." ضيق عينيه بدهشة وهو يردد في عدم فهم: "مستنياني؟! لحظات من الصمت مرت بينهم على الهاتف، حتى صدح صوت حور الغاضب عندما توقعت ما حدث: "بلال متقولش أنك نسيتني وأنا قاعدة كل ده مستنياك في الكافيه!
سكت لثوانٍ وهو يحاول تذكر أي كافيه. وباللحظة التالية كان يرفع يده ويضرب على وجهه فور تذكره أنهم كانوا على اتفاق حول مقابلتهم في ذلك الكافيه ليتحدثوا في بعض الأمور المهمة الخاصة بخطبتهم التي بعد يومين. كيف نسي الأمر وتركها تنتظره كل هذه الوقت؟ فقد مر ساعة تقريبًا على الموعد المتفق عليه. أسرع وحاول تفادي الموقف بالكذب عليها وهو يقول: "لا نسيت إيه بس أنا كنت في شغل ومعرفتش أطلع وجايلك دلوقتي. حتى أنا في الطريق أهو."
صاحت حور بعصبية وحزن: "متكدبش عليا يا بلال، أنت نسيتني ومتجيش. أنا أصلا خلاص همشي، يعني لو جيت مش هتلاقيني." هتف مسرعًا يحاول تدارك الأمر حتى لا يزداد سوءًا: "حور استنى والله اااا..... لم تمهله الفرصة ليعتذر أو حتى يحاول تبرير موقفه، حيث أغلقت الاتصال في وجهه قبل أن ينهي عبارته. فتوقف هو عن الحديث عندما سمع صافرة إنهاء الاتصال، وأنزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بخنق ويتأفف متمتمًا:
"غبي يا بلال.. ورينا هتصالحها دلوقتي كيف عاد." حاول الاتصال بها مجددًا لأكثر من مرة، وكل مرة كان ينتهي الرنين بنفس النتيجة وهي عدم الرد. فتنهد الصعداء بيأس مردفًا: "حقها متردش عليا. هترد على واحد حلوف مشاعر ليه.. سايبها ملطوعة بالساعة مستنياه وهو ناسيها أصلا.. شيل شيلتك يلا يا برنس." داخل منزل خليل صفوان.....
كان جلال يجلس مع الجد حمزة بغرفة الجلوس ويتحدثون ببعض الأمور الهامة. حتى قطع حديثهم الجاد اقتحام أولاده الاثنين الغرفة وهم يهتفون مع بعضهم في نفس واحد: "الحق يا بوي." التفت كل من جلال والجد مفزوعين على أثر صوت الأولاد وهتف جلال مسرعًا بقلق: "في إيه؟ رد عمار الصغير بوجه مذعور وعابس: "أمي تعبانة وبتبكي جامد." هب جلال واقفًا بتلهف، وأسرع باتجاه أولاده ينوي الذهاب لزوجته وهو يسألهم: "تعبانة كيف يعني؟ إيه اللي حصلها؟
هزوا هما الاثنين كتفهم بجهل، بينما جلال فكان في طريقه لغرفته بالأعلى وهم خلفه يبادلوه نفس التلهف على أمهم. فور وصوله رأى فريال تجلس فوق فراشها وغارقة في بكائها الشديد. فهرول نحوها مفزوعًا وجلس بجوارها ليلتقط كفها يتحضنه بين كفيه بدفء متمتمًا: "مالك يا حبيبتي؟ أنتي زينة؟ رمقت فريال أولادها الذين يقفون على بضع سنتيمترات من فراشها بكل غضب وصاحت: "بتندهوا أبوكم ليه؟ أنا مش قولتلكم متندهوش وأنا زينة."
لوى الأولاد فمهم بحزن، بينما جلال فهتف باستغراب من انفعالها غير المبرر على الأولاد: "في إيه يا فريال؟ العيال قلقوا عليكي وجوا يندهوني. إيه يعني!؟ رمقته بنارية وقالت بغيظ: "جوا كتير.. قومي من جنبي وهملني لحالي، أنا كويسة." ارتفع حاجب جلال بدهشة من أسلوبها الفظ في الحديث معه وأمام أطفالهم، فقال بلهجة تحذيرية: "بلاش الجنان ده يا فريال قصاد العيال واعقلي." طالعته بشراسة وهي تجيب ساخرة دون مبالاة: "هو أنت خليت فيا عقل؟
ما أنت اللي جننتني بعمايلك." مسح جلال على وجهه وهو يتأفف مستغفرًا ربه، ثم التفت نحو أولاده وحدثهم بلهجة آمرة: "يلا يا معاذ أنت وعمار اطلعوا كملوا واجبكم في أوضتكم." دامت نظرات الأولاد المتفحصة لأمهم وأبيهم لثوانٍ، قبل أن يزموا شفتيهم وبيأس ويمتثلوا لأمر والدهم ويغادروا الغرفة ليتركوهم على انفراد. وبمجرد رحيلهم، توقف عمار وقال محدثًا أخيه بخنق: "هما هيتخانقوا تاني يا معاذ، صح؟
هز معاذ رأسه بالإيجاب بن عبوس ردًا على سؤال أخيه الصغير الذي تابع بخوف: "تفتكر أمي ممكن تمشي وتهملنا وتهمل البيت تاني؟ اتسعت عيني معاذ هو الآخر بدهشة ورعب لمجرد تخيل الفكرة، وراح يهز رأسه بالرفض بثقة: "لا لا أمي مش هتهمل البيت تاني خلاص. منيرة معدتش قاعدة." رفع عمار أنامله وهو يحك ذقنه الذي لم ينبت بعد، ويرد بتفكير شيطاني لا يناسب عمره أبدًا: "وإحنا إيه اللي يضمنلنا أنها متهملش البيت وتسيبنا إحنا وأبوي تاني؟
مط معاذ شفتيه بجهل متمتمًا بتفكير: "مش عارف.. نعمل إيه يعني؟ ابتسم عمار بخبث وأشار لأخيه الأكبر أن ينحني عليه بسبب فرق الطول بينهم، لكي يهمس في أذنه: "قرب هقولك في ودنك هنعمل إيه! انحنى عليه معاذ يصدر له أذنه، ليبدأ عمار بسرد خطته على أخيه، الذي ارتفعت ابتسامة الماكرة على ثغره وهو يسمع لأخيه الصغير اللئيم، ويبدو أن الخطة قد نالت استحسانه. بالداخل، عودة لجلال وفريال. كان يهتف هو منزعجًا: "جرالك إيه يا فريال؟
إيه اللي حصل؟ فريال بغيظ وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتقول: "وهو أنت عايز يحصل حاجة جديدة يعني؟ لسه في اللي حصل الصبح في المعرض." رد جلال بنفاذ صبر: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. هو إحنا مش قفلنا الموضوع ده خلاص يا بنت الناس، وإنتي قولتي اللي في نفسك ومنيرة دي خدت نصيبها مني وراحت لحالها." التفتت له فريال ورمقته شزرًا صائحة بغيرة حارقة وانفعال: "أنا مقفلتش حاجة. وبعدين إيه خدت نصيبها دي؟
آه ماهي خدت نصيبها صح، وكانت متمسكة في إيدك كده وبتترجاك عشان تردها." أنهت عبارتها الأخيرة وهي تمسك بكفيه بنفس الطريقة التي كانت تمسكهم بها منيرة، لكن هي فعلت بقوة وغل. فسحب هو كفيه من قبضتها متمتمًا بضيق: "وبعدين عاد يا فريال؟ أعملك إيه عشان نقفل على السيرة الغم دي؟ إنتي شايفاني مبسوط باللي حصل يعني؟ اقتربت بوجهها من وجهه وتطلعت في عينيه بتدقيق، وكأنها تضعه تحت الضغط حتى يعترف دون مراوغة، وهتفت باستياء:
"ولما أنت كنت مضايق ومش مبسوط سبتها تمسك إيدك ليه؟ وكمان مش عاجبك لما جبتيها من شعرها وزعقتلي؟ جلال مبررًا موقفه بانزعاج حقيقي: "زعقتلك عشان اللي عملتيه ده فضايح وفي مكان شغلي. لو كان هنا في البيت مكنش هيهمني حتى لو حطتيها تحت رجلك وطلعتي كل غلك فيها، مش جبتيها من شعرها بس ومكنتش هفتح خشمي." أشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى ترد بتذمر: "برضه مش مبرر." تنهد الصعداء بقلة حيلة ورد عليها بازدراء:
"طب إنتي عايزة إيه دلوقتي عشان ترتاحي؟ التزمت الصمت ولم تجيبه، لكن عدم إجابتها لم يكن غضبًا، بل كان لأنه لا يوجد إجابة من الأساس لديها. وعندما لم يجد ردًا منها على سؤاله، قال معتاظًا منها: "شوفتي؟ إنتي حتى معندكيش رد. يعني كل اللي بتعمليه ده لمجرد النكد وخلاص." التفتت نحوه وردت بعناد تتحداه: "لا عندي رد."
تطلع في عينيها بترقب ينتظر ردها الذي تتدعي أن لديها. طال سكوتها وهي تحاول إيجاد رد أو شيء يرضيها، لكنها حقًا كما وصفها، ما تفعله نكد لا أكثر، نابع من غيرتها المفرطة عليه. فزفر مغلوبًا منها واستقام واقفًا وهو يمسح على شعرها بلطف متمتمًا: "نامي يا فريال وارتاحي. ربنا يهديكي يا حبيبتي." تابعته بنظره العابس وهو يغادر الغرفة مجددًا ليتركها بمفردها تشتعل وهي تنعت نفسها الحمقاء وتهتف مغتاظة:
"كيف يعني أنا معنديش رد لحاجة زي كده؟ كنت طلبت منه أي حاجة.. أديني طلعت أنا اللي نكدية دلوقتي." بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل داخل منزل سمير.....
بينما كانت خلود تقف بالمطبخ تقوم بتنظيف بعض الصحون، سمعت صوت رنين هاتف زوجها النائم. استمر الرنين للحظات وانتهى دون أن يجيب عليه، فقد كان غارقًا في النوم بسبب عمله الجديد الذي يستهلك طاقته كلها. وربما هذا كان في صالحها، لأنه بهذا الشكل سترتاح قليلًا من جلسات التعذيب التي تتلقاها يوميًا على يده.
صك سمعها صوت وصول رسالة على هاتفها، ولا تعرف لماذا قادها فضولها الذهاب ورؤية تلك الرسالة ومعرفة من أين جاءت. فتحركت باتجاه غرفته ودخلت. كان هو نائمًا في فراشه. اقتربت منه وانحنت على هاتفه لتجذبه وتقرأ الرسالة التي كانت من تلك الفتاة التي تأتي معه للمنزل دومًا، تكتب له بكل وقاحة: "أنت فينك يا حبيبي؟ مش بترد عليا ليه؟
أنت وحشتني أوي وأنا كنت مجهزالك ليلة حلوة النهارده. لو مش فاضي أو تعبان، رد عليا وقولي وأنا أجلك أهون عنك شوية." تقوست معالم وجه خلود للاشمئزاز والنفور من نفسها وهي تتساءل كيف كانت تحب ذلك الوغد وخسرت كل شيء بسببه. ليت أهلها قتلوها ولم يزوجوها له. لم تنتبه له عندما فتح عينيه ولمحها تقف بجوار فراشه ممسكة بهاتفه. فاشتعلت نظراته وجذب الهاتف من يدها وهو يصيح بها: "بتعملي إيه؟!
نظرت له ولأول مرة تتطلعه بقرف دون خوف. حتى الأمس هي كانت تأمل أن يصلح حاله يومًا ما ويعود ذلك الرجل الذي أحبته. لكنها أدركت أنها كانت تعيش على سراب ووهم لن يحدث حتى في أحلامها، فمن اتصف بالقذارة لن تنظفه الحياة مهما فعلت به. هتفت ساخرة باشمئزاز واضح على معالمها: "حبيبة القلب كانت بتتصل بيك، شوفها شكلها محتاجاك قوي وانت اتوحشتها." هب سمير واقفًا من فراشه وهو يصرخ بها جاذبًا إياها من ذراعها بعنف:
"أنتي بتقلبي في تليفوني كمان يا ****." لم ترد على إهانته الصريحة لها بلفظ دنيء مثله. ورغم علامات الألم البادية على وجهها من قبضته فوق ذراعها، إلا أنها ظلت واقفة بشموخ، وكأنها هذه المرة تستعد لجلستها اليومية بكل حفاوة. متيقنة أنه عقابها على أفعالها وعلى الانغماس في المحرمات مع ذلك السافل، وهي الآن تنال العقاب الذي تستحقه. وبالفعل، لم يتأخر كثير قبل أن ينزل بكفه على وجنتها يصفعها بكل عنف ويجذبها من شعرها صارخًا بها:
"إنتي شكلك بنت عمك قوة قلبك وخليتك تنسي نفسك. بس أنا هفكرك إنتي مين كويس يا ****." ردت عليه بغضب وقد سالت دموعها من فرط الألم: "إنت بني آدم مريض وأنا معرفش حبيتك كيف وضيعت نفسي وأهلي عشانك. ياخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك." نزل بصفعة أخرى على وجنتها أسقطتها أرضًا وهو يصرخ بها: "كمان بتحاسبني فيا؟ طب أنا هربيكي من أول وجديد."
ارتفع صراخها وهي تحاول دفعه بعيدًا عنها والفرار من بين براثنه عندما وجدته يحاول الاعتداء عليها جنسيًا. لكن قوتها الضعيفة كانت لا تقارن بقوته الجسمانية الرجولية والقوية التي أخمدت مقاومتها وأخرست صوتها رغمًا عنها، حتى لو استمر قلبها في الصراخ من الداخل، لكن صوتها لم يعد يستطيع الخروج بعد الآن، وعيناها فقط التي كانت تملك حرية ذرف الدموع. داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران...
كانت تجلس فوق الفراش وتضم ساقيها لصدرها وتحتضن قدميها بذراعيها. وعيناها تدور في أرجاء الغرفة الفارغة بعبوس. وجهها يملؤه الحزن والندم على شجارهم معًا بالصباح وما تفوهت به من طيش، رغم معرفتها أنها على خطأ ولا يحق لها قول شيء سوى الاعتذار منه. لكنها استمرت في الكبر ورفضت الخنوع أمام خطئها.
ربما لو لم يتركها لتقضي هذه الليلة بمفردها في الغرفة.. لم تكن لتندم على فعلتها. ورغم ندمها، إلا أن كلماته القاسية لا تزال عالقة بذاكرتها وتؤلم قلبها. وهذا ما يجعلها حتى الآن ترفض الاعتذار، ففكرة أنه أيضًا جرحها بما قاله تعزز من شعور الاحتجاج عن أخذ الخطوة اللازمة لتصحيح خطئها. وأصبحت تنتظر منه هو أن يرضيها.
لكن ذلك لم ينجح في كبح ذلك الصوت العاشق الذي في قلبها ويلح عليها بالذهاب له. فوجودها بمفردها في تلك الغرفة دونه كان يثير في نفسها مشاعرًا متضاربة ما بين الخنق والملل والشوق. استجابت لصوت قلبها واستقامت واقفة وارتدت ملابسها الفضفاضة وحجابها وخرجت من غرفتها متجهة نحو الدرج المؤدي للطابق الثالث، حيث تكمن غرفته الصغيرة المفضلة والتي بالتأكيد يقضي ليلته فيها.
وصلت ووقفت أمام الباب لثوانٍ مترددة، ثم حسمت قرارها في النهاية وفتحته بكل بطء. لتدخل رأسها أولًا تلقي نظرة فاحصة في الغرفة باحثة عنه، فوجدته نائمًا على الأريكة الصغيرة مقارنة بحجم جسده، وبالتأكيد ليست مريحة كفراشه. أصدرت تنهيدة حارة في أسر ودخلت على أطراف أصابعها وبكل حذر أغلقت الباب خلفها، وتقدمت نحوه حتى أصبحت أمام الأريكة مباشرة فانحنت عليه ودثرته بالغطاء جيدًا. ثم أخذت نفسًا عميقًا وراحت تجثو على الأرض بجوار
الأريكة مستندة بساعديها على طرفها وعينيها عالقة عليه تتأمل ملامحه الرجولية المهيبة. للحظة، فقدت السيطرة على نفسها وتأملها له ولوجهه أثرها وأصبحت كالمغيبة، للدرجة التي لو فاق الآن لتوسلته أن يغفر لها ذلتها ولا يوليها ظهره ويحرمها من دفء صدره وحبه.
ظلت جالسة بجوار رأسه لدقائق طويلة، وعندما هبت واقفة واستدارت كانت تنوي الرحيل، سمعت صوته الناعس يسألها بعدما فتح عينيه ورآها: "بتعملي إيه هنا؟ لوت فمها بحزن والتفتت له تجيب بنظرة ثاقبة: "جيت أشوفك إذا كنت نايم هنا ولا سبت البيت واصل." وضع ذراعه فوق عينيه وشاح بوجهه عنها وهو يجيبها بعدم اكتراث مكملًا نومه: "واديكي شوفتي انزلي يلا على أوضتك." كانت سترحل، لكنها سرعان ما غيرت خطتها وردت عليه بوجه مرهق:
"مش عايزة أقعد في الأوضة." رد عليها ساخرًا غير متوقعًا للرد الذي سيسمعه منها: "امال عايزة تقعدي وين؟ ردت بثقة تامة دون أي تردد: "معاك." رفع ذراعه عن عينيه والتفت لها يرمقها رافعًا حاجبه بنظرة قوية، لتتابع هي مفسرة رغبتها في وجودها بجواره حتى لو كانت كذبًا ولا تقول السبب الحقيقي وهو شوقها له: "مش عارفة أنام وبحلم بكوابيس وحشة عاملهالي قلق ورعب."
اعتدل في نومته جالسًا وهو يطالعها بحدة، مدركًا غايتها من ذلك الحديث كله. فقرر أن يقصر عليها الطريق ويسألها بوضوح: "وإنتي عايزة إيه دلوقتي؟ تنحنت باستحياء بسيط بعدما أدركت أنه يفهم جيدًا ما تحاول الوصول إليه، وردت عليه بخفوت دون أن تنظر في وجهه: "عايزاك تنزل تقعد جنبي في الأوضة عشان خايفة أقعد لوحدي."
لم يدهشه ردها، فكان هذا هو المتوقع بالنسبة له، ليستقيم واقفًا من الأريكة ويتقدم منها بخطى متريثة حتى يقف أمامها مباشرة ويجيبها بسخرية عاقدًا ذراعيه أمام صدره: "يعني إنتي عاملة المسرحية دي كلها عشان تخليني أفضل جارك وتحاولي تليني قلبي عليكي وتجري كلام ما بينا ومش هاين عليكي تعترفي بغلطك ولا تعتذري وتقولي حقك عليا أنا أسفة وكنت غلطانة."
اغتاظت بشدة من كلماته، وليس لأنه وصفها بأنها تتدعي الخوف، بل كان غيظها الأكبر نابعًا من أنه يقرأها كالكتاب المفتوح وبكل سهولة. فردت عليه بعصبية: "أنا مش عاملة مسرحية يا عمران وبراحتك لو مش عايز تنزل خلاص، خليك هنا أنا هقعد لوحدي تحت."
أنهت عباراتها واندفعت للخارج تتركه يقف بثبات تام يتابعها. كانت تتمنى أن تسمع صوته وهو يوقفها ليخبرها بأنه سيأتي معها، لكنه لم يفعل وحطم آمالها، فعادت لغرفتها مجددًا وهي عابسة أكثر من الأول. وراحت تجلس فوق الفراش وقدميها تهتز بعنف على الأرض وعينيها بدأت في ذرف الدموع الحارقة. لكن لم يمر الكثير من الوقت حتى وجدت الباب ينفتح، فـأشاحت بوجهها بسرعة وكفكفت دموعها حتى لا يراها، وبلحظة تحول عبوسها بفرحة عندما رأته يدخل من الباب وبيده وسادته وغطاءه الذي أخذهم معه للأعلى. يبدو أن قلبه لم يطاوعه وقرر تلبية رغبتها في بقائه معها.
تابعته بنظراتها المتلهفة وكانت تنتظره أن يقترب من الفراش ليشاركها إياه، لكن وجدتـه يتمدد على الأريكة أيضًا، لتجد لسانها يتفوه دون وعي منها: "إنت هتنام على الكنبة؟! طالعها بطرف عينيه ليجيبها بلهجة مستنكرة سؤالها الساذج: "إنتي شايفة إيه! .. ولا عايزاني أنام جارك كمان عشان الكوابيس متكبسش عليكي." تمتمت بصوت منخفض في أسى: "يا ريت." هتف محاولًا التقاط ما تفوهت به للتو: "بتقولي حاجة؟ هزت رأسها بالنفي في يأس وردت:
"لا مبقولش. تصبح على خير يا معلم." تعمدت قول "معلم" وهي تنتظر منه ردًا مميزًا اعتادت عليه، لكنها سمعته يرد ببرود مستفز: "وإنتي من أهله." للمرة الثانية يدمر توقعاتها وآمالها، فراحت ترمقه مندهشة بضيق وحزن قبل أن تهمس بتلقائية جميلة: "مقولتش ليه وإنتي من أهله يا غزالي.. للدرجادي شايل مني؟ تململ في الأريكة ليوليها ظهره وهو يرد عليها بجفاء في عدم مبالاة: "آه للدرجادي ونامي يلا عشان أنا عاوز أنام."
عبس ثغرها ومالت شفتيها للأسفل في حزن، ثم تأففت بخنق شديد وراحت تتدثر في الغطاء على الفراش بمفردها وهي توعد كل من كان السبب في تلك الفجوة التي بينهم. بصباح اليوم التالي بمنزل خليل صفوان..... استيقظ جلال من النوم مفزوعًا على أثر صوت طرق الباب القوي، وبسرعة هب واقفًا من فراشه يسرع ليفتح الباب فيجد ابنه الأكبر أمامه. حدقه بحدة وهتف غاضبًا: "إيه الخبيط ده وإيه اللي مصحيك من دلوقتي؟
اضطرب معاذ وخاف أبيه من غضبه وصياحه، وبلحظة كاد يفسد خطته هو وأخيه، لكنه تحلى بالشجاعة ورد على أبيه بقلق متصنع: "عمار تعبان قوي يا بوي وبيكح جامد من الصبح." كانت فريال في تلك اللحظات قد استيقظت وفور التقاط أذنها كلمات ابنها هبت مفزوعة وهي تسأله وتهرول نحوه: "ماله أخوك يا معاذ؟ هز كتفيه بجهل يجيب على أمه في خوف: "معرفش يا أما تعالي شوفيه."
أسرعت فريال وارتدت حجابها ولحقت بجلال الذي سبقها مع معاذ لغرفة أولاده حتى يطمئن على ابنه الصغير. بينما عمار فور رؤيته لأبيه أخذ يسعل بقوة. فاقترب منه جلال ومسح على شعره يسأله بقلق: "مالك يا عمار؟ إيه اللي تاعبك؟ وصلت فريال وبلهفة جلست بجانب ابنها وراحت تتحسس جبينه ووجهه كله تقيس درجة حرارته، لكنها وجدت جسده باردًا. فردت بحيرة: "ما أنت جسمك مش سخن يا حبيبي، أمال بتكح كده ليه؟ التفتت باتجاه معاذ وسألته بغضب:
"إنتوا كنتوا نايمين على المروحة امبارح وهي عالية يا معاذ؟ احتار فيما يجيب على أمه وتعلثم ليهز رأسه في النهاية بالإيجاب. راحت فريال توبخهم بعصبية من فرط قلقها عليهم: "أنا مش نبهت مليون مرة متفتحوش المروحة بالليل." مسح جلال على وجهه متأففًا وقال بصوت رجولي غليظ: "جهزيه وخليه يلبس وأنتي كمان البسي عشان نوديه للدكتور."
تبادلوا الأثنين النظرات المرتعدة فيما بينهم فور سماعهم لرغبة والدهم في أخذ عمار للطبيب. وبسرعة رد الصغير معترضًا حتى لا يتم كشف مخططه: "لا أنا مش عايز أروح للدكتور، مش بحبه." ردت عليه فريال بحدة ترفض الموافقة على اعتراضه الطفولي: "مينفعش يا عمار، لازم تروح للدكتور." ارتمى عمار بين ذراعين أمه وراح يهتف معترضًا أكثر بطفولية: "لا مش عايز أروح يا أما، إنتي خليكي جنبي وأنا هخف من غير دكتور." ضيقت عينيها بتعجب وردت بحنو:
"ما أنا جنبك أهو يا عمار، يعني هو أنا هروح وين يا ولدي؟ لمعت عيني الاثنين بفرحة وابتعد عمار بسرعة عنها ليسألها: "يعني إنتي مش هتهملينا وتمشي كيف ما عملتي قبل كده عشان امبارح إنتي وأبوي اتخانقتوا؟ انعقد لسان فريال وفرت الكلمات من بين شفتيها. أما جلال فقد اشتدت حدة نظراته وراح يتطلع لابنه بقوة بعدما فهم حيلته وقال: "أه، وإنت طبعًا بتمثل المرض عشان أمك متمشيش."
أجفل عمار نظره أيضًا خوفًا وخجلًا من أبيه الذي تابع بعصبية وهو يوجه حديثه لمعاذ أيضًا: "إيه، وإنت بدل ما توعي أخوك الصغير وتقوله ده غلط بتشاركه في الكذب واللي بيعمله، وتصحينا أنا وأمك مفزوعين من النوم. ماشي يا معاذ حسابك معايا بعدين."
كانت فريال تتابع توبيخ جلال لهم وانفعاله عليهم بصمت، فهم يستحقوا العقاب. وعندما غادر الغرفة، استقامت هي أيضًا ورمقتهم بضيق بعدما رأت العبرات قد تجمعت في عيونهم بسبب التوبيخ والصياح الذي تلقوه للتو، لتقول لهم بحزم: "يلا روحوا اغسلوا وشكم والبسوا واجهزوا عشان متتأخروش على المدرسة."
دخلت فريال غرفتها خلف جلال واغلقت الباب، لتضيق عينيها بتعجب عندما رأته يجلس فوق الفراش وهو ثائرًا من فرط الغضب. فتقدمت إليه وجلست بجواره تقول في رقة محاولة امتصاص غضبه: "خلاص اهدى يا جلال، هما العيال فعلًا غلطوا وأنت عرفتهم غلطهم وزعقتلهم. ملوش داعي العصبية دي كلها." طالعها منفعلًا وهتف: "وهما غلطوا بسبب مين يعني؟ لم تفهم تلميحه وما يرمي إليه، فتابع هو بعصبية:
"بسبب خناقك معايا كل يوم والتاني. العيال خافوا لترجعي تهمليهم تاني كيف ما عملتي سابق ومهتمتيش بيهم. طبيعي لما يسمعوا ويشوفوا خناقنا دايمًا هيعملوا كده." ردت بصدمة وهي تشير بسبابتها على نفسها: "أنا هملتهم ومهتمتش بعيالي!! .. أنا عمري ما أسيب عيالي يا جلال، ولو في حد سيبته فهو إنت بسبب جوازك عليا. ولما طلبت منهم ييجوا معايا هما اللي اختاروا يفضلوا جارك." ابتسم بمرارة وقال ساخرًا بعدما أشاح بوجهه بعيدًا عنها:
"زين إن عيالي اختاروني على الأقل وفضلوا جار أبوهم، مش كيف أمهم اللي لغاية دلوقتي عندها استعداد تهملنا تاني." تألقت العبرات في عيون فريال التي صاحت به بانهيار وخزي: "ليه؟ وهو أنا مختارتكش يا جلال لما سامحتك ورجعتلك؟ أنا كنت بقف قصاد ناسي عشانك، لكن إنت اللي ضيعت كل حاجة باللي عملته. آه، وأنا منعديش استعداد أسيبك إنت وعيالي تاني، لكن لو إنت عايز فالكلام هيختلف وقتها." استقام واقفًا وهو يجيبها بنفاذ صبر وخنق:
"آه أنا دايمًا اللي وحش وظالم وإنتي الملاك." كان يتفوه بتلك الكلمات وهو متجه للحمام تاركًا إياها غارقة في دموع عيونها التي سالت بغزارة فوق وجنتيها. فراحت تصيح عليه بقهر وصوت باكي: "أنا كنت متأكدة إنك معدتش بتحبني كيف الأول." سمع كلماتها من الداخل وهو يقف أمام حوض غسل الوجه وراح يهز رأسه مغلوبًا، في تعابير وجهه تدل على استنكاره وخنقه من تلك السخافة التي تتفوه بها. فستظل كما هي، لن تتغير أبدًا.
فتح بشار عينيه بخمول وهو يتأفف بسبب رنين الهاتف الذي لا يتوقف، أزعج نومه. مد يده والتقط الهاتف ليفتح ويجيب بخنق: "مين؟ وصله الرد أنثوي ناعم يقول بدهشة: "إنت لسا نايم يا بشار؟ أدرك أنها خطيبته فأجابها بنعاس مؤكدًا على كلامها: "أيوة نايم يا مريم، حرام عليكي مصحيني من الساعة سبعة ليه؟ ضحكت برقة وأجابته في برود تام تحثه على النهوض والاستيقاظ: "هو مش إنت اللي قولتيلي امبارح صحيني الصبح بدري؟
مسح على وجه وهو يزفر بنفاذ صبر ويجيبها مغتاظًا: "قولتلك بدري بس مش من الساعة سبعة يا بنت الناس." كتمت ضحكتها بصعوبة وهتفت بحدة مزيفة لا تليق بصوتها الهادئ: "أيوه يدوب عشان تلحق تجهز لمشوارك. قوم يلا بلاش كسل." بشار بخمول وخنق: "طيب خلاص هقوم اقفلي إنتي عشان أقوم ألبس." هتفت بحدة ضاحكة: "بشار اوعي تنام تاني." ضرب على وجهه بغيظ منها وهو يجيبها مغلوبًا منها:
"ياستي ملكيش صالح بيا عاد إنتي، خلصتي مهمتك لغاية هنا. لو نمت تاني هبقى أنا اللي هشيل شيلتي." ردت بكل ثقة ولؤم: "وإنت فاكر إني هسيبك تنام تاني أصلا." ابتسم لا إراديًا ورد بلطف هذه المرة في نبرة جادة: "خلاص عاد يا مريم، قولتلك فوق و وقت ومش هنام. يلا سلام." التفتت بنعومة وهي تودعه: "ماشي سلام ومتتأخرش النهارده عليا. هستناك لما تخلص شغلك وترن عليا تمام." "حاضر من عيوني."
ابتسمت بساحرية بعد سماع رده ثم أنهت الاتصال، لتتركه يتجهز لعمله. بتمام الساعة الثانية عشر ظهرًا داخل الجامعة... كانت حور قد انتهت من محاضراتها وفي طريقها للرحيل. ولم تنتبه لذلك الجالس في الكافتيريا ينتظرها. هي حتى لم تلقِ في عقلها فكرة احتمالية وجوده. فبعدما انتهى من امتحانات سنته الدراسية الأخيرة، لا يأتي للجامعة إلا لو كان لأجلها فقط لكي يأخذها معه، أما للمنزل أو لمكان آخر.
لمحها وهي تعبر من أمام الكافتيريا وفي طريقها للخارج، فترك كوب الشاي الذي بيده فوق الطاولة وهب واقفًا يسرع خلفها. وبينما كان يسير خلفها همس بصوت لا يسمعه سواهم: "هو الحلو مش ناوي يحن ولا إيه! انتفضت بفزع وبسرعة التفتت له تسأله في صدمة: "إنت بتعمل إيه هنا؟ رد عليها بلال مازحًا مستنكرًا سؤالها: "مفيش، أنا لقيت نفسي زهقان فقولت أما آجي أسقي الحمامات مع عمال النضافة شوية.. هكون جاي ليه يعني يا حور؟! .. جاي عشانك."
كانت ستضحك على مزحته، لكنها حافظت على موقفها وتصنعت البرود وهي توليه ظهرها وتكمل طريقها هاتفة: "وأنا مش عايزك تيجي عشاني. امشي يلا." استمر في ملاحقتها وهو يهتف بمرح محاولًا كسر حاجز التوتر الذي بينهم: "لا مهو أنا النهارده فاضي وقاعدلك، فـمشي أروح وين؟ ردت مغتاظة وهي ترمي بتلميحاتها المشتعلة: "آه وامبارح مكنتش فاضيلي وعشان كده نسيتني أو طنشتني." أصبح يسير بجوارها مباشرًا وأكمل محاولاته الجميلة في نيل رضاها:
"أنا أنسى الدنيا كلها ومقدرش أنساكي والله يا حبيبتي." رمقته بطرف عينيها بسخرية ثم أسرعت في خطواتها لتبتعد عنه وهي ترد بصوت تعمدت أن يصل بأذنه: "منافق." ردد كلمتها بصدمة: "أنا منافق!! .. ماشي يا حور." وصلوا لخارج أسوار الجامعة ومرت من جانب سيارته وعبرتها دون اهتمام. فسمعته يقول ساخرًا وهو يقف مستندًا بساعديه فوق السيارة: "إيه ناوية تاخديها مشي على رجلك؟ ردت عليه بعناد وغضب: "ملكش دعوة بيا. أنا قولتلك امشي."
ظل واقفًا وهو يراقبها وعلى ثغره ابتسامة ثقة أنها لن تجد سيارة، فاليوم تكون المواصلات قليلة جدًا. كانت هي بين كل ثانية وأخرى تختبئ النظر إليه بطرف عينيها، فتجده كما هو على حاله يقف ينتظرها ويرمقها بكل ثقة أنها ستعود له مجددًا.
مر تقريبًا خمسة عشر دقيقة وهم بانتظار أي سيارة وسط الشمس الحارقة التي بدأت تزعجها بشدة وتتعبها. فا استقل هو بسيارته أخيرًا وظنت أنه سيرحل ويتركها، لكن وجدته يتحرك ويدور بالسيارة ليصبح أمامها مباشرة وينظر لها من النافذة يقول مبتسمًا بمكر:
"إنتي كده فاضلك خمس دقايق كمان وتوصلي لدرجة التحميص المطلوبة. يعني إنتي دلوقتي وشك كله قلب وبقى كيف الطماطم.. الله أعلم كمان شوية اللون الأحمر ده هيقلب على إيه. لو حابة تفضلي واقفة وتشاهدي الحدث مباشر خليكي." جزت على أسنانها بغيظ منه، وكما توقع استسلمت والتفت حول السيارة لتستقل بالمقعد المجاور له وهي تشتعل، ليس فقط من حرارة الشمس بل أيضًا من نيران صدرها. فجذب هو زجاجة المياه الباردة التي بجواره ومدها لها يقول مازحًا:
"خدي اشربي يا قمر. ماله بس لو نسمع الكلام من الأول؟ شوفتي آخرة العناد مش حلوة كيف." جذبت زجاجة المياه من يده وأخذت تروي عطشها حتى أوشكت على إنهاء الزجاجة. وبعدما أعادته له، شرب هو أيضًا وراح يكمل مازحه ومحاولاته اللطيفة متمتمًا: "بصي أنا عندي فكرة حلوة، إيه رأيك نعيد الاتفاق تاني والمرة دي أوعدك مش هنسى." طالعته شزرًا وصاحت منفعلة: "بلال إنت عايز تعصبني وتجنني أكتر يعني ولا إيه! هتف بنفاذ صبر وضيق:
"لا عايزك تضحكي يا حور.. كفاية عاد ميبقاش قلبك أسود كده. مش معقول خطوبتنا بكرة وهنبقى متخانقين." ردت عليه بتمنع أنثوي جميل: "بكرة إن شاء الله هبقى أفكر أسامحك ولا لأ. دلوقتي يلا بقى وديني البيت بسرعة عشان ورايا تجهيزات وحاجات كتير عايزة أعملها." رفع حاجبه مستنكرًا حماسها الشديد في التجهيز لخطبتهم غدًا، وهي تتشاجر معه الآن ولا تريد التحدث معه. فراح يلوح بكفه مندهشًا وهو يستغفر ربه ويتمتم مغلوبًا:
"على رأي أبو الليف.. اللي فاهمهم راسه تعبانة صح والله." داخل منزل إبراهيم الصاوي..... كانت آسيا في طريقها للدرج حتى تذهب للطابق الأرضي حيث المطبخ، لكنها توقفت عندما رأت إخلاص تقف أمام السلم وتتحدث في الهاتف. وعندما استمعت لحديثها بتركيز، فهمت أنها تتحدث مع منى وتتفق معها على الموعد الذي ستعود فيه للمنزل لكي يبدأوا مخططهم الثاني في سرقة زوجها منها. فاشتعلت نيران غيرتها وتحولت لوحش كاسر، حيث اندفعت
مسرعة نحو حماتها تصيح بها: "لسه مصممة إن البت دي هتدخل البيت هنا تاني؟ ردت عليها إخلاص ببرود مستفز: "حسك ميعلاش عليا يا بت جليلة، وده بيتي أجييب فيه اللي أنا عايزه، مش هاخد الإذن منك." اقتربت منها آسيا أكثر وتطلعت في عينيها بوعيد شيطاني ونظرات لا تحمل الشفقة:
"وأنا سبق وحذرتك إنك لو فكرتي تخربي بيني وبين جوزي والبت دي عدت عتبة البيت تاني، ساعتها هخليكي تخسري ولدك واصل، وإنتي عارفة زين إني أقدر أعمل كده وأكتر كمان يا حماتي." ابتسمت إخلاص باستخفاف منها وراحت تتقدم بخطواتها إليها، وآسيا تتراجع للخلف وتقول إخلاص بتشفٍ: "ولدي اللي امبارح قلبها فوق راسك عشان بس عليتي حسك على أمه واتكلمتي معاها بعدم احترام هتخليني أخسره."
كانت آسيا تستمر في التقهقر للخلف وهي لا تحيد بنظرها الملتهب عن إخلاص، وغير منتبهة لحافة الدرج التي تقترب منها كلما تقهقرت للخلف. أما إخلاص فتابعت بغل وهي تقبض على ذراعها: "إنتي لولا العيل اللي في بطنك ده كنت خليت ولدي طلقك من زمان، يعني احمدي ربك على العيل ده." حاولت آسيا نزع ذراعها من قبضة إخلاص وهي تصرخ بها بعصبية: "سيبِـي إيدي."
وسط جدالهما وشجارهما ومحاولات آسيا لدفع إخلاص عنها وجذب ذراعها من قبضتها، انزلقت قدمها على حين غرة دون أن تنتبه، وسقطت من فوق الدرج الطويل........... نهاية الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!