الفصل 15 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
5,658
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

تقدمت بخطواتها المرتجفة نحو الباب، تسير خطوة وتقف للحظات تفكر ماذا تفعل لو كان زوجها. كانت بالبداية قد قررت التصرف بشجاعة ولكن بالنهاية أثرت الحل الأسلم وهو اللجوء لمروان. هرولت مسرعة وعادت إلى هاتفها لتحري اتصال بها ويجيبها هو بكل لطف بعد ثواني معدودة. "نعم يا خلود." أجابته بصوت مرتجف ويغلبه البكاء: "مروان تعالى بسرعة أنا خايفة قوي.. في حد بيخبط على الباب وخايفة يكون سمير عرف مكاني." تحولت نبرته للجدية مجيبًا إياها

بهدوء ليهدأ من روعها: "وهو هيعرف مكانك منين يا خلود اهدى يمكن يكون حد من الجيران أو حتى بتاع الزبالة." بدأت دموعها في الانهمار بغزارة على وجنتيها وهي تهتف متوسلة إياه: "أنا خايفة تعالى أبوس يدك." يهتف مروان بدفء ونبرة رجولية ساحرة: "طيب أنا جايلك دلوقتي. متفتحيش الباب لغاية ما آجي وحاولي تهدي ومتخافيش." هزت رأسها برأسها عدة مرات لتحاول التحكم في خوفها المفرط وأنها معه.

ظلت واقفة تنظر باتجاه الباب، وعاد رنين الباب يصدح مرة أخرى فانتفضت رعبًا. بقيت متسمرة بأرضها حتى شعرت بالفضول لتتأكد بنفسها من الطارق، ربما يكون عامل القمامة كما أوضح لها للتو. ارتدت ملابسها الفضفاضة فورًا وتحركت بخطوات متعثرة نحو الباب حتى وصلت إليه واقتربت بوجهها تلقى بنظرها من العين السحرية لترى من بالخارج.

فوجدت سيدة مسنة ذات ملامح دافئة وهادئة، فأطلقت زفيرًا حارًا وهي تبتسم بفرحة ودون تردد فتحت لها الباب من فرط سعادتها بأن الطارق ليس زوجها. فوجدت تلك السيدة تبتسم لها بعذوبة وتهتف معتذرة: "ازيك ياحبيبتي عاملة إيه؟ "الحمدلله كويسة." تابعت السيدة بوجه مشرق وهي تحمل بين يديها صحن ممتليء بالطعام ولكن مغطاة ومدته لها هاتفة:

"أنا ساكنة في الشقة اللي فوقيكي، ومروان ده زي ابني الله يرحمه كانوا صحاب اوي بس هو بقى ليه سنين مسافر برا مصر ومحدش شافه من زمان ولا يعرف عنه حاجة، وفرحت اوي لما شوفتك معاه ومصدقتش انه اتجوز وقولت لازم آجي اباركله وأسلم عليكي واقولك مبروك." تجمدت خلود مكانها وانعقد لسانها، فبقت تحدق في السيدة بابتسامة بلهاء وهي لا تدري بماذا تجيبها. تظنها زوجته وهي الآن يجب عليها تأكيد تلك المعلومة حتى لا تثير الشك حولهما.

فاقت من حالة الذهول المستحوذة عليها على صوته وهو يقف على الدرج ويهتف مندهشًا: "حجة كوثر؟ التفتت السيدة تجاه مروان واتسعت ضحكتها لتهتف فرحة: "عاش من شافك يابشمهندس أخيرًا نورت مصر." ابتسم لها بنقاء وأكمل صعوده الدرج حتى وصل لها. فضمته هي بعناق أمومي كأنه ابنها تمامًا ثم ابعدته عنه وراحت تعاتبه بحزم وضيق وهي تشير على خلود: "بقى كدا تتجوز من غير ما تقول لحد طيب حتى قولنا عشان نفرح معاك." تجمد مكانه للحظة بعد عباراتها.

وعندما التفت تجاه خلود وجدها تتفادى النظر إليه خجلًا من الموقف المحرج الذي وضعته به. فعاد بوجهه للسيدة وهتف مبتسمًا برزانة: "معلش بقى ياحجة غصب عني الموضوع حصل مرة واحدة والظروف حكمت." تربتت كوثر على كتفه بحنو متمتمة: "ولا يهمك يابني ربنا يسعدكم يارب ده الاهم بس." ثم نظرت يدها بالصحن لخلود هاتفة في لطف:

"دي حاجة بسيطة كدا أنا عملاها بإيدي اعتبروها حلاوة جوازكم، أنا بس مكنتش عاملة حسابي والزيارة الجاية ان شاء الله تكون حاجة عليها القيمة كدا." مدت خلود يدها والتقطت الصحن منها دون أن تشكرها حتى من فرط ارتباكها وذهولها من الوضع الذي سقطت به. بينما مروان فشكرها بامتنان شديد وهتف: "حاجة عليها القيمة إيه بس ده أنتي جيتك وحدها كفاية والله ومكنش له لزمة تتعبي نفسك ياست الكل." "تعبكم راحة يابني." أصر عليها مروان

عندما وجدها تنوي الرحيل: "رايحة فين تعالي ادخلى هتمشي كدا من غير ما تدخلى." كانت ساهم بالاعتراض فقاطعها مازحًا وهو يلقى نظرة على خلود فهمت أنه يرغب بالضحك على وضعهم: "لا مش عايز اعتراض هو انتي مش جاية تباركيلي برضوا، ينفع تباركيلي من على الباب يلا تعالي." دخلت معه كوثر مغلوبة على أمرها عندما ألح عليها وسبقتهم بخطواتها للداخل. وقف هو بجوار خلود يهمس لها شبه ضاحكًا:

"معلش بقى مضطرين نتعامل مع الموقف، بما إنك جبتيني على ملى وشي وأنتي بتقولي سمير سمير على الباب، اهو الحجة كوثر اخطر من سمير." ضحكت لا إراديًا على مزحته وقالت باهتمام وتوتر: "هي ممكن تسأل على تفاصيل بما انها فاكرة اننا يعني." خجلت من أن تنطق بعبارة أنهم زوجين فأجابها هو بتأكيد:

"طبعًا هتسأل، أنتي بس اللي أنا هقوله تأكدي عليه متجاوبيش على أي سؤال غير بعد ما أنا ارد، لأن مينفعش حد يعرف اننا مش متجوزين وانتي قاعدة في بيتي." هزت رأسها بالإيجاب وقد عبس وجهها وشعرت بأنها ورطته بمشاكلها والآن هو مضطرًا للتعامل أمام الجميع وكأنها زوجته. *** داخل منزل ابراهيم الصاوي.... لسوء حظ آسيا وحسن حظ إخلاص أنها كانت بطريقها لغرفة عمران لتتحدث معه بأمر ما.

وعندما وصلت ووقفت أمام الباب سمعت حديثهم معًا، وأن آسيا لديها دليل أنها قامت بدفعها من فوق الدرج وكانت ستتسبب بموت طفلها. اتسعت عيني إخلاص بصدمة واحتارت فيما عليها فعله لتنقذ نفسها قبل فوات الآوان. انتفض عمران وآسيا على أثر صوت صراخ مرتفع بالخارج. فهول هو مفزوعًا وفتح باب غرفته وخرج يتبع الصوت وآسيا خلفه حتى وصلوا الدرج ووجدوا إخلاص جالسة على أحد الدرجات وممسكة بقدمها وتتألم بشدة.

فأسرع نحوها عمران وجثى على قدميه أمامها هاتفًا: "مالك ياما إيه اللي حصل؟ "وقعت يا ولدي وأنا نازلة رجلي اتزحلقت من غير ما آخد بالي." تجمع كل من في المنزل على أثر صراخ إخلاص والتفوا حولها معادا آسيا التي كانت تحدق بها بشك، لا تعرف سببه ولكن صوت داخلي حدثها بأنه لم يكن حادث بمحض الصدفة كما تتدعى. ساعدها عمران في الوقوف على قدميها وهو يهتف لها بحزم: "طيب يلا بينا ياما على الدكتور نطمن على رجلك."

"لا دكتور إيه أنا بس هريح على السرير وهتخف وحديها مش محتاجة دكتور يا ولد." يهتف بلال باهتمام ونبرة جادة: "مينفعش يامرت أبوي لازم تروحي تطمني طالما بتتألمي جامد." "لا قولتلكم مش عاوزة دكاترة دي وقعة بسيطة وهحط مرهم على رجلي والألم هيروح، سندني بس أنت يا عمران لغاية أوضتي." كان عمران لا يعجبه إصرار أمه على عدم الذهاب للطبيب لكنه استسلم لعنادها وهتف بلهجة رجولية مخيفة:

"ماشي ياما براحتك بس لو فضل الألم قاعد ومخفش هنروح طوالي للدكتور ومش عايز اسمع أي اعتراض." ابتسمت له إخلاص بحنو أمومي وهزت رأسها بالموافقة متمتمة: "حاضر يا غالي." ساعدها في السير على قدميها وهم يتجهون نحو غرفتها. وآسيا تقف عاقدة ذراعيها تراقبهم بنظرات ثاقبة كلها شك ونقم. أما بلال فالتفت لزوجة أخيه ورمقها باستغراب متمتمًا: "مالك يا آسيا؟ انتبهت على صوته وابتسمت له متمتمة في بشاشة:

"لا مفيش حاجة متشغلش بالك، أنت أخبار العروسة إيه ولا نقول مراتك خلاص." ضحك بلال بخفة ثم أجاب بعبوس وقلة حيلة عندما تذكر شجارهم الأخير واضطراب علاقتهم: "تمام اهو ربنا يهديها عليا يا آسيا." ردت آسيا بدهشة بسيطة: "من دلوك بدأت المشاكل لسا بدري على الكلام ده، معلش راضيها وعدى هي باين عليها غلبانة وكتكوتة قوي في نفسها." قهقه بقوة ثم قال مغلوبًا في عينان تلمع بالحب: "ربنا يصبرني عليها الكتكوتة دي."

قطع حديثهم صوت رنين هاتفه فأشار لآسيا بعيناه يعتذر منها أنه سيجيب على الهاتف فهزت له رأسها برقة في ابتسامة خافتة. وبعد رحيله عادت لغرفتها وهي تفكر في إخلاص ونفس السؤال يستمر في الدوران بعقلها دون إجابة "هل حقًا سقطت أم تلك كانت حركة متعمدة منها لسبب ما هي لا تعرفه". *** داخل منزل جلال....... كان يجلس فوق الأريكة بالصالة أمام التلفاز يشاهد أحد المسرحيات الكلاسيكية.

عندما جلست فريال بجواره ومالت برأسها على كتفه تضعه عليه فابتسم لها بحب. ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها إليه هامسًا: "إيه رأيك يافريالي ناخد فترة إجازة ونسيب العيال ونسافر أنا وأنتي بس، انا حاسس اني محتاج اريح راسي وارتاح من زن الشغل وكل حاجة وعايز تنبسط أنا وأنتي، احنا لينا زمان منبسطناش مع بعض." "بجد يا جلال.. ياريت انا نفسي قوي اسافر واتفسح وزهقانة من قعدة البيت وفعلا احنا لينا وقت طويل متستمتعناش مع بعض كيف زمان."

ثم سكتت للحظة وأكمل بوجه عابس: "بس العيال هوديهم فين؟ "عندك أمك أو أمي المكان اللي حابين يقعدوا فيه." هزت شفتيه بضيق وقال بمشاعر امومية دافئة: "بس حرام هنروح من غيرهم ونسيبهم، هما ملهمش نفس يتفسحوا يعني زينا." ضحك عليها بحب وتمتم في حكمة ونبرة رخيمة: "ومين قالك أننا هننتفسح احنا هناخد يومين بس في أي مكان كده نريح فيه راسنا ونستجم وحدينا ياست البنات، وأنا مظبط رحلة بعدين نطلعها كلنا مع العيال وفيها فسح ولعب وكل حاجة."

سكنت وبدت وكأنها اقتنعت ووافقت. ثم لاح شبح ابتسامتها العبثية وهي تشير بيدها على بطنها وتقول ضاحكة: "طيب ودي هنعمل فيها إيه؟! قهقه عليها بخفة وقال مغلوبًا: "لا دي عاد مجبورين ناخدوها معانا هنعملوا فيها إيه، كلها شهر وتشرف مع اخواتها وبعد كده تقعد معاهم." انطلقت ضحكة فريال الأنثوية بقوة.

وخرج معاذ وعمار من غرفتهم على أثر صوت ضحك والديهم وانضموا لهم يجلسوا بجوارهم وهم يحدقون بهم بابتسامة عريضة ينتظرون من والديهم أن يكملوا حديثهم لكي يشاركوهم في الضحك. لكن جلال وفريال توقفوا عن الكلام فعبس وجه الأثنين وهتف عمار: "سكتوا ليه؟ تبادل جلال النظرات مع فريال بدهشة متصنعة وهو يقول مبتسمًا: "هو احنا كنا بنتكلم يافريال؟! زمت شفتيها بجهل تشاركه في مزحته. بينما معاذ فقال بتأكيد: "ايوة وكنتوا بتضحكوا كمان؟!

انفجرت فريال ضاحكة على اولادها وفضولهم الطفولي ولم تستطيع التفريط بهم فقالت لهم مبتسمة: "ابوكم كان بيقولي انه هيطلعنا رحلة قريب ونتفسح كلنا." وثبوا في مكانها وهم يصيحون فرحًا ويهتفون بلا توقف: "امتى امتى؟ "لسا مش دلوقتي قريب، اهدوا عاد بدل ما أغير رأي." ثبتوا مكانهم فورًا كالصنم خوفًا من أن يغير والدهم قراره حقًا كما أخبرهم للتو. لتضحك عليهم فريال وتهتف بحزم بسيط:

"يلا روحوا كملوا الواجب بتاعكم عشان معاكم مدرسة بكره." "انتي هتيجي تاخدينا من المدرسة زي المرة اللي فاتت ياما؟ اتسعت عيني فريال بدهشة وانعقد لسانها ولم تعرف بماذا تجيب على ابنها فقد وضعها بمأزق الآن. أما جلال فغضن حاجبيها باستغراب وسأل أولاده بلهجة جادة: "ميتا راحت تاخدكم من المدرسة أمكم؟ أجابوا على والدهم بكل تلقائية أنها ذهبت لهم بالمدرسة بصباح الأمس. فالتفت لها جلال متعجبًا وسألها بحدة:

"انتي مش قولتيلي طالعة تشتري كام حاجة من السوبر ماركت يافريال وأنا نزلتك بالعربية قصاد المكان؟ ازدادت ريقها باضطراب لكن حاولت الحفاظ على ثباتها التام أمامه وقالت مبتسمة لتلطف الأجواء وتذهب الشكوك أو الغضب عنه: "آه ما أنا نزلت واشتريت وبعدين قولت اروح اعدي على العيال طالما نزلت واجيبهم معايا من المدرسة." "وليه مقولتيش الكلام ده، ولما كلمتك قولتيلي العيال لسا مجوش وجايين بالاتوبيس بتاع المدرسة."

تملكها الارتعاش الشديد وشعرت بدقات قلبها تتسارع أكثر ومع ذلك حاولت الحفاظ على هدوئها وهي تجيبه: "ما أنا خوفت تبهدلني وتقولي إيه اللي وداكي وأنتي تعبانة ومحبتش أقولك." بان فمه بانزعاج ملحوظ وانحنى عليها يهمس لها بصرامة: "ماشي يافريال بس تاني مرة متكدبيش عليا في حاجة وتقوليلي عليها أي كان هي إيه، يعني متروحيش مكان من غير ما تبلغني وابقى عارف الأول." هزت رأسها له بالموافقة في تعبيرات وجه مرتبكة بشدة وهمست: "حاضر."

عاد لجلسته الطبيعية وقد بدأ الانزعاج الذي كان يستحوذ على ملامحه يتلاشي تدريجيًا وكأنه نسى الأمر. فأطلقت زفيرًا حارًا بارتياح أنه لم يشك بأمرها وأنها كانت تتعقبها لتعرف مكان عمه. *** عودة لمنزل مروان، بعد رحيل تلك السيدة التي جاءت على حين غرة دون استعداد لزيارتها المفاجأة. جلست خلود مقابلة مروان بالضبط هو يجلس على الأريكة وهي على المقعد أمامه.

وتتذكر حديثه مع السيدة وكيف كان يسرد لها عن علاقة حبهم المزيفة وأن قرار زواجهم كان سريع. للحظة ظنت أنه زوجها حقًا من شدة اتقانه للدور باحترافية واحتوائه للموقف بذكاء ليظهر أمام السيدة أنهم حقًا زوجين ببداية زواجهم. كانت تتفادى النظر لوجهه عمدًا من فرط الخجل وتشعر بدقات قلبها المتسارعة من شدة الارتباك. حتى سمعت صوته المميز وهو يهتف:

"أنا اتكلمت مع المحامي اللي قولتلك أنه صاحبي وقالي الموضوع ساهل ممكن ترفعي عليه قضية خلع وتكسبيها بسهولة كمان بما إنه كان يعني.. معاملته يعني مش كويسة معاك." فهمت أنه يلمح بكلماته للاعتداء الجسدي والعنف الذي تعرضت له على يد زوجها. فأطرقت رأسها بانكسار وألم لتهتف بعينان دامعة وصوت محتقن: "أنا مش عاوزة أي حاجة منه يامروان كفاية أنه يطلقني."

"مش عايزة ده إيه، بعد كل اللي عمله فيكي ومش عايزة ده انتي هتاخدي حقك تالت ومتل." رفعت رأسها له وطالعتته بعينها الدامعة في ابتسامة امتنان حقيقية. فبادلها هو الابتسامة ومد يده لها بمنديل ورقي يهتف بحنو: "ميستاهلش والله دموعك دي ابدًا، ان شاء الله هتطلقي منه وترجعي لاهلك وأنا معاكي للآخر." نقلت نظرها بين المنديل وبينه وللحظة عيناها لمعت بوميض جديد لكن سرعان ما انطفأ عندما تخيلت ردة فعله إذا عرف بقصتها الحقيقية.

هل سيستمر في مساندتها وسيبقى معها أم يتركها مثل أهلها. انهمرت دموعها بغزارة لمجرد التخيل فقط ومدت يدها تجذب المنديل منه وهي تبكي بشدة. مما جعله يغضن حاجبيه بحيرة وللحظة ظن أنه قال شيء أزعجها فهتف بسرعة بعدما استقام واقفًا وجلس على المقعد المقابل لها: "أنا قولت حاجة ضايقتك طيب يا خلود ولا إيه اهدى، أنا آسف والله مقصدش أضايقك بحاجة لو عشان فكرتك بأهلك." رفعت أناملها وجففت دموعها هامسة بصوت مبحوح وهي تهز كتفيها برقة:

"بالعكس انا مش عارفة اشكرك كيف على اللي بتعمله معايا بجد وأحيانا بحمد ربنا أنه بعتك ليا، شكرًا يامروان." ظهر شبح ابتسامته الجذابة على ثغره وهو بجيبها للصوت رجولي يذهب العقل: "شكرا على إيه بس أنا لسا معملتش حاجة، تشكريني صح بعد ما تكسبي القضية ان شاء الله وتطلقي منه." ارتفعت بسمتها مجددًا لثغرها لتجيبه بأمل: "ان شاء الله يارب." "طلعتي بنظرة اربكتها وقال مبتسمًا برقة: "خلاص هتوقفي عياط ولا لسا أنا عايز أمشي!

عادت تمسح دموعها ثانية بتأكيد له أنها لا تبكي وقالت ضاحكة: "لا انا زينة متقلقش.. امشي أنت عشان متتأخرش على شغلك." هز رأسه لها بالإيجار وهب واقفًا وهو يهتف بلطف: "لو احتجتي أي حاجة كلميني." أومأت له بالموافقة وتابعته بنظرها وهو يسير متجهًا نحو الباب وعلى ثغرها ابتسامة مختلفة وجديدة تمامًا حتى غادر المنزل كليًا وظلت هي على حالها. *** داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران بتمام الساعة العاشرة مساءًا.....

التفتت آسيا بنظرها تجاه الباب عندما سمعته ينفتح ودخل عمران. وحينما نظر إليها ابتسم بدفء فبادلته الابتسامة. وهبت واقفة من الفراش لتقترب منه وتساعده في نزع العباءة عنه وتبديل ملابسه بكل دلال وحنو. فيرمقها هو بنظرات عاشقة وينحنى عليها ليلثم وجنتها بقبلة حميمية متمتمًا: "ربنا ما يحرمني من دلعك ده واصل يا غزال." "ولا يحرمني منك يا معلم." رأته يتأملها بأعين تفيض عشقًا وغرامًا.

فضحكت برقة ثم وجدتة ينهال عليها بالقبل الغرامية. وبصعوبة فرت من بين يديه وهي تضحك وتهتف بدلال وسط ضحكها: "بزيادة عاد يا عمران عاوزة اتكلم معاك في موضوع مهم." غمز لها بعبث وخبث متمتمًا: "اهم من اللي احنا بنتكلم فيه ده؟! انفجرت ضاحكة وهزت رأسها له بالإيجاب. ثم اقترب منه ثانية وقالت باهتمام:

"أمك رجليها عاملة إيه، أصل هي مطلعتش من الأوضة من الصبح ومعرفش حاجة عنها وانت عارف علاقتنا كيف مع بعض يعني محبتش اروح الأوضة عندها." تلاشت ابتسامته تدريجيًا وهتف بجدية: "الحمدلله كويسة." "رجليها خفت يعني ومش هتوديها للدكتور؟ يهز رأسه بالنفي هاتفًا: "لا بتقول بقت زينة والألم خف مش محتاجة دكتور." رفعت آسيا حاجبها وقد اتضحت الرؤية الآن أمامها.

تلك الأفعى كانت تعرف أنها ستكشفها أمام ابنها ولهذا اخترعت كذبة السقوط من الدرج لتمتنعها من إخباره. ولكن أن نجحت في كسب بعض الوقت بالصباح لن تنجح الآن في تأخيرها أكثر من ذلك. هتفت آسيا بنظرة كلها غل وحقد: "طيب استنى بما أني الصلح ملحقتش اسمعك التسجيل جه وقته دلوقتي عاد." التقطت هاتفها وراحت تبحث في التسجيلات الصوتية عن آخر تسجيل الذي كان بينها وبين إخلاص. ولكن الصدمة أنها لم تجده.

زلت تبحث بكل مكان بالهاتف ولا يوجد أثر له وكأن أحدًا ما قام بحذفه. رفعت رأسها وتطلعت بوجه عمران مندهشة وصاحت بغضب: "التسجيل مش قاعد في حد مسحه يا عمران من تلفوني." "انتي تسجيل إيه ده اللي عاوزة تسمعهولي؟! هتفت آسيا باستياء شديد ووجه كلها تحول للون الأحمر القاتم بسبب احتقان الدماء به: "الدليل اللي هيثبتلك أني مكنتش بكذب عليك وأن أمك صح هي اللي زقتني." تشنجت عضلات وجهه وظهر السخط على محياه ليهتف منزعجًا منه:

"وبعدهالك عاد يا آسيا ما قلنا قفلي على الموضوع ده وانسيه، وأنا قولتلك ميت مرة أنا مش بكذبك بس بقولك يمكن أنتي تهيألك كده وافتكرتي أن أمي اللي زقتك وهي مزقتكيش.. وبعدين هتعمل إيه كده وليه؟! .. أنا فاهم أنها بتكرهك ومش بتحبك بس مستحيل تعمل فيكي كده وتحاول تأذيكي وهي عارفة أنك حامل في ولدي." ضحكت آسيا بتهكم وقالت في أعين تلمع بوميض شيطاني مخيف وصوت ينبض بالوعيد:

"وتعمل أكتر كمان بس أنت اللي مخدوع فيها وفاكرها ملاك، أنا مش هتناقش معاك عشان متأكدة أنك مش هتصدقني بس مسيرك تعرف الحقيقة وتندم إنك مصدقتنيش." أنهت عباراتها واستدارت لتتركه وتتجه نحو الحمام لكي تترك العنان لدموعها المقهورة في الانسياب على وجنتيها بغزارة... *** بمنزل خليل صفوان تحديدًا بالطابق الأخير ( السطح ) كانت تجلس غزل وتتحدث في الهاتف بكل عفوية وهي تضحك وتتبادل أطراف الحديث مع الطرف الآخر في الهاتف.

سمع "علي" صوت ضحكها فابتسم بساحرية وقادته قدماه لا إراديًا إليها يتبع صوت ضحكها كالمغيب. إلى أن وصل للسطح ووقف بالجانب متخفي حتى لا تراه وراقبها بنظراته المتيمة وهي تضحك. لكن فجأة اختفت بسمته وتحولت تعبيراته من الحب للغضب المرعب عندما سمع محتوى حديثها مع الطرف الآخر الذي كان رجل ويبدو أنه ذلك الشاب الذي قالت أنها على علاقة غرامية به.

حاول التحكم بانفعالاته والحفاظ على ثباته وأن لا يتصرف بتهور لكن كلماتها وهي تجيب عليه بكل رقة ونعومة أثارت جنونه واشعلت نيران الغيرة في صدره. فوجد نفسه دون أن يشعر يندفع نحوها ثائرًا كالثور ويصيح بصوت رجولي مرعب: "اقفلي التلفون ده." انتفضت غزل بهلع من ظهوره المفاجيء أمامها وهو بذلك الشكل المرعب وللحظة ظنته شبح يتجسد بصورته، فانكمشت على نفسها بخوف وهي تتطلعه بذهول. فانحنى هو عليها وجذب الهاتف من يدها عنوة لينهي

الاتصال وهو يصرخ بعصبية: "أنا مش بقول تقفلي الزفت ده." كانت نظراتها مازالت تظهر الذهول وعدم الاستيعاب لما يحدث. لكن حركته الهمجية عندما جذب الهاتف من يدها واغلق الاتصال في وجه صديقها أو حبيبها كما تدعوه جعلتها تثور ونقل واقفة لتصرخ به: "إيه الهمجية دي وبعدين أنت مالك بيا وبتوجهلي أوامر بصفتك إيه! مال بوجهه عليها في نظرات قذفت الرعب في قلبها وهمس: "بصفتي اللي هيربيكي من أول وجديد ان شاء الله." حاربت خوفها

منها وتابعت صياحها الغاضب: "احترم نفسك أنا متربية غصب عنك." "آه مهو واضح وانتي بتكلمي رجالة في التلفون في الليالي وتتسهوكي معاهم وتقوليلي ده my boyfriend، إهنه معندناش حريم بتتكلم مع رجالة غريبة وإلا بيتقطع راسها فاهمة." اتسعت عين غزل بصدمة وصرخت به بهستيريا: "بجد!! .. طيب ومستني إيه يلا اقتلني بما أنكم هنا بتقطعوا راس البنات اللي بتتكلم مع boys." جز على أسنانه مغتاظًا وهو يحاول التحكم بزمام نفسه وقال لها محذرًا:

"غزل متستفزنيش عشان متندميش يابت الناس بعد كده، أنا قولت اللي عندي وخُلص الكلام، اقسم بالله لو شفتك بتتكلمي مع العيل ده تاني لأكون أوريكي وشي الحقيقي." "أولًا أنا مش خايفة منك وثانيًا أنا مبتهددش واعلى ما في خيلك اركبه زي ما بتقولوا، وثالثًا وده الأهم مسموش عيل ده man." رفع حاجبه وهو يحدقها بنظرة مرعبة ومتهكمة ليتمتم بنبرة رجولية تثير الرهبة بلهجته الصعيدية:

"ولما أجببهولك من امريكا وتشوفيه قصاد عينك وهو كيف القطة بيتنفض نبقى نشوف وقتها هو man صح ولا woman." فغرت عيناها بدهشة من رده الغير متوقع لتجده يكمل وهو يلقى تحذيراته الأخيرة عليها قبل رحيله: "حذراي يا غزل اشوفك بتكلميه تاني، تقطعي علاقتك بيه واصل وإلا أنتي حرة.. أنا حذرتك وعداني العيب." ألقى عليها نظرة أخيرة اربكتها وارعبتها أكثر ثم هتف بلهجة آمرة بغضب:

"يلا انزلي على أوضتك تحت ومتطلعيش هنا تاني باللبس المخلع اللي لبساه ده، في عماير هنا حواليكي وممكن أي راجل يقف يشوفك." رغم أنها كانت ترتدي بنطال جينز وفوقه بلوزة بحمالات عريضة وتنحدر للأسفل بفتحة دائرية عند الصدر، لا تعرف كيف يصف ملابسها بأنها خليعة. انتفضت واقفة بفزع على أثر صرخته بها: "اتحركي انتي لساتك واقفة! تحركت قدماها لا إراديًا امتثالًا لأوامره وخوفًا وهي لا تفهم شيء مما يحدث.

لكن بعدما وصلت لبداية الدرج وقفت والتفتت برأسها له فوجدته يقف يراقبها بنظراته الحادة ويشير لها بأن تنزل وتذهب لغرفتها. فعادت برأسها للأمام وضحكت مندهشة في تهكم: "لا لا، لا يمكن البني آدم ده يكون طبيعي، he is crazy." نزلت الدرج مغتاظة وهي تبتسم وتهتف متوعدة له: "ماشي يا علي استنى عليا، مش أنت بيضايقك لبسي الخليع زي ما بتقول عليه اتفرج بقى على الخليع بجد من هنا ورايح." *** بمكان آخر داخل غرفة بلال...

كان ممسكًا بهاتفه ويراقب الرنين المستمر لزوجته عليه ولا يجيب عليها متعمدًا، ليثبت لها أنه يأخذ موقف ومنزعج منها ولا يريد التحدث معها. والحقيقة هو كان يستمتع بإتباع اسلوب التجاهل معها ليجعلها تتذوق من نفس الكاس. رغم أنها تفعل ذلك بكل برود وثبات انفعالي لكنه الآن يتعذب وهو يراها تستمر في الرنين دون توقف ولا يجيب عليها.

قلبه لا يطاوعه أن يتركها هكذا وهي تلح عليه دون ملل، ويصرخ عليه أن يجيب عليها ويتخلى عن ذلك الزعل المزيف. لكن نجح بمعجزة في البقاء ثابتًا على مبدأه، حتى توقف الرنين أخيرًا ووجد رسالة منها محتواها كالآتي: (ماشي يابلال متردش عليا براحتك وأنا مش عايزة اكلمك، لما يحصلي حاجة ويرنوا عليك من تلفوني ابقى متردش كمان عليهم.) استفزته بعبارتها وكان على وشك أن يتصل بها ليوبخها توبيخ قاسي على تلك السخافة التي تتفوه بها.

لكنه تراجع في آخر لحظة بعدما فكر بأنها تقول هكذا لتجعله يتصل بها وترفع هي راية النصر. غير رأيه وتوعد لها بأنه سيعطيها الدرس المناسب عندما ينتهي الخصام بينهم. أما هي فـ على الطرف الآخر كانت تبكي بغيظ وتتحدث مع شقيقتها هاتفة: "مردش عليا برضوا شايفة يانور، حتى بعد اللي قولته ده مفرقش معاه ومتصلش، لا هو شكله مش بيحبني بجد وأنا اتسعت في الجوازة دي."

"مش بيحبك إيه بس ياهبلة، ده شكله بيتقل عليكي وعايزكي تصالحيه بقى وتدلعيه كده شوية، مش بعيد يكون بيولع دلوقتي بسبب اللي قولتي، سبيه براحته." صاحت حور باستياء وغيظ: "يعني إيه اسيبه براحته يانور.. يعني إيه هو حتى مش عايز يرد عليا ولا يكلمني عشان يخليني اصالحه هصالحه إزاي بقى." غمزت لها اختها بلؤم وهمست بنظرة شيطانية: "طيب واللي يقولك فكرة يخليه يجيلك جري كده تديله إيه؟

"هديله على وشه لو متكلمش بسرعة.. اخلصي يانور اتكلمي بقى اعمل إيه وإيه الفكرة؟ *** بصباح اليوم التالي داخل غرفة الجلوس الكبيرة بمنزل ابراهيم الصاوي حيث يجلس عمران بمفرده ينهي أعماله. دخلت الغرفة إخلاص ثم تحركت نحوها و جلست بجوار ابنها ونظرت له بطرف عيناها. والتزمت الصمت لدقائق لكي تنظم كلماتها بالضبط ثم هتفت أخيرًا بنظرة متهكمة: "هي آسيا إيه اللي وداها لفريال وأنت ليه خليتها تروح وحديها يا عمران؟ التفت لها

ورمقها بتعجب ليقول بقوة: "فريال! هي قالتلي طالعة تشتري كام حاجة من الشارع اللي ورانا ولما لقيتها مضايقة ومصممة تطلع وافقت، إيه اللي هيوديها لفريال؟! هزت إخلاص كتفيها بجهل وقالت بعين تحمل نظرات شيطانية: "معرفش أنا سمعتها بتتكلم مع حد في التلفون وبتقوله أنها جاية ليه وزي ما اكون سمعت اسم فريال معرفش عاد كانت بتكلم فريال ولا حد تاني."

اتسعت عين عمران وتبدلت ملامحه بلحظة لتصبح أكثر غلظة وقسوة بعدما ألقت والدته بتلميحاتها المثيرة للجنون. فمجرد تلك الكلمات أثارت جنونه وأيضًا فكرة أن زوجته قد تكون كذبت عليه بالفعل بشأن مكان وسبب خروجها. ليهتف بصوت رجولي مخيف: "حد تاني كيف يعني؟! هزت إخلاص كتفيها بجهل وهي تهتف: "معرفش يا ولدي أنا إيه اللي يعرفني أنا بقولك اللي سمعته." "تبقى سمعتي غلط يا ماما." زمت شفتيها مغلوبة وقالت:

"يمكن يا ولدي، المهم تحب اعملك كوباية شاي عشان تعرف تكمل شغلك زين." هز رأسه بالموافقة دون أن يجيبها ومازالت تعابير وجهه غاضبة. فاستقامت هي واقفة وسارت باتجاه الباب لتغادر وتتركه وحده من وساوس الشيطان. وقفت خلف الباب تنتظر خطوته القادمة المتيقنة منها. وبالفعل بعد دقائق نظرت من طرف الباب وجدته يضع الهاتف على أذنه ويجري اتصال بها فابتسمت بخبث وتحركت باتجاه المطبخ لتعد له كأس الشاي.

أما عمران فقد استمر في الرنين دون توقف ولكن النتيجة كانت بلا إجابة في كل مرة، مما زاد من شكوكه واشتعال نيران غضبه أكثر وأصبح يتوعد لها عند عودتها. *** داخل منزل جلال..... أسرعت فريال فور انصراف جلال وذهابه للعمل وراحت تمسك هاتفه وقررت أن تنهي تلك السخافة ستبلغ عن عمه لتأخذه الشرطة وينال جزائه وترتاح هي من الخوف المستمر على زوجها. أجرت اتصال بالشرطة وفور إجابة الضباط عليها هتفت بكل ثبات وثقة:

"أنا عاوزة ابلغ عن مكان منصور صفوان المتهم في قتل ابراهيم الصاوي." مكان آخر داخل سيارة جلال أجاب على هاتفه وقال بغلظة: "ماشي يا عمي هخلص الشغل اللي ورايا وأجيلك نتكلم ونشوف المشكلة دي." "دلوقتي يا جلال بقولك مينفعش نتأخر تعالى علطول عشان نتكلم وأجل شغلك شوية." تأفف جلال بقلة حيلة وقال مستسلمًا: "حاضر يا عمي جاي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...