الفصل 14 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
5,363
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لم يدرك متى وكيف حدث ذلك المشهد المؤلم أمام عينيه وانتهى الأمر برؤيته لها وهي على الأرض بعدما صدمتها السيارة وفر صاحبها هاربًا.

رآها مسطحة على الأرض والدماء تسيل من رأسها كانت تمامًا كالجثة الهامدة، الصدمة استحوذته وشلت حركته وتفكيره للحظات، لكن مع صوت أبواق السيارات وحركة الناس والتفافهم حولها فاق من صدمته وراح يركض نحوها مذعورًا ومرتعبًا ليبعد الناس عنها بقوة ويجثو على الأرض أمامها ممسكًا برأسها فوق يديه غير مبالٍ بدمائها ويهتف بصوت مرتعد ومبحوح: "مريم ردي عليا.. مريم"

كان يسمع أصوات الناس من حولها بعضهم يدعو على ذلك السائق الخسيس الذي صدمها وهرب وبعضهم يصيح ليتصلوا بالإسعاف، لكنه لم يكن يبالي بأي شيء يسمعه حتى أنه ليس لديه الصبر وقوة التحمل التي تمكنه من الانتظار حتى وصول الإسعاف، حيث حملها على ذراعيه واتجه بها نحو سيارته وسط محاولات الناس لردعه موضحين له أنه من الخطأ حملها والذهاب بها للمستشفى دون انتظار الإسعاف، لكنه لم يكترث لهم ووضعها بكل حرص بالمقعد الخلفي للسيارة ثم التف إلى الأمام واستقل بمقعده المخصص للقيادة وانطلق به وهو تارة ينظر للطريق وتارة لها بعينان يملأها الرعب والهلع ويقود السيارة بأقصى سرعة ممكنة، كان يتسابق مع الزمن ليصل للمستشفى في أقل وقت ممكن.

دقائق قصيرة ورغم بعد المسافة إلا أنه قطعها في وقت قياسي ووصل المستشفى، دخل إلى قسم الطوارئ راكضًا يطلب المساعدة منهم وبظرف دقائق معدودة كانوا يحملوها على نقالة المرضى ويتجهون بها نحو غرفة العمليات.

جلس هو على أحد المقاعد بردهة المستشفى وانتبه لملابسه الغارقة بدمائها وتذكر ذلك المشهد البشع فراح يدفن رأسه بين راحتي يديه الملطخة بالدماء وهو على وشك البكاء حزنًا عليها، يلوم نفسه أنه السبب ويقول ربما لو لم أطلب منها مقابلتها لكانت الآن بخير. *** بمكان آخر تحديدًا بمنزل إبراهيم الصاوي...

دققت النظر بالحقيبة واكتشفت أنها ليست لها بل لمنى، وكانت هي تقف بجوارها ويبدو أنها استعدت وتجهزت للرحيل، فلاح شبح ابتسامة آسيا المتشفية على ثغرها لكنها أخفته بمهارة وتصرفت بجمود دون أن تظهر أي تعبير على وجهها، حتى سمعت صوت زوجها وهو ينظر لها ويقول بخشونة: "منى كانت عاوزة تودعك وتسلم عليكي يا آسيا قبل ما تمشي." نقلت آسيا نظرها بين زوجها ومنى وكذلك إخلاص وعفاف بملامح قاسية لكن سرعان ما تحولت لأخرى

بشوشة وكل ود وهي تجيب: "بس بس ده من عنينا! تحركت بخطواتها في بطء وثقة أثارت حنق إخلاص ومنى التي عندما وصلت إليها دون أي مقدمات جذبتها لحضنها تعانقها بغل، وحدها منى من شعرت بزيف ذلك العناق الثعباني من آسيا وهي تقول لها بكل حزن: "الجميع يعرف تصنعك له أمامهم. هتفضّي علينا البيت والله يا منى.. ابقي متقطعيش رجلك عنينا وطلي علينا كل شوية لاحسن أنا بتوحش طلتك عليا كده كل فترة والتانية."

فشل عمران في تمالك نفسه من الضحك على تمثيل زوجته الكوميدي من رأيه وراح يميل بوجهه للجهة الأخرى فورًا ليخفي ابتسامته عن أنظارهم، بينما آسيا فتابعت كلامها ولكن بهمس لم يسمعه سوى منى: "لتكوني فاكرة إني هكتفي بطرد جوزي ليكي يا سحلية، أنا حذرتك كتير وأنتي مصدقتنيش ودلوقتي هتشوفي بت خليل صفوان لم توعد كيف توفي." ابتعدت عنها بعدما أنهت عباراتها والتفتت لعمران ترمقه بنظرة محبة، ثم قالت لمنى بنظرة ماكرة: "مع السلامة يا منى."

اقتربت منها إخلاص وعانقتها مودعة إياها رغم أنها همست لها في أذنها بكلمات لم يسمعها أحد منهم، لكن آسيا هذه المرة لم تبالي فخطتها لم تنتهِ بعد وعندما تنفذ آخر خطوة سيصبح دخول منى لهذا البيت شبه مستحيل طالما عمران به. تحركت منى وهي تحمل حقيبتها لخارج المنزل بعدما ودعتهم، فابتسمت آسيا بنصر واستدارت تصعد لغرفتها مجددًا لكي تكمل خطتها كان سيلحق بها عمران لكن صوت رنين هاتفه أوقفه وعندما أجاب عليه بإيجاز:

"بعدين يا بشار بعدين هكلمك." سمع صوته غريبًا وتائهًا في الهاتف وهو يجيبه: "تعالى يا عمران أنا في المستشفى، مريم عملت حادث وفي العمليات دلوقتي." صاح عمران بصدمة: "إيه.. طيب مستشفى إيه قولي بسرعة وأنا جايلك." كامل عليه اسم المستشفى وبتلك اللحظات كانت إخلاص وعفاف التفوا حول عمران ظنًا منهم أن بشار قد صابه مكروه وراحت إخلاص تصيح بعمران في ذعر: "ماله بشار يا عمران.. ماله جراله إيه؟ رد عليهم عمران بهدوء

وإيجاز ليهدأ من روعهم: "كويس الحمد لله متقلقوش بس مريم عملت حادث." ضربة إخلاص على صدرها كانت متزامنة مع صيحتها المدهشة في رعب وحزن "يامري" وكذلك عفاف مثلها بينما هو فانطلق لخارج المنزل مسرعًا ليذهب إلى ابن عمه ويقف معه في محنته. بينما بالغرفة بالأعلى حيث توجد آسيا، أخرجت هاتفها وأجرت اتصال بـ "فتحة" عمة عمران ووالدة منى وانتظرت للحظات طويلة حتى وصلها الرد منها وهي تقول: "الو مين؟ أجابتها آسيا بنبرة عذبة:

"أنا آسيا مرت عمران يا حاجة فتحية.. عاملة إيه؟ غضنت فتحية عينيها بتعجب لكن ردت على آسيا بود مماثل: "بخير الحمد لله يا بنتي.. أنتي عاملة إيه وأخبار حملك وعمران كيفه؟ آسيا بنفس النبرة السابقة: "كلنا بخير الله يبارك فيكي يا حاجة.. معلش أنا بس اتصلت بيكي وكنت عاوزة أكلمك في حاجة كده تخص منى." ارتعدت فتحية وهتفت بسرعة في فزع: "مالها منى جرالها حاجة ولا إيه؟ آسيا بنفس ورزانة تامة:

"لأ اطمني هي كيف الحصان حتى زمانها على وصول دلوقتي عندك." فتحة باستغراب: "مقلتليش أنها جايه يعني!! آسيا في صوت ظهر عليه العبوس والحنق: "أصله حصل مرة واحدة كده وقررت تمشي، بصراحة يعني يا حاجة فتحية أنا لو مكنتش بعزك مكنتش هقولك الكلام ده وكنت ممكن أعمل أي حاجة تاني، بس كمان الموضوع زاد عن حده قوي وأنا مقدرش أتحمل الصراحة أكتر من كده وقولت لازم انتي تشوفي حل مع منى." بدأ القلق الحقيقي يتسرب لقلب فتحية وراحت

تهتف بلهجة صارمة لآسيا: "ما تقولي يا بنتي إيه اللي حصل وغوشتيني (قلقتيني) تنهدت آسيا بحزم وراحت تهتف بصوت أظهرته مغلوبًا ومقهورًا باحترافية:

"بصراحة كده منى بتيجي هنا بيت خالها عشان عمران، أنا عارفة من زمان وساكتة هي شايلة في قلبها مشاعر لجوزي وبتحاول تتقرب منه وتخطفه مني وأنا كذا مرة اتكلمت معاها بالحسنى وحذرتها وهي مش عاوزة تسمع مني، وآخر ما غلبت لجأت ليكي انتي، صدقيني أنا والله أبداً ما بتبلى عليها وبشوف اللي شيفاه قصادي حتى لو سألتيها عن علاقتها بعمران مش هتعرف ترد عليكي لأن حتى هو بقى فاهمها ومش بيتكلم معاها أصل واكتر من مرة حذرها أنها تبعد عني وعنه، أنا اتصلت بيكي وقولتلك انتي عشان تعقليها والمواضيع متكبرش وتتعرض للكل ويبقى فيها مشاكل كبيرة."

استشاطت فتحية غيظًا وصاحت بغضب هادر: "إيه اللي بتقوليه ده أنا بنتي متربية زين وعمرها ما تعمل كده، حد قالك عنها أنها خطافة رجالة ولا بايرة عشان تجري ورا ولد خالها المتجوز؟ حافظت آسيا على أسلوبها المهذب والبريء وهي تكمل لها موضحة:

"أنا مقصديش كده طبعاً أنا بقولك فهميها يمكن لسه صغيرة ومعرفتش الصح من الغلط، وحقك طبعاً متصدقنيش بس جربي كده واسأليها على الكلام اللي قولتهلك عليه ده وشوفيها هترد تقولك إيه وانتِ أمها وأكيد فاهمة بتك زين وهتعرفي إذا كانت بتكذب عليكي ولا لأ." لم تحصل على رد من فتحية وفقط كانت تسمع صوت أنفاسها العالية التي تثبت مدى غضبها وزمجرتها، فهتفت آسيا مكملة تنهي حديثها واتصالها كله: "أنا حبيت أعرفك وأقولك.. مع السلامة يا حاجة."

أنزلت الهاتف من فوق أذنها وأنهت الاتصال ثم راحت تحدق في الهاتف مطولاً حتى رسمت بسمتها الشيطانية والمتشفية على ثغرها. *** بمكان آخر داخل المقهى حيث يجلس بلال ينتظر عودة حور من الحمام، بعد دقائق طويلة نسبيًا رآها وهي تتجه نحوه وتعبيرات وجهها مريبة وكأن بركان انفجر داخلها وتفوح حكمه البركانية على صفحة وجهها وجعلته أحمر كالدم، ضيق عينيه باستغراب وانتظرها حتى وصلت له فوجدها تهتف بغضب دون أن تجلس على المقعد حتى:

"يلا بينا أنا عايزة أمشي." بلال بحيرة وجدية: "إيه اللي حصل، مالك؟ أجابته بنظرة متوعدة ونارية: "هتعرف مالي بس برا لما نطلع مش هنا قدام الناس."

ظل مكانه ساكنًا يستوعب من تقوله وما حدث بظرف دقائق، فهي ذهبت للحمام بحال وعادت بآخر، لم يلبث للحظة حتى وحدها تندفع لخارج المقهي ثائرة فاستقام واقفًا واتجه نحو ماكينة الدفع ليدفع الحساب ثم لحق بها للخارج، وكانت هي تنتظره بالسيارة، استقل بمقعده المخصص للقيادة بجوارها والتفت لها ينظر باهتمام ويسألها في صوت غليظ: "ممكن أفهم عاد اللي بيحصل؟ رمقته حور شزرًا وهتفت بنظرة مترقبة لرده: "مين البنت اللي سلمت علينا من شوية؟

غضن حاجبيه بتعجب من سؤالها عنه مرة أخرى وقال ببساطة: "أنا مش قوللتلك أنها واحدة كانت معرفة من شغل قديم كنت شغال فيه." صاحت به حور منفعلة: "بلال متكذبش عليا." اتسعت عينيه مندهشًا من صياحها به من اللا شيء ولا إراديًا خرج صوت حادًا ومنزعجًا: "جرالك إيه يا حور، وطي حسك وبعدين أنا هكذب عليكي ليه خايف منك مثلاً؟ لم تبالي بتحذيره لها لإخفاض نبرة صوتها فتابعت بعصبية وغيرة شديدة:

"أيوه كذبت عليا ومقولتليش أنك كنت مرتبط قبلي وخاطب." رفع حاجبه بصدمة وهتف بصوت رجولي غليظ: "نعم، مرتبط ده إيه؟! حور بثقة تامة ونظرة ملتهبة: "أيوه كنت مرتبط بالبنت دي." تحول صوته وأصبح مخيفًا وصاح بها منفعلًا: "مين اللي قالك الكلام ده؟! اعتدلت حور واستحت بوجهها بعيداً عنه لتحدق الطريق أمامها رافضة النظر لوجهه وهي تهتف: "هي قالتلي." ارتسمت ابتسامة متهكمة على ثغر بلال الذي تمتم بدهشة: "وأنتي صدقتيها؟! التفتت له

ورمقته بنارية لتكمل بغيظ: "ومصدقهاش ليه هو أنا قولتلي الحقيقة ولا فهمتني حتى." صاح بها فجأة بصوت رجولي مخيف نفضها بمقعدها: "وأنا قولتلك واحدة كانت كل علاقتي بيها شغل وبس وهي كانت بتحاول تقرب مني وأنا مش بديها سكة، وطبعاً لما شافتك معايا شغل كيد الحريم والغيرة ده أكيد قالت أغظها وأكذب عليها من غيرتها منك، وأنتي صدقتي واحدة غريبة ومش بتصدقيني."

تبدلت تعبيرات وجه حور وقد بدأ عليها وكأنها شعرت بالندم البسيط بعدما أدركت سذاجة فعلتها والشجار السخيف الذي صنعته بينهم من لا شيء، فالتزمت الصمت ضيقًا واطرقت رأسها أيضًا بينما بلال فتابع مغتاظًا بصوت رجولي أجش: "لكن أنتي عايزة بس تعملي مشكلة والسلام وتفسدي أي لحظة حلوة بينا بشكك وعدم ثقتك فيا." رفعت رأسها بسرعة وطالعته بصدمة وهتفت بانزعاج من عبارته الأخيرة:

"إيه اللي بتقوله ده أنا عمري ما شكيت فيك وبثق فيك، هو أنا لو مكنتش بثق فيك كنت هوافق أتجوزك يا بلال." بلال بعصبية شديدة: "لأ مبتثقيش لما تصدقي كلام الغريب إنها ومتصدقينيش يبقى معندكيش ذرة ثقة فيا، وأنا لو عملت كيف ما بتقولي معاكي هتقولي نفس الكلام." لوت فمها بإحراج وحنق ثم قالت له في وجه عابس: "أعمل إيه يا بلال مهو أنا كمان من غيرتي وعصبيتي إنك ممكن تكون حبيت عني حاجة زي كده مبقتش عارفة أنا بقول إيه."

طلق بلال زفيرًا حارًا بغضب حقيقي وقال بخشونة وهو يشغل محرك السيارة: "متعمليش حاجة أصل، احنا أحسن حاجة نعملها دلوقتي أوصلك البيت عشان منجرحش بعض أكتر." لوت فمها بأسى وضيق أنها تسببت في زعل وأشجار بينهم بسبب غيرتها وعدم ثقتها بزوجها كما قال للتو... ***

توقفت سيارة جلال أمام أحد المنازل المكونة من طابق واحد بمنطقة شعبية ومكتظة بالناس، وكان خلفه سيارة الأجرة التي خرجت منها فريال واختبأت بمكان بعيد عن أنظاره حتى لا يراها ووقفت تراقبه وتراقب ذلك المنزل الذي وقف أمامه ويطرق الباب، هي تعرف جيدًا منزل منه هذا ومن يسكن به لكنها تريد التأكد. وبالفعل عندما انفتح الباب رأت منصور يرحب بجلال ودخلوا وأغلقوا الباب، فتأففت في صوت عالي بخنق وقالت بعصبية:

"سبق وقولتلك يا جلال مش هسيبك تضيع روحك عشان عمك اللي ميستهلش ده، سامحني على اللي هعمله بعد كده." ثم استدارت ووقفت تنتظر مرور أي سيارة أجرة أخرى لتأخذها للمنزل مجددًا، وبعد دقائق قصيرة توقفت لها سيارة واستقلت بها وانطلقت عائدة لمنزلها قبل عودة أطفالها أو ملاحظة زوجها لخروجها من المنزل دون علمه ومراقبتها له. *** داخل المستشفى.....

ساعات طويلة مرت وطال انتظاره وهو يحترق من عذاب ضميره وحزنه وخوفه عليها، حتى أنه لم يبدأ ملابسه الملطخة بدمائها حتى الآن، ينظر ليده الملطخة بالدم كل لحظة والأخرى وهو يتذكر منظرها الأليم وعيناه تدمع، أما قدميه فكانت تهتز بعنف وقوة وهو جالس فوق المقعد الحديدي حتى سمع صوت عمران بجواره يهتف وهو يربت على قدمه: "إن شاء الله هتطلع زي الفل من العمليات وتقوم بالسلامة، اهدى عاد يا بشار." التفت برأسه لعمران وتطلعه بعينان

تائهة وهو يقول بوجع: "أنا شوفتها قصاد عيني مش قادر أنسى المنظر يا عمران وقلبي بيتقطع عليها، بس الـ*** اللي عملها وخبطها وجري هجيبه لو نزل سابع أرض."

تنهد عمران الصعداء بحزن على حال تلك المسكينة وحال ابن عمه وصديقه وقبل أن يجيبه، لمح الطبيب يخرج من غرفة العمليات فلكز بشار في كتفه لينتبه له فوقف الآخر بلهفة بسرعة وهرول نحو الطبيب الذي كانت تعبيرات وجهه عابسة، فظهر الارتعاب على وجه بشار مجددًا بعدما أصبح متأملًا في سماع الأخبار الجيدة عنها، وراح يسأل الطبيب بخوف: "خير يا دكتور طمني، هي كويسة صح؟ مط الطبيب شفتيه للأمام بأسف وقال في صوت حزين:

"احنا حاولنا نعمل كل اللي نقدر عليه أثناء العمليات بس الحادث كان صعب وخطير وللأسف... قذف قلب بشار من مكانه ذعرًا وهتف بوجه مرتعد: "للأسف إيه؟!! زم الطبيب شفتيه وقال بأسى: "هي دخلت في غيبوبة وهتفضل تحت العناية المشددة." ظهر الجمود المريب على وجه بشار نتيجة لصدمته وحزنه فراح عمران يسأل الطبيب مستفسرًا أكثر: "طيب والغيبوبة دي هتستمر لغاية امتى يا دكتور؟ أجابه الدكتور بيأس:

"للأسف مقدرش أحدد معاد معين الغيبوبة ممكن تستمر لسنين بس إن شاء الله هي حالته تستقر وتفوق في أقرب وقت، ادعولها انتوا بس." ابتعد الطبيب وتركهم وعندما التفت عمران بجواره وجد بشار جلس فوق المقعد ودفن رأسه بين راحتي كفيه، فاقترب منها وجلس بجواره وراح يربت فوق ظهره هاتفًا: "اجمد يا بشار امال متقلقش إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتفوق." خرج صوته مبحوحًا يحمل الندم والشجن:

"أنا طلبت منها نتقابل عشان أقولها أني عاوز أفسخ الخطوبة، أنا السبب يا عمران يمكن لو مكنتش طلبت منها مكنش ده هيجرالها." هتف عمران بأسف: "ده نصيب وقدر مكتوبلها يا بشار، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، ومريم بإذن الله هتفوق وترجع لناسها ولك بالسلامة، اجمد أنت بس كده عشان هي محتاجة جارها في المحنة دي."

رفع أنامله يجفف دموعه المتمردة وهو يزيح بوجهه للجهة الأخرى يخفي عبراته عن عمران ثم يستقيم واقفًا ويتجه للحمام ليغسل يديه من الدماء. *** داخل منزل خليل صفوان.....

توقف "علي" أمام غرفة غزل وبيده الإطار الجديد الذي اشتراه لها وبداخله صورتها كما وعدها، راح يتمعن النظر في الصورة والإطار للحظات ثم مد يده داخل جيبه وأخرج نفس الصورة لكن نسخة منها، لا يعرف كيف اتبع عقله ونفذ ما طلب ونسخ من صورتها نسخة له ليحتفظ بها، رغم شعوره بالخطر مع الوقت والأيام يزداد قربه منه وأن تصرفاته ليست طبيعية لكنه لا يتمكن من حجب نفسه عنها أو حتى التوقف عن التفكير بها.

ظل يتأمل في صورتها وهو يبتسم بملامح أشبه بعاشق ولهان، لكن لم يدم طويلاً عندما فتحت الباب فجأة ويبدو أنها كانت تنوي الخروج فانتفض هو فزعًا وبسرعة دس يده في جيبه يخفي نسخة صورتها، بينما هي اتسعت عيناها بدهشة وقالت: "علي.. هو أنا كل يوم كده هتصدم بيك قدام أوضتي! ابتسم لها وقال بعبث: "نعمل إيه عاد القلوب عند بعضيها." ضيقت عينيها باستغراب عندما لم تفهم عبارته وقالت: "what?! تجاهل سؤالها ورفع الإطار أمام وجهها هاتفًا

بنظرة تحمل معاني جمة: "وأدي يا غندورة البرواز اللي كسرتهولك امبارح، وكيف ما وعدتك أني هعمله النهارده وأهو عملته عشان تعرفي بس أن الرجالة بتبقى قد كلمتها." ظهر إشراق وجهها العفوي وجذبت من يده الإطار وقد كان شكله لطيف وجميل فابتسمت بفرحة وقالت له بنعومة: "حلو أوي، thank you يا علي بجد، بس ممكن متقوليش غندورة دي وأنا قوللتلك أكتر من مرة على فكرة." رفع حاجبه وقال مبتسمًا: "بس مقولتيش السبب؟! قلبت عينيها بقلة

حيلة منه وهتفت في رقة: "مش عاجبني، وحاساه very weird وكمان حاسة أنك بتقوله بأسلوب تريقة أو سخرية مني." طالت نظرته لها وهو يبتسم بطريقة أثارت حيرتها واربكتها ثم وجدته يجيب بكل ثبات: "بس أنا عاجبني." هزت رأسها بنفاذ صبر منه وقررت عدم النقاش معه أكثر وغيرت مجرى الحديث حيث قالت: "anyway, بجد أنت امبارح أدهشتني مكنتش متوقعة منك كده يعني فجأة اتغيرت وبقيت إنسان متحضر ولطيف ومش rude في كلامك." غمز لها ضاحكًا وتمتم:

"ليه مش كنت بربري وهمجي؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بكل عنجهية وتمسك برأيها عنه: "ومازلت بربري، بس أنا بقول امبارح بس يعني كان أسلوب لطيف وبشكرك عليه مش أكتر." هز رأسه بنظرة دقيقة أخجلتها وقال وهو يخفي ابتسامته: "امممم ماشي يا غندورة العفو." أطلقت زفيرًا وتأففًا مسموع على نعته لها بـ "غندورة" ثانية فضحك هو وبعدما تحرك خطوة مبتعدًا عنها توقف والتفت لها وقال غامزًا بنظرة ذات معنى:

"جربي تبحثي أو تسألي حد وتعرفي معنى غندورة إيه عندنا هنا." ظهرت علامات الاستفهام على ملامحها وظلت تراقبه بنظراتها وهو يبتعد عنها، ثم نظرت للإطار الجديد الذي أهداه لها وابتسمت خلت غرفتها مجددًا. بينما هو فاصطدم بأمه أثناء طريقه لغرفته واوقفته وهي تنظر له مبتسمة بخبث وتسأله: "كنت واقف بتتكلم مع غزل في إيه يا ولد؟ علي مندهشًا: "أنتي بتراقيني ولا إيه يا أمي؟ هتفت إنصاف بحدة مزيفة لتجعله يتكلم:

"متوهش في الكلام يا ولد، ورد على سؤالي كنتوا بتتودودوا في إيه؟! غضن حاجبيها وضيق عينيه بحيرة من أسلوب أمه وأسألتها بينما هي فبلحظة عادت للخبث والبسمة المستمتعة وهي تسأله للمرة الثالثة: "البت عجبتك ودخلت دماغك مش كده، قول يا ولد متتكسفش ده أنا أمك." زادت علامات الاستفهام والدهشة على ملامح "علي" لكن تلقائيًا انطلقت منه ضحكة على كلمات أمه التي تابعت بحماس غريب:

"أنا كنت عارفة ومتأكدة هو أنا هتوه عن ولدي يعني، فاكرني هبلة ومش واخدة بالي أنك لازق ليها طول الوقت وبتغير عليها ومش عاجبك لبسها، بس إن جيت للحق البت كيف القمر وأنا حبيتها قوي زوق يا ولد وبتعرف تنقي، إيه رأيك أجوزهالك يا "علي".. واهو يبقى زينتها في دقيقنا." اتسعت عينيه بصدمة من تطور الأمر لدى أمه وأنه وصل للزواج ورغبتها في زواجه من ابنة عمته، فهتف بجدية ولهجة قوية:

"إيه يا أمي اللي بتقوليه ده، مالك كده أنتي فيكي حاجة ولا إيه، جواز إيه ده وبعدين إيه زينتها في دقيقنا هو مسابقة سحب، وسعي يا أمي كده خليني أروح أوضتي الله يهديكي." أبعدها بيده في رفق من أمامه ليعبر فقالت له إنصاف بثقة وهي تراه يصعد الدرج: "مصيرك تجيني برجليك كده وتقولي جوزهالي يا أمي وهتشوف وتقول أمي قالت يا علي." ابتسم رغمًا عنه على كلماتها وردد بخفوت مغلوبًا وهو بطريقه لغرفته: "أجوزهالك وزينتنا في دقيقنا! ***

بتام الساعة العاشرة مساءًا داخل منزل إبراهيم الصاوي بعد عودة عمران من المستشفى، قاد خطواته لغرفته بالأعلى بعد حديث طويل دار بين العائلة كلها بالأسفل وكان هو يسرد لهم تفاصيل ما حدث ويطمئنهم على حالة مريم الصحية أنها مستقرة نسبيًا ولكنها مازالت داخل الغيبوبة. فتح باب غرفته ودخل فوجد آسيا انتفضت واقفة واتجهت نحوه مسرعة تسأله بحزن: "طمني يا عمران عاملة إيه خطيبة بشار، أنا زعلت قوي عليها لما عرفت." أخذ نفسًا عميقًا ونزع

حذائه عنها وهو يجيب عليها: "الحمد لله حتى الآن الأوضاع مستقرة بس الله أعلم هتفوق امتى عاد من الغيبوبة." عبست آسيا وقالت بإشفاق: "إن شاء الله تقوم بالسلامة قريب وتفوق، أكيد بشار حالته صعبة." هز عمران رأسه بالإيجاب ونحوه الفراش يجلس فوقه ليهتف بضيق: "فضل قاعد هناك مع أبوها مرضيش يرجع البيت، بيلوم نفسه طول الوقت أنه كان عاوز يفسخ الخطوبة وطلب منها نتقابل." صاحت آسيا بدهشة:

"إيه يفسخ ده إيه، دي البنت كويسة قوي وتتحط على الجرح يطيب، ولا هو عاد لسه بيفكر في رحاب الصفرا دي! أطلق عمران زفيرًا حارًا بحنق من ابن عمه وتمتم: "للأسف مع أني حذرته وقولتله هتندم لو هملت خطيبتك عشان رحاب، لسه مجنون بيها ومش عاوز يطلعها من راسه ولا ينساها ويدي فرصة لنفسه ولخطيبته." طالت نظرات آسيا الدقيقة لعمران ثم سألته باهتمام ونبرة حازمة: "عمران هو انت عارف إيه عن رحاب ومش قايل لحد؟ التفت له وقال بحدة

ليسكتها عن طرح الأسئلة: "هكون عارف إيه يعني يا آسيا، كل ما في الموضوع أنهم مينفعوش لبعض وبشار في غلاوة بلال عندي وأنا عاوزله الخيرة." هزت رأسها باستسلام على الرغم من أنها لم تصدقه لكنها آثرت عدم النقاش معه في هذا الأمر أكثر والتزمت الصمت حتى وجدته ينظر لها بابتسامة جانبية ويغمز مبتسمًا: "أظن كده معدش ليكي حجة عاد يا غزال، ونفذتلك كل طلباتك." ضحكت بغنج أنثوي واقتربت منه وراحت تلف ذراعيها حول رقبته هامسة:

"ربنا ما يحرمني منك أصل يا معلم." قهقه عليها بحب وهتف مازحًا: "أما منى دي كانت عاملة أزمة صح بينا، بيني وبينك يا غزال أنا مكنتش طايق وجودها واللي حصل ده كان حجة عشان نمشيها." استشاطت آسيا وهتفت بغل شديد ونظرات ملتهبة: "دي سحلية جايه هنا عشان تلف عليك وتاخدك مني فكرها هسيبها تقرب منك ده أنا هقرشها بسناني." ابتسم لها بغرام ومال عليها ليلثم جانب ثغرها بحنو ويهمس في صوت رجولي يسلب العقل:

"هي غزالة واحدة اللي في قلبي ومفيش غيرها يملى عيني." تلونت وجنتيها بحمرة الخجل ومالت بوجهها بعيدًا عنه وهي تضحك بحب وتهمس: "متكسفنيش يا عمران الله! هتف ضاحكًا وهو يغمز بوقاحة: "ده حتى غزل عفيف أمال لو قولت غزل صريح عاد هتعملي إيه؟! حاربت خجلها منها والتصقت به أكثر لتهمس بهيام ونبرات متيمة: "ولا حاجة هحبك أكتر بس يا معلم."

طال تأمله العاشق بها بعد عبارتها ولم يجيبها بشفتيه ولكن عينيه كانت تقول ألف كلمة وتصف ألف شعور، وبتلك اللحظة فضل الفعل على الكلام حيث انغمسوا معًا في لحظاتهم الغرامية... *** داخل منزل جلال بعدم عودته من الخارج استقبلته فريال بحفاوة وحب وهي تعانقه فيضمها إليه أكثر، وبعد لحظات تبتعد عنه وتسأله بحنو: "احضرلك العشا؟

هز رأسه له بالإيجاب مبتسمًا بحب، فقد كان مرهقًا لدرجة أنه لا يستطيع حتى التحدث، تركته فريال واتجهت للمطبخ لتقوم بتحضير وجبة العشاء لهم بعد خلود أولادهم للنوم، وبعد دقائق قصيرة نسبيًا انضم لها في المطبخ ومد يده إلى صحن الخيار يلتقط واحدة ويلقيها في فمه متمتمًا بتعب: "أنا ميت من الجوع يا فريال." ابتسمت له بعاطفة وتمتمت: "بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا خلاص كلها دقائق وأكون خلصت."

وجده يقترب منها وينحنى عليها ليقبلها من وجنتها بحرارة فتبتسم له بحب وتقرر أن تسأله أخيرًا: "جلال أنت مش ناوي عاد تنهي العداوة اللي بينك وبين عمران، اللي حصل حصل وانتوا الاتنين مكنش ليكم ذنب في اللي حصل بزيادة عداوة عاد." اختفت بسمة جلال وتحولت تعابيره للحدة وهو يهتف: "إيه اللي خلاكي تجيبي السيرة دي دلوقتي؟ ردت بكل بساطة ونعومة:

"أنت جوزي وهو أخويا وأنا نفسي أشوف العداوة اللي بينكم تخلص وترجعوا كيف الأول، وصدقني دلوقتي حتى آسيا نفسها كده برضو." جلال بصوت رجولي غليظ وغاضب: "فريال اللي أنتي بتقوليه ده مستحيل أنا وعمران مش هنرجع كيف الأول أبدًا، ومتفتحيش الموضوع ده تاني أبداً." التفتت له بجسدها كاملًا وصاحت بعينان دامعة وصوت مبحوح: "أنت حتى مش عاوز تسلم عمك للحكومة عشان ياخد جزاه." مسح جلال على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وصاح منفعلًا:

"تاني يا فريال تاني!! .. احنا مش هنخلص من الموضوع ده ولا إيه يعني." صرخت بعصبية ونظرات متوعدة: "تاني وتالت وعاشر كمان يا جلال، وأنا مش هسمحلك تضيع روحك عشان خاطره لو أنت مش فارق معاك عيالك ولا إحنا أنا فارق معايا ومش عاوزة عيالي يتربوا وابوهم في السجن." أجابها بحنق ونفاذ صبر: "أنا هطلع برا أحسن، عشان مهما اتكلمت معاكي وفهمتك ملوش فايدة، وأنا معنديش خلق للخناق دلوقتي."

استدار واندفع للخارج يتركها وحيدة وهي تبكي بصمت وتتوعد لمنصور... *** بصباح اليوم التالي داخل غرفة عمران وآسيا.. كانت آسيا بانتظار خروج عمران من الحمام وهي ممسكة بيدها هاتفها وجاهزة لتجعله يسمع تسجيل أمه ويكتشف حقيقتها. بعد دقائق طويلة نسبيًا خرج من الحمام وعندما وجدها تجلس على الفراش تنظر له بنظرات غامضة ومريبة سألها بحيرة: "مالك؟ استقامت واقفة وتقدمت نحوه وهي تهتف بحزم:

"لأنا سبق وقولتلك أن أمك اللي زقتني من على السلم صدقتها هي وكدبتني أنا ودي كانت أول مرة متقفش فيها في صفي يا عمران وتاخدلي حقي." تأفف بنفاذ صبر وقال بحدة: "تاني يا آسيا هنتكلم في الموضوع ده، احنا مش قفلناه وخلص." آسيا بنظرة تحدي وثقة: "أنت قفلته أنا لا، ودلوقتي أنا هسمعك الدليل اللي هيثبتلك أنك ظلمتني وجيت عليا باللي عملته معايا وقتها."

طالعها بنظرات مستفهمة ومتعجبة واخفض عينيه بيدها يرى هاتفها وهي تمسكه وترفعه لأعلى قليلاً مشيرة له أن الدليل هنا. *** بمكان آخر تحديدًا بمنزل مروان.......

أنهت خلود للتو مكالمتها معه بعدما اتصل بها ليطمئن عليها ويتأكد من عدم احتياجها لشيء وهي شكرته بامتنان شديد، وأخبرته بأنها بخير ولا تحتاج لشيء، وفور انتهائها من مكالمتهم اتجهت للمطبخ لتنهي أعمالها المنزلية المتبقية وإذا فجأة تسمع صوت رنين جرس الباب، فرفعت رأسها عن الذي كانت منشغلة بفعله واتسعت عينيها بدهشة ورعب، وبعقلها قذف سؤال واحد فقط "لا يمكن أن يكون مروان فلو كان هو كان قد أخبرني في الهاتف أنه قادم، إذ لم يكن هو فمن الطارق إذًا؟

" .................

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...